إلياس-مرقص-المثقف-الفيلسوف-جاد-الكريم-الجباعي
هذا ملخص شامل وأمين لكتاب "إلياس مرقص المثقف الفيلسوف" لـ جاد الكريم الجباعي، مبني على ملخصات الفصول المقدمة.
الموضوع المحوري لهذا الكتاب هو استكشاف واستخلاص البنية الفلسفية الباطنة في فكر المفكر السوري إلياس مرقص، وتقديمه ليس فقط كمنظر سياسي أو ماركسي، بل كمثقف فيلسوف بالمعنى الشامل والعميق. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن مرقص يمثل نموذجًا يُحتذى به للمثقف الذي يزاوج بين المعرفة العميقة والالتزام الأخلاقي، وبين النقد الجذري والإيمان بإمكانية التغيير. جوهر فلسفته، كما يستخلصها الجباعي، هو "النفي الإيجابي" للعالم، أي رفض الأوضاع القائمة بهدف خلق واقع إنساني أفضل، وليس النفي العدمي أو القبول السلبي. الكتاب هو محاولة لإنصاف مرقص من خلال إبراز الأبعاد الفلسفية والإنسانية في فكره، التي كثيرًا ما طغت عليها انشغالاته السياسية المباشرة.
يسير الكتاب في حجته وفق منطق تصاعدي يبدأ من تقديم الإطار العام لفكرة "المثقف" كما تجسدت في التقاليد الأوروبية، وخصوصًا الفرنسية، ليؤكد أن مرقص يستحق هذه الصفة لانخراطه العميق في قضايا مجتمعه. ثم ينتقل إلى سيرة مرقص الفكرية، متتبعًا تطوره من الدوغمائية الماركسية اللينينية المبكرة إلى نقدها واعتناقه لموقف ماركسي ديمقراطي جدلي. بعد ذلك، يغوص الكتاب في صميم البنية الفلسفية، عارضًا المقولات المركزية في فكر مرقص مثل: "الروح، التملك، العمل"، "جدلية المكان والزمان"، "الموضوعية والذاتية"، "استقلال الوجدان"، و"الحوار كطريق لإنتاج الحقيقة". تنتقل الحجة بعدها إلى تطبيق هذه المبادئ على قضايا كبرى كالتاريخ، التقدم، المجتمع المدني، الدولة، العلمانية، والمرأة، مؤكدةً أن كل هذه المفاهيم ليست مجرد تجريدات نظرية بل أدوات لفهم الواقع السوري والعربي وتغييره. أخيرًا، يختتم الكتاب بطرح أسئلة مفتوحة حول راهنية فكر مرقص في ضوء ثورات الربيع العربي، متسائلًا عن ضرورة الفلسفة، ومكانة الديالكتيك، وعلاقة الديمقراطية بنظرية المعرفة.
من بين الوقائع والشهادات اللافتة التي يصعب نسيانها تلك التي تبرز الجانب الإنساني والفكري لمرقص. يذكر المؤلف أن مرقص اعترف بشجاعة بأنه كان "دوغماتيًا" في مرحلة مبكرة من حياته. هناك أيضًا تفصيل لافت حول نقده الذاتي لكتابه "نظرية الحزب عند لينين"، حيث قال لاحقًا: "لقد استعملت النفي في هذا الكتاب... ولكنني لم أصل إلى نفي النفي". يبرز الكتاب أيضًا قناعة مرقص بأن "فكرة التقدم" عنده تعني "النمو الإنساني الشامل"، وأنه عرّف الجماهير بأنها "الكتل الشعبية الكبرى زائد فكرة التقدم". أما الشهادة الفكرية الأعمق فكانت في تبنيه لمقولة هايزنبرغ "عشوائية الصغائر تحمل انتظامية الكبائر" لتفسير منطق التاريخ، مما يعكس رؤيته للواقع كحقل من الاحتمالات وليس كمسارات حتمية. كما أن إصراره على أن "المقولات الفلسفية ذات أصل شعبي" وأن الماركسية "ترد الاعتبار للحلم والخيال والشعور" تُظهر عمق نزعته الإنسانية.
لم يتردد المؤلف في الإشارة إلى حدود في فكر مرقص، وإن بشكل غير مباشر أحيانًا. يقر الجباعي بأن حماسة مرقص للتيار الناصري جعلته لا يتنبه بالشكل الكافي إلى "الظاهرة الجماهيرية" التي كانت معلمًا من معالم التسلطية التي بدأت تتشكل في قلب النظام الناصري. هذه إشارة نقدية مهمة، توحي بأن الالتزام السياسي قد يَحجب الرؤية النقدية. كما يترك الكتاب العديد من الأسئلة مفتوحة في الختام، معترفًا بأنها "أسئلة الواقع التي طرحتها ثورات الربيع العربي" والتي لا تزال تنتظر أجوبة من فكر مرقص ومن غيره. من هذه الأسئلة: هل الفلسفة ضرورية اليوم؟ وهل من علاقة بين الديمقراطية ونظرية المعرفة؟ وهل يمكن التفكير في المجتمع المدني من دون تفكيك البنى البطركية؟ ترك هذه الأسئلة دون إجابات قاطعة يعكس أمانة المؤلف في التعامل مع تعقيدات الواقع وتواضع الفكر الفلسفي.
بناءً على المادة المقدمة، هناك حجتان قابلتان للنقاش بوضوح. الأولى تتعلق بتقييم مرقص للتجربة الناصرية. فبينما يمدح الجباعي مرقص لتحالفه النقدي مع عبد الناصر، يقر بأن هذه الحماسة ربما أخفت عنه الطابع التوتاليتاري الناشئ للنظام. هذا يطرح سؤالاً حول حدود "التحالف مع النقد" وإمكانية أن يصبح النقد أسيرًا للسياق الذي يحاول فهمه. الحجة الثانية تنبع من هيكل الكتاب نفسه. فبينما يؤكد المؤلف أن فلسفة مرقص هي "شذرات مبثوثة" تحتاج لجمع، فإن محاولته الإسقاط النهائي لهذه الشذرات على أسئلة "الربيع العربي" تبدو أحيانًا أقرب إلى تمني إجابات أكثر من كونها استخلاصًا صارمًا من النصوص. إن جعل مرقص يجيب على أسئلة لم يطرحها ربما يكون مغامرة تفسيرية، لكنها في الوقت نفسه تبرز الرهان الأساسي للكتاب على راهنية الفكر الفلسفي في مواجهة التحديات المعاصرة.
Analyse & mots-clés
Personnes
Lieux