Almawred
The Field of Blood
English

The Field of Blood

Nicholas Morton1 janvier 2018enBasic Books

يطرح كتاب "حقل الدم" لنيكولاس مورتون سؤالاً محورياً يعيد صياغة التاريخ التقليدي للحروب الصليبية: لماذا فشلت الدول الصليبية في تحقيق أهدافها التوسعية الكبرى في الشرق الأدنى، رغم أنها كانت قريبة جداً من النجاح؟ يرفض المؤلف الفكرة السائدة بأن سقوط هذه الدول كان محتوماً منذ البداية بسبب التفوق العددي لأعدائها أو بُعدها عن أوروبا. بدلاً من ذلك، يقدم فرضية جريئة مفادها أن الصليبيين كانوا على وشك تحقيق أهدافهم، لكن زحفهم توقف بسبب هزيمتين محددتين في حربهم للسيطرة على مدينة حلب بين عامي 1118 و1128، وهما معركة حقل الدم عام 1119 وفشل حصار حلب عام 1124-1125. يركز الكتاب على لحظة التوقف هذه، وليس على لحظات الانهيار النهائي المعروفة مثل معركة حطين عام 1187 أو سقوط عكا عام 1291.

يبدأ الكتاب بمقدمة أدبية ذكية، حيث يستخدم ملحمة Chanson des Chétifs التي تصف مبارزة بين الفارس الصليبي الأسير بالدوين البوفيه والتنين ساتاناس كاستعارة للواقع الصليبي. كان الصليبيون غرباء في أرض مجهولة، محاطين بأعداء، ويعيشون على تخوم الأسطورة والتاريخ القديم. هذه القصة التي كُتبت في بلاط إمارة أنطاكية تعكس مخاوفهم وطموحاتهم البطولية. بعد هذه المقدمة، ينتقل الكتاب إلى تحليل استراتيجي، محدداً مرحلتين للتوسع الصليبي: الأولى تأمين مناطق خلفية حول المدن التي سيطروا عليها ( الرها، أنطاكية، القدس، طرابلس ) وبناء الموانئ لخطوط الإمداد مع أوروبا. أما الثانية، فكانت غزو مراكز القوى الرئيسية لأعدائهم: حلب، دمشق، والقاهرة. كان نجاح هذه المرحلة هو العامل الحاسم لبقائهم.

يؤكد المؤلف منذ البداية أن الصراع لم يكن ببساطة بين مسيحيين ومسلمين، بل كان معقداً ومتعدد الأطراف، ضم فرنجة، أتراكاً، أرمن، عرباً، وبيزنطيين. كانت التحالفات تتشكل عبر الانقسامات العرقية والدينية، وكان الأتراك أنفسهم منقسمين بشدة، وقد استفاد الصليبيون من حربهم الأهلية. هذه النقطة تتكرر باستمرار عبر فصول الكتاب، حيث يظهر أن التعاون كان ممكناً بين أعداء الأمس، وأن الولاءات كانت تتغير بسرعة بناءً على المصالح اللحظية.

يتتبع الفصل الأول نشأة الدول الصليبية من البداية، عائداً إلى نداء البابا أوربان الثاني عام 1095 في كليرمونت. يصف التجمّع المهيب للفرسان أمام القسطنطينية، والعلاقة المتوترة مع الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول كومنينوس، الذي أجبر القادة على قسم الولاء. كان تانكرد الهوتفيل من أشد المعارضين لهذا القسم، مما أظهر شخصيته المتمردة التي ستشكل مستقبل الشرق اللاتيني. يسلط الفصل الضوء على التوتر المبكر بين بالدوين البولوني (أخو جودفري مؤسس مملكة القدس) وتانكرد، والذي بدأ أثناء زحف الحملة عبر قليقيا، حيث تصارع الرجلان للسيطرة على مدينتي طرسوس والمصيصة، وتطور الخلاف إلى اشتباك دموي.

بعد تتويج بالدوين الأول ملكاً على القدس في عيد الميلاد عام 1100، واجه تحديات جسيمة مشتركة بين جميع الدول الصليبية: نقص الموارد المالية والبشرية، وأعداء أقوياء مثل دمشق وحلب والخلافة الفاطمية في مصر. كانت هذه الدول الوليدة بحاجة ماسة إلى التوسع العسكري للبقاء، مما جعل سياستها الخارجية عدوانية للغاية، قائمة على مبدأ "توسع أو تغرق". يركز الفصل على الأهداف الاستراتيجية الكبرى للصليبيين: السيطرة على القاهرة (مصر الغنية بمواردها)، دمشق (المفصل الحيوي)، وحلب (المدينة القوية التي تسيطر على طرق المواصلات). في البداية، ركز بالدوين الأول على تأمين الموانئ الساحلية مثل عكا وبيروت وصيدا، بينما وجه تانكرد أنظاره نحو إخضاع المناطق المحيطة بحلب.

يصل السرد إلى ذروته الأولى في معركة حران عام 1104، التي كانت أول هزيمة كبرى للصليبيين في الشرق. جاءت الهزيمة نتيجة الخلافات الداخلية بين القادة والافتقار إلى الوحدة، مما أثبت هشاشة الوجود الصليبي. أظهرت المعركة أن أي هزيمة كبيرة قد تؤدي إلى رد فعل متسلسل من الانهيار، وأن التعاون بين الدول الصليبية لم يكن ترفاً بل ضرورة للبقاء. وسط هذا الفشل، برز تانكرد كمنقذ، فاستعاد الأراضي المفقودة وزاد الضغط على حلب. يختتم الفصل بالحدث الذي وحد الصليبيين أخيراً، وهو سقوط مدينة طرابلس عام 1109، بعد وساطة ناجحة من الملك بالدوين الأول حالت دون حرب أهلية بين الفصائل المتنافسة.

يحلل الفصل الثاني التحولات الجيوسياسية في شمال سوريا بين عامي 1111 و1119، مركزاً على الصراع المعقد بين الصليبيين والأتراك والعرب. يبدأ بصورة شيزر المحاصرة من قبل تانكرد في ربيع 1111، حيث تمكن سلطان بن منقذ من إنقاذ مدينته بالتحالف مع جيش تركي كبير بقيادة مودود. هذه الحادثة تُظهر براعة المناورات السياسية لعائلة بني منقذ، الذين استطاعوا استخدام الأتراك لصد الفرنجة دون أن يصبحوا تابعين لأي منهما. يتعمق الفصل في شرح هشاشة السلطة التركية، موضحاً أن موت السلطان ملك شاه في 1092 أدى إلى حرب أهلية بين أبنائه، مما ألهى الأتراك عن التهديد الصليبي. يصل الفصل إلى ذروته بوصف حملة بُرسق في 1115، حيث تحالف أمراء أتراك محليون مثل طغتكين وإلغازي مع الفرنجة لمحاربة جيش السلطان نفسه، خوفاً من فقدان استقلالهم. انتهت الحملة بهزيمة بُرسق في معركة تل دانيث، مما يؤكد عمق الانقسام داخل العالم التركي.

يصف الفصل كيف استغل الفرنجة هذا الضعف لفرض هيمنتهم على حلب بين عامي 1115 و1118. بعد وفاة رضوان والصراع على السلطة في المدينة، اضطرت حلب إلى طلب الحماية من أنطاكية، ومنح الفرنجة ضرائب كبيرة. بحلول 1118، كانت حلب تحت الهيمنة الفرنجية بالكامل تقريباً، ووصل الفرنجة إلى أعتاب السيطرة على سوريا بأكملها. يختم الفصل بتأملات حول طبيعة هذه الحروب، رافضاً فكرة أنها صراع بسيط بين المسيحية والإسلام، ويشير بدلاً من ذلك إلى أنها كانت فوضى من المصالح المتقاطعة، حيث تحالف المسيحيون مع المسلمين ضد مسلمين آخرين، والعكس صحيح.

يركز الفصل الثالث على تداعيات هزيمة "حقل الدم" عام 1119، التي أوقفت زحف الفرنجة في شمال سوريا. كان الملك بالدوين الثاني ملك القدس مصمماً على الاستيلاء على حلب، لكن العقبات التي اعترضت الطريق إلى المدينة كانت أكبر بكثير مما كانت عليه قبل المعركة، إذ بات للمدينة الآن مدافع قوي. يصف الفصل عاماً سيئاً لـإيلغازي حاكم حلب، حيث مني بهزيمة ساحقة في جورجيا أمام الملك داود الثاني البنّاء، ثم ثار عليه ابنه شمس الدولة في حلب. على الرغم من تنازلات إيلغازي للفرنجة لتأمين السلام، إلا أن سلطته كانت على المحك.

بعد وفاة إيلغازي في نوفمبر 1122، ظهر زعيم تركمي جديد هو بالك، ابن أخيه. كان بالك قائداً مخضرماً، واندفع بقوة إلى الصراع، فأسر الكونت جوسلين أمير الرها عام 1122، ثم أسر الملك بالدوين الثاني نفسه في أبريل 1123. أصبح لدى بالك الآن اثنان من أهم حكام الفرنجة في قبضته. استولى على حران ثم فرض حصاراً على حلب نفسها، وفتحت المدينة أبوابها له في يونيو 1123. لكن في أغسطس 1123، تمكن جوسلين وبالدوين من الفرار من قلعة خرتبرت بمساعدة مجموعة من المحاربين الأرمن، الذين تظاهروا بأنهم فلاحون وتمكنوا من نزع سلاح الحراس. أعدم بالك الأرمن شر سلخ أحياء، وأعاد احتلال القلعة حيث بقي بالدوين أسيراً حتى تم إطلاق سراحه مقابل فدية ضخمة قدرها ثمانون ألف دينار في يوليو 1124.

بعد إطلاق سراحه، نقض بالدوين الثاني وعوده وشن هجوماً مباشراً على حلب في أكتوبر 1124، متحالفاً مع دبيس بن صدقة زعيم قبيلة بني مزيد. دام الحصار شتاءً قاسياً، وانتشرت المجاعة في المدينة. لكن أقسنقر حاكم الموصل تحرك لنجدة حلب، وفي يناير 1125 رفع بالدوين الحصار وانسحب. منهياً الصراع النشط على حلب، عاد بالدوين إلى القدس، لكنه تمكن من تحقيق نصر حاسم في آزاز في مايو 1125 باستخدام تكتيك التراجع الوهمي، لكنه لم يستغل انتصاره بالتقدم نحو حلب. بدلاً من ذلك، أبرم هدنة وعاد جنوباً، منتقلاً من الهجوم إلى الدفاع.

يُظهر الفصل كيف أن الصراع على حلب أفاد مملكة القدس بشكل غير مباشر، حيث أبعد أعداءها الرئيسيين عن مهاجمتها. بينما كان بالدوين مشغولاً في الشمال، تمكنت المملكة من مواجهة تهديد الفاطميين، وتُوّجت هذه الفترة بالاستيلاء على مدينة صور عام 1124، آخر ميناء فاطمي على الساحل. مع فشل الاستيلاء على حلب، حوّل بالدوين الثاني اهتمامه نحو دمشق، لكن الصراع بقي مفتوحاً على مصراعيه.

يتناول الفصل الرابع العواقب البعيدة المدى لهذا الفشل، ويبدأ بوصف المشهد الطبيعي والبشري للإمارات الصليبية حوالي عام 1150. يصف الكاتب الثراء الزراعي والاقتصادي لهذه المناطق، والموانئ المزدهرة مثل صور وعكا، والتنوع الديني الذي سمح للمسلمين والمسيحيين واليهود بممارسة شعائرهم. لكن هذا الازدهار كان يخفي واقعاً جيوسياسياً قاتماً. كان سقوط كونتية الرها عام 1144 بمثابة صدمة، وأظهر هشاشة المواقع الصليبية التي لم تتمكن من التوسع داخلياً. يدور المحور الأساسي للفصل حول فشل الصليبيين في تحقيق هدفهم الاستراتيجي الأكبر: غزو مدينة كبرى.

يسرد الفصل المحاولات الفاشلة لغزو حلب (حتى 1128)، ثم دمشق خلال الحملة الصليبية الثانية عام 1148، التي شارك فيها ملكا فرنسا وألمانيا لويس السابع وكونراد الثالث، وانتهت بفشل ذريع بعد وصول الجيش إلى أسوار المدينة وانسحابه المفاجئ. يمثل صعود نور الدين زنكي نقطة تحول محورية. يصفه الكاتب بأنه كان مختلفاً عن والده زنكي في تديّنه العميق والتزامه بالجهاد، وتمكن من ضم دمشق عام 1154، ليصبح يمتلك حلب ودمشق معاً، محاصراً مملكة القدس من الشمال والشرق.

انفتحت نافذة جديدة أمام مملكة القدس عندما ضعفت الدولة الفاطمية في مصر وتفككت. قام الملك أمالريك الأول بأربع حملات عسكرية على مصر بين عامي 1163 و1169، بهدف السيطرة عليها. في البداية نجح في إخضاعها وجعلها دولة تابعة، بل ورفع رايته على منارة الإسكندرية عام 1167. لكنه أفسد هذا الإنجاز بمحاولته غزو مصر بالكامل عام 1168، مما دفع الوزير شاور إلى الاستنجاد بـ نور الدين، الذي أرسل قائده أسد الدين شيركوه، ثم خلفه من بعده ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي الذي ألغى الخلافة الفاطمية. عند وفاة كل من نور الدين وأمالريك عام 1174، أصبح صلاح الدين القوة الصاعدة التي ضمت دمشق ثم حمص وحماة، وأخيراً حلب في عام 1183، محاصراً مملكة القدس بالكامل.

ينتهي الفصل بالحديث عن المواجهة الحاسمة. في صيف عام 1187، قرر صلاح الدين غزو مملكة القدس. في معركة حطين في الرابع من يوليو 1187، حاصر صلاح الدين الجيش الصليبي بالكامل وأجبره على القتال في موقع غير مواتٍ، مما أدى إلى هزيمة ساحقة للصليبيين ومقتل أو أسر معظم جيشهم. سقطت القدس في أكتوبر 1187. في تحليله الختامي، يقارن الكاتب بين المحاولات الصليبية الثلاث لغزو المدن الكبرى (حلب، دمشق، القاهرة) ويجد تشابهاً لافتاً في نمط فشلها: يبدأ الصليبيون بعلاقة تعاون مع نخب المدينة، ثم يقطعونها فجأة ويبدؤون هجوماً عسكرياً دون اقتحام فعلي للأسوار، فيكتفون بحصار سلبي حتى وصول تعزيزات، ثم ينسحبون. يطرح الكاتب تفسيرين: ضخامة هذه المدن ورهبة اقتحام شوارعها الضيقة، والعجز الاستراتيجي للصليبيين في الجمع بين سياسة التعاون مع النخب المحلية والهجوم العسكري الحاسم، على عكس القادة المسلمين الذين برعوا في هذا المزيج.

يبدأ الفصل الختامي بتأمل معاصر، حيث يربط الكاتب بين الصراعات التي دارت حول حلب في زمن الحروب الصليبية والوضع الراهن في شمال سوريا. يشير إلى التشابه اللافت بين الماضي والحاضر، حيث تتقاتل الفصائل العربية والتركية والكردية في لعبة سياسية معقدة، والغرب لا يزال متورطاً في صراع لا يفهمه إلا جزئياً. يبحث الكاتب في جذور هذه الصراعات المستعصية، ويرى أن الخطوط الفاصلة السياسية والعرقية والدينية في المنطقة عميقة وتاريخية، ولا يمكن حلها بسهولة. ينتقد الضغط الكبير على صناع القرار في الغرب لحل مشاكل الشرق الأوسط، معتبراً أن هذا التقييم يبالغ في تقدير قوة الغرب وتأثيره.

يتناول المؤلف المفارقة الغريبة في وضع الحروب الصليبية اليوم، فهي في نفس الوقت غير ذات صلة وذات صلة كبيرة بالشرق الأوسط الحديث. من ناحية، لا يمكن اعتبار معركة حقل الدم أو الحروب الصليبية ككل أسباباً مباشرة للأحداث المعاصرة. ومن ناحية أخرى، لا تزال الحروب الصليبية حاضرة بقوة، بسبب استغلال دعاة الجهاد لها كأداة دعائية لخلق سردية عنيفة، حيث يستخدمون مصطلح "صليبيين" لوصف أعدائهم، مع ظهور أفكار مماثلة في حركات اليمين المتطرف في الغرب. يختم الكاتب بملاحظة مهمة حول المفارقة في نظرتنا إلى العصور الوسطى، فبينما تُستخدم كلمة "عصور وسطى" اليوم كوصف للهمجية، إلا أن الفرسان الصليبيين ونظراءهم من الأتراك والعرب كانوا قادرين على إيجاد مساحة للاحترام والتعاون وحتى الصداقة عبر خطوط الحرب. كانت هناك مناسبات حيث كان بإمكان المحاربين، بعد انتهاء القتال، البحث عن أعدائهم وتبادل القصص حول بطولاتهم في المعركة. يختتم الكاتب بالقول إنه لا يوجد ما يكفي من ذلك اليوم، مشيراً إلى أن القدرة على تقدير الخصم كانت موجودة في زمن كان يعتبر أكثر وحشية، في حين أنها مفقودة في عالمنا المعاصر.

يقر المؤلف ضمنياً بحدود دراسته من خلال التركيز على صراع إقليمي حول حلب بدلاً من تقديم تاريخ شامل للدول الصليبية بأكملها، مما يترك الباب مفتوحاً لأسئلة أخرى حول أسباب الفشل في جبهات أخرى. كما يشير إلى تحول جذري في التركيز من أسئلة "لماذا فشلوا؟" إلى "لماذا لم ينجحوا؟"، وهي إعادة صياغة جريئة تقدم الصليبيين كضحايا نجاحهم الأولي الذي أوقف في لحظة حرجة.

من الناحية العلمية، هناك نقاط تستحق النقاش في حجة الكتاب. التركيز الحصري على حرب حلب (1118-1128) كسبب رئيسي لفشل المشروع الصليبي بأكمله قد يكون مبالغاً فيه، خاصة مع ظهور قادة أقوياء مثل عماد الدين زنكي ونور الدين وصلاح الدين بعد ذلك بفترة طويلة. النجاحات الصليبية اللاحقة، مثل السيطرة المؤقتة على مصر في عهد أمالريك الأول، تشير إلى أن الفرصة كانت لا تزال قائمة بعد عام 1128. كما أن فشل الحملة الصليبية الثانية على دمشق عام 1148، والتي كان بإمكان الصليبيين التفاوض بشأنها بدلاً من مهاجمة حليف محتمل، يطرح تساؤلات حول القرارات الاستراتيجية السيئة المتأخرة التي لا يمكن إرجاعها فقط إلى هزيمة حقل الدم. أخيراً، يعترف المؤلف بنفسه أن الصراع كان متعدد الأوجه ومعقداً، مما يضعف فكرة أن حادثتين محددتين فقط كانتا السبب الجذري لكل ما تلاها من إخفاقات.

Chapitres(6)

1.مقدمة12–21▼ résumé

يطرح هذا الفصل التمهيدي من كتاب "حقل الدم" لنيكولاس مورتون سؤالاً محورياً: لماذا فشلت الدول الصليبية في تحقيق أهدافها التوسعية الكبرى في الشرق الأدنى، على الرغم من أنها كانت قريبة جداً من النجاح الكامل؟ يرفض المؤلف الفكرة السائدة بين المؤرخين بأن سقوط هذه الدول كان محتوماً منذ البداية بسبب تفوق أعدائها العددي أو بُعدها عن أوروبا. بدلاً من ذلك، يقدم فرضية مفادها أن الصليبيين كانوا على وشك تحقيق أهدافهم، لكنهم توقفوا بسبب هزيمتين محددتين في حربهم للسيطرة على مدينة حلب بين عامي 1118 و1128، وهما معركة حقل الدم عام 1119 وفشل حصار حلب عام 1124-1125.

يسير الفصل خطوة بخطوة لبناء هذا السياق. يبدأ بسرد أسطوري من ملحمة Chanson des Chétifs عن المبارزة بين الفارس الصليبي الأسير بالدوين البوفيه والتنين ساتاناس. لا يقتصر دور هذه القصة على جذب القارئ، بل يستخدمها المؤلف كاستعارة قوية للواقع الذي عاشه الصليبيون الأوائل في الشرق. هم أيضاً كانوا غرباء في أرض مجهولة وخطيرة، محاطين بأعداء، ويعيشون على تخوم الأسطورة والتاريخ القديم. يوضح مورتون كيف أن بلاط إمارة أنطاكية، الذي كلف بكتابة هذه القصة في منتصف القرن الثاني عشر، وجد فيها انعكاساً لمخاوفهم وطموحاتهم، فحكاية البطل الوحيد الذي يواجه وحشاً خرافياً تشبه محاولتهم البطولية لبناء دول جديدة في مواجهة الصعاب.

بعد هذه المقدمة الأدبية، ينتقل الفصل إلى تحليل استراتيجي محض. يحدد المؤلف مرحلتين للتوسع الصليبي: الأولى كانت بناء مناطق خلفية حول المدن التي سيطروا عليها (الرها، أنطاكية، القدس، وطرابلس) وتأمين الموانئ لخطوط الإمداد مع أوروبا. أما الثانية، والأكثر أهمية، فكانت غزو مراكز القوى الرئيسية لأعدائهم: حلب، دمشق، والقاهرة. كان نجاح هذه المرحلة هو العامل الحاسم لبقائهم وتوسعهم. ثم يطرح المؤلف حجته الرئيسية: بدلاً من التركيز على أسباب الانهيار النهائي لعام 1187 (صلاح الدين) و1291 (سقوط عكا)، يركز هذا الكتاب على اللحظة التي توقف فيها الزحف الصليبي. يحدد حرب حلب (1118-1128) كنقطة تحول كبرى، حيث كان الصليبيون على وشك السيطرة على هذه المدينة الحيوية، لكن هزيمتهم في حقل الدم كسرت زخمهم التوسعي.

يخص الفصل مساحة مهمة لتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الحروب الصليبية. يؤكد المؤلف أن الصراع لم يكن ببساطة بين مسيحيين ومسلمين، بل كان شديد التعقيد ومتعدد الأطراف، ضم فرنجة، أتراكاً، أرمن، عرباً، وبيزنطيين. ويستشهد مرة أخرى بقصة بالدوين والتنين، حيث كان الأتراك أسراه، لكنهم في نفس الوقت أصدقاؤه الذين سارعوا لنجدته، مما يوضح أن التحالفات كانت تتشكل عبر الانقسامات العرقية والدينية، وكان الأتراك أنفسهم منقسماًين بشدة، وقد استفاد الصليبيون من حربهم الأهلية. يختم الفصل بمقدمة للفصول التالية، مؤكداً أن الكتاب سيتناول الصراع من وجهات نظر جميع الأطراف، وسيختتم بمناقشة الحملات الفاشلة اللاحقة ضد دمشق والقاهرة، مجيباً بذلك على السؤال الأوسع حول سبب الفشل النهائي للمشروع الصليبي.

يعترف المؤلف ضمنياً بحدود دراسته من خلال التركيز على صراع إقليمي (حلب) بدلاً من تقديم تاريخ شامل للدول الصليبية بأكملها، مما يترك الباب مفتوحاً لأسئلة أخرى. كما يوضح أن حجته تقوم على تحول جذري في التركيز: من أسئلة "لماذا فشلوا؟" و"متى انهاروا؟"، إلى أسئلة "لماذا لم ينجحوا؟" و"كيف أوقف أعداؤهم تقدمهم؟". هذه إعادة صياغة جريئة للتاريخ الصليبي، حيث تقدم أن الصليبيين لم يكونوا محكوم عليهم بالفشل بقدر ما كانوا ضحايا نجاحهم الأولي الذي أوقف في لحظة حرجة.

1.المهندسون المتنافسون للدول الصليبية: بالدوين من بولون وتانكرد من هوتفيل (1100–1110)22–53▼ résumé

بدأ الفصل الأول من كتاب "حقل الدم" لنيكولاس مورتون بسرد محفوف بالمخاطر للرحلة التي قام بها بالدوين البولوني من مدينة الرها في الشمال إلى القدس في الجنوب، بعد وفاة شقيقه جودفري حاكم القدس. كان بالدوين يعلم أن الطريق محفوف بالأعداء، خصوصاً وأن منافسه تانكرد الهوتفيل كان له طموحاته الخاصة، لكنه أصر على المضي قدماً. في ممر ضيق عند نهر الكلب شمال بيروت، نصب له أعداؤه الأتراك كميناً محكماً، ووجد بالدوين نفسه محاصراً مع قوة صغيرة لا تتجاوز 160 فارساً و500 جندي مشاة. في ليلة مظلمة، بدا أن حلمه في الوصول إلى القدس قد تلاشى.

في صباح اليوم التالي، لجأ بالدوين إلى حيلة ذكية قلبت الموازين. تظاهر بالانسحاب إلى أرض منبسطة، وعندما اندفع الأتراك خلفه ظناً منهم أنهم يطاردون جيشاً منهزماً، أمر فرسانه بتنفيذ هجوم مضاد عنيف. استغل بالدوين نقطة الضعف المعروفة لدى الأتراك، وهي أن أقواسهم المصنوعة من العظم والقرن تتعطل في المطر، لكن الأهم أنه استخدم تكتيك الكرّ والفر الذي اشتهر به الأتراك نفسه ضدهم. كان هذا الهجوم بمثابة ضربة صاعقة، وكسب بالدوين معركة كان يعتقد أنها خاسرة. بعد ذلك بأسابيع، في عيد الميلاد عام 1100، تُوج بالدوين ملكاً على القدس، ليبدأ فصل جديد من الصراع على البقاء.

يصف الفصل التحديات الجسيمة التي واجهها بالدوين فور توليه الحكم، والتي كانت مشتركة بين جميع الدول الصليبية الناشئة. كانت مملكة القدس مجرد مجموعة من البلدات الصغيرة الفقيرة، تفتقر إلى الموارد المالية والبشرية، وتحيط بها أعداء أقوياء مثل دمشق وحلب والخلافة الفاطمية في مصر. أما في الشمال، فكانت إمارة أنطاكية تحت حكم بوهيمند التارانتي، وكنتية الرها، التي أسسها بالدوين قبل أن يصبح ملكاً، تعاني من نقص مماثل. هذه الدول الوليدة كانت بحاجة ماسة إلى التوسع العسكري لتأمين الموارد، وهو ما جعل سياستها الخارجية عدوانية للغاية، قائمة على مبدأ "توسع أو تغرق".

يتتبع المؤلف نشأة هذه الدول من البداية، فيعود إلى النداء الذي أطلقه البابا أوربان الثاني عام 1095 في كليرمونت والذي أشعل شعلة الحملة الصليبية الأولى. يصف التجمّع المهيب للفرسان والنبلاء أمام أسوار القسطنطينية، والعلاقة المتوترة مع الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول كومنينوس، الذي أجبر القادة على قسم الولاء. كان تانكرد الهوتفيل من أشد المعارضين لهذا القسم، مما أظهر مبكراً شخصيته المتمردة والعنيدة التي ستشكل مستقبل الشرق اللاتيني. بعد ذلك، سارت الحملة لتحقيق انتصاراتها الكبرى، بدءاً من نيقية (1097)، وصولاً إلى الحصار المرهق لأنطاكية الذي انتهى باستيلاء بوهيمند عليها لنفسه عام 1098، مؤسساً بذلك إمارة أنطاكية.

يسلط الفصل الضوء على التوتر المبكر بين بالدوين وتانكرد، والذي بدأ أثناء زحف الحملة الصليبية عبر قليقيا. في مدينتي طرسوس والمصيصة، تصارع الرجلان للسيطرة على الأراضي الجديدة، وتطور الخلاف إلى اشتباك دموي جعل كل منهما يتجنب الآخر لثلاث سنوات. ثم يوضح كيف تباينت استراتيجياتهما، فبينما انفصل بالدوين عن الجيش الرئيسي ليتجه شرقاً ويؤسس كونتية الرها بدعم من الأرمن، واصل تانكرد مسيرته مع خاله بوهيمند. بعد تتويج بالدوين ملكاً، عادت العداوة إلى الواجهة، ورفض تانكرد الاعتراف بسلطته، وكاد الأمر أن يصل إلى حرب أهلية لولا تدخل القدر؛ إذ أُسر بوهيمند، ودُعي تانكرد لحكم أنطاكية بالنيابة عنه، مما دفعه للتخلي عن مطالبه في القدس والاتجاه شمالاً.

يحلل الفصل الأهداف الاستراتيجية الكبرى للصليبيين، والتي تمحورت حول السيطرة على ثلاث مدن رئيسية: القاهرة (مصر الغنية بمواردها وثرواتها)، دمشق (المفصل الحيوي الذي يقطع الاتصال بين مصر والشمال)، وحلب (المدينة القوية التي تسيطر على طرق المواصلات مع الشرق). كانت هذه المدن تمثل المفاتيح لسيطرة الصليبيين على الشرق بأكمله، لكنها كانت قوية جداً بحيث لا يمكن مهاجمتها مباشرة في البداية. لذلك، ركز بالدوين الأول على تأمين الموانئ الساحلية مثل عكا وبيروت وصيدا لفتح قنوات الإمداد مع أوروبا، بينما وجه تانكرد أنظاره نحو إخضاع المناطق المحيطة بحلب.

يصل السرد إلى ذروته في معركة حران عام 1104، والتي اعتبرها المؤلف نقطة تحول دراماتيكية. كانت هذه أول هزيمة كبرى للصليبيين في الشرق، وجاءت نتيجة لتضافر عوامل؛ أبرزها الخلافات الداخلية بين القادة، والافتقار إلى الوحدة، وإحباط القوات الأرمينية التي شعرت بالإهانة من سوء معاملة بعض الفرسان. هزيمة بلدوين البورقي (حاكم الرها) وأسره، وما تلاها من انهيار في دفاعات أنطاكية وفقدان العديد من المدن، أثبتت ضعف الوجود الصليبي وهشاشته. أظهرت المعركة أن أي هزيمة كبيرة قد تؤدي إلى رد فعل متسلسل من التمرد والغزو، يهدد بإنهاء الوجود الصليبي برمته، وأن التعاون بين الدول الصليبية لم يكن ترفاً بل ضرورة للبقاء.

وسط هذا الفشل، برز تانكرد كقائد لا يهدأ. بعد هزيمة حران، قام بدور المنقذ، فتولى حكم الرها مؤقتاً، ثم أصبح الحاكم الفعلي لأنطاكية بعد أن غادر بوهيمند إلى الغرب. استغل تانكرد هذه الفرصة بحنكة وشراسة، فشن حملات مضادة استعاد خلالها الأراضي المفقودة وزاد الضغط على حلب. لم يكن تانكرد محارباً فحسب، بل كان دبلوماسياً ماهراً أيضاً؛ فقد أقام علاقات جيدة مع الأرمن والمسلمين المحليين، وأدرك أهمية احترام المصالح المحلية لتثبيت حكمه. يذكر المؤلف أن المؤرخ الأرمني متى الرهاوي وصفه بعد موته بأنه رجل قديس، مما يعكس دهاءه السياسي وقدرته على كسب ولاء من يحكمهم.

يختتم الفصل بالحدث الذي وحد الصليبيين أخيراً ومكنهم من تجاوز خلافاتهم، وهو سقوط مدينة طرابلس عام 1109. تُظهر قصة سقوط طرابلس كيف أن التنافس بين القادة يكاد يكون مدمراً، فبعد وفاة ريموند تولوز أثناء حصارها، تصارع اثنان من أقاربه، وليام جوردن وبرتراند، على وراثة حكمها. لجأ كل منهما إلى حليف قوي؛ فتحالف وليام مع تانكرد، وتحالف برتراند مع الملك بالدوين الأول، وكاد أن ينشب حرب أهلية طاحنة. لحسن الحظ، تدخل بالدوين كوسيط وتم التوصل إلى تسوية وزعت النفوذ بين الأطراف دون إراقة دماء. هذا الاتفاق، كما يشير المؤلف، كان لحظة تأسيسية في استقرار الدول الصليبية الأربع، لكنه ترك السؤال مفتوحاً حول أي من القوتين العظميين، أنطاكية أم القدس، ستتفوق على الأخرى، وهو الصراع الذي سيحدد مسار السنوات القادمة.

3.المعركة (1119)57–118▼ résumé

يُحلّل هذا الفصل التحولات الجيوسياسية في شمال سوريا بين عامي 1111 و1119، مركزاً على الصراع المعقد بين الصليبيين والأتراك والعرب، وكيف أن العلاقات بين هذه القوى لم تكن قائمة على عداوة دينية بسيطة بل على تحالفات ومصالح متغيرة. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن نجاحات الحملة الصليبية الأولى (مثل هزيمة الجيوش التركية) خلقت نافذة من الفرص للطوائف العربية والأرمنية الخاضعة للترك، لكنها في الوقت نفسه زرعت بذور صراع جديد مع الفرنجة الذين تحولوا بسرعة من محررين محتملين إلى غزاة جدد.

يسير الفصل بتتبع استراتيجية بني منقذ (حكام شيزر) للبقاء بين قوتين عظميين: الأتراك والفرنجة. يبدأ الفصل بصورة شيزر المحاصرة من قبل تانكرد أمير أنطاكية في ربيع 1111، حيث بنى قلعة لخنق المدينة. يصف الفصل كيف تمكن سلطان بن منقذ من إنقاذ مدينته بالتحالف مع جيش تركي كبير بقيادة مودود والي الموصل، الذي أرسله السلطان التركي محمد بعد توسلات من تجار حلب. يصل الجيش التركي، ويحدث جمود على ضفاف نهر العاصي، ويضطر الفرنجة للانسحاب بعد أيام. هذا الانتصار يُظهر براعة المناورات السياسية لبني منقذ، حيث استطاعوا استخدام الأتراك لصد الفرنجة دون أن يصبحوا تابعين لأي منهما.

يتعمق الفصل بعد ذلك في شرح هشاشة السلطة التركية، مستنداً إلى تاريخ غزواتهم. يوضح أن الأتراك، رغم قوتهم، كانوا غزاة حديثين ومقسّمين داخلياً. يصف الفصل كيف أن موت السلطان ملك شاه في 1092 أدى إلى حرب أهلية بين أبنائه، مما ألهى الأتراك عن التهديد الصليبي. ويضرب مثالاً بحملة القائد جاولي في 1106-1107، الذي أُرسل لمحاربة الفرنجة لكنه انتهى به الأمر بمحاربة أمراء أتراك آخرين، مما أتاح للفرنجة التوسع بحرية. يصل الفصل إلى ذروته بوصف حملة بُرسق في 1115، حيث تحالف أمراء أتراك محليون مثل طغتكين وإلغازي مع الفرنجة لمحاربة جيش السلطان نفسه، خوفاً من فقدان استقلالهم. وينتهي هذا القسم بهزيمة بُرسق في معركة تل دانيث، مما يؤكد عمق الانقسام داخل العالم التركي.

في القسم الأخير، يصف الفصل كيف استغل الفرنجة هذا الضعف التركي لفرض هيمنتهم على حلب بين عامي 1115 و1118. بعد وفاة رضوان، الخصي لولو، ثم مقتله، أصبحت حلب في حالة فوضى، وتناوبت الفصائل على السلطة. في نهاية المطاف، اضطرت المدينة إلى طلب الحماية من أنطاكية، ومنح الفرنجة ضرائب كبيرة. بحلول 1118، كانت حلب تحت الهيمنة الفرنجية بالكامل تقريباً، وأصبح الفرنجة على أعتاب السيطرة على سوريا بأكملها. يختم الفصل بتأملات واسعة حول طبيعة هذه الحروب، رافضاً فكرة أنها صراع بسيط بين المسيحية والإسلام، ويشير بدلاً من ذلك إلى أنها كانت فوضى من المصالح المتقاطعة، حيث تحالف المسيحيون مع المسلمين ضد مسلمين آخرين، والعكس صحيح، في مشهد من التبادل الثقافي والصراع الوحشي في آن واحد.

4.حقول الدم (1120–1128)119–154▼ résumé

بدأ هذا الفصل بوصف تداعيات هزيمة "حقل الدم" التي مُني بها الفرنجة في أنطاكية عام 1119، والتي أوقفت زحفهم المسيحي في شمال سوريا. لم تعد إمارة أنطاكية تملك الموارد اللازمة للدفاع عن حدودها، ناهيك عن شن حروب توسعية، إلا أن الصراع على حلب لم ينتهِ. كان الملك بالدوين الثاني ملك القدس مصمماً على الاستيلاء على المدينة، وسعى لتحقيق هذا الهدف بنشاط في السنوات التالية للمعركة، آملاً استعادة زخم التوسع الذي كان سائداً في عهد حكام أنطاكية السابقين. لكن العقبات التي اعترضت الطريق إلى حلب كانت أكبر بكثير مما كانت عليه قبل المعركة، إذ بات للمدينة الآن مدافع قوي.

بحلول أغسطس من عام 1121، تبين أن العام سيكون سيئاً لـإيلغازي. فقد استجاب لنداء استغاثة من الحكام الأتراك في الشمال، حيث كان الملك داود الثاني البنّاء ملك جورجيا يهدد مدينة تبليسي. على الرغم من أن هذه الجبهة كانت بعيدة عن مناطق نفوذ إيلغازي الأساسية في الجزيرة، إلا أنه حشد قواته وانضم إلى الحملة، التي انتهت بهزيمة ساحقة للأتراك. سقط آلاف القتلى، وأُسر عدد أكبر، واضطر إيلغازي إلى الانسحاب بخزي. لكن الكوارث لم تتوقف عند هذا الحد، ففي طريق عودته، بلغه أن ابنه شمس الدولة، حاكم حلب، قد تمرد وأعدم نواب إيلغازي في المدينة.

وزاد الطين بلة أن الملك بالدوين الأول كان قد بدأ بالفعل في الضغط على حلب قبل أن يتوجه إيلغازي إلى جورجيا. فقد شن هجمات في ربيع عام 1121 على معاقل حدودية مثل الأثارب وزردنا، لكنها لم تنجح. ومع ذلك، دفعت هذه الهجمات إيلغازي إلى طاولة المفاوضات لتأمين السلام قبل مغادرته. قدم تنازلات كبيرة، منها السماح للفرنجة بجمع الضرائب من أراضي حلب والوعد بتسليمهم عدة حصون. وعندما عاد إيلغازي إلى بلاده، كانت سلطته على المحك؛ فرغم كل انتصاراته عام 1119، كانت حلب على وشك الانزلاق من قبضته مرة أخرى.

وصل إيلغازي إلى حلب في نوفمبر 1121، واستقبله ابنه شمس الدولة الذي فقد أعصابه وحاول الصلح. دخل إيلغازي المدينة بموكب فخم ليذكر أهلها بعظمته، وخفض الضرائب للمرة الثانية منذ 1120 لكسب دعمهم. كما بدأ في إقامة علاقات مواتية مع الحشاشين، مثلما فعل سلفه رضوان، وعاقب المتآمرين حول ابنه بتعذيب وحشي بليغ، حيث اقتلع ألسنتهم وقلع أعينهم وقطع أيديهم وأرجلهم. نجا ابنه من العقاب البدني لكنه هرب إلى دمشق.

في يونيو 1122، توجه إيلغازي لاستعادة زردنا، مدعوماً بابن أخيه بالك وحليفه طغتكين. لكن الملك بالدوين الثاني اعتمد استراتيجية المطاردة، محتلاً مواقع دفاعية قوية ورفض خوض معركة مباشرة. نجحت هذه الخدعة، فانسحبت قوات إيلغازي دون تحقيق أي شيء. كانت هذه آخر حملة لإيلغازي، إذ مرض وتوفي بعدها بفترة وجيزة في نوفمبر 1122. أدى موته إلى فراغ في السلطة، وسارع الفرنجة لاستغلاله بمهاجمة المناطق الواقعة شرق حلب، وحصلوا على الأثارب في إبريل 1123 مقابل انسحابهم.

سرعان ما ظهر زعيم تركمي جديد هو بالك، ابن أخ إيلغازي. كان بالك قائداً مخضرماً، خاض حروباً ضد أعداء متعددين بدعم من رجال قبائل موالين له. أول لقاء له بالفرنجة كان خلال الحملة الصليبية الأولى، حين كان يحكم سروج. حاول التحالف مع بالدوين البولوني (لاحقاً بالدوين الأول)، لكن التحالف فشل، وأجبر على ترك المدينة. ظهر بالك لاحقاً في خدمة عمه إيلغازي، وفي حوالي عام 1113، حصل على قلعة خرتبرت في وسط الأناضول.

اندفع بالك بقوة إلى الصراع مع الفرنجة في سبتمبر 1122، حين شن غارة على أراضي الرها متجهاً نحو حصنه خربت. في اشتباك صغير، استدرج بالك الكونت جوسلين أمير الرها ومئة فارس إلى أرض مستنقعية، حيث غرست خيولهم المدرعة في الوحل، وأصبحوا أهدافاً سهلة للسهام. أُسر جوسلين، ونُقل إلى قلعة خربت. نمت قوة بالك بعد وفاة إيلغازي، وشن هجوماً على بلدة جرجر. في أبريل 1123، نصب كميناً ناجحاً للملك بالدوين الثاني، الذي كان يتقدم بسرعة مع حرس خفيف، ووقع الملك في الأسر مع جوسلين في خربت. أصبح لدى بالك الآن اثنان من أهم حكام الفرنجة في قبضته.

كان هدف بالك التالي هو حلب، أعظم جائزة في سوريا الشمالية. في مايو 1123، استولى على حران شرق حلب، ثم فرض حصاراً على حلب نفسها، وأحرق المحاصيل وأحدث مجاعة. بحلول أواخر يونيو 1123، فتحت المدينة أبوابها لبالك. على الرغم من قسوته كغازٍ، كان بالك حاكماً معتدلاً نسبياً، وأشاد به المؤرخون المسيحيون الشرقيون لصرامته في حماية حقوق رعاياه.

لكن في أغسطس 1123، حدث ما لم يكن متوقعاً؛ إذ تمكن جوسلين وبالدوين من الفرار من قلعة خربت بمساعدة مجموعة من المحاربين الأرمن. كان الأرمن شعباً مسيحياً طويل الأمد، وقد عانوا من الغزوات التركية، وكانت علاقتهم مع الفرنجة متوترة أحياناً، لكن التعاون كان ممكناً. تظاهر الأرمن بأنهم فلاحون، وتمكنوا من نزع سلاح الحراس وتحرير السجناء. أسرع جوسلين بالفرار والعودة إلى الأراضي المسيحية، بينما عاد بالك مسرعاً إلى خربت. أعدم بالك الأرمن سلخاً أحياء، وأعاد احتلال القلعة حيث بقي بالدوين أسيراً.

أثار انتقام جوسلين ردود فعل عنيفة. أرسل قواته لتدمير أراضي حلب وأحرق البساتين والمقابر والمساجد. رداً على ذلك، هدم أهالي حلب الكنائس المسيحية أو حوّلوها إلى مساجد. في يناير 1124، تحالف أقسنقر وطغتكين مع بالك وهاجموا قلعة آزاز على الحدود الأنطاكية. فشل الحصار، لكن بالك عاد لقتال أمير متمرد في منبج، وهناك، في 5 مايو 1124، اشتبك مع جوسلين في معركة شرسة حقق فيها النصر. لكن ثقته الزائدة أودت به، فبينما كان ينظم منجنيقاته دون درعه، أصابه سهم من أحد المدافعين عن منبج في كتفه الأيسر ومات. ذكره المؤلفون المسلمون كبطل للجهاد، رغم أن التزامه بقتال الفرنجة لم يستمر سوى عامين.

بعد موت بالك، تولى تيمورتاش، ابن إيلغازي، السلطة في حلب. في 25 يوليو 1124، أبرم معاهدة مع جوسلين لإطلاق سراح بالدوين الثاني مقابل فدية ضخمة قدرها ثمانون ألف دينار، وتسليم حصون حدودية رئيسية مثل الأثارب وزردنا وآزاز. أُطلق سراح بالدوين واستقبل في شيزر، لكنه نقض وعده بعدم دفع الفدية أو تسليم الحصون، وقرر بدلاً من ذلك شن هجوم مباشر على حلب، متحالفاً مع دبيس بن صدقة، زعيم قبيلة بني مزيد العربية. كان دبيس عدواً ألدّاً للسلاجقة، وكان تيمورتاش يخاف منه. في أكتوبر 1124، حاصر الفرنجة والعرب حلب معاً. دام الحصار شتاءً قاسياً، وانتشرت المجاعة والأمراض في المدينة، ولجأ بعض السكان إلى أكل الموتى.

لكن تيمورتاش لم يحرك ساكناً لنجدة حلب. بدلاً من ذلك، تحرك أقسنقر، حاكم الموصل، لنجدة المدينة، مدفوعاً برغبته في السيطرة عليها وبغضه الشديد لدبيس. جمع جيشاً قوامه سبعة آلاف مقاتل وأربعة آلاف جمل. رفض بالدوين الثاني نصيحة دبيس باعتراض أقسنقر عند عبوره الفرات، خوفاً من الخسائر الفادحة في الأراضي المعادية. في يناير 1125، رفع بالدوين الحصار وانسحب، ودخل أقسنقر حلب حاكماً جديداً.

بعد انسحابه، عاد بالدوين الثاني إلى القدس في أبريل 1125، منهياً الصراع النشط على حلب. كانت القدس تحتاج إليه بعد غياب طويل، خاصة بعد أن تآمر بعض النبلاء لعزله. وبالفعل، سرعان ما اضطر للتوجه شمالاً للدفاع عن أنطاكية ضد هجوم بقيادة أقسنقر وطغتكين. نجح في تحقيق نصر حاسم في آزاز في مايو 1125 باستخدام تكتيك التراجع الوهمي والهجوم المفاجئ، لكنه لم يستغل انتصاره بالتقدم نحو حلب. بدلاً من ذلك، أبرم هدنة وعاد جنوباً، منتقلاً من الهجوم إلى الدفاع.

أفاد الصراع المستمر على حلب مملكة القدس بشكل غير مباشر، حيث أبعد أعداءها الرئيسيين مثل طغتكين عن مهاجمتها. بينما كان بالدوين مشغولاً في الشمال، تمكنت المملكة من مواجهة تهديد الفاطميين. في ربيع 1123، حاصر جيش فاطمي كبير ميناء يافا، لكن القوات الصليبية تمكنت من إجبارهم على الانسحاب. كما حقق أسطول البندقية انتصاراً بحرياً حاسماً على الأسطول الفاطمي قرب عسقلان.

توجت هذه الفترة بتحقيق الهدف المنشود: الاستيلاء على مدينة صور عام 1124. كانت صور آخر ميناء فاطمي على الساحل، ويمثل الاستيلاء عليه ضربة قوية للقوة البحرية الفاطمية. حاصرتها القوات الصليبية بمساعدة أسطول البندقية، واستسلمت في 29 يونيو 1124 بعد مقاومة بطولية حتى حدود المجاعة. مع سقوط صور، أصبحت مملكة القدس القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة، فيما بقيت أنطاكية منهكة الحدود.

مع فشل الاستيلاء على حلب، حوّل بالدوين الثاني اهتمامه نحو دمشق، التي يمكن مهاجمتها مباشرة من مملكته. أرسل سراياه إلى أراضي دمشق، وأعلن في عيد الميلاد عام 1125 عزمه على تجميع كامل قوة المملكة للتوجه شرقاً. ولكن، كما أشار الفصل، كان السيف لا يزال مسلطاً على مستقبل المنطقة، ومع وفاة بالدوين الثاني، كان الصراع على شمال سوريا لا يزال مفتوحاً.

في ختام الفصل، يقر المؤلف بأن الصراع على حلب كان محورياً للغاية، إذ امتص قوى جميع الأطراف المتحاربة، مما أتاح لمملكة القدس أن تنمو وتتعزز في سلام نسبي. بينما نجح الفرنجة في تحقيق مكاسب إقليمية هامة مثل صور، إلا أن حلب ظلت بعيدة المنال، مما دفع بالدوين الثاني لتحويل تركيزه نحو دمشق. يُظهر الفصل كيف أن النجاحات العسكرية الكبيرة لم تؤد بالضرورة إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وكيف أن التحالفات المعقدة بين العرب والأتراك والفرنجة كثيراً ما كانت تتغير بناءً على المصالح اللحظية، وليس على أسس دينية أو عرقية ثابتة. هذا التجاذب المستمر جعل الصراع في شمال سوريا دوامة لا تنتهي من العنف والمكائد.

5.العواقب (1128–1187)155–185▼ résumé

يبدأ هذا الفصل بوصف المشهد الطبيعي والبشري للإمارات الصليبية حوالي عام 1150، متخذاً من هجرة الطيور السنوية من أوروبا إلى أفريقيا عبر بلاد الشام خيطاً سردياً لرسم صورة حية لهذه الممالك الثلاث: إمارة أنطاكية وكونتية طرابلس ومملكة بيت المقدس. يصف الكاتب الثراء الزراعي والاقتصادي لهذه المناطق، من كروم العنب وحقول القطن في أنطاكية، إلى مزارع قصب السكر في مملكة القدس، وصولاً إلى الموانئ المزدهرة مثل صور وعكا، التي كانت مراكز تجارية عالمية تمتزج فيها الثقافات والأديان. كما يسلط الضوء على الكنائس المهيبة، مثل كنيسة القيامة في القدس وكنيسة المهد في بيت لحم، والتنوع الديني الذي سمح للمسلمين والمسيحيين واليهود بممارسة شعائرهم بحرية نسبية.

لكن هذا الازدهار كان يخفي واقعاً جيوسياسياً قاتماً. كان سقوط كونتية الرها عام 1144 بمثابة صدمة، وأظهر هشاشة المواقع الصليبية التي لم تتمكن من التوسع داخلياً. يدور المحور الأساسي للفصل حول فشل الصليبيين في تحقيق هدفهم الاستراتيجي الأكبر: غزو مدينة كبرى في العمق لضمان بقائهم وتوسعهم. يذكر الكاتب أن هذه المحاولات تركزت على ثلاث مدن رئيسية هي حلب ودمشق والقاهرة، وقد فشلت جميعها.

يسرد الفصل المحاولات الأولى في شمال سوريا، حيث استمر الصراع على حلب من عام 1118 حتى 1128، لكن وصول عماد الدين زنكي إلى السلطة في حلب عام 1128 وضع حداً للطموحات الصليبية في الشمال، وجعل زنكي القوة المهيمنة في سوريا والجزيرة. بعد سقوط الرها، تحول تركيز مملكة القدس نحو دمشق، حيث تخلت عن دبلوماسية التحالف التي اتبعتها مع المدينة لمواجهة زنكي، وقررت مهاجمتها مباشرة خلال الحملة الصليبية الثانية عام 1148. يشرح الفصل تفاصيل هذه الحملة، التي شارك فيها ملكا فرنسا وألمانيا لويس السابع وكونراد الثالث، لكنها انتهت بفشل ذريع بعد وصول الجيش إلى أسوار دمشق وانسحابه بشكل مفاجئ، مما أثار جدلاً واسعاً حول أسباب الانسحاب، وسط اتهامات بالرشوة أو الخلاف على حكم المدينة.

يمثل صعود نور الدين زنكي نقطة تحول محورية. يصفه الكاتب بأنه كان مختلفاً عن والده زنكي في تديّنه العميق والتزامه بـ الجهاد ضد الصليبيين، حيث بنى المساجد والمدارس الدينية وأعلن أن استعادة القدس هي هدف حكمه، بل إنه أمر بصنع منبر ليُوضع في المسجد الأقصى بعد تحرير المدينة. تمكن نور الدين من ضم دمشق عام 1154 بعد حصار، لينهي بذلك آمال الصليبيين في السيطرة عليها، وأصبح يمتلك حلب ودمشق معاً، مما جعله يحيط بمملكة القدس من الشمال والشرق.

لم يستطع نور الدين حسم الأمور بشكل كامل رغم تفوقه، وكانت المعارك بينه وبين الصليبيين سجالاً. لكن نافذة جديدة انفتحت أمام مملكة القدس عندما ضعفت الدولة الفاطمية في مصر وتفككت. قام الملك أمالريك الأول (ملك من 1163 إلى 1174) بأربع حملات عسكرية على مصر بين عامي 1163 و1169، بهدف السيطرة عليها. في البداية نجح في إخضاعها وجعلها دولة تابعة تدفع الجزية، بل ورفع رايته على منارة الإسكندرية عام 1167. لكنه أفسد هذا الإنجاز بمحاولته غزو مصر بالكامل عام 1168، مما دفع الوزير شاور إلى الاستنجاد بـ نور الدين، الذي أرسل قائده أسد الدين شيركوه. تدخل شيركوه وقتل شاور، وأصبح هو الوزير، ثم خلفه من بعده ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي الذي ألغى الخلافة الفاطمية وأعلن الخلافة العباسية السنية.

عند وفاة كل من نور الدين وأمالريك عام 1174، أصبح صلاح الدين القوة الصاعدة. واجه الفصل الداخلي بين ورثة نور الدين، وسرعان ما ضم دمشق ثم حمص وحماة، لكنه فشل في البداية في الاستيلاء على حلب. خاض حروباً طويلة ضد الأسرة الزنكية، وأخيراً تمكن من ضم حلب في عام 1183، ثم الموصل بعدها بثلاث سنوات. وبذلك أصبح صلاح الدين يسيطر على مصر ودمشق وحلب والجزيرة، محاصراً مملكة القدس بالكامل.

ينتهي الفصل بالحديث عن المواجهة الحاسمة. في صيف عام 1187، قرر صلاح الدين أن يفي بوعوده ويغزو مملكة القدس بعد أن أحكم السيطرة على المناطق المحيطة بها. يواجه الفصل النقاش الذي دار بين قادة الصليبيين في معسكرهم في صفورية؛ إذ نصح ريموند الثالث كونت طرابلس بعدم التوجه لمهاجمة صلاح الدين المحاصر لـ طبريا (وهي مدينة ريموند نفسه)، بل البقاء في موقعهم وقطع خطوط الإمداد عنه. لكن الملك غي دي لوزينيان، الذي كان حكمه مثيراً للجدل وضعيفاً، استسلم لضغوط بعض القادة. تحرك الجيش الصليبي في حرارة يوليو الشديدة، لكنه فشل في الوصول إلى طبريا ونفد ماؤه. حاصر صلاح الدين الجيش الصليبي بالكامل وأجبره على القتال في موقع غير مواتٍ، مما أدى إلى معركة حطين في الرابع من يوليو 1187 والتي انتهت بهزيمة ساحقة للصليبيين ومقتل أو أسر معظم جيشهم. انهارت المملكة بعدها، وسقطت القدس في أكتوبر 1187، ولم يصمد سوى صور.

في تحليله الختامي، يقارن الكاتب بين المحاولات الصليبية الثلاث لغزو المدن الكبرى (حلب، دمشق، القاهرة) ويجد تشابهاً لافتاً في نمط فشلها: يبدأ الصليبيون بعلاقة تعاون مع نخب المدينة، ثم يقطعونها فجأة ويبدأون هجوماً عسكرياً دون أن يقوموا باقتحام فعلي للأسوار، فيكتفون بحصار سلبي حتى وصول تعزيزات تركية، ثم ينسحبون دون قتال حقيقي. يطرح الكاتب تفسيرين محتملين لهذا الفشل المتكرر: أولاً، ضخامة هذه المدن ورهبة اقتحام شوارعها الضيقة المليئة بالأعداء، مما جعل القادة الصليبيين يترددون في تنفيذ هجوم مباشر. ثانياً، العجز الاستراتيجي لديهم في الجمع بين سياسة التعاون مع النخب المحلية والهجوم العسكري الحاسم، على عكس القادة المسلمين الذين برعوا في هذا المزيج. فمعركة حطين وسقوط القدس هما، حسب الكاتب، النتيجة النهائية لهذا النمط المتكرر من الفشل في اختراق العمق لإنشاء دولة قوية، وليس مجرد نتيجة حتمية لقوة المسلمين.

6.خاتمة186–227▼ résumé

يبدأ هذا الفصل الختامي من كتاب "حقل الدم" لنيكولاس مورتون بتأمل معاصر، حيث يربط الكاتب بين الصراعات التي دارت حول حلب في زمن الحروب الصليبية والوضع الراهن في شمال سوريا. يشير إلى أن المشاهد المؤلمة لحلب المحاصرة اليوم تذكرنا بالحروب الماضية، لكن التكلفة البشرية الآن أكبر بكثير بسبب الكثافة السكانية الأعلى وقوة التدمير الهائلة للأسلحة الحديثة. يرى الكاتب أن هناك تشابهاً لافتاً بين الماضي والحاضر، حيث تتقاتل الفصائل العربية والتركية والكردية في لعبة سياسية معقدة، ويختلط فيها دعاة الجهاد مع آخرين تسعى وراء المال أو السلطة أو البقاء. ويضيف أن الغرب لا يزال متورطاً في صراع لا يفهمه إلا جزئياً، وتفشل محاولاته للسيطرة عليه بسبب استغلال الفصائل المحلية لتدخلاته لمصلحتها الخاصة.

يبحث الكاتب في جذور هذه الصراعات المستعصية، ويرى أن الخطوط الفاصلة السياسية والعرقية والدينية في المنطقة عميقة وتاريخية، ولا يمكن حلها بسهولة. ينتقد الضغط الكبير الذي يمارس على صناع القرار، خاصة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، لحل مشاكل الشرق الأوسط، معتبراً أن هذا التقييم يبالغ بشكل كبير في تقدير قوة الغرب وتأثيره. ويؤكد أن العديد من القضايا الأساسية في المنطقة أقدم من العالم الحديث، بل وأقدم من الحروب الصليبية نفسها. فالتوترات كانت قائمة حتى عندما كانت الحروب الصليبية في بدايتها. ويخلص إلى أن الحل الدائم لا يمكن أن يتحقق على المستوى الشعبي إلا عندما تواجه كل الفصائل هذه العداوات التاريخية بنية المصالحة.

يتناول المؤلف المفارقة الغريبة في وضع الحروب الصليبية اليوم، فهي في نفس الوقت غير ذات صلة وذات صلة كبيرة بالشرق الأوسط الحديث. من ناحية، لا يمكن اعتبار معركة حقل الدم أو الحروب الصليبية ككل أسباباً مباشرة للأحداث المعاصرة، فالقرون الطويلة التي انقضت شهدت صعود وسقوط الإمبراطوريات وتغيراً هائلاً في التجارة والقيادة. أما من ناحية أخرى، فالحروب الصليبية لا تزال حاضرة بقوة، وذلك بسبب استغلال دعاة الجهاد لها كأداة دعائية لخلق سردية عنيفة، حيث يستخدمون مصطلح "صليبيين" لوصف أعدائهم. كما يشير بقلق إلى ظهور أفكار مماثلة في حركات اليمين المتطرف في الغرب.

يختم الكاتب بملاحظة مهمة حول المفارقة في طريقة نظرتنا إلى العصور الوسطى. إذ أن كلمة "عصور وسطى" أصبحت تستخدم اليوم كوصف للهمجية والتخلف، بينما في الواقع، كان الفرسان الصليبيون ونظراؤهم من الأتراك والعرب، في تلك العصور المظلمة المزعومة، قادرين على إيجاد مساحة للاحترام والتعاون وحتى الصداقة عبر خطوط الحرب. يذكر الكاتب أنه كانت هناك مناسبات في فترة الحروب الصليبية حيث كان بإمكان المحاربين، بعد انتهاء القتال، البحث عن أعدائهم وتبادل القصص حول بطولاتهم في المعركة، واثقين من حفاوة الاستقبال والضيافة. ويختتم بالقول إنه لا يوجد ما يكفي من ذلك اليوم، مشيراً إلى أن القدرة على تقدير الخصم وحتى الإعجاب به كانت موجودة في زمن كان يعتبر أكثر وحشية، في حين أنها مفقودة في عالمنا المعاصر.