Almawred
_OceanofPDF.com_The_Kurds_of_Northern_Syria_-_Harriet_Allsopp
English

_OceanofPDF.com_The_Kurds_of_Northern_Syria_-_Harriet_Allsopp

Harriet Allsopp1 janvier 2019enI.B. Tauris (Bloomsbury Publishing Plc)

يطرح كتاب هارييت ألسوب "أكراد شمال سوريا" موضوعاً محورياً هو صعود الأكراد السوريين كقوة سياسية وعسكرية فاعلة في أعقاب الحرب الأهلية السورية، مع تركيز خاص على هياكل الحكم شبه المستقلة التي تقودها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) . يسعى الكتاب للإجابة عن كيفية تحول الأكراد من أقلية مضطهدة ومهمشة إلى لاعب رئيسي يطالب بالتمثيل والحكم الذاتي، وذلك من خلال عدسة "الهوية والتمثيل". يعترف المؤلف منذ البداية بصعوبة البحث الميداني في ظل الحرب، موضحاً أن الدراسة تعتمد على مسح ميداني ومقابلات أجريت في شمال سوريا بين أبريل وأغسطس 2016، وتحديداً في منطقتي الجزيرة وكوباني، مع استحالة الوصول إلى عفرين لعزلها الجغرافي، مما أثر على شمولية العينة.

يسير الكتاب خطوة بخطوة، بدءاً من وضع سياق تاريخي وسياسي يصف التحدي الذي واجهته سوريا في تمثيل التنوع العرقي والديني. يشرح الكتاب كيف اعتمدت الدولة السورية على سياسات قومية عربية لقمع الهوية الكردية، وتجريد آلاف الأكراد من جنسيتهم في إحصاء الجزيرة عام 1962، مما خلق طبقة من "الأجانب" الذين بلغ عددهم بحلول 2011 أكثر من 300,000 شخص. ينتقل بعدها إلى لحظة التحول الكبرى مع انطلاق "الربيع العربي" عام 2011، حيث وجد الأكراد فرصة لعرض مطالبهم، لكن عسكرة الصراع وتورط القوى الخارجية قادا إلى العنف الطائفي وصعود أجندات إسلامية متطرفة.

يخصص الكتاب فصلاً مهماً لمقارنة كتلتين سياسيتين كرديتين رئيسيتين: المجلس الوطني الكردي (KNC) الذي يمثل أحزاب نسب 1957، وكتلة PYD . يوضح المؤلف أن هاتين الكتلتين، رغم اشتراكهما في الهدف العام المتمثل في تمثيل الأكراد، تمثلان نموذجين مختلفين جوهرياً في الأيديولوجيا والاستراتيجيا. فبينما تستمد أحزاب KNC شرعيتها من خطاب قومي كردي تاريخي وتسعى لحل فيدرالي ضمن سوريا موحدة، يستمد PYD شرعيته من مشروع اجتماعي ثوري على الأرض وتحالفات عسكرية ناجحة، خاصة في معركة حصار كوباني بين سبتمبر 2014 ومارس 2015، والتي كسبت الأكراد تعاطفاً غربياً وأدت إلى تحالف وثيق مع الولايات المتحدة.

يتناول الكتاب بالتفصيل تطور هياكل الحكم التي تقودها PYD من الإدارات الذاتية الديمقراطية إلى النظام الفدرالي، ويحلل التغييرات المتسارعة في أسماء هذه الهياكل منذ بداية النزاع. يجادل المؤلف بأن هذه التغييرات لم تكن مجرد إجراءات إدارية، بل كانت محاولات متعمدة لنزع الطابع العرقي عن الإدارة وتوسيع جاذبيتها. يصف الكتاب نظام "الكومونات" كأساس للديمقراطية المباشرة، لكنه يكشف عن فجوة كبيرة بين النظرية والتطبيق. فقد أظهر استبيان شمل 180 مواطناً أن 34% منهم لا يحضرون اجتماعات الكومين، مما يشير إلى محدودية المشاركة وهيمنة المتعاطفين مع PYD على هذه الهياكل، مما جعلها أداة للسيطرة الاجتماعية وتوزيع المساعدات بدلاً من كونها منصة للتمثيل الحقيقي.

في تحليل الهوية، يوضح الكتاب أن الغالبية العظمى من المشاركين في الاستبيانات (91.6%) عرّفوا هويتهم بأنها "كردية"، يليها "مسلم" بنسبة 63.8% ثم "سوري" بنسبة 46.1% . لاحظ الكتاب "أثننة" للهوية، خاصة في كوباني بعد حصار داعش، حيث قال 63% من المشاركين هناك إن هويتهم تغيرت. في تناقض واضح، اتبعت الإدارة سياسة "إزالة الأثننة" من خطابها الرسمي، مثل إزالة كلمة "روجآفا" وأي إشارة إلى "كردي" من اسمها، مما أثار انتقادات من القوميين الأكراد. يعترف المؤلف بأن الثورة الاجتماعية التي تقودها PYD غير مكتملة، وأن نتائجها المستقبلية غير واضحة، خاصة فيما يتعلق بتمثيل المرأة الذي أحرز تقدماً واضحاً لكنه ارتبط أيديولوجياً بـ عبد الله أوجلان وPYD ، مما قد يحد من استقلاليته الحقيقية.

يُخصص الكتاب جزءاً كبيراً لتحليل دور الفاعلين الإقليميين والدوليين، ويطرح فكرة أن انخراط هذه القوى في الشأن الكردي السوري كان سلاحاً ذا حدين. فمن جهة، منح الفصائل الكردية نفوذاً وقدرة على المناورة غير مسبوقة، لكنه من جهة أخرى جعلها رهينة لأجندات هذه القوى. يصف الكتاب الدور المحوري والمزدوج لتركيا التي تعتبر PYD امتداداً لـ PKK، فشاركت في ضغوط هائلة لعزله، لكنها في الوقت نفسه سمحت بعبور مقاتلين أكراد عراقيين عبر أراضيها لمساندة YPG في معركة كوباني في نوفمبر 2014 قبل انهيار عملية السلام الكردية التركية في يوليو 2015 . كما يبين كيف استفادت سوريا من PYD كورقة ضغط ضد تركيا، بينما لعب الدور الأمريكي الدور الأبرز والأكثر تناقضاً، حيث تحول من معارضة صريحة لـ PYD في 2013 إلى تحالف عسكري وثيق مع YPG في 2014 ضمن إطار التحالف الدولي لهزيمة داعش، لكن هذا الدعم ظل عسكرياً فقط ولم يترجم أبداً إلى اعتراف سياسي بالمشروع الكردي.

يعترف المؤلف بعدة تحفظات وحدود للتحليل، مؤكداً أن الوضع في سوريا سائل ومتغير، مما يجعل التغيرات المستقبلية محتملة. يقر بأن حجم عينة الاستبيان (180 شخصاً) قد لا يكون كافياً لاستخلاص استنتاجات قاطعة، لكنه يدمجها مع مقابلات وملاحظات ميدانية لتكوين صورة أشمل. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول قابلية بقاء الحكم الذاتي الكردي في مرحلة ما بعد الحرب، وهل ستتمكن PYD من تحويل شرعيتها العسكرية إلى شرعية سياسية دائمة في غياب دعم دولي واضح وفي مواجهة معارضة ثلاثية من أنقرة ودمشق وطهران.

في النهاية، يرسم الكتاب خريطة معقدة للاحتمالات المستقبلية، مؤكداً أن مصير مشروع الحكم الذاتي الكردي مرتبط بمتغيرات محلية وإقليمية ودولية يصعب الجزم بها. يخلص المؤلف إلى أن الأكراد في سوريا صعدوا بقوة إلى المسرح المحلي والإقليمي والدولي، وأن موقعهم على خارطة العالم قد تغير بشكل لا يمكن التراجع عنه، حتى لو ظل مستقبل حكمهم الذاتي معلقاً في كفة قدر إقليمي ودولي متقلب. الحجة القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب هي أن النخب الكردية، رغم اكتسابها أدوات قوة جديدة، كانت في كثير من الأحيان أداة في صراعات القوى الإقليمية أكثر منها فاعلاً مستقلاً، مما يعيد إنتاج التبعية التاريخية للحركة الكردية للقوى الخارجية، وأن المشروع رغم نجاحه في تأمين الحقوق الأساسية والأمن، لم ينجح بعد في تحقيق المشاركة الواسعة أو التمثيل الحقيقي الذي تتطلبه الديمقراطية المباشرة.

Chapitres(7)

1.مقدمة22–33▼ résumé

يطرح هذا الفصل التمهيدي من كتاب هارييت ألسوب "أكراد شمال سوريا" موضوعاً محورياً هو صعود الأكراد السوريين كقوة سياسية وعسكرية فاعلة في أعقاب الحرب الأهلية السورية، وتركيزاً خاصاً على هياكل الحكم شبه المستقلة التي تقودها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في شمال سوريا. يقدم الكتاب تحليلاً لهذه الظاهرة من خلال عدسة "الهوية والتمثيل"، ويبحث في كيفية بناء الأكراد لهوياتهم السياسية في خضم انهيار الدولة السورية المركزية وغياب اليقين بشأن المستقبل. الإجابة التي يسعى الفصل لتقديمها هي فهم كيفية تحول الأكراد من أقلية مضطهدة ومهمشة إلى لاعب رئيسي يطالب بالتمثيل والحكم الذاتي، وكيف شكلت هياكل الإدارة الذاتية الديمقراطية (DAA) نفسها في هذا السياق المعقد.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من وضع سياق تاريخي وسياسي، حيث يصف التحدي المستمر الذي واجهته دول الشرق الأوسط في تمثيل التنوع العرقي والديني، وكيف اعتمدت سوريا على سياسات قومية عربية لقمع الهويات الأخرى، وخاصة الهوية الكردية التي تعرضت للأسلمة القسرية والتجريم. ينتقل بعدها إلى لحظة التحول الكبرى عام 2011، مع انطلاق "الربيع العربي"، حيث وجد الأكراد فرصة نادرة لعرض مطالبهم المحددة للتمثيل والمساواة. لكن الفصل يوضح أن تورط القوى الخارجية وعسكرة الصراع قاد إلى العنف الطائفي وصعود أجندات إسلامية متطرفة، مما قسم الشعب السوري وحطم الوحدة الأولية. في خضم هذه الفوضى، يشرح المؤلف أن الأكراد بدأوا أولى محاولاتهم الجادة للتمثيل الذاتي.

يخصص الفصل قسماً كبيراً لمنهجية البحث، وهو أمر بالغ الأهمية لفهم طبيعة الأدلة المقدمة. يوضح أن البحث هو جزء من برنامج أكبر مولته مؤسسة البحوث الإنمائية الدولية (IDRC) من كندا، وتم تنفيذه عبر مسح ميداني ومقابلات في شمال سوريا بين أبريل وأغسطس 2016، وتحديداً في منطقتي الجزيرة وكوباني. يعترف الفصل بصراحة بالصعوبات الهائلة التي واجهت البحث، مثل المخاطر الأمنية من هجمات داعش والقصف الحكومي، وصعوبة الوصول إلى المنطقة بسبب التوترات بين PYD والحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) الذي أغلق معبر فيش خابور الحدودي أمام الصحفيين في أبريل 2016. كما يشير إلى استحالة إجراء بحث في عفرين لعزلها الجغرافية. كل هذه القيود، وفقاً للمؤلف، أثرت على العينة وجعلت الحصول على رأي شامل لمختلف قطاعات المجتمع الكردي أمراً صعباً، خاصة مع الهجرة والنزوح.

يقدم الفصل تعريفات واضحة للمفاهيم الأساسية التي سيعتمد عليها الكتاب. بالنسبة لـالهوية، يشرح أنها ليست ثابتة أو مفروضة من الخارج، وأن بنائها يتضمن اختياراً وتأثيراً، وهي تتغير مع الزمن والأحداث الدراماتيكية مثل الأزمة السورية. وبالنسبة لـالتمثيل، يربطه بشكل جوهري بالهوية، موضحاً أن سعي الأكراد للتمثيل نابع من قمع الدولة لهويتهم. يضيف أن حرمان الهوية الكردية من منصة تمثيل رسمية على مستوى الدولة أدى إلى إطالة عمر الشبكات الاجتماعية التقليدية، لكنه أدى أيضاً إلى بروز الأحزاب السياسية الكردية كبديل لهذه الشبكات، وإن ظلت محتفظة ببعض هياكل السلطة التقليدية.

كما يعالج الفصل التحديات المنهجية الأخرى، مثل تأثير الظروف المعيشية الصعبة (الفقر، البطالة، نزوح أكثر من نصف السكان البالغ عددهم 21 مليون نسمة) على أولويات الناس وهوياتهم، وكيف أن الاحتياجات الأمنية والاقتصادية قد تطغى على التعبير عن الهوية الثقافية. يشير أيضاً إلى أن الاستطلاعات أجريت في الغالب في المناطق الحضرية لأسباب أمنية، مما قد لا يعكس آراء سكان الريف بشكل كامل. ورغم هذه التحفظات، يؤكد المؤلف أن الكتاب يقدم لمحة فريدة عن لحظة تاريخية متغيرة في تاريخ الأكراد وسوريا والمنطقة.

يختم الفصل بتقديم توضيحات مهمة حول المصطلحات الجغرافية. يشرح استخدامه لمصطلح "المناطق الكردية" أو "شمال سوريا" للإشارة إلى مناطق تواجد الأكراد الرئيسية: الجزيرة، كوباني، وعفرين، مؤكداً أنه لا يحمل أي حكم سياسي أو عرقي على هذه المناطق. كما يشرح تطور التسميات الفيدرالية من "الاتحاد الديمقراطي لشمال سوريا - روجآفا" إلى "الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا" في سبتمبر 2018، ويوضح أن الكتاب يركز على الفترة التي سبقت هذا التغيير. وأخيراً، يكرس مساحة لتوضيح مفهوم الإدارات الذاتية الديمقراطية (DAAs)، ويؤكد أن استخدام هذا المصطلح لا يعني الاعتراف بشرعيتها أو الحكم على وضعها القانوني، بل هو مجرد أداة تعريفية لهياكل الحكم التي تقودها PYD، والتي تمارس سلطة فعلية غير منازعة على الأرض رغم عدم اعتراف الدولة السورية أو القوى الدولية بها.

بصفتي ملخصاً، أجد أن هذا الفصل التمهيدي يقوم بعمل ممتاز في وضع الأسس لفهم تعقيدات الموضوع. فهو لا يقدم فقط خريطة طريق للفصول القادمة، بل يعترف بصراحة بحدود البحث والتحفظات المنهجية، مما يزيد من مصداقية التحليل اللاحق. إن الاعتراف بصعوبة الحصول على عينة تمثيلية في ظل حرب أهلية، وتأثير الظروف المعيشية على الإجابات، وتغير الجغرافيا السياسية باستمرار، كلها نقاط حيوية تجعل القارئ يدرك أن الاستنتاجات المقدمة في الفصول التالية هي نتاج ظروف استثنائية ومتغيرة، وليست حقائق مطلقة. يمكن القول إن الفصل يبني توقعات متوازنة لدى القارئ، ويهيئه لرؤية متعددة الأوجه ومتحفظة حول قضية شائكة.

1.الهوية والتمثيل الأول: أسس تشكيل الهوية والتمثيل34–67▼ résumé

يبدأ هذا الفصل بالحديث عن كيف سيطر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب (YPG) على الفراغ الإداري والأمني في المناطق ذات الأغلبية الكردية في شمال سوريا بعد انسحاب القوات الحكومية السورية في يوليو 2012. يطرح الكاتب سؤالين محوريين: لماذا استطاع هذا الحزب بالذات قيادة السيطرة على الأراضي وتطوير هياكل حكم طموحة؟ وإلى أي مدى كانت هذه الهياكل الحاكمة ممثلة حقاً للمجتمع الذي تحكمه؟ يستكشف الفصل الأسس المعرفية والسياسية التي سهلت أو عارضت هذا المشروع الحكومي والاجتماعي الجذري، وذلك عبر فحص الديموغرافيا التي بنيت عليها هذه الهياكل، واستكشاف أسئلة الهوية والتمثيل كما كانت قبل الأزمة السورية.

ينتقل الفصل إلى تفصيل الخلفية الديموغرافية التي قام عليها مشروع الحكم الذاتي، والذي تركز في المناطق ذات الأغلبية الكردية: عفرين، كوباني، والجزيرة. يوضح الكاتب أن توزيع السكان الأكراد كان متفاوتاً، ففي الجزيرة (التي تضم حوالي 40% من الأكراد) كان التنوع العرقي والديني أكبر، بينما في عفرين (30%) كان الأكراد يشكلون الغالبية الساحقة، وفي كوباني (10%) كانوا يشكلون أغلبية ساحقة أيضاً. يشير الكاتب إلى أن هذه الديموغرافيا كانت دوماً مسيسة، وشكلت عنصراً أساسياً في الخطاب القومي حول حقوق الأكراد في أراضيهم التاريخية، وفي المقابل كانت تُستخدم للتشكيك في وحدة سوريا. وقد أدت سياسات تغيير ديموغرافي، مثل نقل العرب إلى المناطق الحدودية في عشرينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى تغييرات سكانية، مما جعل الوجود الكردي في الشمال واجباً وبيان وجود ضد تهديد وجودي.

يصف الفصل بعد ذلك نظام الحكم الذي طبقته PYD، والذي يقوم على فكرة "الديمقراطية المباشرة" عبر تشكيل "كومونات" على مستوى القرى والأحياء. كانت هذه الكومونات تهدف لوضع المواطنين في مركز صنع القرار المحلي، من توزيع المنتجات إلى حل النزاعات. على الرغم من أن وسائل الإعلام المؤيدة للإدارة كانت تذكر أن العزوف عن المشاركة نادر، إلا أن الأبحاث الميدانية أظهرت أن المشاركة لم تكن عالية وتفاوتت بين المناطق والطبقات الاجتماعية. ومع ذلك، فإن ارتباط الكومونات بتقديم الخدمات جعل العزوف عنها يؤدي إلى استبعاد من توزيع السلع والخدمات. ونتيجة لاحتكارها للقوة والخدمات العامة، اكتسبت PYD صلاحيات شبيهة بالدولة مع الحفاظ على خطاب الديمقراطية المباشرة.

يتناول الفصل تحولاً مهماً في مسار الإدارة الكردية، وهو حصار كوباني (من 13 سبتمبر 2014 إلى 15 مارس 2015)، حيث شكلت المعركة نقطة تحول حاسمة. سمح قرب المدينة من الحدود التركية بتغطية إعلامية مكثفة حظيت بتعاطف غربي، وأدى التدخل الجوي للتحالف الدولي بقيادة أمريكا ودعم البيشمركة العراقية إلى ترجيح الكفة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وإضفاء الشرعية على صورة الأكراد كحلفاء موثوقين للغرب. بدأت من هنا علاقة تعاون طويلة الأمد بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية (التي تقودها YPG)، وأصبحت كوباني رمزاً للقوة والمقاومة الكردية. أدى التوسع الإقليمي بعد المعركة إلى ربط كانتوني كوباني والجزيرة وإنشاء منطقة جغرافية متصلة شرق نهر الفرات، لكنه جلب أيضاً تنوعاً ديموغرافياً أكبر، مما استلزم تحالفات سياسية وعسكرية مع مجموعات عربية ومسيحية وتركمانية، وتشكيل مجالس محلية لتمثيل هذا التنوع.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى التأثيرات الرئيسية في تشكيل الهوية الكردية، مقسماً إياها إلى أربعة مستويات رئيسية. الأول هو تأثير بناء الدولة السورية وشرعيتها. يشرح الكاتب كيف أن تشكيل الدولة السورية بعد الانتداب الفرنسي حصر الأكراد كأقلية مهمشة. وقد أدى صعود القومية العربية كأيديولوجية مهيمنة إلى تهميش الهوية الكردية رسمياً. يوضح ذلك من خلال دستور 1973 الذي ربط السيادة والإقليم والمواطنة بالهوية العربية، وحتى دستور 2012 الذي خفف اللهجة لكنه ظل يربط المواطنة بالعربية في المادة الأولى منه. كما يشير إلى قانون الجنسية السوري لعام 1969 الذي عرّف "السوري العربي". أدى هذا إلى سياسات تمييزية مثل التعريب، وتغيير الأسماء الجغرافية، وتجريد آلاف الأكراد من جنسيتهم في إحصاء الجزيرة عام 1962 (حوالي 120,000 شخص)، مما خلق طبقة من "الأجانب" (أجانب) و"المكتومين"، الذين بلغ عددهم بحلول 2011 أكثر من 300,000.

المستوى الثاني هو الهويات المحلية والقبلية. يقر الكاتب بأن الانتماء للقبيلة والعائلة لا يزال مهماً، خاصة في منطقة كوباني، حيث أظهرت الدراسات الاستقصائية أن 49% من المشاركين يرون أن "فرد العائلة" يمثلهم، مقابل 26% في الجزيرة. يشرح الفصل كيف أن القيادات القبلية تخلت عن التمثيل السياسي للأحزاب، لكنها بقيت مؤثرة في تشكيل الأحزاب وتفككها. كانت الأحزاب الكردية في كثير من الأحيان وسيلة لتمديد نفوذ النخب التقليدية، وكانت الانتماءات الحزبية تُقرر بناءً على شبكات العائلة. يضيف الكاتب أن الانقسامات الجغرافية بين الكانتونات الثلاثة حالت دون تجانس الهوية الكردية، كما أن اعتماد قادة الأحزاب (الذين ينحدر معظمهم من الجزيرة) على الشبكات الشخصية عمق الانقسامات.

المستوى الثالث هو الهويات العابرة للدول، والتي تشمل التضامن الطبقي الدولي الذي أثر على تطور الأحزاب الكردية، والانتماء الديني. يشير الكاتب إلى أن حوالي 49.24% من خسائر YPG بين يناير 2013 ويناير 2016 كانوا من أكراد تركيا، مما يظهر البعد العابر للحدود للمشروع. كما أن الهوية القومية الكردية الجامعة تربط الأكراد عبر الحدود من خلال تجارب القمع المشتركة والخطاب التاريخي. ويشير الفصل إلى أن القومية الكردية السورية نشأت من خلال مثقفين فروا من تركيا في عشرينيات القرن الماضي، وركزت على الجانب الثقافي والتعليمي.

يختم الفصل بتأثير الأزمة السورية على الهوية والتمثيل. يوضح أن الحرب أدت إلى موجات هجرة متعددة: عودة الأكراد من المدن السورية الأخرى إلى الشمال الآمن نسبياً، ونزوح مجموعات عرقية أخرى إلى المناطق الكردية (استضافت الإدارة أكثر من مليون نازح داخلياً بحسب تقديرات 2016)، وهجرة أكراد من تركيا للانضمام للمشروع، وفي المقابل هروب أكراد معارضين لـ PYD إلى إقليم كردستان العراق أو تركيا أو أوروبا. هذه التحولات الديموغرافية، بالإضافة إلى الدمار الهائل في كوباني (70% منها)، أعادت تشكيل الأفكار حول التمثيل المستقبلي للأكراد في سوريا، وجعلت الديموغرافيا قضية خلافية مركزية. يرى الكاتب أن هذه التحولات أنعشت من ناحية سياسة الوجود الكردي، لكنها من ناحية أخرى قلصت رأس المال السياسي بسبب نزوح أعداد كبيرة من الأكراد.

2.الأحزاب السياسية الكردية: مقارنة بين القيم السياسية لأحزاب 1957 والمجلس الوطني الكردي68–109▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على المقارنة بين كتلتين سياسيتين كرديتين رئيسيتين في سوريا: أحزاب ما يُعرف بـ "نسب 1957" الذي يجسّده المجلس الوطني الكردي (KNC)، وكتلة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD). الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هاتين الكتلتين، رغم اشتراكهما في الهدف العام المتمثل في تمثيل الأكراد وحماية هويتهم، تمثلان نموذجين مختلفين جوهرياً في الأيديولوجيا، والاستراتيجيا السياسية، ومصادر الشرعية، والأداء التمثيلي. هذا الاختلاف يعود جذوره إلى عقود مضت ويتجلى بوضوح في مواقفهما من الدولة السورية، والقومية الكردية، وشكل الحكم المطلوب.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تتبع تاريخ وتطور هاتين الكتلتين. يبدأ بتحليل أحزاب نسب 1957، مشيراً إلى أن ولادة أول حزب كردي سوري في 1957 (الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا) كانت رد فعل على صعود القومية العربية. عملت هذه الأحزاب على مزج التقاليد الكردية (كالقبلية) مع أهداف سياسية "حديثة" مثل الدولة القومية، لكن هذا المزج خلق توترات داخلية. يُفسر الكاتب الانقسامات اللاحقة في هذه الأحزاب كنتيجة لخيارات مصيرية: هل يُعرّف الأكراد كـ "أقلية إثنية" تسعى لحقوق ثقافية في سوريا (اليمين)، أم كـ "مجموعة قومية" تسعى لحقوق وطنية على أرضها التاريخية (اليسار). أدى هذا الانقسام، بالإضافة إلى تدخل الأحزاب الكردية العراقية (الحزب الديمقراطي الكردستاني KDP والاتحاد الوطني الكردستاني PUK)، والملاحقة الحكومية، إلى تجزئة المشهد الحزبي لعشرات الأحزاب الصغيرة والمتشظية، مما أضعف قدرتها التمثيلية وأبعدها عن المجتمع الكردي.

يقدم الفصل أمثلة على أبرز هذه الأحزاب: في الوسط الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا (KDP-S) المدعوم من KDP العراقي، وفي اليسار حزب يكيتي (Yekîtî) الأكثر استقلالية ونشاطاً في التظاهرات، وفي اليمين الحزب التقدمي الكردي (Pésvertî) بقيادة عبد الحميد حاج درويش الذي عرّف الأكراد كأقلية. ثم يصف تشكيل المجلس الوطني الكردي (KNC) في 26-27 أكتوبر 2011 كإطار موحد لعشرة أحزاب من هذا النسب، بهدف تقديم صوت كردي موحد في مواجهة التحولات التي أحدثتها الأزمة السورية. يوضح الفصل أن KNC تبنى موقفاً مطالباً باعتراف دستوري بالأكراد كمجموعة قومية، ودعا إلى حل فيدرالي، لكنه رفض إعلان الفيدرالية من جانب واحد من قبل PYD في مارس 2016. واجه المجلس انقسامات داخلية حادة، وخاصة حول التعاون مع PYD، مما أدى إلى طرد بعض الأحزاب التي اختارت التعاون مع الإدارة الذاتية لتشكيل التحالف الوطني الكردي في سوريا (KNAS) في 14 فبراير 2016.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل كتلة PYD، موضحاً بنيتها التنظيمية المرتبطة عضوياً بـ حزب العمال الكردستاني (PKK) من خلال اتحاد مجتمعات كردستان (KCK). هذا الارتباط، الذي يعود وجوده في سوريا إلى لجوء عبد الله أوجلان إليها بين 1980 و1998، يمنح PYD أيديولوجية واضحة ومشروعاً طموحاً هو "الإدارة الذاتية الديمقراطية" المستوحاة من أفكار موراي بوكتشين. يشرح الفصل كيف استخدم PYD فراغ السلطة بعد يوليو 2012 لفرض سيطرته على مناطق كردية، منشئاً جيشاً قوياً هو وحدات حماية الشعب (YPG) الذي أصبح لاحقاً أكبر قوة عسكرية في شمال سوريا بـ 50,000 مقاتل تقريباً. تتميز استراتيجية PYD بالبراغماتية السياسية؛ فهو لم ينحز بشكل كامل للنظام السوري أو المعارضة، بل اتبع "طريقاً ثالثاً"، وأقام تحالفات عسكرية مع قوى متنوعة مثل قوات سوريا الديمقراطية (SDF) وتحالفات استراتيجية مع التحالف الدولي ضد داعش، مما أكسبه شرعية عسكرية ودولية.

تتضح حدود وتحفظات المؤلف في عدة مواضع. يقر بأن الوضع في سوريا سائل ومتغير، مما يجعل التغيرات الحزبية المستقبلية محتملة. كما يشير إلى أن الروايات التي تنتجها كل كتلة عن نفسها مختلفة بشكل لافت، وهذه الروايات هي أساس الانقسامات الداخلية. لا يدّعي الفصل أن أي من الكتلتين تحظى بشعبية كاملة أو تمثيل حقيقي كامل، بل يصف هيمنتها على قنوات التمثيل. يذكر أيضاً أن الانقسامات داخل KNC نفسه، والتي تعود لعقود، حالت دون تشكيله تحالفات واضحة وموقف موحد قوي. ويترك المؤلف أسئلة مفتوحة حول صعوبة التعاون بين الكتلتين، خاصة فيما يتعلق بعودة "قوات البيشمركة" التابعة لـ KNC من إقليم كردستان العراق، لاختلاف الرؤى حول الاندماج في YPG.

يمكن تحديد عدة نقاط قابلة للنقاش بناءً على النص. أولها، التباين الجذري في مفهوم الشرعية: KNC يستمد شرعيته من خطاب قومي كردي تاريخي ودعوته للديمقراطية في عموم سوريا، بينما PYD يستمدها من مشروع اجتماعي ثوري على الأرض وتحالفات عسكرية ناجحة. ثانياً، يبرز الفصل معضلة البراغماتية السياسية: أحزاب KNC اتُهمت بالتقاعس والتفاوض مع النظام سابقاً، بينما يُتهم PYD بالتعاون معه في الحاضر. ثالثاً، ورغم أن كلا الكتلتين تسعيان لتمثيل الأكراد، إلا أن تبعية أطراف من KNC لأحزاب كردية عراقية (مثل KDP) وتنظيم PYD ضمن هيكل KCK العابر للحدود، يثير تساؤلات حول درجة استقلالية القرار السياسي الكردي في سوريا وتأثير الأجندات الإقليمية.

3.هياكل الحكم بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي: من الإدارات الذاتية الديمقراطية إلى الفدرالية110–155▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على تطور هياكل الحكم التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا، من الإدارات الذاتية الديمقراطية إلى النظام الفدرالي، ويحلّل التغييرات المتسارعة في أسماء هذه الهياكل وتنظيماتها منذ بداية النزاع عام 2011. يوضح المؤلف أن هذا التطور لم يكن خطياً، بل شهد تداخلاً وتعايشاً بين مسميات وأشكال حكم مختلفة، مثل "الإدارة الانتقالية المؤقتة" في 2013، و"الإدارة الذاتية الديمقراطية - روجآفا" التي أُعلنت في يناير 2014، ثم "اتحاد شمال سوريا - روجآفا" في 2016، وصولاً إلى "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" في سبتمبر 2018. يجادل الكاتب بأن هذه التغييرات لم تكن مجرد إجراءات إدارية، بل كانت محاولات متعمدة لتعديل المظهر الخارجي للإدارة، ونزع الطابع العرقي عنها، وتوسيع جاذبيتها، وتلبية الضغوط الناجمة عن تشكيل التحالفات وتأمين الدعم الخارجي.

يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ بوصف المراحل الأولى لنمو نظام الحكم بعد مارس 2011، حيث استغل حزب الاتحاد الديمقراطي فراغ السلطة الناتج عن إضعاف الدولة، ووسّع تنظيمه المدني وشكّل مجموعات مسلحة. يوضح الفصل كيف أسس الحزب هيئة تنسيقية هي "تجمع المجتمع الديمقراطي" (TEV-DEM) في 2011، والتي ضمت حركات نسائية وشبابية وأحزاباً سياسية، وأصبحت أهم هيئة لتنسيق نظام المجالس والكومونات. يصف المؤلف الانتشار التدريجي لنقاط التفتيش التابعة لوحدات حماية الشعب (YPG) في مناطق عفرين وكوباني والحسكة، والتوترات التي سببها ذلك مع المجلس الوطني الكردي (KNC)، والتي بلغت ذروتها بإعلان حزب الاتحاد الديمقراطي نظاماً إدارياً لا مركزياً في نوفمبر 2013، مما دفع المجلس الوطني الكردي للانسحاب من المجلس الأعلى الكردي.

يتناول الفصل بالتفصيل إعلان الكانتونات الثلاثة (عفرين، كوباني، والجزيرة) في يناير 2014، ونشر "ميثاق العقد الاجتماعي" الذي ألزم الإدارة بالتعددية واللامركزية، لكنه أبقى على غموض الحدود الإقليمية. يقدم المؤلف أدلة على هيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي وتجمع المجتمع الديمقراطي على عملية صنع القرار، مستشهداً بتصريحات سياسيين معارضين، مثل أحمد سليمان من حزب بيشڤيرتي، الذي قال إن "قرار صنع القرار السياسي يسيطر عليه تجمع المجتمع الديمقراطي". يناقش الفصل الانتقادات الموجهة لحزب الاتحاد الديمقراطي من قبل المجلس الوطني الكردي وأطراف أخرى، والتي اتهمته بإعلان الاستقلال من جانب واحد والتعاون مع الحكومة السورية، ويرد عليها بمحاولات الحزب لنفي هذه التهم.

يحلل الفصل بعد ذلك بنية السلطة ومكوناتها، مركزاً على تعقيد العلاقة بين هياكل الحكم الظاهرية، مثل المجالس المحلية والكومونات، وبين السلطة الفعلية التي يمارسها حزب الاتحاد الديمقراطي وتجمع المجتمع الديمقراطي. يصف دور تجمع المجتمع الديمقراطي باعتباره "المؤسسة المدنية للحكومة" التي تنسق نظام الكومونات والمجالس، ويربطها بفلسفة عبد الله أوجلان عن "الديمقراطية الكونفدرالية". يشير المؤلف إلى وجود "تسلسل هرمي للتنوير" يضع الأفراد "المحررين" في مناصب السلطة، مما يكشف عن وجود سلطة طليعية تخفيها الخطابية التشاركية. يستعرض الفصل أمثلة على الاختلافات الإدارية بين الكانتونات، مثل تطبيق قانون الخدمة العسكرية في الجزيرة في نوفمبر 2014 بينما تأخر تطبيقه في كوباني حتى يونيو 2016 بسبب الظروف المحلية.

في القسم المتعلق بالاقتصاد، يقيّم الفصل الجهود المبذولة لبناء "اقتصاد اجتماعي" قائم على التعاونيات والاكتفاء الذاتي، في سياق الحرب والحصار. يصف الفصل كيف كانت الموارد الطبيعية (النفط والزراعة) أساساً لميزانية الإدارة، وكيف تطور اقتصاد موازٍ قائم على التجارة السوداء والتهريب والتعامل مع أطراف معادية مثل الحكومة السورية وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إضافة إلى الاعتماد على التحويلات المالية من الخارج. يقدم الفصل أرقاماً محددة، مثل إنتاج حقل رميلان النفطي البالغ 15000 برميل يومياً بحلول يونيو 2015، ورواتب الموظفين التي لم تتجاوز 50-100 دولار شهرياً، وإنفاق 70% من الميزانية على الأمن والحرب بتكلفة 20 مليون دولار سنوياً. يقرّ المؤلف بوجود مشاكل واضحة، منها قانون مصادرة ممتلكات المهاجرين في سبتمبر 2015، والتأثير السلبي للهجرة على القوى العاملة والاقتصاد.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الحديث عن نظام التعليم، ويشرح كيف استبدلت الإدارة المناهج السورية بمناهجها الكردية والعربية والسريانية الخاصة، بدءاً من 2015، وصولاً إلى الإزالة الكاملة للمناهج الحكومية في أكتوبر 2016. يربط هذا التغيير بجهود تعزيز الهوية الكردية والرد على سياسات التعريب البعثية التي جرّمت اللغة الكردية. يعرض الفصل أمثلة على تحسن إتقان اللغة الكردية بين الأكراد السوريين كنتيجة لهذه السياسة.

أخيراً، يكرس الفصل قسماً للانتقال نحو الفدرالية، ويحلل دوافعه والعقبات التي تواجه تحقيقه. يخلص المؤلف إلى أن النظام السياسي المرن والمتغير لهياكل الحكم، رغم خطاب التعددية والمشاركة، يظل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بحزب الاتحاد الديمقراطي وأيديولوجيته المتطورة، مما يجعله عرضة للانتقادات ويثير تساؤلات حول مدى تمثيله للتنوع السكاني في شمال سوريا. يفتح الفصل الباب أمام أسئلة غير محلولة حول مستقبل هذه الهياكل في ظل استمرار الأزمة السورية وتعقيد العلاقات الدولية والإقليمية.

4.الهوية والتمثيل الثاني: مشروع الحكم الذاتي الديمقراطي والديمقراطية المباشرة في الممارسة162–187▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على تقييم مدى نجاح "مشروع الحكم الذاتي الديمقراطي" في شمال سوريا، الذي تقوده PYD، في تحقيق التمثيل المباشر والديمقراطية التشاركية على أرض الواقع. يطرح الفصل فكرة أن النظام، رغم ادعائه القائم على فلسفة عبد الله أوجلان في "الاتحاد الكونفدرالي الديمقراطي"، والذي يقوم على مشاركة القواعد الشعبية، إلا أن البحث الميداني يكشف عن فجوة كبيرة بين النظرية والتطبيق. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن المشروع، رغم نجاحه في تأمين الحقوق الأساسية والأمن، لم ينجح بعد في تحقيق المشاركة الواسعة أو التمثيل الحقيقي الذي تتطلبه الديمقراطية المباشرة، وذلك بسبب هيمنة حزب PYD وطبيعة المشروع الأيديولوجية المنفذة من أعلى إلى أسفل.

يسير الفصل عبر عدة خطوات ممنهجة. يبدأ بفحص نظام "الكومينات" كأساس للديمقراطية المباشرة. يشير الفصل إلى أن الكومينات، التي من المفترض أن تكون مساحات لاتخاذ القرارات المحلية، تعاني من محدودية المشاركة. أظهر استبيان شمل 180 مواطناً (منهم 87 من الجزيرة وـ 93 من كوباني) أن نسبة 34% منهم صرّحوا تلقائياً أنهم لا يحضرون اجتماعات الكومين، مما يشير إلى أن العدد الحقيقي للمشاركين قد يكون أقل بكثير. يكشف الفصل أن المشاركة كانت محدودة بسبب هيمنة المتعاطفين مع PYD (المعروفين بـ "hevals")، مما جعل الكومينات تبدو وكأنها أداة للسيطرة الاجتماعية وتوزيع المساعدات بدلاً من كونها منصة للتمثيل الحقيقي. كما أن قدرة الكومينات على التأثير في القرارات السياسية العليا كانت محدودة، حيث ركزت على القضايا المحلية الصغرى.

بعد ذلك، ينتقل الفصل لتحليل التحولات في الهوية والتمثيل منذ عام 2011 وحتى 2017. أظهرت نتائج الاستبيانات أن الغالبية العظمى من المشاركين (91.6%) عرّفوا هويتهم بأنها "كردية"، يليها "مسلم" بنسبة 63.8% ثم "سوري" بنسبة 46.1%. لاحظ الفصل "أثننة" للهوية (زيادة الوعي العرقي)، خاصة في كوباني بعد حصار داعش ("ISIS") في 2014-2015، حيث قال 63% من المشاركين هناك إن هويتهم تغيرت، مقارنة بـ 40% في الجزيرة. في تناقض واضح، اتبعت الإدارة سياسة "إزالة الأثننة" من خطابها الرسمي، مثل إزالة كلمة "رۆژاڤا" وأي إشارة إلى "كردي" من اسمها للتحول إلى "نظام فيدرالي ديمقراطي لشمال سوريا" في ديسمبر 2016، مما أثار انتقادات من بعض القوميين الأكراد.

فيما يخص التمثيل السياسي، أظهرت النتائج فجوة بين الواقع والطموح. عندما سُئل المشاركون "من يمثلك؟" كانت الإجابات الأكثر شيوعاً: الحزب السياسي (56)، العلاقات العائلية (46)، و"لا أحد" (39). لكن عندما سُئلوا "من تريد أن يمثلك؟" ارتفع عدد من اختاروا "نائباً في البرلمان" من 5 إلى 47 وتراجع من اختاروا العلاقات العائلية من 46 إلى 21، مما يشير إلى توق إلى تمثيل قائم على الانتخابات ونظام الدولة. ومن النتائج البارزة، أن القوات العسكرية وخاصة YPG كانت الأكثر اختياراً كقوة يمكنها التمثيل في المستقبل (بنسبة 48% من المشاركين)، مما يدل على اكتسابها شرعية واسعة تتجاوز دعمها الحزبي، لكن الفصل يحذر من أن دورها السياسي كان في الواقع محدوداً.

يتناول الفصل قضية تمثيل المرأة بشكل خاص، معتبراً إياها مقياساً مهماً لنجاح "الثورة". يشير الفصل إلى أن النظام أحرز تقدماً واضحاً في مجال حقوق المرأة، حيث حصلت على المرتبة الثانية بعد "الأمن" في قائمة ما يعنيه "رۆژاڤا" للمشاركين. تم إضفاء الطابع المؤسسي على المساواة بين الجنسين من خلال الكوتا والقوانين ومجلس Kongreya Star وتشكيل YPJ. ومع ذلك، يطرح الفصل أسئلة نقدية: هل كانت هذه الثورة النسوية حقيقية أم مفروضة من أعلى؟ فقد ارتبطت هذه الحركة أيديولوجياً بـعبد الله أوجلان وPYD، مما قد يحد من استقلاليتها الحقيقية وجاذبيتها للنساء غير المواليات للحزب. كما يشير إلى أن التغييرات واجهت مقاومة من الرجال وخلفت توترات اجتماعية، وأن بعض النساء شعرن بالإقصاء بسبب انتماءاتهن السياسية أو مسؤولياتهن الأسرية.

يعترف الفصل بعدة حدود وتحفظات. أولاً، يقر بوضوح أن الثورة الاجتماعية غير مكتملة، وأن نتائجها المستقبلية غير واضحة. ثانياً، يعترف بأن حجم عينة الاستبيان (180 شخصاً) قد لا يكون كافياً لاستخلاص استنتاجات قاطعة، لكنه يدمجها مع مقابلات وملاحظات ميدانية لتكوين صورة أشمل. ثالثاً، يقر بأن توقعات التمثيل المثالي في خضم نزاع سوري لم يتم حله كانت ستكون غير واقعية. رابعاً، يطرح تساؤلات مفتوحة حول شرعية النظام ومستقبلها: كم من هذه الشرعية اكتسب من توفير الأمن في زمن الحرب، وهل يمكن الحفاظ عليها في زمن السلم أو إذا توقفت المساعدات الدولية أو إذا استعادت الحكومة السورية السيطرة؟

في النهاية، يمكن القول إن الفصل يقدم نقداً بناءً ومتوازناً لمشروع الحكم الذاتي الديمقراطي. يوضح أن النجاحات التي تحققت في مجالي الأمن والحقوق الأساسية (مثل اللغة والمرأة) كانت حقيقية وهامة، لكنها لم تترجم بالضرورة إلى مشاركة شعبية واسعة في نظام الديمقراطية المباشرة. الطبيعة "من أعلى إلى أسفل" للمشروع، وهيمنة حزب PYD الأيديولوجية والسياسية، خلقتا شعوراً بعدم الثقة لدى قطاعات واسعة من المجتمع، وحدتا من قدرة النظام على أن يكون أداة للتمثيل الحقيقي لكل الفئات والأطياف السياسية. يبقى السؤال المحوري الذي يطرحه الفصل: هل يمكن بناء ديمقراطية حقيقية من خلال ثورة اجتماعية موجهة وحزب مسيطر؟

5.دور الفاعلين الإقليميين والدوليين188–219▼ résumé

هذا الفصل من كتاب هارييت أولسوب يبحث في الدور المعقد والمتناقض أحياناً للفاعلين الإقليميين والدوليين في الصراع السوري، وتأثيرهم المباشر على الحراك السياسي الكردي في سوريا. يطرح الفصل فكرة محورية مفادها أن انخراط هذه القوى الخارجية في الشأن الكردي السوري كان سلاحاً ذا حدين: فقد منح الفصائل الكردية، وعلى رأسها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) والمجلس الوطني الكردي (KNC)، نفوذاً وقدرة على المناورة لم تكن متاحة من قبل، لكنه في الوقت نفسه جعلها رهينة لأجندات هذه القوى وصراعاتها الإقليمية والدولية، مما قوّض استقلالية قرارها السياسي وجعل مستقبلها مرهوناً بتوازنات قوى خارجة عن سيطرتها.

يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تحليل علاقات متداخلة على ثلاثة مستويات: العلاقات الكردية-الكردية، ثم العلاقات الإقليمية (مع تركيا والعراق وسوريا وإيران)، وأخيراً العلاقات الدولية (مع الولايات المتحدة وروسيا). في المستوى الأول، يركز الفصل على الانقسام التاريخي العميق بين تيارين رئيسيين: تيار حزب العمال الكردستاني (PKK) بزعامة عبد الله أوجلان، والذي يتبنى مشروعاً "ثورياً" عابراً للحدود ويتجسد في سوريا بحزب PYD؛ والتيار الوطني التقليدي المتمثل بـ الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) بزعامة مسعود بارزاني في إقليم كردستان العراق، والذي تدور سياساته حول السيادة الوطنية والدولة. يوضح الفصل أن هذه الخلافات الأيديولوجية والمصلحية قد ترجمت على الأرض في سوريا إلى صراع على النفوذ بين PYD المدعوم من PKK وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) من جهة، وبين KNC المدعوم من KDP من جهة أخرى. ويضرب مثلاً مهماً على ذلك بالسيطرة على معبر فيش خابور الحدودي مع إقليم كردستان، حيث أدى التوتر بين الطرفين إلى حرمان كلا الفصيلين السوريين من استخدامه، مما اضطر سياسيين مثل إبراهيم بيرو (رئيس KNC) للتهريب سيراً على الأقدام. كما يبين كيف أن الصراع على النفوذ في منطقة سنجار العراقية، بين قوات PKK وقوات البيشمركة التابعة لـKDP، انعكس مباشرة على العلاقة بين PYD وKNC داخل سوريا، وبلغ ذروته باشتباكات 3 مارس 2017 التي أدت إلى تدهور حاد في العلاقات واعتقال العديد من أعضاء KNC.

على المستوى الإقليمي، يُجمل الفصل الدور المحوري والمزدوج لتركيا. فأنقرة، التي تعتبر PYD امتداداً لـ PKK وأخطر تهديد لأمنها الداخلي، مارست ضغوطاً هائلة لعزل PYD سياسياً واقتصادياً. يذكر الفصل أمثلة متعددة على ذلك: إغلاق حدودها بطول 900 كيلومتر مع مناطق سيطرة PYD، وبناء جدران خرسانية، ودعم فصائل المعارضة السورية المسلحة لمواجهة YPG، ومعارضة مشاركة PYD في محادثات السلام الدولية في جنيف وأستانا. لكن الفصل لا يخلو من إشارة إلى تناقض الموقف التركي، حيث يورد أن مسؤولين أتراكاً التقوا بممثلين عن PYD مثل صالح مسلم قبل انهيار عملية السلام الكردية التركية في يوليو 2015، وأن تركيا سمحت بعبور مقاتلين أكراد عراقيين عبر أراضيها لمساندة YPG في معركة كوباني في نوفمبر 2014. أما سوريا، فبالنسبة للمؤلف، فقد استفادت من PYD كورقة ضغط ضد تركيا ودرع بشري ضد المعارضة المسلحة. ويدعم ذلك بمثال: انسحاب القوات الحكومية من شمال سوريا في 2012 دون مواجهة سيطرة PYD، وهو ما يفسره الفصل كجزء من استراتيجية دمشق لاستغلال الورقة الكردية. وفي المقابل، يوضح أن العلاقة لم تكن تحالفاً مطلقاً، بل كانت قائمة على براغماتية متبادلة، بدليل وقوع اشتباكات محلية بين الطرفين كتلك التي حدثت في الحسكة في أغسطس 2016.

بالنسبة للعراق، يشير الفصل إلى تطور العلاقات بين PYD وحكومة بغداد (خاصة مع رئيسي الوزراء نوري المالكي وحيدر العبادي) كوسيلة للالتفاف على الحصار الذي فرضه KDP وأنقرة. كان الوصول البري إلى الأراضي العراقية شريان حياة لمناطق PYD، وقد تجلى ذلك في إنشاء ممر سنجار بعد دخول YPG إليها في أغسطس 2014. ويبين الفصل كيف لعبت إيران دوراً معقداً: فهي من جهة استخدمت PYD وPKK كورقة ضغط ضد نفوذ KDP وتركيا، لكنها من جهة أخرى عارضت بشدة إعلان الفيدرالية الكردية في مارس 2016 لأنها تهدد مصالحها الاستراتيجية في الحفاظ على وحدة سوريا تحت حكم الأسد. يستشهد الفصل بمقولة لأحد قادة PKK، عقيد كالاري، الذي يوضح أن "وقف القتال مع إيران كان ضرورياً للتركيز على القتال ضد تركيا"، مما يكشف براغماتية العلاقة التي لا تعني تحالفاً أيديولوجياً.

أما على المستوى الدولي، فالدور الأمريكي هو الأبرز والأكثر تناقضاً في الفصل. يصف الفصل كيف انتقل الموقف الأمريكي من معارضة صريحة لـ PYD في 2013 (باعتبار إعلان حكم ذاتي كردي "استفزازياً")، إلى تحالف عسكري وثيق مع YPG في 2014 ضمن إطار التحالف الدولي لهزيمة داعش. يورد الفصل دليلاً على هذا التحول من خلال شهادة السفير الأمريكي السابق روبرت فورد، الذي يصف علاقة كوباني بأنها "تحالف تكتيكي ضد عدو مشترك". ومع ذلك، يبرز المؤلف بوضوح حدود هذا التحالف: كان الدعم الأمريكي عسكرياً فقط ومحدداً بمكافحة الإرهاب، ولم يترجم أبداً إلى اعتراف سياسي بالمشروع الكردي أو ضمانات لمستقبله. يستشهد الفصل بقرار واشنطن في مايو 2017 بتسليح المقاتلين الأكراد لتحرير الرقة، مما أثار غضب أنقرة. لكن في المقابل، يذكر أن الوجود الأمريكي لم يمنع تركيا من شن عملية غصن الزيتون على عفرين في يناير 2018، مما يؤكد أن هذا التحالف كان هشاً ويعتمد على المصالح اللحظية. في خلاصة التحليل الدولي، يعترف الفصل بأن روسيا لعبت دوراً حاسماً في تغيير موازين القوى، مما جعل مستقبل PYD مرهوناً بالتوازن الدقيق بين القوى الكبرى، حيث يمكن لصفقة روسية-تركية-إيرانية في أي وقت أن تسلم مناطق الأكراد للحكومة السورية.

يعترف المؤلف في الفصل بعدة تحفظات وحدود للتحليل. فالتداخل الكبير بين المستويات المحلية والإقليمية والدولية يجعل الفصل بينها أمراً صعباً ومصطنعاً في بعض الأحيان، كما أن السياسات الخارجية للفاعلين لم تكن خطية أو متناسقة، بل غالباً ما كانت متناقضة (كما هو الحال مع الموقفين الأمريكي والإيراني). يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول قابلية بقاء الحكم الذاتي الكردي في سوريا في مرحلة ما بعد الحرب، وهل ستتمكن PYD من تحويل شرعيتها العسكرية إلى شرعية سياسية دائمة في غياب دعم دولي واضح وفي مواجهة معارضة ثلاثية من أنقرة ودمشق وطهران. الحجة القابلة للنقاش بوضوح في الفصل هي أن النخب الكردية، رغم اكتسابها أدوات قوة جديدة، كانت في كثير من الأحيان أداة في صراعات القوى الإقليمية أكثر منها فاعلاً مستقلاً، مما يعيد إنتاج التبعية التاريخية للحركة الكردية للقوى الخارجية.

6.آفاق التمثيل الذاتي والحكم الذاتي الكردي220–240▼ résumé

هذا الفصل هو خلاصة تحليلية لمستقبل مشروع التمثيل الذاتي والحكم الذاتي الكردي في شمال سوريا، في ظل حرب متعددة الأوجه. يطرح المؤلف السؤال الجوهري: هل يمكن للكرد الحفاظ على مكاسبهم التمثيلية و الذاتية في مستقبل سوريا، وما هي العوائق التي تحول دون ذلك؟ لا يقدم الفصل إجابة واحدة قاطعة، بل يرسم خريطة معقدة ومتشابكة للاحتمالات، مؤكداً أن مصير هذا المشروع مرتبط بمتغيرات محلية وإقليمية ودولية يصعب الجزم بها، ومشدداً على أن الكرد أنفسهم ليسوا كتلة واحدة، بل يعانون من انقسامات سياسية وأيديولوجية عميقة.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بواقع الحرب الذي مزق الدولة السورية الموحدة إلى جيوب سيطرة تتبنى نماذج حكم متضاربة. يذكر المؤلف أن الدولة السورية أصبحت "اسمياً" فقط، في حين سيطرت جهات متعددة مثل داعش (الذي حكم بأقصى التفسيرات الإسلامية) وهيئة تحرير الشام (التي فرضت الشريعة في إدلب)، ونظام الأسد الذي استعاد قوته بفضل التدخل الروسي والإيراني. على النقيض، برز مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية (DAA) في "روجآفا" بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، والذي قدّم نموذجاً علمانياً وتعديدياً وفيمنوياً، مما جلب له تعاطفاً غربياً واسعاً رغم معارضة تركيا الشرسة. يشير الفصل إلى عملية درع الفرات في أغسطس 2016 وعملية غصن الزيتون في عفرين في يناير-مارس 2018 كدليل على التدخل التركي المباشر لعرقلة هذا المشروع.

بعد رسم هذه الخريطة المعقدة، ينتقل الفصل بشكل منهجي لتحليل ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمستقبل: الأول، إعادة سيطرة نظام الأسد على معظم الأراضي، مما قد يدفع PYD للتفاوض معه للحفاظ على حكم ذاتي محدود مقابل استبعاد الفصائل الكردية الأخرى كـالمجلس الوطني الكردي (KNC). الثاني، وصول تحالف المعارضة المدعوم دولياً إلى السلطة عبر تسوية سياسية، وهو احتمال وصفه المؤلف بالضعيف، لكنه سيجبر KNC على النضال من أجل اللامركزية داخل المعارضة. الثالث، سيناريو صراع كردي-كردي مفتوح بين PYD وKNC أو بين PKK وKDP، وهو ما يسعى الجميع لتجنبه كما يتضح من جهود رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني للتوفيق. في كل هذه السيناريوهات، يرى الفصل أن KNC سيكون الطرف الأكثر تهميشاً، بينما يحتفظ PYD بمرونة وقوة أكبر لكن بقاءه يظل مرهوناً بالتوازنات الإقليمية.

ينتقل الفصل بعدها لتقييم التحديات الداخلية التي تواجه الإدارة الذاتية. يقر المؤلف بنجاحاتها الواضحة في توفير الأمن والخدمات والاقتصاد التعاوني في ظل الحرب، مما أكسبها قبولاً شعبياً مؤقتاً، لكنه يسلط الضوء على فشلها الذريع في استيعاب التيارات السياسية الكردية الأخرى، وخاصة KNC التي تعرضت للتضييق واعتقال النشطاء وتدمير رموزها، خاصة بعد مارس 2017. هذا التهميش القسري يضعف أي ادعاء بالتعددية السياسية، ويجعل مشروع الحكم الذاتي عرضة للانتقادات كونه أقرب لحكم الحزب الواحد. كما يشير الفصل إلى أن الإدارة الذاتية لم تستطع التخلص من وصمة "الحكم الكردي" في المناطق المختلطة عرقياً، مما يخلق خطوط صدع كامنة يمكن لدمشق أو أنقرة استغلالها مستقبلاً.

أخيراً، يصل الفصل إلى خلاصة متشائمة نسبياً. يؤكد المؤلف أن أسئلة أكثر من الإجابات ما زالت مطروحة حول جدوى "الأمة الديمقراطية" دون مشاركة الأغلبية، وكيفية التوفيق بين القانون المحلي للـDAA وقانون الدولة، ومصير المعارضة في ظل غياب التعددية الحزبية الحقيقية. يشير إلى أن دعم الولايات المتحدة العسكري لمكافحة داعش لا يعني دعماً سياسياً لاستمرار الإدارة الذاتية في مرحلة ما بعد داعش، وهو ما تجلى في الانسحاب الأمريكي الذي طُرح في ديسمبر 2018. رغم كل هذه التعقيدات، يختم الفصل باستنتاج حاسم لا رجعة فيه: أن الكرد في سوريا صعدوا بقوة إلى المسرح المحلي والإقليمي والدولي، وأن موقعهم على خارطة العالم قد تغير بشكل لا يمكن التراجع عنه، حتى لو ظل مستقبل حكمهم الذاتي معلقاً في كفّة قدر إقليمي ودولي متقلب. في جوهره، الفصل هو دراسة حالة عن استحالة الفصل بين "المسألة الكردية" ومستقبل الدولة السورية ذاتها، وعن هشاشة أي مشروع سياسي يبني جداراً بين الأهداف الأيديولوجية لقيادته وتطلعات المكونات الاجتماعية المختلفة التي يحكمها، ولو في زمن الحرب.