
The Emirate of Aleppo 1004-1094
يُشكّل كتاب "إمارة حلب 1004-1094" للمؤرخ سهيل زكار دراسةً أكاديميةً معمّقةً لتاريخ حلب خلال القرن الحادي عشر، وهي فترةٌ محوريةٌ شهدت تحوّلاً جذرياً في بنية السلطة من الحكم العربي القبلي إلى السيادة التركية السلجوقية. يدافع المؤلف عن أطروحةٍ رئيسيةٍ تُفسّر هذا التحوّل كنتيجةٍ لصراعٍ طويل الأمد بين قوتين متنافستين: القبائل العربية البدوية، ممثلةً في بني كلاب المرداسيين، والقبائل التركمانية الرحّل التي مهدّت لوصول السلاجقة. يرى المؤلف أن دخول أول فرقة تركمانية إلى حلب عام 1064م كان إيذاناً بأفول النفوذ العربي، وأن هذا الصراع بين نمطي الحياة والتنظيم السياسي هو المفتاح لفهم تاريخ الإمارة. بناءً على هذه الرؤية، يقسّم المؤلف تاريخ حلب في القرن الحادي عشر إلى مرحلتين رئيسيتين: مرحلة عربية (المرداسية) ومرحلة تركمانية (السلجوقية)، ويعرض الكتاب تفاصيل هذا التحوّل عبر فصوله المترابطة.
يسير الكتاب في حجته من خلال بنية زمنية واضحة تبدأ بفترة الانتقال من الحكم الحمداني إلى المرداسي، مروراً بتأسيس الدولة المرداسية وازدهارها، وصولاً إلى انهيارها تحت ضغط الهجرات التركمانية والفتح السلجوقي، مختتماً بلوحة تحليلية للحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية في تلك الحقبة. يبدأ الفصل التمهيدي باستعراضٍ نقدي شامل للمصادر التاريخية المتاحة، وهو أمر أساسي لبقية الكتاب. يعترف المؤلف بصعوبة الاعتماد المباشر على كثير من المصادر الأصلية التي فُقدت، ويقر بأن ما تبقى من معلومات يعتمد بشكل كبير على أعمال مؤرخين لاحقين اقتبسوا منها، وفي مقدمتهم ابن العديم (توفي 1261-62 م) وكتابه "بغية الطلب في تاريخ حلب". يُصنّف المصادر إلى أربعة أنواع: الحلبية المحلية (وأهمها مؤرخو حلب المفقودون كـابن المُهذّب وابن شردارا)، والسورية (كـابن القلانسي)، والإسلامية العامة (كـالمقريزي وابن الأثير)، والبيزنطية (كـميخائيل بسلوس). يظهر حرص المؤلف على التمييز بين قيمة المصادر، ممتدحاً دقة "زبدة الحلب" لابن العديم وأهمية "اتعاظ الحنفا" للمقريزي، ومقللاً من قيمة أعمال ابن الأثير الجزري وابن خلدون معتبراً إياها مجرد إعادة لروايات أقدم. الحجة القابلة للنقاش التي تبرز من هذا الفصل هي أن الدراسة تعتمد اعتماداً شبه كلي على مؤرخ واحد هو ابن العديم، مما قد يثير تساؤلات حول مدى تمثيلية الصورة التاريخية المستخلصة.
ينتقل الفصل الأول لوضع الإطار العام، فيشرح سياسات القوتين العظميين المحيطتين بحلب: الخلافة الفاطمية والإمبراطورية البيزنطية. بالنسبة للفاطميين، يصف حلب بأنها "باب إلى العراق" ويشرح دوافعهم النظرية والعملية للسيطرة عليها، لكنه يعدد العقبات التي واجهوها مثل بُعد القاهرة، وضعف الخلافة في القرن الحادي عشر، والمعارضة البيزنطية، وكره أهالي حلب للحكم الفاطمي، وقوة القبائل البدوية. أما البيزنطيون، فيوضح أنهم فضّلوا بقاء حلب تحت حكم مستقل كدولة عازلة وسوق دولية حرة، ويستشهد بحادثة الإمبراطور باسيل الثاني الذي كسر حصار الفاطميين لحلب عام 994م لكنه رفض ضمها. يبدأ السرد التاريخي بسقوط الدولة الحمدانية بعد وفاة آخر أمرائها عام 1002م، واستيلاء حاجبه لؤلؤ على الحكم ثم ابنه منصور الذي اتسم حكمه بالظلم. يصف الفصل تفاصيل صراع منصور مع قبيلة بني كلاب، ومحاولته التخلص من زعمائهم بمذبحة في قصره عام 1012م، وهروب صالح بن مرداس أحد الأسرى، ليؤسس بعد سلسلة من الأحداث الدولة المرداسية. يُنهي الفصل بدخول أول حاكم فاطمي إلى حلب عام 1017م وهو فاتك، الذي اغتيل لاحقاً، ثم استعاد صالح بن مرداس حلب من الحكام الفاطميين الضعفاء، ليفصّل ذلك في الفصل التالي.
يُشكّل الفصل الثاني مدخلاً تأسيسياً للدولة المرداسية، مرسماً خلفيتها القبلية لـبني كلاب، موضحاً انتماءهم إلى القبائل العربية الشمالية (العدنانية) وتاريخهم في الصراع مع القبائل الجنوبية، وهو انقسام ظل فاعلاً حتى القرن الحادي عشر. يشرح التنظيم القبلي لبني كلاب، ويقر بصعوبة الحصول على معلومات دقيقة، مشيراً إلى أن حالة "التفكك" القبلي كانت سمة مميزة أثرت سلباً في انهيار الدولة المرداسية. ينتقل بعد ذلك لسيرة صالح بن مرداس، مؤسس الدولة، وهو من أسرة إمارية، بدأ صعوده باحتلال الرحلة على الفرات عام 1008م، ثم تمكن من دخول حلب في 22 نوفمبر 1024م بعد حصار دام 56 يوماً. يشرح الفصل التحالف الثلاثي الذي عقده صالح مع قبيلتي طيء وكلب عام 1023م لتقسيم سوريا، ويذكر ضخامة القبيلة مستشهداً بمشاركة 2000 فارس من كلاب في جيش صالح عام 1014م، و70,000 فارس وراجل في تجمع لهم عام 1075م (مع تحفظ المؤلف على دقة الرقم). ينتهي الفصل بسقوط صالح في معركة الأُقحوانة في وادي الأردن يوم 12 مايو 1029م، بعد فرار حليفه حسان بن المفرج أمير طيء، وأُرسلت رؤوسهم إلى القاهرة، لكن أبناءه نصر وثمال حافظا على حلب وراثة الحكم، ويُطبَع الفصل بالصراع بين الأخوين على السلطة.
يركز الفصل الثالث على حقبة حاسمة، وهي حكم أنوشتكين الدزبري الفاطمي لحلب، ثم عودة المرداسيين بقيادة ثمال بن صالح. يبدأ بتقديم الدزبري كحاكم فاطمي من أصل تركي، تولّى حكم سوريا وأعاد حلب للحكم الفاطمي لأول وآخر مرة في 1038م. لكن تحوّل النجاح إلى أزمة، فشعر الوزير الفاطمي أبو القاسم الجرجرائي بالخطر ودبّر مؤامرة لإسقاطه، مما اضطره للفرار إلى حلب حيث توفي في يناير 1042م. بعد وفاته، عاد ثمال ليستلم حلب بعد حصار، لكنه واجه مشاكل مزدوجة مع تمرد قوات الدزبري ومطالبة الفاطميين بأكثر من 600,000 دينار من الأموال التي تركها الدزبري. يصف الفصل فشل الحملات الفاطمية المتكررة ضد ثمال، بما في ذلك حملة بقيادة الخصي رفق الذي تجاوز الثمانين من عمره، وانهيارها بسبب الفيضان المفاجئ لنهر قويق عام 1048م والفساد الداخلي. يبرز المؤلف هنا ضعف الدولة الفاطمية التي لم تعد قادرة على فرض سيطرتها بقوة السلاح. بعد فترة من الاستقرار، تورطت حلب في فتنة البساسيري عام 1057م، وفي ديسمبر 1058م غادر ثمال حلب طواعية تحت ضغوط متعددة. ويُشير المؤلف إلى أن مقتل البساسيري عام 1059م كان نقطة تحول مصيرية مثّلت بداية نهاية سيطرة القبائل العربية. يختتم الفصل بسلسلة من الصراعات الداخلية بين أفراد الأسرة المرداسية، ويتناول دخول قائد تركي يُدعى ابن خان كقوة عسكرية فاعلة في صراع حلب عام 1063م، وهو ما يعتبره المؤلف بداية لمرحلة جديدة من سيطرة القوى غير العربية.
يتناول الفصل الرابع هجرات القبائل التركمانية والفتح السلجوقي، وكيف أدت إلى انهيار حكم السلالة العربية المرداسية وحلول الحكم السلجوقي. يبدأ بحكم نصر بن محمود الذي تولى الإمارة بعد والده، واعتماده على دعم التركمان بقيادة أحمد شاه. تقع حادثة مقتل نصر بسهم من تركي في 9 مايو 1076م، ليصبح أخوه سابق أميراً دمية في يد التركمان. يصف الفصل العصيان القبلي الذي أعقب ذلك، وتجمع قبيلة كلاب بجيش ضخم لحصار حلب، لكن أحمد شاه هزمهم بغارة مباغتة في 7 يوليو 1076م واستولى على غنائم هائلة تشمل 400,000 رأس من الغنم و 100,000 من الإبل. يضطر زعماء كلاب للرحيل إلى خراسان حيث يطلبون مساعدة السلطان السلجوقي ملك شاه، الذي يُسند مهمة السيطرة على سوريا إلى أخيه تتش. يبرز الفصل صراعاً واضحاً بين فئتين: العرب والأتراك، ويُظهر كيف دفع الخراب الذي سببه التركمان سكان شمال سوريا للبحث عن قائد قوي، فوجدوه في مسلم بن قريش العقيلي الذي دخل حلب في يونيو 1080م منهياً حكم المرداسيين. يمتد طموح مسلم لتوحيد سوريا وبلاد ما بين النهرين تحت حكم عربي، لكنه يُهزم ويُقتل في معركة عند نهر قرزاهيل قرب عفرين في 21 يونيو 1085م، وهو ما اعتبره المؤلف نهاية فترة الصراع بين البدو العرب والتركمان. يختتم الفصل بفترة الحكم السلجوقي المباشر، حيث يصل ملك شاه إلى حلب في 3 ديسمبر 1086م ويعيّن أق سنقر حاكماً (الجد الأكبر لعماد الدين زنكي) ويترك معه حامية قوامها 4,000 فارس. يصف الفصل حكم أق سنقر القاسي والمستبد على النمط السلجوقي الفارسي، الذي وضع حداً للتسامح الثقافي الذي ساد في العصر العربي، وأدّى إلى تراجع قوة الأحداث، وانتهاء دورهم.
يُشكّل الفصل الخامس لوحة للحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية في حلب خلال القرن الحادي عشر. يقرّ المؤلف بصعوبة المهمة بسبب ندرة المعلومات المتخصصة، ويعتمد على شهادات رحّالة مثل ابن بطلان وناصر خسرو. يذكر ابن بطلان وجود سوق للحرير (قيسارية البزّ) تُباع فيها بضائع بقيمة 20,000 دينار يومياً، بينما يصف ناصر خسرو حلب كمدينة تجارية تفرض الرسوم على البضائع المارة. يستعرض الفصل التركيبة السكانية والدينية للمدينة، ويفرد مساحةً للأوضاع المسيحية، موضحاً كيف لعب المسيحيون أدواراً سياسية وإدارية بارزة في إمارة حلب، من خلال توليهم مناصب وزارية في عهود أمراء مرداسيين متعددين، مما يشير إلى درجة من التسامح الديني. يخصّص الفصل حيزاً للتوترات الدينية، مركزاً على حادثة وقعت في معرة النعمان عام 1026م، حيث أدت محاولة مسيحي اغتصاب امرأة مسلمة إلى هدم حانة عامة من قبل المصلين، وتدخل الشاعر أبو العلاء المعري (توفي 449 هـ/ 1047 م) لطلب العفو عن المساجين السبعين، وأُفرج عنهم بغرامة قدرها 1,000 دينار. يتناول الفصل أيضاً الانقسامات داخل الطائفة الإسلامية بين سنة وشيعة، موضحاً أن سكان حلب تحولوا إلى المذهب الشيعي الإمامي في القرن العاشر، بينما كان سكان معرة النعمان سنّة، وهو ما يفسر موقفهم المتشدد تجاه المسيحيين. وأخيراً، يناقش الفصل بالتفصيل دور الأحداث، وهي ميليشيا شعبية لعبت دوراً محورياً في حلب، واصفاً إياهم كنتاج للظروف السياسية والاجتماعية المضطربة، ويرفض المؤلف نظرية ربطهم بفصائل الإمبراطورية الرومانية المتأخرة. يختتم الفصل بوصف الجوانب العمرانية والثقافية، مثل سور حلب العظيم (ارتفاعه 25 ذراعاً)، وندرة المياه، وازدهار الشعراء في البلاط المرداسي مثل ابن سنان الخفاجي وابن حيوس وابن أبي حصينة، وبذخ القصور كـدار الذهب في القلعة.
يمكن القول إن الكتاب، رغم قيمته الكبيرة، يثير عدة نقاط قابلة للنقاش. أولاً، الاعتماد المفرط على ابن العديم كمصدر رئيسي يطرح تساؤلات حول موضوعية الصورة التاريخية، خاصة وأن باقي المصادر إما مفقودة أو تم دمجها ضمن أعماله. ثانياً، تفسير دوافع الأمراء المرداسيين، كالتوسع الاقتصادي لصالح بن مرداس لتأمين منفذ بحري، يظل افتراضياً لعدم وجود معلومات كافية لدعمه من المصادر. ثالثاً، دور الفرد في التاريخ يُطرح بقوة: هل كان بإمكان الدزبري بناء دولة مستقلة لولا المؤامرات؟ وهل كانت صدف الطبيعة (فيضان قويق) هي ما أنقذ المرداسيين؟ وأخيراً، يُقِرّ المؤلف حدود دراسته، فيعترف بعدم بقاء المباني الموصوفة في الشعر، وقلة المعلومات الاقتصادية المتخصصة، مما يجعل بعض التحليلات في الفصل الخامس استنتاجية وليست قطعية.
Personnes
Chapitres(6)
1.مقدمة: مسح المصادر7–17▼ résumé
يبدأ هذا الفصل التمهيدي من كتاب "إمارة حلب 1004-1094" للمؤلف سهيل زكار باستعراض شامل للمصادر التي يعتمد عليها الكتاب في دراسة تاريخ حلب في القرن الحادي عشر. يوضح المؤلف أن المعلومات عن هذه الفترة تنبع من أربعة مصادر رئيسية: المصادر الحلبية المحلية، والمصادر السورية، والمؤلفات التاريخية الإسلامية العامة، وأعمال المؤرخين البيزنطيين المعاصرين.
يقسم المؤلف المصادر الحلبية المحلية بدوره إلى أربع فئات: أعمال المؤرخين، وأعمال شعراء القرن الحادي عشر، والنقوش، والمسكوكات. ويؤكد على أن عمل المؤرخين هو المصدر الأساسي، مشيراً إلى أنه على الرغم من وجود عدد من المؤرخين الذين عاشوا في إمارة حلب خلال القرن الحادي عشر، إلا أن أعمالهم لم تنجو كاملة، وما وصل إلينا منها هو مجرد اقتباسات محفوظة في أعمال مؤرخين لاحقين.
يبرز المؤلف أهمية المؤرخ أبو غالب هُمام بن الفضل بن جعفر بن المُهذّب باعتباره أهم مؤرخ حَلَبي في القرن الحادي عشر. ورغم عدم وجود سيرة ذاتية له، إلا أن ابن العديم، الذي اقتبس جزءاً كبيراً من عمله في كتابه "بغية الطلب"، يذكره ضمن تلاميذ أبي العلاء المعري (توفي 449 هـ / 1057 م). تشير الاقتباسات من تاريخ ابن المُهذّب، التي ركزت على أحداث حلب ومعرة النعمان، إلى غنى هذا العمل. ويوضح المؤلف أن ابن العديم استقى من تاريخ ابن المُهذّب معلومات مفصلة حول فترة حكم أمراء مرداسيين مثل صالح بن مرداس وثمال بن صالح ومحمود بن نصر، وعلاقاتهم مع الخلافة الفاطمية ومع السلاجقة مثل ألب أرسلان.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى ذكر مؤرخ حَلَبي آخر هو الطبيب المسيحي أبو الخير المبارك بن شردارا، الذي عاش في حلب حتى عهد رضوان بن تتش (1095-1113 م) واضطر لمغادرتها خوفاً من إكراهه على اعتناق الإسلام. كتب ابن شردارا تاريخاً روى فيه أحداث عصره، خاصة تلك التي شهدها في حلب. ويشير المؤلف إلى أن هذا التاريخ فُقد بعد وقت قصير من وفاة مؤلفه، وأن القفطي (توفي 646 هـ / 1248 م) ذكر أنه فشل في العثور على نسخة منه، رغم ورود ذكر لنسخة مختصرة وصلت إليه من مصر.
بعد المؤرخين المعاصرين للأحداث، يستعرض المؤلف مؤرخي القرن الثاني عشر الذين خصصوا أعمالاً لتاريخ حلب، وهم ثلاثة: حمدان بن عبد الرحيم الأثاربي (توفي 1147 م)، وعلي بن عبد الله بن أبي جرادة (توفي 1151 م)، ومحمد بن علي العظيمي (توفي حوالي 1161 م). لم تنجُ تواريخهم كاملة أيضاً، وما بقي منها هو اقتباسات في أعمال ابن العديم بشكل رئيسي. كان حمدان بن الأثاربي طبيباً وشاعراً خدم المسلمين والصليبيين على حد سواء، وكتب كتابه "الموفى" عن تاريخ حلب مع اهتمام خاص بالأحداث بعد عام 490 هـ / 1096 م وعلاقتها بالحروب الصليبية. أما ابن أبي جرادة فكتب كتاباً عن "ملوك حلب"، واقتبس منه ابن العديم معلومات عن انهيار الدولة المرداسية والعلاقة بين السُّنة والشيعة الإمامية. في المقابل، كتب العظيمي عدة تواريخ، نجا منها نسخة وحيدة مختصرة (في مكتبة بايزيد بإسطنبول) تعتبر مصدراً قيماً لأحداث حلب في القرن الحادي عشر، وتغطي فترات حكم نصر بن صالح وثمال بن صالح وحتى حكم آق سنقر، أول حاكم سلجوقي لحلب.
يشير المؤلف إلى أن عدداً أكبر من مؤرخي القرن الثاني عشر استمر في اتباع الأسلوب التقليدي بكتابة الحوليات العامة، ومنهم يحيى بن علي التنوخي المعروف بابن زريق (وُلد عام 442 هـ / 1051 م). ركزت حوليات ابن زريق على تاريخ الاحتلال السلجوقي لسوريا والغزو الصليبي، واقتبس منها ابن العديم معلومات عن حملة ألب أرسلان على حلب وعن حياة خلف بن ملاعب. كما يذكر المؤلف الأمراء الثلاثة من بني منقذ: أسامة (توفي 1188 م) وإخوته علي ومنقذ أبناء مرشد، الذين كتبوا حوليات. أضاف منقذ حولياته كذيل لتاريخ ابن المُهذّب، بينما دون علي حوليات خاصة به، وكلاهما غطى أحداثاً مهمة مثل علاقة ثمال بالفاطميين وحملة ألب أرسلان وحكم آق سنقر.
يواصل المؤلف سرد بقية المؤرخين الذين اعتمد عليهم ابن العديم، ويذكر أسماء مثل أبو غالب عبد الواحد بن مسعود بن الحسين من معرة النعمان، وعبد القاهر بن علوي (صاحب كتاب "نشوة النادي وروضة الخاطر")، وأبو منصور هبة الله بن سعد الله بن الجبراني. على الرغم من قلة المعلومات عن حياتهم، إلا أن اقتباسات ابن العديم من حولياتهم تدل على أنهم دونوا أحداثاً من حقبة مهمة، مثل حملة ألب أرسلان ووفاة آق سنقر.
ثم ينتقل المؤلف إلى الحديث عن ذروة كتابة التاريخ في حلب خلال القرن الثالث عشر، والتي مثلها أربعة مؤرخين كبار هم: ابن أبي طيء (يحيى بن حميدة، توفي 630 هـ / 1231-33 م)، والقفطي (علي بن يوسف، توفي 646 هـ / 1248 م)، وابن العديم (عمر بن أحمد، توفي 660 هـ / 1261-62 م)، وابن شداد (محمد بن علي، توفي 684 هـ / 1285 م). يوضح المؤلف أن أعمال ابن أبي طيء عن تاريخ حلب يبدو أنها ركزت على الفترة التي تلت القرن الحادي عشر، بينما كتب القفطي كتاباً بعنوان "الاستئناس بأخبار المرداس" لم يبق منه سوى عنوانه. أما كتاب القفطي الآخر "إخبار العلماء بأخبار الحكماء" فقد نجا في مختصر الزوزني، وفيه اقتباس من رحلة الطبيب ابن بطلان إلى حلب ووصفه للمدينة.
يخصص المؤلف مساحة واسعة للحديث عن ابن العديم، معتبراً ثلاثة من كتبه الركيزة الأساسية لأي دراسة عن تاريخ القرن الحادي عشر، وهي: بغية الطلب في تاريخ حلب، وزبدة الحلب من تاريخ حلب، والإنصاف والتحري. يصف ابن العديم بأنه من أبرز عائلة حلبية، وُلد عام 588 هـ / 1192 م، وتلقى تعليماً جيداً، وتولى مناصب مهمة كالمدرسة والوزارة في حلب. مكنته ثروة المكتبات العامة والخاصة وأسفاره الكثيرة من جمع مادة ضخمة تجلت في كتابه "بغية الطلب". يوضح المؤلف أن الكتاب كان يتألف من أربعين مجلداً، نجا منها عشرة مجلدات فقط بخط يد ابن العديم، وهي محفوظة في مكتبات إسطنبول. ويشرح منهجية ابن العديم في الكتاب: البدء بوصف شمال سوريا من الناحية الجغرافية والفضائل، يليه سرد الأحداث على شكل حوليات سنوية، وأخيراً معجم تراجم لرجال المنطقة والزوار. يرد المؤلف الفكرة الخاطئة التي تقول إن ابن العديم مات قبل مراجعة كتابه، مؤكداً أن بقاء المجلدين الأول والأخير دليل على إتمامه، وأن الصفحات الفارغة كانت مخصصة للإضافات المستقبلية.
يشير المؤلف إلى أن "زبدة الحلب" هو اختصار سردي لـ"بغية الطلب"، ويغطي كامل الفترة موضوع الدراسة، بينما كتاب "الإنصاف والتحري" هو سيرة ذاتية لأبي العلاء المعري، ويقدم معلومات عن عهد صالح بن مرداس والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في معرة النعمان. ويذكر المؤلف بعد ذلك كتاب ابن شداد "الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة"، لكنه يقلل من قيمته بالنسبة لشمال سوريا لأنه يعتمد بشكل كبير على "بغية الطلب" في مادته الجغرافية. كما يمر المؤلف سريعاً على عدد من المؤرخين الآخرين مثل ابن أبي الدم وابن الأثير الحلبي وأبي الفداء، معتبراً أن المعلومات التي يقدمونها عن موضوع الدراسة ضئيلة وقليلة الأهمية لأنها تعتمد على ابن الأثير الجزري.
في القسم التالي، يتناول المؤلف المصادر السورية المسيحية، مبرزاً أهمية يحيى بن سعيد الأنطاكي (توفي حوالي 458 هـ / 1066 م). على الرغم من أن يحيى ولد في مصر وقضى الجزء الأول من حياته هناك، إلا أنه أمضى فترته الأخيرة في أنطاكيا. كتابه التاريخي، الذي يصل إلى أحداث عام 458 هـ، يقدم معلومات قيمة عن صعود الدولة المرداسية وحكم صالح بن مرداس وابنه نصر وعلاقاتهما مع الإمبراطورية البيزنطية والخلافة الفاطمية.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن الشعراء، إذ عاش في إمارة حلب أربعة شعراء مشهورين، حضر ثلاثة منهم بلاط المرداسيين: أبو العلاء المعري (توفي 449 هـ / 1047 م)، وابن سنان الخفاجي (توفي 466 هـ / 1073-74 م)، وابن أبي حصينة (توفي 457 هـ / 1065 م)، وابن حيوس (توفي 473 هـ / 1080 م). يوضح المؤلف أن أعمال هؤلاء الشعراء، التي نجى معظمها، تحتوي على معلومات قيمة، وإن كان يجب التعامل معها كشعر بلاطي يعبر عن رغبة البلاط ورأيه، باستثناء شعر أبي العلاء الذي كان غير متحيز سياسياً. يذكر المؤلف أنه بالرغم من استقلالية أبي العلاء، إلا أن معلوماته يجب التعامل معها بحذر لأن فلسفته جعلته يعبر عن رأيه الشخصي بدلاً من تقديم صورة كاملة محايدة. ومع ذلك، فإن قصائده تلمح إلى صعود المرداسيين، وأنشطة قبائل طيء وكلاب، والعلاقات بين المسلمين والمسيحيين في معرة النعمان. أما شعر ابن سنان فيقدم معلومات عن علاقات المرداسيين مع البيزنطيين والفاطميين، بينما يصور شعر ابن أبي حصينة أحداث حياة وحكم ثمال بن صالح. أما ابن حيوس فكان شاعراً محترفًا يمدح من يدفع أكثر، وتكمن أهمية قصائده المبكرة في مدحها للدزبري، الحاكم الفاطمي لسوريا ومعارض المرداسيين، وقصائده اللاحقة في تصوير التغيرات السياسية الناتجة عن تدفق التركمان.
بعد الشعراء، يذكر المؤلف بإيجاز وجود نقشين فقط يعتقد أنهما نجيا من تلك الفترة، ويؤكدان بعض المعلومات التي نقلها المؤرخون. كما يشير إلى وجود ثلاثة مسكوكات مرداسية معروفة توفر بعض المعلومات الإضافية.
في القسم التالي، يتناول المؤلف المصادر السورية الأخرى، خاصة الدمشقية، مثل ابن القلانسي (توفي 551 هـ / 1180 م)، وابن عساكر (توفي 571 هـ / 1175 م)، وأبي شامة (توفي 665 هـ / 1265 م). ويشيد بقيمة معلومات ابن القلانسي التي تغطي معظم أحداث حلب في القرن الحادي عشر.
ثم ينتقل المؤلف إلى المؤرخين المسلمين غير السوريين، ويقسمهم إلى فئتين رئيسيتين: مؤرخون مصريون، ومؤرخون عراقيون كتبوا حوليات إسلامية عامة. من بين المصريين المهمين يذكر المُسبّحي (توفي 429 هـ / 1029 م) الذي تقدم أجزاء من تاريخه تفاصيل دقيقة عن صعود المرداسيين ورد فعل الفاطميين، وابن ميسّر (توفي 676 هـ / 1278 م) الذي يقدم معلومات مفيدة عن حكمي ثمال ومحمود وعلاقتهما بالفاطميين، وعن هجرة التركمان والغزو السلجوقي. يبرز المؤلف أهمية المقريزي (توفي 845 هـ / 1441 م) وكتابه "اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء"، واصفاً إياه بأنه أحد المصادر الرئيسية للدراسة، وهو لا يقل قيمة عن "زبدة الحلب"، إذ يغطي بالتفصيل كامل فترة الدراسة مستنداً إلى أعمال المؤرخين المصريين الأوائل التي فُقد معظمها. يذكر المؤلف أيضاً المؤيد في الدين داعي الدعاة (توفي 1078 م) الذي يروي في سيرته الذاتية ما حدث في حلب في عهد ثمال أثناء ثورة البساسيري.
أما بالنسبة للفئة الثانية من المؤرخين غير السوريين، فيذكر المؤلف عدداً من الأسماء التي كتبت حوليات عامة، مثل محمد بن عبد الملك الهمذاني (توفي 1127 م) الذي استخدمه ابن العديم بكثافة، وابن أبي الهيجاء (الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني عشر). ويصف المؤلف كتاب سيرة الزمان لـ سبط ابن الجوزي (توفي 1256 م) بأنه بالغ الأهمية، وخاصة القسم الذي يغطي السنوات 448-480 هـ / 1056-1086 م، حيث ينقل سبط ابن الجوزي تقريباً كتاب "تاريخ غرس النعمة" بالكامل. كان غرس النعمة محمد بن هلال الصابئ (توفي 1088 م) شخصية بارزة في بغداد وشاهد عيان على أحداث النصف الثاني من القرن الحادي عشر، مما يجعل نقله أساسياً للمعلومات عن هجرة التركمان والغزو السلجوقي لشمال سوريا.
يختتم المؤلف استعراضه بالإشارة إلى عدد من المؤرخين الآخرين مثل ابن الأثير الجزري (توفي 1233 م) الذي يقدم رواية موجزة عن المرداسيين وروايات مفصلة عن هجرة التركمان واحتلال العقيليين والغزو السلجوقي، وابن العميد (توفي 1273 م) والذهبي (توفي 1347 م) وابن خلدون (توفي 1405 م)، مشيراً إلى أن معلوماتهم لا تختلف كثيراً عما رواه المؤرخون السابقون ولا تحمل جديداً يذكر.
في ختام الفصل، يذكر المؤلف المؤرخ البيزنطي ميخائيل بسلوس كأحد المؤرخين البيزنطيين من القرن الحادي عشر، رغم أن الفصل لا يفصل في معلوماته.
يعترف المؤلف ضمنياً بصعوبة الاعتماد المباشر على كثير من المصادر الأصلية التي فُقدت، ويقر بأن ما تبقى من معلومات يعتمد بشكل كبير على أعمال مؤرخين لاحقين اقتبسوا منها، وفي مقدمتهم ابن العديم. كما يظهر حرصه على التمييز بين قيمة المصادر المختلفة، ففي الوقت الذي يمتدح فيه دقة "زبدة الحلب" وأهمية "اتعاظ الحنفا" للمقريزي، يقلل من قيمة أعمال ابن الأثير الجزري وابن خلدون ويعتبرها مجرد إعادة لروايات أقدم. الحجة القابلة للنقاش التي يمكن استخلاصها من هذا الفصل التمهيدي هي أن الدراسة تعتمد اعتماداً شبه كلي على عمل مؤرخ واحد هو ابن العديم، مما قد يثير تساؤلات حول مدى تمثيلية الصورة التاريخية المستخلصة، خاصة وأن باقي المصادر إما مفقودة أو قليلة الأهمية أو تم دمجها ضمن أعمال ابن العديم نفسه.
1.الفصل الأول: فترة الانتقال18–32▼ résumé
يبدأ هذا الفصل بعرض الإطار العام لتاريخ إمارة حلب في القرن الحادي عشر، مشيراً إلى أن عام 1086م يمثل نقطة تحول رئيسية بسقوط المدينة تحت الحكم السلجوقي المباشر. يرى المؤلف أن صراعاً طويلاً بين القبائل العربية البدوية والتركمان الرحل مهد للفتح السلجوقي، وأن دخول أول فرقة تركمانية إلى حلب عام 1064م كان إيذاناً ببداية أفول نفوذ العرب. بناء على ذلك، يقسم المؤلف تاريخ حلب في هذا القرن إلى مرحلتين رئيسيتين: مرحلة عربية ومرحلة تركمانية.
قبل الخوض في التفاصيل، يقدم الفصل تحليلاً لسياسات القوتين العظميين المحيطتين بحلب: الخلافة الفاطمية والإمبراطورية البيزنطية. أما بالنسبة للفاطميين، فيميز بين دافع نظري يتمثل في مد نفوذ الخلافة وإسقاط الخلافة العباسية، حيث وصفت حلب بأنها "باب إلى العراق، من ملكه ملك ما وراءه"، ودافع عملي يتمثل في السياسة المصرية التقليدية الهادفة إلى تأمين الحدود بالسيطرة على سوريا واستخدامها كمنطقة عازلة. ومع ذلك، واجه الفاطميون عقبات حالت دون سيطرتهم الدائمة على الشمال، منها بُعد القاهرة، وضعف الخلافة في القرن الحادي عشر، والمعارضة البيزنطية، وكره أهالي حلب للحكم الفاطمي لأسباب مالية وإدارية، وقوة القبائل البدوية التي أنشأت سلالات حاكمة مستقلة كبني كلاب في الشمال وبني طيء في فلسطين. وقد أدى هذا إلى تعديل السياسة الفاطمية، حيث نصح الوزير يعقوب بن كلس الخليفة العزيز (975-996م) بالتسامح مع حكم الحمدانيين في حلب ما داموا يخطبون باسمه، والتعايش مع البيزنطيين ما داموا مسالمين.
أما بالنسبة للبيزنطيين، فيوضح الفصل أنهم لم يحاولوا ضم حلب رغم قدرتهم على احتلالها، مفضلين بقاءها تحت حكم مستقل لخدمة مصالحهم. كانت حلب بمثابة دولة عازلة بينهم وبين العالم الإسلامي، وسوق دولية حرة، وحاجز يمنع القبائل البدوية من شن الغارات على الأراضي البيزنطية. يستشهد المؤلف بحادثة أحمد بن الحسين الملقب بـ "الأصفر الغازي" الذي قام بحملة ضد البيزنطيين عام 1003م؛ فلجأ الإمبراطور باسيل الثاني إلى حاكم حلب لؤلؤ ليقوم بحبسه، وهو ما تم بالفعل. ويؤكد الفصل أن البيزنطيين قاوموا بشدة أي محاولة لضم حلب لأي دولة إسلامية، معتبرين أن فقدانها يعني فقدان أنطاكيا. ويضرب مثلاً بموقف الإمبراطور باسيل الثاني الذي كسر حصار الفاطميين لحلب عام 994م بسرعة قياسية، لكنه رفض ضمها رغم نصيحة أخيه، بدعوى أنه "صادق ومستقيم".
ينتقل الفصل بعد ذلك لوصف وضع حلب كدولة. يرى المؤلف أن قيام الدولة الطولونية (868-905م) عزز مكانتها كملتقى طرق تجارية، ثم جعلها سيف الدولة الحمداني مركزاً يسيطر على أجزاء من شمال سوريا والجزيرة الفراتية. لكن حدود هذه الدولة كانت تتقلص وتتسع بحسب قوة حاكمها. من اللافت أن الفصل يذكر أنه لم تحكم حلب سلالة محلية (حلبية)، بل كان هناك جهاز بيروقراطي محلي يتولى إدارة شؤون الدولة بقيادة وزير. كما لم تكن هناك سياسة حلبية ثابتة تجاه القوى الكبرى، بل ردود فعل متقلبة.
يبدأ السرد التاريخي التفصيلي بسقوط الدولة الحمدانية. بعد وفاة آخر أمرائها أبي الفضائل سعيد الدولة في 15 صفر 392هـ / 2 يناير 1002م، استولى حاجبه لؤلؤ على الحكم باسم ابني سعيد الدولة، ثم أرسلهما إلى مصر وأعلن نفسه حاكماً منفرداً. تميز حكم ابنه منصور بن لؤلؤ الذي خلفه بعد وفاته عام 1008م بالظلم والاستبداد، مما جعل أهالي حلب يكرهونه ويبحثون عن بديل. فكروا في إعادة أحد الأمراء الحمدانيين، واستقروا على أبي الهيجاء الذي كان لجأ إلى البيزنطيين. حظي هذا المسعى بدعم قبيلة بني كلاب القوية في الدولة، وبمساعدة من حاكم آمد ممهّد الدولة المرواني الذي توسط لدى الإمبراطور باسيل الثاني للإفراج عن أبي الهيجاء.
عام 1009م، تحرك أبو الهيجاء نحو حلب بدعم من بني كلاب. في المقابل، لجأ منصور بن لؤلؤ إلى ذكاء سياسي، فعرض على زعماء بني كلاب إشراكهم في حكم أطراف حلب، وفي الوقت نفسه طلب المساعدة من الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. وعند وصول الجيش الفاطمي بقيادة قاضي طرابلس، تخلى بنو كلاب عن أبي الهيجاء وخانوه، فهرب إلى البيزنطيين الذين رفض الإمبراطور عودتهم، فطلب منصور إبقاءه محتجزاً في القسطنطينية. تمكن منصور بعدها من حل مشاكله مع الفاطميين، بل وأول من اعترف بالخلافة الفاطمية بدلاً من العباسية.
لكن مشكلة منصور الأكبر كانت مع بني كلاب الذين طالبوه بوفائه بوعوده. استخدم منصور المماطلة، فقامت القبيلة بتدمير ضواحي حلب. لجأ منصور إلى خدعة: دعا زعماء بني كلاب لحضور وليمة في قصره في 2 ذي القعدة 402هـ / 27 مايو 1012م. وعند دخولهم، أغلق الأبواب عليهم وقتل عدداً كبيراً منهم وأسر الباقين. هذا الفعل، رغم وحشيته، لم يحل المشكلة، بل زادها سوءاً. تمكن أحد الأسرى، وهو صالح بن مرداس، من الهروب بمساعدة ما بعد هروبه بأيام قليلة، قاد بني كلاب لملاقاة منصور في معركة حاسمة وقعت في 12 صفر 405هـ / 13 أغسطس 1014م، انتهت بهزيمة منصور وأسره هو الآخر.
تم التفاوض على اتفاقية بين الطرفين بوساطة أعيان حلب. نصت على إطلاق منصور للأسرى مقابل إطلاق سراحه، ودفع غرامة ضخمة قدرها 50 ألف دينار ذهبي، وتزويج صالح بن مرداس من ابنة منصور، والأهم من ذلك، أن يصبح صالح شريكاً لمنصور يحكم نصف دولة حلب ويكون الأمير الأعلى على قبيلة كلاب. لكن منصور نكث بوعوده، فقام صالح بفرض حصار على حلب ومنع المؤن عنها. لجأ منصور للإمبراطور البيزنطي باسيل الثاني مدعياً أن صالحاً يمثل "ثورة بدوية"، فأرسل له الإمبراطور ألف جندي أرمني. لكن صالحا نجح في إقناع الإمبراطور بعدالة قضيته، وأمر الإمبراطور بسحب قواته تاركاً منصور لمصيره.
الضربة القاضية لحكم منصور جاءت من داخل قصره. قام غلامه فتح القلعي، حاكم قلعة حلب، بتمرد ضده وفتح أبواب القلعة وأعلن الولاء لصالح بن مرداس والخليفة الفاطمي الحاكم. حدث ذلك ليلة 24 رجب 406هـ / 7 يناير 1016م. هرب منصور مع أسرته إلى أنطاكيا، وتم نهب قصره. يصف الفصل هذه الحادثة بأنها تمثل النهاية الفعلية للدولة الحمدانية، مشيراً إلى خسارة فادحة تمثلت في حرق 28 ألف مجلد من مخطوطات المكتبة في القصر. بعد هروب منصور، بويع صالح بن مرداس وفتح القلعي على حكم حلب.
ولم يكن الفاطميون ليسمحوا بذلك. أرسل الخليفة الحاكم قواته إلى حلب، مما أرغم صالحاً على الانسحاب. في 2 رمضان 407هـ / 3 فبراير 1017م، دخل أول حاكم فاطمي إلى حلب وهو فاتك الملقب بـ عزيز الدولة. كان فاتك طموحاً وقادراً؛ فقد حافظ على علاقات جيدة مع صالح بن مرداس ونجح في إرضاء الإمبراطور باسيل الثاني. لكنه أثار حفيظة الخليفة الحاكم بإعلانه استقلاله وضرب النقود باسمه منفرداً. تمكن فاتك من تفادي حملة عقابية من الحاكم بفضل اختفاء الحاكم الغامض، واستمر في تعزيز حكمه. لكنه اغتيل في فراشه على يد غلامه توزان بتحريض من بدر، قائد غلمانه، وبتواطؤ مع عمّة الخليفة الفاطمي الجديد، السيدة الأم. بعد فترة وجيزة من توليه الحكم، تم إبعاد بدر من قبل الفاطميين. سارع الفاطميون إلى تعيين حاكمين جديدين لمدينة حلب وقلعتها، وتلتهما تعيينات أخرى سريعة، لكن حكمهم جميعاً كان ضعيفاً وقصير الأمد. يختتم الفصل بالقول إن صالح بن مرداس، الذي ظل نشيطاً خلال هذه الفترة، تمكن أخيراً من انتزاع حلب من هؤلاء الحكام الفاطميين وتأسيس الدولة المرداسية، على أن يتم تفصيل هذا الأمر في الفصل التالي.
2.الفصل الثاني: الدولة المرداسية الأول33–63▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل مدخلاً تأسيسياً لدراسة الدولة المرداسية في حلب، مركزاً على الخلفية القبلية التي نشأت منها، وهي قبيلة كلاب، ثم ينتقل إلى سيرة مؤسس الدولة صالح بن مرداس وأحداث حكمه، ويختتم بفترة حكم ابنه نصر بن صالح التي تمثل مرحلة التأسيس والصراع على السلطة داخل الأسرة الحاكمة. يهدف الفصل إلى تفسير كيف استطاعت قبيلة بدوية أن تؤسس إمارة في مدينة كبرى مثل حلب، وما هي العوامل القبلية والظروف السياسية التي ساعدت على ذلك.
يبدأ الفصل برسم الخلفية القبلية لـ بني كلاب، مشيراً إلى أنهم جزء من القبائل العربية التي هاجرت إلى سوريا بعد الفتح الإسلامي في القرن السابع، واستقروا في المنطقة الواقعة غرب الضفة العليا لنهر الفرات. يبرز المؤلف دورهم البارز في الحياة السياسية في شمال سوريا، مستشهداً بمشاركتهم في الصراع على الخلافة بعد وفاة يزيد (بين 680 و683 م)، حيث قاتل زفر بن الحارث الكلابي إلى جانب القبائل الشمالية (العدنانية) ضد القبائل الجنوبية (القحطانية) في معركة مرج راهط عام 64 هـ / 683 م، والتي أسفرت عن تقسيم سوريا إلى منطقتين قبليتين متمايزتين؛ الشمال للعدنانيين والجنوب للقحطانيين. ويوضح المؤلف أن هذا الانقسام ظل فاعلاً حتى القرن الحادي عشر، حيث كانت قبيلة كلب (الجنوبية) تُستخدم من قبل الفاطميين في حملاتهم ضد حلب، وكانت قبيلة كلاب (الشمالية) تنظر إلى هذه الحملات على أنها تعدٍ على أراضيها، وليس مجرد صراع سياسي.
يخصص الفصل مساحة لمناقشة الموجة الجديدة من الهجرات الكلابية في القرن العاشر الميلادي، والتي كانت أكثر ارتباطاً بموضوع الدراسة لأنها مهدت الطريق لقيام الدولة المرداسية. يذكر أن هذه الموجة جاءت مع حركة القرامطة وتكونت من قبائل متعددة مثل خَفاجة وعَقيل ونُمير وقُشير وكلاب. يصف المؤلف الفوضى وعدم الاستقرار الذي خلفته هذه الهجرات، والتي خلقت بدورها "المناخ المناسب" لظهور مغامرين سياسيين. ينتقل الفصل ليصف التنظيم القبلي لبني كلاب، معتمداً على المصادر المتاحة، خاصةً كتاب بغية الطلب في تاريخ حلب لـ ابن العديم، والذي نقل بدوره عن كتاب ديوان العرب وجوهرة الأدب لـ محمد بن أحمد بن عبد الله الأسدي. يستخلص المؤلف من هذه المصادر أن كلاباً في القرن العاشر كانت تتكون من أربعة أقسام رئيسية هي: معاوية وعبد الله وعمرو وأبو بكر، وكانت ذرية أبو بكر هي الأكبر بينها. يُقر المؤلف بصعوبة الحصول على معلومات دقيقة حول تنظيم القبيلة الداخلي، لكنه يشير إلى أن حالة "التفكك" القبلي كانت سمة مميزة لبني كلاب، وقد أثرت سلباً لاحقاً على الدولة المرداسية وأدت إلى انهيارها النهائي. ويضرب مثلاً على ذلك بأن نجاح سيف الدولة الحمداني في تأسيس دولته بحلب كان بفضل هذا التفكك، بينما يذكر أن المؤرخ اللاحق العمري أكد أن بني كلاب لو اتحدوا تحت قائد واحد لما استطاعت أي قبيلة أخرى مواجهتهم.
ينتقل الفصل بعد ذلك لوصف الحياة والخصائص الاجتماعية لقبيلة كلاب. يرسم صورة للبدوي الكلابي تشبه صور العرب في الجاهلية، مع حب دائم للغزو والغنيمة، حيث كانت المعارك تبدأ بمبارزة فردية، وغالباً ما كانت تنتهي بموت فارس مشهور. يصف حياة الترحال والكرم، ويشير إلى مكانة المرأة الرفيعة، مستشهداً بأمثلة بارزة مثل والدة صالح بن مرداس، والست (السيدة)، زوجة ثمال بن صالح، والتي كان لها دور سياسي ومفاوضات مهمة مع الخليفة الفاطمي والسلطان السلجوقي ألب أرسلان عام 463 هـ / 1071 م. من ناحية العدد، لا يقدم الفصل إحصاءات دقيقة، لكنه يستشهد بأحداث مثل مشاركة 2000 فارس من كلاب في جيش صالح بن مرداس عام 405 هـ / 1014 م، و70,000 فارس وراجل في تجمع لهم عام 468 هـ / 1075 م حسب رواية ابن العديم، مع أن المؤلف يتحفظ على دقة هذا الرقم لكنه يعكس ضخامة القبيلة. دينياً، تشير الدلائل إلى أن بني كلاب كانوا على المذهب الشيعي الإمامي الذي كان سائداً في حلب آنذاك، وإن كان تأثرهم به محدوداً، حيث كانت أسماؤهم في الغالب عربية صرفة وليست إسلامية.
في القسم التالي، يبدأ الفصل في سرد سيرة صالح بن مرداس، مؤسس الدولة. يذكر أنه من أسرة إمارية من فرع عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، وأن أسرته كانت تقطن وتسيطر على منطقة قنسرين. يوضح المؤلف أن بداية صالح السياسية الحقيقية كانت من الرحلة على الفرات (الميادين حالياً)، حيث استطاع احتلالها عام 399 هـ / 1008 م بعد أن تخلص من حليفه الأول ابن محكان بمكيدة، معترفاً بسيادة الخليفة الفاطمي. كان احتلال الرحلة خطوته الأولى نحو الطموح، حيث كانت المنطقة تمثل مفتاحاً استراتيجياً لسوريا وأحياناً للعراق. تمكن صالح من تعزيز مكانته بين عشيرته، وبعد صراع مع حكام حلب، استطاع في 17 رمضان 415 هـ / 22 نوفمبر 1024 م دخول حلب (بعد حصار دام 56 يوماً) بعد أن فتح له سالم بن مستفاد، زعيم أحداث المدينة (الميليشيا)، أبوابها. تمكن من السيطرة على المدينة وحاصر قلعتها التي سقطت في الأول من جمادى الأولى 416 هـ / 30 يونيو 1025 م.
يشرح الفصل التحالف الثلاثي الذي عقده صالح مع قبيلتي طيء وكلب في عام 414 هـ / 1023 م لتقسيم سوريا بينهم (فلسطين لطيء، دمشق لكلب، وحلب لكنابه)، وهي المرة الأولى التي يتحد فيها العرب من أصول قبلية مختلفة (عدنانية ويَمنية) منذ القرن السابع. استغل صالح وفاة الخليفة الفاطمي الحاكم والاضطرابات التي تلت ذلك. يذكر المؤلف أن صالحاً كان شخصية بارزة عسكرياً بين الحلفاء، ولكنه لم ينكر سيادة الخليفة الفاطمي عليه، بل أرسل كاتبه سليمان بن تق إلى القاهرة، فقبل الخليفة الظاهر حكمه وأرسل له الخلع والهدايا. وقد سك صالح عملته الذهبية الخاصة التي تحمل اسم الخليفة الفاطمي إلى جانب اسمه. توسعت الدولة المرداسية لتشمل مدناً ساحلية كـ صيدا وبعلبك وحمص، ويشير المؤلف إلى أن الدافع ربما كان اقتصادياً لتأمين منفذ بحري لحلب، خاصة أن منفذ أنطاكية كان بيد البيزنطيين، لكنه يقر بعدم وجود معلومات تؤكد وجود خطة اقتصادية مدروسة خلف هذه التوسعات.
ينتهي الفصل بذكر سقوط صالح في معركة الأُقحوانة في وادي الأردن يوم 12 مايو (أو 25 مايو) 1029 م، والتي انهزم فيها تحالفه بسبب فرار حسان بن المفرج أمير طيء، تاركاً صالحاً ليواجه الجيش الفاطمي المدعوم بقبيلة كلب المنشقة عن التحالف. قُتل صالح وابنه الأصغر، وأُرسلت رؤوسهم إلى القاهرة. بهذا الانتصار استعاد الفاطميون نفوذهم على جنوب سوريا وفلسطين، لكن أبناء صالح، نصر وثمال، تمكنا من الحفاظ على حلب وراثة الحكم من بعده. يختم الفصل بالصراع الذي نشب بين الأخوين نصر وثمال على السلطة، حيث تمكن نصر، الابن الأكبر، من الاستيلاء على قلعة حلب عام 421 هـ / 1030 م أثناء غياب ثمال، مستغلاً خلافاً عائلياً. وهكذا، يضع الفصل الأساس لدراسة حكم نصر بن صالح كمرحلة تالية في تاريخ الدولة المرداسية، مع الإشارة إلى دور رئيسي لـ أمير العرب كلقب مرموق ارتبط بهم، وعامل التفكك القبلي الذي ظل يمثل نقطة ضعفهم الرئيسية.
من النقاط التي تثير الجدل بناءً على النص نفسه هي تفسير المؤلف لدوافع صالح بن مرداس الاقتصادية، حيث يقر بأن المصادر لا تقدم معلومات كافية لدعم فرضية وجود خطة اقتصادية، مما يترك هذا التفسير في إطار الافتراض فقط.
3.الفصل الثالث: الدولة المرداسية الثاني64–91▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على حقبة حاسمة في تاريخ إمارة حلب المرداسية، وهي فترة حكم أنوشتكين الدزبري الفاطمي، ثم عودة المرداسيين بقيادة ثمال بن صالح وأخيه عطية وابن أخيه محمود بن نصر. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الفترة شهدت أقصى اتساع للنفوذ الفاطمي في سوريا تحت حاكم واحد، ثم تلتها مرحلة من الصراع الداخلي العنيف بين أفراد الأسرة المرداسية، في ظل تدخل القوى الخارجية (الفاطميين والبيزنطيين والسلاجقة)، مما أضعف الإمارة ومهّد الطريق أمام حكم غير عربي لسوريا.
يبدأ الفصل بتقديم شخصية الدزبري، وهو حاكم فاطمي من أصل تركي، وُلد في ختل (وراء نهر جيحون)، وأُسر صغيراً، وباعه سيده عام 400هـ/1009م لقائد فاطمي يُدعى دزبر، فصار يُعرف بالدزبري. أثبت الدزبري كفاءته في إدارة ممتلكات سيده، ثم نُقل إلى القاهرة عام 403هـ/1012م، حيث تدرّب لمدة عامين في بلاط الخليفة الحاكم بأمر الله، الذي ولّاه منصباً في الجيش. شارك في حملة إلى دمشق عام 406هـ/1015م، وتعرف على الشؤون السورية. يُظهر المؤلف تحفظاً حول المصادر التي لا تقدّم تفاصيل عن عمر الدزبري أو تعليمه، لكنه يستنتج من علاقته بالشاعرين ابن حيوس وأبي العلاء المعري ومن انتصاراته العسكرية أنه كان مثقفاً وذا تدريب عسكري وإداري ممتاز.
تولّى الدزبري إمارة بعلبك لمدة أربع سنوات، ثم واليًا على فلسطين من أبريل 1023م، حيث اشتبك مباشرة مع القبائل العربية. بعد مقتل نصر بن صالح المرداسي، توجّه أخوه ثمال إلى حلب لكنه شعر بعدم قدرته على الاحتفاظ بها، فغادرها إلى بلاد ما بين النهرين لجمع التعزيزات، تاركاً ابن عمه مقلد بن كامل حاكماً على القلعة، وخليفة بن جابر الكلابي حاكماً على المدينة. استغل الدزبري الفرصة، وحاصرت قواته حلب، التي استسلمت يوم السبت 14 رمضان 429هـ/19 حزيران 1038م. دخل الدزبري حلب في الثلاثاء 22 من الشهر نفسه، وتوصّل لاتفاق مع مقلد سلّم بموجبه القلعة. وهكذا عادت حلب للحكم الفاطمي، ولأول وآخر مرة، توحّدت سوريا كلها تحت حاكم فاطمي واحد مركزه دمشق.
يحرص المؤلف على مناقشة الروايات التاريخية المتضاربة حول سقوط حلب، مرجحاً رواية المؤرخين الحلبيين (كـالعظيمي وابن العديم) على رواية المؤرخين الدمشقيين (كـابن القلانسي). وهذه خطوة منهجية مهمة تظهر وعي المؤلف بتحليل المصادر وترجيح الأقرب للمكان والحدث. بعد فتح حلب، عيّن الدزبري مماليكه (غلمانه) فاتك وسبكتكين حاكمين على القلعة، وبانجتكين (الملقب بـراضي الدولة) حاكماً على المدينة. لكنه لم يستطع السيطرة على كامل الإمارة، إذ بقيت مناطق الجزيرة (بالس، الرقة، الرحبة) بيد ثمال.
يُظهر الفصل كيف تحوّل النجاح إلى أزمة. فبينما كان الدزبري يعدّ نفسه للاستقلال بزيادة قواته (خاصة المماليك الأتراك) وعقد تحالفات زوجية، شعر الوزير الفاطمي أبو القاسم الجرجرائي في القاهرة بالخطر، فأعدّ مؤامرة لإسقاطه. نجح الجرجرائي في تحريض قوات دمشق ضد الدزبري، وأصدر مراسيم بإعفاء ولاة سوريا من طاعته، وكاتب ثمال بن صالح يمنّيه بحلب. عندما أمر الجرجرائي الدزبري بعزل كاتبه أبي سعيد، رفض الأخير وأعلن عصيانه صراحة، ولكن تمرد القوات عليه اضطره لترك دمشق والفرار نحو حلب. هناك، منهكاً ومصدوماً من اتهامه بالخيانة، توفي الدزبري في قلعة حلب في الأسبوع الثاني من يناير 1042م (بعد نحو شهر ونصف فقط من لجوئه إليها). يخلص المؤلف إلى أن حكم الدزبري القصير كان شعبياً في حلب، وعلاقته مع البيزنطيين كانت جيدة رغم بعض المناوشات الحدودية.
بوفاة الدزبري، عاد ثمال بن صالح ليستلم حلب بعد حصار، لكنه واجه مشكلة مزدوجة: تمرد قوات الدزبري في القلعة بدعم من أحداث حلب، ومطالبة الفاطميين له بإرسال الأموال التي تركها الدزبري (أكثر من 600,000 دينار) ودفع جزية سنوية قدرها 20,000 دينار. لم يلتزم ثمال بذلك، مما أدى إلى إرسال الخليفة المستنصر حملة بقيادة ناصر الدولة الحمداني حاكم دمشق عام 1048م. لكن الحملة فشلت بشكل كارثي بسبب فيضان مفاجئ لنهر قويق ليلة 28 أكتوبر 1048م، مما يظهر كيف لعبت المصادفات الطبيعية دوراً في بقاء المرداسيين.
لكن الفشل لم ينهِ المشكلة. فبعد وساطة فاشلة قام بها اليهودي هارون بن سهل (الذي اتهمه الوزير أبو البركات الجرجرائي بالتجسس لصالح ثمال وقتل)، جهّز الفاطميون حملة ضخمة عدتها المصادر بحوالي 30,000 مقاتل تحت قيادة الخصي رفق، وهو شيخ جاوز الثمانين من عمره ويفتقر للخبرة العسكرية. تحرك جيش رفق ببطء شديد (استغرق 5 أشهر من القاهرة لحلب)، وعانى من الفوضى والانقسام بين مكوناته (مغاربة، مشارقة، عبيد) والعشائر البدوية المرتجلة (كلب، طيء، فزارة). عندما وصل رفق لأطراف حلب يوم 22 ربيع الأول 441هـ / 24 أغسطس 1049م، كان جيشه في حالة يرثى لها. أدى هروب المرتزقة ووقوع الشكوك إلى انهيار الجيش، وأسر ثمال لرفق الذي مات متأثراً بجراحه بعد ثلاثة أيام. يبرز المؤلف هنا ضعف الدولة الفاطمية الذي لم يعد بإمكانها فرض سيطرتها بقوة السلاح، بل بالدسائس.
بعد فشل رفق، عزل المستنصر وزيره الجرجرائي، وقبل سفارة من ثمال بقيادة زوجته السيدة ونجله وثاب، والتي حملت 40,000 دينار كدفعة لسنتين من الجزية عام 442هـ/1050م، فعُيّن ثمال أميراً على حلب. هذا الاستقرار لم يدم طويلاً، ففي عام 449هـ/1057م، تورّطت حلب في فتنة البساسيري، وهو قائد عسكري ثار على الخلافة العباسية في بغداد وتحالف مع الفاطميين. يُظهر المؤلف تحفظاً كبيراً على رواية المؤيد في الدين (داعي الدعاة الفاطمي) الذي بالغ في دوره في الأحداث، واصفاً إياه بـ"ذاتي النظرة". ويرجح المؤلف أن مخططاً سرياً من الوزير اليازوري هو الذي دفع ثمال للتنازل عن حلب طواعية تحت ضغط الجفاف، وخلاف قبيلته كلاب، وضغوط البساسيري وجيش فاطمي بقيادة الحسن بن علي بن ملهم. وفي الخميس 26 ذي القعدة 449هـ / 23 يناير 1058م، غادر ثمال حلب إلى القاهرة، ودخلها ابن ملheim حاكماً فاطمياً.
يُشير المؤلف إلى أن مقتل البساسيري عام 451هـ/1059م كان نقطة تحول مصيرية، إذ مثّل بداية نهاية سيطرة القبائل العربية على سوريا وبداية الحكم غير العربي (السلجوقي). وبعد مقتله، استعاد عطية بن صالح الرحبة، مما شجع قبيلة كلاب على استعادة حلب. يقفز المؤلف إلى تحليل نقدي لرواية استعادة محمود بن نصر لحلب، ويصفها بأنها غير معقولة زمنياً (32 يوماً فقط بين نداء النجدة ووصول جيش من دمشق!). ويقدم رواية أكثر ترجيحاً من سبط بن الجوزي نقلاً عن غرس النعمة الصابي، تُفيد بأن أم محمود، السيدة، هي من دبرت الانقلاب داخل حلب بمساعدة الأحداث، ففتحت الأبواب لمحمود. أدى دخول محمود إلى انقسام قبيلة كلاب بينه وبين عمه عطية، وسلسلة من الصراعات والحصارات، انتهت باستيلاء محمود على حلب للمرة الأولى في شعبان 452هـ / سبتمبر 1060م بعد انتصاره على ناصر الدولة الحمداني في معركة الفنيدق.
بعد ذلك، أرسل الخليفة المستنصر ثمالاً مجدداً لاستعادة حلب. حاصرها ثمال في يناير 1061م بمساندة قبيلته، بينما استعان محمود بالبيزنطيين وقبيلة نمير (قبيلة أمه). وبوساطة زعماء كلاب، توصلا لاتفاق في 24 ربيع الأول 453هـ / 18 أبريل 1061م، تنازل بموجبه محمود عن حلب لعمه ثمال مقابل 50,000 دينار وراتب سنوي من الحبوب. لكن حكم ثمال الرابع لم يطل، إذ توفي في 23 ذي القعدة 454هـ / 28 نوفمبر 1062م. خلال هذه الفترة القصيرة، حدثت مناوشات مع البيزنطيين حول قلعة أرتاح وقلاع أخرى على الحدود، مما يعكس تذبذب العلاقة بين المرداسيين والإمبراطورية.
بعد وفاة ثمال، أوصى بأخيه عطية خلفاً له، مما أثار حفيظة ابن أخيه محمود الذي حاصر حلب في رجب 455هـ / يوليو 1063م. هنا يبرز عامل جديد ومهم: دخول الغزاة التركمان كقوة عسكرية فاعلة في صراع حلب. استعان عطية بقائد تركي يُدعى ابن خان، الذي أنقذه من الحصار وقلب موازين القوى، مما أجبر محمود على قبول هدنة وصلح جديد عام 1064م قسّم الإمارة بينهما. لكن سرعان ما تحول التركمان إلى عبء على عطية وأهل حلب (خاصة الأحداث)، الذين تخلصوا منهم بمذبحة ليلية في يناير 1065م. لجأ ابن خان بعدها إلى محمود، فحاصر هذا الأخير حلب مجدداً بمساندة البيزنطيين والفاطميين، واضطر عطية لتسليمها في 10 أغسطس 1065م، لتبدأ فترة حكم محمود الثانية، مقسّمة الإمارة هذه المرة إلى قسمين: سوري تحت حكم محمود، وجزري تحت حكم عطية.
الحجج التي يقدمها الفصل قابلة للنقاش حول دور الفرد في التاريخ: هل كان بإمكان الدزبري بناء دولة مستقلة لولا المؤامرات؟ وهل كانت صدف الطبيعة (فيضان قويق) والفساد الداخلي للجيش الفاطمي هي ما أنقذ المرداسيين؟ وأخيراً، هل كان دخول التركمان (ابن خان وآخرون) مجرد حدث عابر أم بداية لمرحلة جديدة من سيطرة القوى غير العربية، وهو ما يطرحه المؤلف بوضوح في نهاية الفصل.
4.الفصل الرابع: هجرة التركمان والفتح السلجوقي92–116▼ résumé
هذا الفصل يتناول هجرات القبائل التركمانية إلى شمال سورية والفتح السلجوقي لإمارة حلب، ويقدم سرداً تفصيلياً للأحداث التي أدت إلى انهيار حكم السلالة العربية المرداسية وحلول الحكم السلجوقي مكانها. يبدأ الفصل بحكم نصر بن محمود الذي تولى الإمارة بعد وفاة والده متجاوزاً وصيته التي كانت تفضل ابنه الأصغر شبيب. يشرع نصر حكمه بإعدام وزير والده علي بن أبي الثريا، متّهماً إياه بتدبير عدم تسميته ولياً للعهد. يعتمد نصر في حكمه على دعم التركمان بقيادة أحمد شاه، الذي يقود حملة لاستعادة منبج من البيزنطيين في 1075 م وينجح في ذلك. لكن سرعان ما تتوتر العلاقة بين نصر وأحمد شاه، فيقوم نصر باعتقاله في 9 مايو 1076 م، وفي اليوم نفسه، بعد جلسة خمر، يركب نصر إلى حي الحاضر حيث يسكن التركمان، فيُقتل بسهم من أحدهم. بعد مقتله مباشرة، يتم إحضار أخيه ثابت بن محمود (والمعروف بـ سابق) من المدينة إلى القلعة ويُعلن أميراً، في حين يسيطر علي بن مقلد ومحمد بن النحاس على النظام في المدينة والقلعة.
يصف الفصل سابقاً بأنه حاكم غير كفؤ، سرعان ما يتحول إلى دمية في يد أحمد شاه والتركمان الذين يسيطرون على مقاليد الدولة. يغضب هذا الأمر زعماء قبيلة كلاب، فيعلنون أخاه وثاب بن محمود أميراً عليهم ويحشدون جيشاً ضخماً قوامه حوالي 70,000 فارس وراجل لحصار حلب. لكن أحمد شاه يتغلب عليهم بمناورة ذكية، حيث يستعين بقائد تركمي آخر هو محمد بن دملاج ويشنّ غارة مباغتة في 7 يوليو 1076 م، يهزم فيها الكلابيين ويستولي على غنائم هائلة تشمل 400,000 رأس من الغنم و 100,000 من الإبل. بعد هذا النصر بثلاثة عشر يوماً، يقع خلاف بين القائدين التركمانيين، فيعتقل ابن دملاج أحمد شاه، لكن سابقاً يفديه بمبلغ 10,000 دينار و 20 حصاناً. يضطر وثاب وزعماء كلاب إلى الرحيل إلى خراسان حيث يلتقون بالسلطان السلجوقي ملك شاه ويطلبون مساعدته.
يستجيب ملك شاه لشكوى الكلابيين ويُسند إلى أخيه تتش مهمة التوجه إلى سورية للسيطرة عليها. في 1077 م، يحاول تتش حصار حلب لمدة ثلاثة أشهر، لكنه يفشل بسبب عدم رغبة مسلم بن قريش العقيلي، أمير الموصل، في سقوط المدينة بيد السلاجقة. يتواصل مسلم مع سابق سراً ويشجعه على الصمود، ويقنع زعماء كلاب بترك تتش والانضمام إلى صفوفهم، مما يضطر تتش إلى رفع الحصار. بعد ذلك، يوجه تتش اهتمامه نحو الجنوب، حيث ينجح في الاستيلاء على دمشق وتثبيت أقدامه فيها. يبرز الفصل هنا الصراع بوضوح بين فئتين: العرب (ويقصد بهم القبائل البدوية العربية) و الأتراك (التركمان)، ويسلط الضوء على أن الدافع الرئيسي لمسلم بن قريش هو الحفاظ على "ملك العرب" في حلب من الزوال على يد الأتراك.
ينتقل الفصل بعد ذلك لتحليل هجرات التركمان إلى شمال سورية. يشير إلى أن أول الموجات التركمانية دخلت حلب بطلب من عطية (عم ثمال) خلال صراعه على السلطة، وكان قائدها ابن خان. ثم تتبع الفصل جماعة النواكية، الذين لم يكونوا يبايعون السلطان السلجوقي وعملوا كمرتزقة. يوضح أن أحمد شاه كان على الأرجح قائداً لـ 1,000 محارب من النواكية الذين احتفظ بهم محمود بن نصر في خدمته. وبحلول عام 1070 م، بدأت موجات جديدة من التركمان بدخول سورية، وهذه المرة كانوا يعترفون بسلطة السلطان ويتصرفون كغزاة. ويصف الفصل قائدين منهم هما سندق وأفشين، الذي كان الأكثر تدميراً ووحشية، حيث قام في 1079 م بتخريب مناطق واسعة بين حلب وشيزر، مما تسبب في مجاعة ودفع الكثيرين للجوء إلى ممتلكات مسلم بن قريش. هذا الخراب جعل سكان شمال سورية، بمن فيهم قبيلة كلاب، يبحثون عن قائد قوي وعادل، ووجدوا ضالتهم في مسلم بن قريش.
يستعرض الفصل صعود مسلم بن قريش وتوحيده للقبائل العربية. في 1080 م، وبعد تلقيه مناشدات من أهالي حلب وأحداثها وزعماء كلاب، بل ومن الأمير سابق نفسه الذي عرض التنازل له عن الإمارة، يقرر مسلم التوجه إلى حلب. يدخل مسلم المدينة في الأيام العشرة الأخيرة من يونيو 1080 م بعد أن فتحت له الأحداث الأبواب، ويحاصر القلعة والقصر حيث تحصّن الأمراء المرداسيون. بعد حصار دام أكثر من أربعة أشهر، يتوسط علي بن مقلد ويتم الاتفاق على تسليم القلعة مقابل إقطاعات لسابق وإخوته. في 27 سبتمبر 1080 م، يصبح مسلم بن قريش سيد حلب، منهياً بذلك حكم السلالة المرداسية. يمتد طموح مسلم بعد ذلك ليشمل توحيد سورية وبلاد ما بين النهرين تحت حكم عربي، فيستولي على حران ويطرد التركمان من شمال سورية حتى حماه، ويمدد نفوذه على مدن بيزنطية مثل الرها وأنطاكية. ومع ذلك، يفشل حصاره لدمشق في 1083 م لأسباب عدة، منها: ضعف ولاء القبائل العربية لجيشه الذي كان خليطاً من عقيليين وكلابيين ونميريين، والمقاومة القوية من تتش، ووعد فاطمي لم يف به، وتمرد في حران ضده بقيادة قاضيها بتحريض من قائد تركمي اسمه جبق.
يواجه مسلم نكسة حاسمة عندما يرسل السلطان ملك شاه حملة بقيادة فخر الدولة بن جاهير للسيطرة على ديار بكر. يتحالف مسلم مع المروانيين لمواجهتها، لكن أرتق، القائد التركماني الذي انضم إلى فخر الدولة، يهاجم قوات مسلم فجأة ويهزمها بشدة في 1084 م، ويُجبر مسلم على التحصن في آمد. يفر مسلم من آمد بعد أن دفع لأرتق ثمناً باهظاً ليسهل هروبه. على الرغم من تسوية مع السلطان ملك شاه، إلا أن مسلم لم يستطع استعادة قوته. تأتي الضربة القاضية عندما يستولي القائد السلجوقي سليمان بن قتلمش على أنطاكية ويهدد حلب. يرفض سليمان دفع الجزية السنوية التي كانت أنطاكية البيزنطية تدفعها لمسلم، ويعلن أنه مسلم ولا يدفع جزية. في 21 يونيو 1085 م، تلتقي قوات مسلم وسليمان في معركة عند نهر قرزاهيل قرب عفرين، وتنتهي بهزيمة ساحقة لمسلم ومقتله. يصف الفصل أن هذا الانتصار مثّل نهاية فترة الصراع بين البدو العرب والتركمان، حيث أصبح الصراع من此后 بين السلاجقة أنفسهم.
يختتم الفصل بفترة الحكم السلجوقي المباشر في حلب. بعد مقتل سليمان على يد تتش، يحاول تتش السيطرة على حلب لكنه يضطر للانسحاب أمام جيش أخيه ملك شاه. يصل ملك شاه إلى حلب في 3 ديسمبر 1086 م ويتولى السيطرة عليها وقلعتها. يعيّن ملك شاه أق سنقر حاكماً على إمارة حلب ومنحه لقب "قاسم الدولة"، ويترك معه حامية قوامها 4,000 فارس. يستعرض الفصل حكم أق سنقر الذي دام سبع سنوات تقريباً، ويصفه بأنه فترة تغيير جذري في حياة حلب. كان أق سنقر حاكماً مستبداً على النمط السلجوقي الفارسي، على عكس الحكام العرب الذين كانت دولتهم قبلية. فرض الأمن والنظام وجعل كل شيء رخيصاً، وتدخل في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، وأمر ببناء مئذنة الجامع الكبير ومشهدين. يوضح الفصل أنه على الرغم من الاستقرار والأمان، إلا أن هذا الحكم المستبد وضع حداً للتسامح الثقافي الذي ساد في العصر العربي، حيث لم يعد لشعراء مثل أبي العلاء المعري مكان بعد أن صار لعن الأشاعرة يتم على المنابر. كما أدى الحكم العسكري الجديد إلى تراجع قوة الأحداث وانتهاء دورها. في الختام، يشير الفصل إلى أن أق سنقر كان أول حاكم سلجوقي يحكم بسلطة مطلقة ونفوذ عميق، وهو الجد الأكبر لعماد الدين زنكي ونور الدين محمود، وأن عصره مثّل بداية حقبة جديدة في تاريخ حلب السياسي والاجتماعي.
5.الفصل الخامس: الحياة الدينية، الاجتماعية والاقتصادية117–134▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل محاولةً لرسم صورة للحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية في إمارة حلب خلال القرن الحادي عشر (1004-1094م)، معترفاً منذ البداية بصعوبة المهمة بسبب ندرة المعلومات المتخصصة. يُقرّ المؤرخ سهيل زكار بأن المصادر المتاحة، ككتابات الجغرافيين العرب التي يعود معظمها لفترات سابقة أو لاحقة، لا تسمح بكتابة تاريخ اقتصادي متكامل. فشهادات الرحّالة مثل ابن بطلان (الذي زار حلب عام 440هـ/1048م) وناصر خسرو (الذي زارها عام 1047م) تبقى معلوماتها شحيحة وعامة. يذكر ابن بطلان وجود سوق للحرير (قيسارية البزّ) تضم عشرين حانوتاً لوكلاء التجار، تُباع فيها بضائع بقيمة 20,000 دينار يومياً، بينما يصف ناصر خسرو حلب كمدينة تجارية تفرض الرسوم على البضائع المارة بين بلاد الشام والروم وديار بكر ومصر والعراق.
يستعرض الفصل التركيبة السكانية لمدينة حلب، فيشير إلى أن سكانها خليط من أصول عربية وفارسية (موالي)، مع ذكر لقبائل عربية مثل تنوخ وقريش، وعناصر كردية مثل عائلة الخَشّاب البارزة. أما التركيبة الدينية فتقسم السكان إلى ثلاث طوائف رئيسية: مسلمون، مسيحيون، ويهود. المعلومات عن الطائفة اليهودية شحيحة، وتُستقى أساساً من وجود حارة اليهود وباب اليهود، ومن مشاركتهم في الحياة التجارية، خاصة مع الدولة الفاطمية.
يتناول الفصل بالتفصيل أوضاع الطائفة المسيحية في شمال سوريا، والتي تميزت بظروف خاصة نتيجة كون المنطقة ساحة حرب بين المسلمين والبيزنطيين منذ القرن السابع. يرى المؤلف أن الصراع عزز التمسك بالمسيحية بدلاً من إضعافها، وأدى لهجرة مسيحيين من مصر وجنوب الشام إلى شمال سوريا، خاصة في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (996-1021م) بسبب سياساته الاضطهادية. ويشير إلى وجود جالية أرمنية كبيرة في حلب وما حولها.
يُظهر الفصل أن المسيحيين لعبوا أدواراً سياسية وإدارية بارزة في إمارة حلب. ففي عهد صالح بن مرداس، كان وزيره تذاروس (تادرس) مسيحياً يتمتع بنفوذ كبير، ويجمع بين إدارة الشؤون العسكرية والمدنية. كذلك، خدم أبو الفرج المؤمَّل بن يوسف الشمّاس كوزير لـنصر بن صالح، وكان أخوه حاكماً لضواحي حلب. وتكرر الأمر مع أبو بشر، وزير محمود بن نصر المسيحي، وزُرعة بن موسى وسعيد بن عيسى ككاتبين، وعيسى بن بطرس كوزير لـسابق بن محمود. يرى المؤلف أن هذه المعلومات لا تكفي لوصف الإدارة في حلب، لكنها تشير إلى درجة من التسامح الديني، تتجلى أيضاً في وصف بعض المسلمين لأبي بشر بأنه مات شهيداً، ومقابلتهم في الوقت نفسه بمقتل خصمه ابن أبي الثريا كموت كلب.
يخصّص الفصل حيزاً للتوترات الدينية، مركزاً على حادثة وقعت في معرة النعمان عام 417هـ/1026م. فوجود حانة عامة تديرها الدولة ويؤجرها مسيحي، أدى لمحاولة صاحبها اغتصاب امرأة مسلمة، مما أثار حفيظة المصلين في المسجد الجامع الذين هدموا الحانة بالكامل. تدخل أبو العلاء المعري لطلب العفو عن المساجين السبعين من وجهاء المعرة، فأُفرج عنهم بغرامة قدرها 1,000 دينار. يرى المؤلف أن الحادثة تعكس توتراً شعبياً ورفضاً دينياً لوجود مثل هذه الأماكن، ويدعم ذلك بإشارة المعري في أشعاره إلى ثراء المسيحيين مقارنة بالمسلمين، وهجومه على من يترك الإسلام للمسيحية طمعاً في المناصب أو الغنى أو الزواج.
يتناول الفصل الانقسامات داخل الطائفة الإسلامية بين سنة وشيعة. يذكر أن سكان حلب تحولوا خلال القرن العاشر إلى المذهب الشيعي الإمامي (الاثني عشري) بجهود سيف الدولة الحمداني، ويؤكد ابن بطلان أن الفقهاء كانوا يُفتون بالمذهب الاثني عشري. في المقابل، كان سكان معرة النعمان ومنطقة كفر طاب سنّة. يرى المؤلف أن تعصب السنة في المعرة يفسر موقفهم المتشدد تجاه المسيحيين، بينما تسامح الشيعة في حلب ربما يعود لانشغالهم بخلافاتهم الداخلية مع الأقلية السنية. ويذكر ثورة الدروز في جبل السماق عام 423هـ/1031م والتي قمعت بمساعدة البيزنطيين والحلبيين.
يوضح الفصل رفض الحلبيين الشيعة للسيطرة السلجوقية السنية. فعندما أعلن محمود بن نصر تبعيته للخليفة العباسي والسلطان السلجوقي ألب أرسلان في شوال 462هـ/يوليو 1070م، احتج الحاضرون في الخطبة الأولى بمغادرة المسجد، وأُجبروا على الحضور بقوة السلاح في الجمعة التالية. واستمر رفع الأذان الشيعي (حي على خير العمل) في حلب لفترة طويلة بعد ذلك.
ينتقل الفصل لمناقشة دور الأحداث، وهي ميليشيا شعبية لعبت دوراً محورياً في حلب خلال هذا القرن. يصفها المؤرخ كلود كاهن كنوع من الميليشيات الحضرية المحلية غير المتخصصة، مسؤولة رسمياً عن حفظ النظام وإطفاء الحرائق، لكن دورها الفعلي تجاوز ذلك بكثير ليشمل المشاركة في الصراعات السياسية والعسكرية. يرفض زكار نظرية ربط الأحداث بفصائل الإمبراطورية الرومانية المتأخرة، ويرى أنهم نتاج الظروف السياسية والاجتماعية المضطربة في سوريا منذ القرن التاسع: انحلال الخلافة العباسية، الصراع البيزنطي، صعود مصر المستقلة، ثورات القرامطة، وغزوات البدو. يُظهِر الفصل كيف ساعد سالم بن مستفاد، قائد الأحداث، صالح بن مرداس في الاستيلاء على حلب، وكيف قاتل الأحداث ضد الفاطميين وساعدوا ثمال ومحمود بن نصر في الوصول إلى الحكم. ويذكر أن الأحداث كانوا يُستخدمون كقوات نظامية أحياناً، وكانوا يتقاضون أجراً سنوياً.
أخيراً، يصف الفصل الجوانب العمرانية والثقافية. فيصف حلب كمدينة جميلة ذات سور عظيم (ارتفاعه 25 ذراعاً حسب ناصر خسرو) واكتظاظ سكاني، وتعاني من ندرة المياه رغم قناة جلب المياه من حيلان، مما اضطر السكان لبناء صهاريج لجمع مياه الأمطار. ويشير إلى وجود ثراء ثقافي تمثل في ازدهار الشعراء في البلاط المرداسي، مثل ابن سنان الخفاجي وابن حيوس وابن أبي حصينة، الذين خلّدت أشعارهم وصفاً لبذخ القصور مثل دار الذهب في القلعة، المزينة بالرخام والذهب والفسيفساء التي تصور معارك وحيوانات وحدائق. ويختتم الفصل بالأسف لعدم بقاء هذه المباني أو إجراء حفريات في القلعة للتمييز بين الحقيقة والخيال الشعري.
Analyse & mots-clés
Personnes