
_OceanofPDF.com_The_Syriac_World_-_Daniel_King
الكتاب "العالم السرياني" الذي حرره دانيال كينغ هو مرجع جامع يهدف إلى تقديم تعريف شامل لعالم ثقافي وديني ولغوي موحد باللغة السريانية، وليس كياناً سياسياً أو جغرافياً ثابتاً. الموضوع المحوري للكتاب هو أن اللغة السريانية، التي نشأت كإحدى لهجات الآرامية في مملكة الرها (أورهاي)، تطورت لتصبح لغة أدبية معيارية وهوية جامعة لمجتمعات مسيحية متنوعة ومتفرقة جغرافياً، امتدت من الشرق الأدنى إلى آسيا الوسطى والهند والصين. يدافع المؤلف عن فكرة أن "الدراسات السريانية" أصبحت حقلاً أكاديمياً مستقلاً ومركزياً، لا مجرد فرع من فروع تاريخ الكنيسة أو الدراسات الكلاسيكية، مؤكداً على مساهمتها في فهم تاريخ الشرق الأوسط والعالم.
يسير الكتاب وفق تسلسل زمني ومنهجي، حيث يبدأ الفصل التمهيدي بتحديد ماهية العالم السرياني وعلاقته بتخصصات أكاديمية متعددة. ثم ينتقل إلى دراسة التاريخ السياسي والاجتماعي للمنطقة، بدءاً من مملكة أوسروهين وحتى الفتح العربي الإسلامي، متتبعاً كيف شكلت الإمبراطوريات المتعاقبة (الهلنستية، الرومانية، الساسانية) هذا العالم. بعد ذلك، يتعمق الكتاب في الأصول الوثنية واليهودية للمسيحية السريانية، ثم ينتقل إلى تفصيل تاريخ الكنيسة وانقساماتها الكريستولوجية الكبرى في القرنين الخامس والسادس، والتي أدت إلى تشكل الكنائس السريانية الرئيسية: كنيسة المشرق والكنيسة السريانية الأرثوذكسية. يخصص الكتاب أقساماً مهمة لمناقشة العلاقة المعقدة مع اليهودية والزرادشتية، وتطور الهوية العرقية السريانية تحت الحكم الروماني. ثم ينتقل إلى العصر الإسلامي، محللاً ردود فعل السريان تجاه الإسلام وتطور أوضاعهم كأهل ذمة حتى العصر المغولي. وأخيراً، يغطي الكتاب الجوانب الفكرية والفنية، من الفلسفة والطب والأدب والشعر إلى الموسيقى والعمارة وفن الرسم الجداري، بالإضافة إلى الامتداد الشرقي المذهل للمسيحية السريانية في آسيا الوسطى والصين والهند.
يسلط الكتاب الضوء على أرقام ووقائع لافتة يصعب نسيانها. من بينها أن التقويم السرياني ظل وفياً للتقليد اليوناني مستخدماً "العصر اليوناني" أو "عصر الإسكندر" (الذي بدأ في أكتوبر 312/311 ق.م) لأكثر من ألفي عام. كما يذكر أن أقدم مخطوطة سريانية معروفة (BL Add. 12,150) تعود لتاريخ 411م وتظهر خطاً متقناً. وفي سياق الانقسامات الكنسية، لعب يعقوب البرادعي (أسقف الرها 543/544-578م) دوراً محورياً في تأسيس تسلسل هرمي مستقل للكنيسة السريانية الأرثوذكسية بعد اضطهاد الإمبراطورية البيزنطية. أما في العصر الإسلامي، فتبرز قصة اكتشاف شاهدة شيآن في الصين كدليل على التبشير السرياني البعيد. ومن الأحداث المروعة التي يغطيها الكتاب مذبحة المسيحيين في أربيل عام 1310 على يد قائد عسكري مسلم، والتي أنهت طموحات مسيحيي المشرق في العهد المغولي.
يقر المؤلف بصراحة بعدة حدود وتحفظات. فهو يعترف بأن "العالم السرياني" ليس كياناً ثابتاً ولا يمكن تحديد حدوده بدقة، وأن التنوع والصراع كانا سمة دائمة فيه. كما يشير إلى أن المعرفة بالقرون الأولى للمسيحية في بلاد ما بين النهرين تبقى "مُحبطة في قلّتها"، وأن معظم الروايات الأسطورية الشهيرة حول تنصير ملوك المنطقة، كأسطورة الملك أبجر الخامس ومراسلته للمسيح، لا يمكن الاعتماد عليها تاريخياً. كما يقر بأن مصطلح "نسطوري" يعتبر تسمية خاطئة ومرفوضة لاهوتياً من قبل كنيسة المشرق نفسها منذ القرن السادس. وأخيراً، يعترف بأن السرد التاريخي للإمبراطورية الساسانية يعتمد بشكل كبير على المصادر الإسلامية والبيزنطية والسريانية اللاحقة، مما قد يفرض حدوداً على دقة بعض التفاصيل.
يمكن القول إن الكتاب يقدم حجة قابلة للنقاش ضمنياً، وهي أن الدراسات السريانية أصبحت حقلاً مستقلاً لا يمكن اختزاله في تاريخ الكنيسة أو الدراسات الكلاسيكية، لكنه في الوقت نفسه يظل متمسكاً بالدراسة اللغوية والنصية كأساس لا يمكن تجاوزه. أيضاً، تركيزه المكثف على العوامل السياسية والبشرية (كالولاءات العائلية والتنافس على السلطة) كأسباب رئيسية للانقسامات الكنسية، يقلل - ضمنياً - من محورية الخلافات اللاهوتية الحادة، وهو موقف تاريخي يمكن مناقشته. بشكل عام، ينجح الكتاب في تقديم رؤية شاملة ومتوازنة لعالم سرياني معقد ومتعدد الأوجه، تاركاً القارئ مع فهم دقيق لتراث ثري غالباً ما يُهمش في الدراسات الأكاديمية السائدة.
Personnes
Chapitres(17)
1.62–74▼ résumé
يقدم هذا الفصل التمهيدي من كتاب "العالم السرياني" نظرة شاملة على ماهية "العالم السرياني" وأهميته، ويحدد مجالات البحث الرئيسية التي تغطيها فصول الكتاب. الموضوع المحوري هو تعريف هذا العالم ليس ككيان سياسي أو جغرافي ثابت، بل كفضاء ثقافي وديني ولغوي موحد بالدرجة الأولى باللغة السريانية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن اللغة السريانية، التي نشأت كإحدى لهجات الآرامية في مملكة الرها (أوسروين)، تطورت لتصبح لغة أدبية معيارية وهوية جامعة لمجتمعات مسيحية متنوعة ومتفرقة جغرافياً، امتدت من الشرق الأدنى إلى آسيا الوسطى والهند والصين.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة محاور. يبدأ بتأكيد أن المجتمعات الناطقة بالسريانية لم تكن يوماً موحدة، بل تميزت بالتنوع الديني (من وثنية ويهودية ومسيحية بفروعها المختلفة كالمرقيونية والمانوية والميافيزية والنسطورية) والسياسي (عاشت تحت الحكم الروماني والفارسي ثم الإسلامي). ومع ذلك، شكلت الكنائس السريانية بهياكلها الهرمية القوية كياناً شبه حكومي. اللغة السريانية الكلاسيكية بقيت هي الخيط الناظم والعلامة الفارقة لهذا العالم، وهي التي تشكل جوهر الدراسات السريانية كما يؤكد الباحث لوكاس فان رومباي.
بعد هذا التحديد، يشرح الفصل كيف يتقاطع حقل "الدراسات السريانية" مع تخصصات أكاديمية متعددة، مقدماً لمحة عن محتوى فصول الكتاب. هذه التخصصات هي:
- دراسات العصور القديمة المتأخرة: يركز الفصل على أهمية كتابات والتر باور التي تحدت النظرة التقليدية التي تهمش المسيحية السريانية. تشمل المواضيع أصول المسيحية السريانية (الفصل 4، ديفيد تايلور)، والرهبانية المبكرة (الفصل 5، فلورنس جوليان)، والأديان السابقة للمسيحية (الفصل 3، جون هيلي)، والعلاقة مع الزرادشتية (الفصل 8) واليهودية (الفصل 9).
- الدراسات الإسلامية: يناقش الفصل التفاعلات والتأثيرات المتبادلة بين المجتمعات السريانية والعربية في القرون الإسلامية الأولى. يتناول فصول مثل العلاقات المبكرة بين المسيحيين والمسلمين (الفصلين 11 و12)، وتطور الهوية "العرقية" أو "القومية" السريانية تحت الحكم الإسلامي (الفصل 10).
- الدراسات السامية واللغوية: هذا هو قلب الدراسات السريانية. يوضح الفصل كيف برزت اللهجة الرهاوية كلغة أدبية فوق لهجوية (الفصل 13، هولجر جيزيلا). تشمل المواضيع: تصنيف اللغة السريانية ولهجاتها الزمنية (الفصل 14، آرون بوتس)، وأنظمة الكتابة والمخطوطات (الفصل 15)، واللهجات الآرامية الحديثة (الفصل 16، جيفري خان).
- الدراسات الكتابية: ينتقل دور السريانية من مجرد أداة للنقد النصي للكتاب المقدس إلى مجال مستقل لدراسة تفسير الكتاب المقدس وتأثيره في العالم السرياني (الفصل 17، جوناثان لوپسترا).
- الدراسات الكلاسيكية: يؤكد الفصل على أن السريانية كانت جسراً نقل التراث العلمي والفلسفي اليوناني. تشمل المواضيع: التأريخ (الفصل 24، فيليب وود)، والفلسفة (الفصل 25)، والطب (الفصل 26).
- الفنون والآداب والمجتمع: يستعرض الفصل خصوصية الأدب السرياني كشعر أفرام (الفصل 18) وأدب التصوف (الفصل 21)، بالإضافة إلى فنون الرسم الجداري (الفصل 27، إيما لوزلي) والعمارة الكنسية (الفصل 28، وداد خوري). يبحث أيضاً في دور النساء والأطفال في المجتمع (الفصل 29، سوزان آشبروك هارفي) والاقتصاد الزراعي (الفصل 30، مايكل ديكر).
- تاريخ آسيا الوسطى والصين والهند: يغطي الفصل الامتداد الشرقي المذهل للمسيحية السريانية، متناوباً تأثيرها على شعوب آسيا الوسطى (الفصل 31، مارك ديكنز)، واكتشاف شاهدة شيآن في الصين (الفصل 32، هيديمي تاكاهاشي)، والتقاليد السريانية في الهند (الفصل 33، إستفان بيرتسل).
- التاريخ الحديث والمعاصر: يتناول الفصل عصر النهضة السريانية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر (الفصل 34)، وتجارب المجتمعات السريانية من القرن الثالث عشر حتى السادس عشر (الفصل 35)، وصولاً إلى العصر الحديث حيث يناقش دور هذه الأقليات في الشرق الأدنى (الفصل 38، هيلين مور-فان دن بيرغ) وصدمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق (الفصل 39، إيريكا هانتر).
يقر الفصل بحدود واضحة، فهو مجرد مدخل لعالم معقد، ولا يمكنه تقديم سوى موجزات مكثفة لكل موضوع، محيلاً القارئ إلى قوائم طويلة للقراءات الإضافية في نهاية كل فصل. كما يقر المؤلف بأن "العالم السرياني" ليس كياناً ثابتاً (بلا حدود واضحة أو ثابتة)، وأن التنوع والصراع كانا سمة دائمة، دون أن يكونا عائقاً أمام التواصل والعلاقات. هناك إقرار ضمني بأن بعض المجالات، مثل تاريخ الموسيقى، يصعب تغطيتها في كتاب.
يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش ضمنياً وهي أن "الدراسات السريانية" أصبحت حقلاً أكاديمياً مستقلاً ومركزياً، لا مجرد فرع من فروع تاريخ الكنيسة أو الدراسات الكلاسيكية. هذا الطموح واضح من خلال تناوله لتقاطعات هذا الحقل مع عشرات التخصصات الأخرى، ومن خلال تأكيده على مساهمته في فهم تاريخ منطقة الشرق الأوسط والعالم. ومع ذلك، يظل جوهر هذا الحقل، كما يعترف الفصل، متمسكاً بالدراسة اللغوية والنصية كأساس لا يمكن تجاوزه.
2.75–110▼ résumé
يبدأ هذا الفصل بملاحظة محورية: اللغة السريانية لم تكن أبداً لغة دولة رسمية أو لغة شعب محدد عرقياً، بل كانت لغة ثقافية ودينية. وهذا ما يفسر انتشارها الواسع خارج الحدود السياسية. الاستثناء الوحيد كان مملكة أوسروهين قصيرة العمر، حيث كانت السريانية القديمة (أو الآرامية الرهاوية) لغة رسمية، كما يتضح من النقوش والعملات والوثائق. اللغة السريانية كانت اللغة المنطوقة في الرها (أورهاي)، ومن هنا اسمها.
يؤرخ الفصل بدايات السريانية في الفترة الهلنستية، حين أعاد سلوقس الأول نيكاتور تأسيس مدينة الرها سنة 304 ق.م كمدينة يونانية. أصبحت اليونانية اللغة الرسمية والثقافية، لكن الآرامية لم تختفِ، بل ظهرت بلهجات محلية مختلفة بعد زوال الإدارة الأخمينية الموحدة. يُظهر الفصل كيف أن التقويم السرياني ظل وفياً للتقليد اليوناني، إذ استخدم "العصر اليوناني" أو "عصر الإسكندر" (الذي بدأ في أكتوبر 312/311 ق.م) لأكثر من ألفي عام، كعلامة هوية محلية مقابل التقويم المسيحي.
ينتقل الفصل إلى مرحلة الرومنة، فبعد أن أصبحت الرها جزءاً من الإمبراطورية الرومانية، خاصة في عهد سيبتيموس سيفيروس (حكم 193-211م)، تحولت المملكة إلى ولاية رومانية. يصف الفصل حملات سيفيروس ضد أوسروهين ونصيبين، والتي خلدها في قوس النصر في روما. على الرغم من أن الملك أبجر الثامن "العظيم" (حكم 177-212م) احتفظ بحكم الرها كملك عميل، إلا أن القوة الحقيقية كانت بيد الوكيل الروماني. سنة 212/213م فقدت الرها استقلالها وأصبحت مستعمرة رومانية. يوضح الفصل الطابع المختلط للثقافة الرهاوية من خلال الفسيفساء الغنية التي تجمع بين المشاهد اليونانية (مثل مشاهد من الإلياذة) والأزياء البارثية والنقوش الآرامية.
يوثق الفصل استمرار استخدام الآرامية الرهاوية في القرن الثالث الميلادي في وثائق قانونية خاصة (مثل عقود البيع والإيجار)، كما هو واضح في برديات من الفرات وجدت في دورا أوربوس (تعود لسنة 242م). هذه الوثائق تظهر أن السريانية كانت لغة للإمبراطورية الرومانية إلى جانب اللاتينية واليونانية، وأنها تطورت بصورة مختلفة عن السريانية الكلاسيكية. يبرز الفصل دور "الكتّاب" (السفراء) الذين استخدموا خطًا متصلاً (السريطو) ظهر لاحقاً في المخطوطات. الأهم من ذلك، أن تقليد الأرشفة المدنية والدينية في الرها، الذي يعود لعصور سابقة، أثر بعمق على الأدب السرياني لاحقاً، حيث استخدمت نصوص أدبية (مثل سير الشهداء وعقيدة أدائي) فكرة "الوثائق الأرشيفية" كأداة أدبية لإضفاء الشرعية والمصداقية على قصصها، شبيهة باستخدام الروايات الأوروبية الحديثة لوثائق "عُثر عليها في صندوق قديم".
يتناول الفصل بعد ذلك القرن الرابع، ويبين كيف أن ترجمة البيشتا (العهد القديم) وتأليف النصوص المسيحية الأولى (مثل الدياتسرون وأعمال توما) ساهمت في توحيد السريانية القديمة وتحويلها إلى لغة أدبية كلاسيكية. أقدم المخطوطات السريانية المعروفة (مثل BL Add. 12,150 بتاريخ 411م) تظهر خطًا متقنًا ونصاً موحداً نسبياً. يفسر الفصل استمرار السريانية وانتشارها بفضل تحولها إلى لغة ثقافية للمسيحيين الناطقين بالآرامية، وهو ما أنقذها من الاندثار الذي حل باللهجات المحلية الأخرى (كالنباطية والتدمرية) بعد زوال كياناتها السياسية.
ينتقل الفصل إلى الحروب الرومانية-الساسانية وتأثيرها الكارثي على سكان المناطق الحدودية. يصف حملات شاهبور الأول (حكم 242-272م) وأسر الإمبراطور فاليريان (سنة 260م). ثم يستعرض إصلاحات ديوقليتيانوس (حكم 284-305م) الدفاعية والإدارية التي شملت بناء خط "ستراتا ديوكليتيانا" وتحويل نصيبين إلى مركز تجاري وحيد بين الإمبراطوريتين ("مدينة الحدود"). ويتحدث عن اضطهاد المسيحيين (سنة 303-311م) ثم قانونية المسيحية بموجب مرسوم ميلان (313م) وإعلانها دين الدولة الرسمي في عهد ثيودوسيوس الأول (سنة 380م). يجمل الفصل قصائد أفرام السرياني (نحو 306-373م) التي رثت نيقوميديا بعد زلزال 358م، والتي وصفت حصار نصيبين واعتبرت قبر الأسقف يعقوب النصيبي درعاً واقياً للمدينة. يختتم هذا القسم بقصة هزيمة الإمبراطور يوليان (سنة 363م) التي أدت لفقدان نصيبين وثلاث مقاطعات حدودية، وهجرة أفرام وغيره من المسيحيين إلى الرها.
يبحث الفصل في التغيرات الاجتماعية والدينية في القرنين الرابع والخامس. يبرز دور "أبناء وبنات العهد" والنساك وقديسي الله في المجتمع. ويؤكد على أن الثقافة السريانية كانت ثقافة الكتابة والسمع بالدرجة الأولى، كما يتجلى في عقيدة أدائي التي تصور يوم القيامة كقراءة "مخطوطة حية" مكتوبة على الجلد. وفي المقابل، يستخدم المانويون الرسم والتصوير كوسيلة نشر. كما يذكر الفصل المدارس في الرها (مدرسة الفرس، الأرمن، السريان) والتي عكست المشهد الطائفي المتنوع.
يصل الفصل إلى ذروة الصراعات الكريستولوجية في القرن الخامس. أدى مجمع أفسس (431م) ومجمع خلقيدونية (451م) إلى انشقاقات كبرى. يصف الفصل مواقف الأسقف ربولا الرهاوي (411-435م) المعادي للأطروحة الأنطاكية والذي أمر باستبدال الدياتسرون بالأناجيل الأربعة المنفصلة. ثم ينتقل إلى عهد الإمبراطور يوستينوس الأول (518-527م) الذي فرض المذهب الخلقيدوني، مما أدى إلى نفي الأساقفة الميافيزيين، وأبرزهم ساويرس الأنطاكي الذي لجأ إلى مصر. يبين الفصل كيف أن هذا المنفى الجماعي خلق شبكة جغرافية-كنسية قوية بين الكنائس السريانية الأرثوذكسية والقبطية (خاصة في دير السريان بوادي النطرون). يبرز دور يعقوب البرادعي (أسقف الرها 543/544-578م) الذي تجول متخفياً وأسس تسلسلاً هرمياً مستقلاً للكنيسة السريانية الأرثوذكسية (اليعقوبية) التي أصبح بطريركها متنقلاً في أديرة مختلفة، خارج أنطاكية. كما يذكر الفصل دور القبائل العربية (آل جفنة وآل نصر) ودور الجزيرة العربية في الصراع، خاصة قصة مذبحة نجران على يد الملك اليهودي يوسف ذو نواس، والتي تدخلت فيها إثيوبيا بناءً على طلب الامبراطور البيزنطي.
يغطي الفصل حروب القرنين الخامس والسادس بالتفصيل: هجمات قباد الأول واستيلاء الفرس على آمد (503م)، وبناء قلعة دارا، ومعاهدة "السلام الأبدي" بين كسرى الأول ويوستنيانوس الأول (سنة 532م)، ثم نقض العهد بإغارة كسرى على أنطاكية (سنة 540م) ونهبها. يذكر الفصل تأثير وباء الطاعون (سنة 541م) وحصار الرها (سنة 543م).
أما الجزء الأخير فيركز على القرن السابع كفترة تحول جذري. يصف الفصل الغزو الساساني بقيادة كسرى الثاني الذي استولى على الرها (609م) ودمشق (613م) والقدس (614م) وأسر الصليب الحقيقي. ثم انتصارات الإمبراطور هرقل (623-628م) التي أعادت الصليب، لكن سرعان ما جاء الفتح العربي الإسلامي. يوضح الفصل أن هذا الفتح لم يكن تحولاً مفاجئاً للسكان المحليين، الذين اعتادوا على الحروب واحتلال الفرس، بل استمرت الحياة كما هي إلى حد كبير. ويؤكد أن السريانية ازدهرت بعد الفتح الإسلامي، لأن الكنائس غير الخلقيدونية كانت تدير التعليم والثقافة بشكل خاص، بعيداً عن الدعم الإمبراطوري. القرن السابع شهد نقلة نوعية في ترجمة العلوم والفلسفة اليونانية إلى السريانية في دير قنشرين على يد علماء مثل ساويرس سيبوخت ويعقوب الرهاوي، مما مهد لحركة الترجمة في بغداد في القرن التاسع. ويختتم الفصل بالقول إن التاريخ العسكري والسياسي لا يتزامن بالضرورة مع التاريخ الثقافي والديني، إذ بقيت السريانية لغة حية ومنتجة في العالم الإسلامي حتى القرن الرابع عشر.
3.111–129▼ résumé
يقدّم هذا الفصل سرداً تاريخياً شاملاً ومتسلسلاً للإمبراطورية الساسانية، منذ تأسيسها في عام 224 على يد أردشير الأول (224-241) بعد هزيمته لآخر ملوك الفرثيين أردوان الخامس (213-224)، وحتى انهيارها إثر الفتوحات الإسلامية. الموضوع المحوري للفصل هو تتبع التطور السياسي والعسكري والديني لهذه الإمبراطورية، مع تركيز خاص على علاقتها المتغيرة مع الجماعات المسيحية داخلها. يقدم المؤلف الإمبراطورية الساسانية ككيان ديناميكي مر بمراحل قوة وضعف، واتسمت علاقته بالمسيحيين بالتقلب بين التسامح والاضطهاد، متأثرةً بعوامل داخلية وخارجية مثل الحروب مع روما، ومصالح النخبة الزرادشتية، وشخصية الملوك أنفسهم.
يسير الفصل وفق ترتيب زمني صارم، متتبعاً حكم كل ملك على حدة تقريباً. يبدأ بتأسيس أردشير الأول للإمبراطورية التي أطلق عليها اسم "إيرانشهر" (إمبراطورية الإيرانيين)، والتي نشأت من معبد الإلهة آناهيتا في إصطخر، حيث كان جده ساسان كاهناً. يشرح الفصل كيف وسّع شابور الأول (241-270) الفتوحات ووطد الإدارة المركزية، كما يشير إلى أول ذكر للمسيحيين في النقش الشهير للكاهن الزرادشتي كيردير، والذي يُظهر أن المسيحيين كانوا ضمن الجماعات الدينية التي اعتبرت تهديداً. يُقر المؤلف بعدم وضوح وضع المسيحيين في القرن الثالث، لكنه يربط أولى بوادر الاضطهاد بتنامي أعدادهم داخل الإمبراطورية، خاصةً أولئك الذين نُقلوا قسراً من سوريا.
يتناول الفصل بالتفصيل حالة الاضطهاد المنظمة التي حدثت في عهد شابور الثاني (309-379)، والذي يُعتبر أطول فترة حكم ساسانية. يوضح أن الاضطهاد في هذه الفترة، بين عامي 340 و379، لم يكن مدفوعاً فقط بعلاقة المسيحيين بالإمبراطورية الرومانية (خاصة بعد إعلان قسطنطين الكبير نفسه قائداً لجميع المسيحيين)، بل أيضاً لأسباب داخلية مثل رفض بعضهم جمع الضرائب للملك. مع ذلك، يقدم الفصل دليلاً على تعقيد العلاقة من خلال ذكر أن شابور الثاني سمح للقديس مار أوجين، مؤسس الرهبنة المسيحية في الشرق، بإنشاء دير في سوسا. يُظهر هذا التناقض أن سياسة الدولة لم تكن قمعية بشكل مطلق.
يتناوب السرد بعد ذلك بين فترات من التسامح النسبي والضعف الملكي. يتميز عهد يزدجرد الأول (399-420) بتسامحه الديني الشهير تجاه المسيحيين، وهو ما أكسبه لقب "الآثم" في المصادر الإسلامية لاحقاً، بينما مدحته المصادر المسيحية ووصفته بـ"قورش الثاني". في المقابل، يصف الفصل عهد يزدجرد الثاني (438-457) الذي شن حملة لإعادة تنصير الأرمن إلى الزرادشتية. في هذه الأثناء، كانت الكنيسة المسيحية تتطور داخلياً، حيث يشير الفصل إلى تعزيز مكانة النسطورية في عهد بيروز (459-484) بدعم من الملك، ونتائج مجامع بيت لابات (484) وعقاق (486) التي حددت ملامح المسيحية في الإمبراطورية.
تبلغ الإمبراطورية أوجها في عهد كسرى الأول أنوشيروان (531-579)، الذي يعتبره الفصل موسعاً للإصلاحات الإدارية والاقتصادية التي بدأها والده قباد الأول (488-531)، وجاعلاً من الإمبراطورية واحدة من أقوى دول العالم في القرن السادس. يتميز عصر كسرى بفترة سلام نسبي للمسيحيين، لكنه شهد أيضاً تفاقم الصراع الداخلي بين النساطرة واليعاقبة. يُظهر الفصل أن الكنيسة المسيحية أصبحت منظمة بشكل كبير بحلول القرن السادس، حيث قُسّمت الإمبراطورية إلى ستة أقاليم متروبوليتانية. يستمر السرد باقتباس كسرى الثاني برويز (590-628) الذي بدأ حملاته الشهيرة ضد الإمبراطورية الرومانية الشرقية، محتلاً سوريا وفلسطين ومصر، وهي الفتوحات التي اعتُبرت ذروة القوة الساسانية.
ينتهي الفصل بوصف الانهيار السريع للإمبراطورية بعد الحملة الرومانية المضادة الناجحة بقيادة الإمبراطور هرقل في منتصف العشرينات من القرن السابع. يُشير إلى الفوضى الداخلية التي سادت بعد خلع كسرى الثاني عام 628، حيث تعاقب ملوك ضعاف مثل قباد الثاني وأردشير الثالث، وحتى ملكتين هما بوران وآزرميدخت. وأخيراً، جاء عهد يزدجرد الثالث (632-651) ليتزامن مع الفتوحات الإسلامية، حيث هزم في القادسية (637) واضطر للفرار شرقاً حتى قُتل في مرو. يختم المؤلف بالإشارة إلى أن الإرث الساساني، ولا سيما فكرة "إيران" ككيان جغرافي مثالي، استمر عبر العصور الإسلامية، من البويهيين إلى المغول، وأُستخدم بشكل فعال في تشكيل الدولة القومية الحديثة. يُقر الفصل ضمناً بأن السرد التاريخي يعتمد بشكل كبير على المصادر الإسلامية والبيزنطية والسريانية اللاحقة، مما قد يفرض حدوداً على دقة بعض التفاصيل، خاصة فيما يتعلق بعدد الشهداء ودوافعهم.
4.130–162▼ résumé
يبدأ الفصل بالإشارة إلى أن السريانية تُعتبر لغة مسيحية بشكل أساسي، لكنه يركز على وجود معلومات عن الفترة ما قبل المسيحية في منطقة الرها (أورفة الحديثة) ومحيطها. المصادر التي يعتمد عليها الفصل محدودة وتنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية: النصوص الأدبية، والأدلة الأثرية، والنقوش القديمة.
المؤلف يوضح أن المصادر الأدبية تأتي من فترة مسيحية لاحقة، لذا يجب التعامل معها بحذر بسبب التحيز المسيحي الواضح. لكن بعضها يعتبر موثوقًا نسبيًا، مثل كتاب قوانين البلدان لـ برديصان (حوالي 154-222 م)، وهو حوار فلسفي كتبه أحد أتباعه. كذلك تعليقات الإمبراطور جوليان الجاحد عن دين الرها في خطابه الرابع تُعتبر موثوقة لعدم وجود سبب لتزييفها. في المقابل، هناك نصوص أخرى مثل "تعليم أدّاي" (الذي يعود غالباً للقرن الخامس) و "عظة خراب الأصنام" لـ يعقوب السروجي (أواخر القرن الخامس) هي نصوص جدلية، ويجب الحكم على كل معلومة فيها بحذر. كما يشير المؤلف إلى عظة ملتون الكاذب التي يصعب تأكيد تفاصيلها.
أما بالنسبة للأدلة الأثرية، فالفصل يذكر أنها قليلة جداً في الرها نفسها لأن المدينة تطورت إلى مدينة حديثة، باستثناء بعض المناطق مثل هاليبيبهجة غرب المدينة حيث اكتُشفت فسيفساء، أغلبها من العصر البيزنطي (القرن الخامس/السادس). لكن هناك موقعين مهمين خارج المدينة: دير يعقوب على الحافة الجنوبية للمدينة، و سوماتار هارابيسي إلى الجنوب. الفسيفساء التي عُثر عليها تعكس موضوعات من الأساطير اليونانية-الرومانية (مثل زيوس/مارالاهي، هيرا، كرونوس، بروميثيوس، أخيل، بريام، هيكوبا) وتحتوي على نقوش سريانية، مما يدل على اندماج التقاليد المحلية مع الثقافة الغربية بين النخبة.
المصدر الأهم، حسب المؤلف، هو النقوش السريانية القديمة على الحجر والفسيفساء والبردي، والتي تمتد من حوالي 6 م إلى حوالي 250 م. تجمع هذه النقوش ما يقارب 150 نقشاً. الأسماء الشخصية الثيوفورية (التي تحمل اسم إله) هي المصدر الرئيسي للمعلومات عن الآلهة. يذكر الفصل قائمة بهذه الأسماء ومن بينها أسماء مشتقة من آلهة مثل شمش (يظهر في سبعة أسماء)، بيل، عتارجاتا، سين، نحاي، نبو، وغيرهم. يلاحظ المؤلف أن المعلومات من النقوش والأسماء لا تتطابق دائماً مع المعلومات الأدبية؛ فبعض الآلهة المهمة في النصوص الأدبية مثل بيل و نبو لا تظهر إلا في أسماء أشخاص في النقوش، ربما بسبب عدم اكتمال السجل النقوشي.
قبل التطرق لآلهة الرها، يشير الفصل إلى وجود اليهودية في المنطقة، مستنداً إلى أدلة أدبية مثل قصة توبيا اليهودي في "تعليم أدّاي"، وإلى حقيقة أن الترجمة السريانية للعهد القديم (البشيتا) كانت ذات أصل يهودي، وإلى وجود نقوش يهودية قديمة بالآرامية المحلية.
في قلب الفصل، يناقش المؤلف آلهة الرها الوثنية بالتفصيل. بيل و نبو هما الإلهان الرئيسيان في المدينة وفق النصوص الأدبية، ولهما تاريخ طويل يعود لبلاد ما بين النهرين القديمة ولكنهما معروفان أيضاً في تدمر وحatra. عتارجاتا (أو ترعتا) هي إلهة مهمة أخرى، ودليل عبادتها في الرها يأتي من نص برديصان الذي يذكر عادة الخصاء الذاتي تكريماً لها، وهو أمر حظره الملك أبجر بعد اعتناقه المسيحية. هدد مرتبط بها ويظهر فقط في اسم شخص واحد. سميون (أو السيميون) يظهر في أسماء أشخاص، وهو رمز ديني مرتبط بهما.
شمش (إله الشمس) كان له معبد عند البوابة الجنوبية للمدينة، ويصفه الإمبراطور جوليان بأن الرها كانت مركزاً لعبادة الشمس، وكان عزيز و منيمس رفيقيه، وهما يمثلان كوكب الزهرة كنجمي الصباح والمساء. الإله الوحيد الذي يظهر صراحةً في النقوش إلى جانب سين هو نحاي، الذي يظهر في نقش من سرين على الفرات. يُرجح أنه إله عربي قديم معروف من شمال شبه الجزيرة العربية وتدمر. هناك أيضاً إشارات إلى آلهة أخرى مثل كُتباي (المرتبطة بالإلهة العربية النبطية الكتبى) و بعل شمين الذي يظهر فقط في اسمين.
القسم الأكبر مخصص لعبادة إله القمر سين في موقع سوماتار هارابيسي (على بعد 60 كيلومتراً جنوب شرق الرها). يذكر الفصل ثلاثة نصوص من سوماتار تذكر سين بالاسم، ونقشاً من البردي من منطقة الفرات الأوسط يشير إلى "عابد سين". الموقع هو موقع ديني به كهوف ونقوش ونصب تذكارية جنائزية. إحدى النقوش المهمة (As37) تشير إلى "هذا الجبل المبارك" (طورا بريكا)، وأخرى (As36) تشير إلى مذبح ونصبة (عمود أو شتلة خشبية حسب تأويلات مختلفة) أقيمت للإله مارالاهي، وهو لقب يعني "رب الآلهة" ويطلق هنا على سين باعتباره الإله الأعلى في الموقع. يربط الفصل بين هذه الممارسات الدينية والسياسة الإقليمية، حيث تشير النقوش المتكررة إلى عائلة أدونا وإلى حكام منطقة العرب (المنطقة الواقعة جنوب شرق الرها) الذين كانوا مسؤولين عن الحفاظ على هذه العبادة، وكانوا تابعين لملك الرها.
في الختام، يناقش الفصل انتشار الأفكار الدينية اليونانية-الرومانية، ويتجلى ذلك بوضوح في الفسيفساء التي تصور مشاهد أسطورية مثل خلق الإنسان (مع زيوس/مارالاهي و هيرا و كرونوس و بروميثيوس) وأورفيوس وحرب طروادة. هذه الفسيفساء تحمل نقوشاً سريانية تشرح من هي الشخصيات، مما يظهر اندماجاً بين الثقافتين. أما الفسيفساء الجنائزية فتعكس تقاليد محلية مع عناصر "بارثية" وتستخدم مصطلح "بيت علم" (بيت الأبدية) للقبر. الفصل يلمح إلى احتمال تأثير بعض الممارسات الوثنية القديمة، مثل خصاء الذات في عبادة عتارجاتا، على تطور الزهد المسيحي والرهبنة (على الرغم من أن الفصل يحذر من الربط المباشر). وأخيراً، يؤكد الفصل أن التأثير الأهم للفترة ما قبل المسيحية هو التهلين العميق للمجتمع في الرها، والذي تجسد في فلسفة برديصان وأسلوب حياته المستند إلى النموذج اليوناني، مما هيأ النخبة المحلية للانخراط في النقاشات اللاهوتية للكنيسة اليونانية لاحقاً. على الرغم من التحول للمسيحية، لم تختفِ الوثنية والممارسات الوثنية بسرعة، واستمرت الأسماء الوثنية في الاستخدام بين المسيحيين.
في نهاية التحليل، يمكن القول إن الفصل يُظهر جهداً دقيقاً في استقراء ديانة مجتمع لا نعرف عنه إلا القليل، معتمداً على شظايا متناثرة من النقوش والنصوص الأدبية المشكوك فيها. النقطة الأكثر إثارة للاهتمام هي كيفية تعامل المؤلف مع التناقض الظاهري بين "الوثنية المحلية" و"الهلينية العالمية"؛ فهو لا يصورهما كقطبين متعارضين، بل كطبقات متشابكة في ثقافة نخبوية واحدة، حيث يمكن للإله السوري سين أن يُدعى "مارالاهي" (رب الآلهة) وفي نفس الوقت تزين الفيللات بمشاهد من ملحمة هوميروس.
5.163–197▼ résumé
يُعالج هذا الفصل موضوعاً محورياً هو مسألة كيفية وصول المسيحية وانتشارها في منطقة بلاد ما بين النهرين (الواقعة بين نهري الفرات ودجلة، على جانبي الحدود الرومانية الإيرانية) خلال القرون الأولى. يقدم المؤلف إجابة واضحة ومباشرة مفادها أن المصادر المتاحة عن هذه الفترة المبكرة محدودة للغاية وغير موثوقة في كثير من الأحيان، وأن الروايات الأسطورية الشهيرة حول تنصير ملوك وحكام المنطقة لا يمكن الاعتماد عليها تاريخياً. بدلاً من ذلك، يرى المؤلف أن المسيحية انتشرت بفضل جهود مبشرين مجهولين من عامة الناس، ومن خلال عمليات نقل السكان قسراً في سياق الحروب، وليس بفضل رسل أو ملوك.
يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك هذه القضية المعقدة. يبدأ المؤلف بتسليط الضوء على ندرة المعلومات الموثوقة عن المسيحية المبكرة في شرق البحر المتوسط بشكل عام، مستخدماً مثال مدينة أنطاكية كمثال رئيسي. فعلى الرغم من أن المصادر الأدبية عن أنطاكية تعتبر غنية نسبياً، إلا أننا ما زلنا نجهل الحجم الحقيقي للجماعة المسيحية فيها أو عدد كنائسها قبل عهد الإمبراطور قنسطنطين. وينتقل بعدها إلى منطقة شمال سوريا ليشرح نمط انتشار المسيحية الذي بدأ في المدن الواقعة على طرق التجارة الرئيسية ثم انتقل ببطء إلى القرى والمناطق النائية، وهي عملية ازدادت كثافة في الفترة بين 365 و 425 م. ويخلص إلى أن تعدد الآلهة استمر في بعض مناطق سوريا حتى القرنين الخامس والسادس الميلاديين، بالرغم من المراسيم الإمبراطورية التي سنّها الإمبراطور ثيودوسيوس الأول سنة 380 م.
ثم يخصص الفصل حيزاً كبيراً لمناقشة الأسطورة الأكثر تأثيراً في تاريخ المسيحية السريانية: أسطورة الملك أبجر الخامس ملك الرها وأسطورته مع السيد المسيح. يصف المؤلف بشيء من التفصيل مصدر هذه الأسطورة لدى المؤرخ أوسابيوس القيصري في كتابه "التاريخ الكنسي" (نحو 311 م)، ثم شكلها الموسع في نص "تعليم أدّي" (أوائل القرن الخامس). في هذه الأسطورة، يطلب الملك المريض من المسيح أن يأتي لشفائه، فيجيبه المسيح برسالة ويعد بإرسال تلميذ له بعد صعوده. يقدم المؤلف أدلة دامغة على أن هذه القصة لا تمت للواقع بصلة، مستشهداً بعدم وجود أي إشارة إليها في المصادر المعاصرة، وخلو نقود الرها من أي رموز مسيحية، وانعدام وجود نقوش أو آثار مسيحية مبكرة في المدينة. ويؤكد أن الهدف من اختلاق هذه الأسطورة في القرن الرابع هو تعزيز مكانة الرها كمركز للمسيحية في المنطقة، وإضفاء شرعية على جماعة مسيحية معينة في مواجهة الجماعات "الهرطوقية" الأخرى مثل أتباع مرقيون و ماني و برديسان التي كانت قوية في المدينة.
يعتمد المؤلف في نقده على مجموعة متنوعة من الأدلة. يذكر أن أقدم النقوش المسيحية في بلاد ما بين النهرين وجدت في نصيبين، وليس في الرها، ويعود تاريخ أقدمها إلى عام 359 م في معمودية القديس يعقوب. ويشير إلى أن أقدم مخطوطة سريانية مسيحية مؤرخة تعود لعام 411 م وقد أنتجت في الرها، لكن هذا لا يثبت أسبقيتها. كما يلاحظ أن كبار الكتاب السريان الأوائل مثل أفرام السرياني و أفراهاط الحكيم الفارسي لم يأتوا من الرها بل من مناطق أخرى. الأدلة الأثرية، كالفسيفساء والنقود، تظهر استمرار العبادات الوثنية في الرها حتى القرن الثالث الميلادي، مما يتعارض بشكل صارخ مع ادعاءات الأسطورة عن تنصير الملك والنبلاء.
بعد هذه المناقشة التفصيلية، يتجه الفصل إلى دراسة أوضاع المسيحية في بلاد ما بين النهرين الخاضعة للحكم الإيراني (الساساني). يوضح المؤلف كيف أن النقل القسري لسكان من مدن رومانية مثل أنطاكية إلى داخل الإمبراطورية الساسانية بعد غزوات شابور الأول (عامي 256 و 260 م) قد ساهم في إنشاء مجتمعات مسيحية جديدة في مناطق مثل بيت هوزاي. ويستشهد بنقش لكاهن زرادشتي يدعى كيردير من أواخر القرن الثالث الميلادي، والذي يذكر بوجود المسيحيين كجماعة معادية، مما يؤكد وجودهم المؤثر في ذلك الوقت المبكر. كما يتناول اضطهادات الساسانيين للمسيحيين تحت حكم ملوك مثل شابور الثاني (خاصة بعد عام 340 م)، معتبراً إياها أداة سياسية لتأكيد الهيمنة وليس مجرد تعصب ديني أعمى.
في خضم هذا التحليل النقدي، يقر المؤلف بوجود حدود وتحفظات واضحة. فهو يؤكد مراراً أن معرفتنا بالقرون الأولى للمسيحية في بلاد ما بين النهرين تبقى "مُحبطة في قلّتها" (frustratingly little)، وأن معظم الروايات التي تقدم تفاصيل شيقة لا قيمة تاريخية لها. يشير إلى أن المصادر مثل "أعمال ماري الرسول" اللاحقة وتحفة "تاريخ أربيل" غير موثوقة تمامًا لهذه الفترة المبكرة. هناك أيضاً اعتراف بأن استخدام مصطلحي "كريستياني" و"نصراي" في نقش كيردير لا يزال موضع جدل حول ما إذا كانا يشيران إلى طائفتين مسيحيتين مختلفتين أم لا. ويترك الباب مفتوحاً أمام احتمالية أن بعض التفسيرات التاريخية، مثل نظرية والتر باور حول أسبقية "الهراطقة" في المنطقة، تحتاج إلى أدلة أثرية جديدة لتأكيدها أو نفيها.
خلاصة القول، يرفض هذا الفصل بشكل قاطع اعتبار أسطورة "أبجر ويسوع" أو أسطورة "ماري الرسول" مصادر تاريخية موثوقة عن بدايات المسيحية في بلاد ما بين النهرين. إنها تعكس صراعات وطموحات لاهوتية وسياسية في القرنين الرابع والخامس الميلاديين أكثر مما تعكس وقائع القرن الأول. يقدم المؤلف بديلاً أكثر تواضعاً لكنه أقرب إلى الحقيقة: قصة انتشار تدريجي ومجزّأ، قادته أيادٍ مجهولة من التجار والأسرى والعامة، ولم يبدأ ترك بصماته المادية الواضحة (نقوش، كنائس) إلا في منتصف القرن الرابع الميلادي فصاعداً. هذا الطرح يوجه انتقاداً ضمنياً قوياً للمنهجية التي تتعامل مع النصوص الأسطورية كمصادر تاريخية أولية، ويدعو إلى إعادة تقييم دور مدن مثل الرها ونصيبين في الرواية التاريخية لانتشار المسيحية في الشرق.
إن أبرز ما يمكن مناقشته في الفصل هو تأكيده المستمر على أن غياب الدليل ليس دليلاً على الغياب. فإصراره على عدم وجود نقوش مسيحية مبكرة في الرها لا ينفي بالضرورة وجود مجتمع مسيحي صغير ومتواضع فيها، لكنه ينجح في تفنيد الادعاءات الكبيرة حول التنصير الجماعي بقيادة الملك. الحجة الأقوى في الفصل هي تلك التي تربط بين غياب الرموز المسيحية على النقود الرسمية والفسيفساء النبيلة واستمرار الطقوس الوثنية، مما يجعل فكرة وجود ملك مسيحي ونبلاء مسيحيين أمراً بالغ الصعوبة. يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى إمكانية تطبيق هذا النقد الصارم على مناطق وروايات تأسيسية أخرى في العالم المسيحي المبكر.
6.198–226▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على الأشكال المتعددة للحياة الدينية والرهبانية في الوسط السرياني، مقدّماً تصنيفاً شاملاً لهذه الأشكال وتطورها عبر الزمن. يوضح المؤلف أن التقليد السرياني تميّز بتنوع استثنائي في أنماط الحياة الرهبانية، بدءاً من حركات ما قبل الرهبنة وصولاً إلى الأنظمة الجماعية المنظمة. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن هذه الأشكال تطورت بشكل متزامن وليس وفق تسلسل زمني صارم، وأنها استجابت لظروف اجتماعية ودينية وسياسية مختلفة.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر أربعة نماذج رئيسية للحياة الدينية. يبدأ بحركة "بني قياما" (أبناء العهد)، وهي حركة خاصة بالوسط السرياني وتُعتبر شكلاً أوليّاً للرهبنة. يصف الفصل هؤلاء الأشخاص بأنهم علمانيون متزهدون يلتزمون بالعزوبة ويعيشون داخل مجتمعاتهم الكنسية، لا في عزلة صحراوية، حيث كانت مهامهم الرئيسية هي تعليم المؤمنين ومساعدة الفقراء والمرضى. يستشهد المؤلف بكتابات أفراهاط الحكيم الفارسي (في نحو 337م) وربولا أسقف الرها (في القرن الخامس) لوصف وضعهم وقوانينهم، والتي تضمنت منعهم من العيش مع النساء وأكل اللحم وشرب الخمر.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى شكل الحياة الانفرادية، مركزاً على مصطلح "إيحدايا" (المفرد/الناسك). يشرح المؤلف أن هذا المصطلح تطور ليشير في البداية إلى المسيحي المتحد بالمسيح في قلبه، ثم أصبح مرادفاً للراهب الناسك المنعزل. يورد الفصل تصنيفاً تفصيلياً من كاتب اسمه داديشوع القطرايا (حتى نحو 690م) يميّز بين أنواع مختلفة من المتوحدين، بدءاً من المبتدئين في الأديرة وصولاً إلى المنعزلين كلياً في الصحراء. يصف الفصل تنوعاً كبيراً في الممارسات، بما في ذلك الحبس الاختياري (مثل حبس الذات في غرفة، أو في خيمة، أو في تابوت، أو البقاء واقفاً لسنوات)، والاستيليتية (العيش على أعمدة، وأشهرها سمعان العامودي الكبير الذي بلغ ارتفاع عموده 18 متراً)، والحياة على الأشجار (الدندريت)، بالإضافة إلى حياة التجوال الرهباني التي غالباً ما كانت تُنتقد من قبل السلطات الكنسية بسبب صلاتها بحركة المساليين.
يناقش الفصل أيضاً نموذج الحياة شبه الجماعية، وتحديداً إصلاح أبراهيم الكشكري (توفي 588م) الذي يُعتبر نقطة تحول جوهرية في الرهبنة الشرقية. أسس أبراهيم الدير الكبير على جبل إيزلا في طور عبدين، وأصدر قاعدة رهبانية حافظت على التوازن بين العزلة والحياة الجماعية. يصف الفصل كيف أن الراهب في هذا النموذج كان يسعى لتحقيق الهدوء والسكينة (هيسيخيا) داخل قلايته، مع التجمع أيام الآحاد والأعياد للصلاة مع الجماعة. يُظهر الفصل أن هذا النموذج أصبح شائعاً في كنيسة المشرق وانتشر بفضل تلاميذ أبراهيم.
في النهاية، يتناول الفصل الحياة الجماعية الكاملة (السينوبيتية) ويصف تطورها من خلال القوانين الكنسية وحياة الأديرة. يذكر الفصل أن المصطلحات المستخدمة للدير هي "ديرا" (للمؤسسة الواسعة) و**"عمرا"** (للنمط شبه الجماعي). يصف الحياة اليومية في الدير: فترات الاختبار التي تصل إلى ثلاث سنوات، المهام اليومية (كالطبخ وخدمة الضيوف)، والعمل في الحقول. يشير الفصل إلى وجود أديرة دولية متعددة اللغات (كالتي أسسها فوبليوس في زيفما) وأديرة مدارس (مثل مدرسة نصيبين الشهيرة ودير دورا دقوني) التي جمعت بين التعليم والرسالة. يختتم الفصل بالتأكيد على أن وصول الإسلام لم يبطئ في البداية توسع الرهبنة السريانية، لكنها تراجعت تدريجياً إلى الهامش حتى ضربتها غزوات المغول والتيموريين كضربة قاضية.
يعترف المؤلف بحدود الدراسات السابقة التي ركزت على مناطق محددة (شمال بلاد ما بين النهرين) وشخصيات معينة مع إهمال البعد المؤسسي والهامشي، ويشير إلى أن الفضل يعود لدراسات حديثة في إعادة التركيز على السياق والأنثروبولوجيا الاقتصادية والاجتماعية. كما يقرّ بأن المصادر المتعلقة بـمار أوجين (يوجينيوس) كأب للرهبنة متأخرة ومشبعة بإنشاءات تاريخية تعود لحياة أبراهيم الكشكري، مما يثير تساؤلات حول العلاقة الفعلية بين الرهبنة السريانية ونظيرتها المصرية. أخيراً، يمكن القول إن الفصل يطرح جدلاً حول مفهوم "الرهبنة" نفسه؛ إذ يوضح أن ما نعتبره رهبنة تقليدية لم يكن سوى واحد من عدة أشكال للحياة الدينية التي تطورت باستجابة ديناميكية للظروف المحلية، وليس كنسخ عن نموذج مصري واحد.
7.227–249▼ résumé
يبدأ الفصل بإظهار الصورة المثالية التي خلفها يوسابيوس القيصري عن تحالف وثيق بين الكنيسة والإمبراطورية بعد اعتراف قسطنطين الأول بالمسيحية، حيث لعب الإمبراطور دور الراعي للكنيسة. لكن الواقع، كما يوضح المؤلف، كان أكثر تعقيداً؛ فلم يكن أي من الأطراف مستعداً لهذا الاتحاد. في بداية القرن الرابع، لم تكن هناك بعدُ بنية كنيسة مؤسسية بالمعنى الحديث. وكان إنشاء "المجامع المسكونية"، بدءاً من مجمع نيقية عام 325، خطوة حاسمة نحو تعريف "الأرثوذكسية"، لكنها لم تحقق الوحدة بل أدت في النهاية إلى انقسامات دائمة، خاصة في القرنين الخامس والسادس، مما أدى إلى تأسيس الكنائس السريانية الموجودة حتى اليوم: كنيسة المشرق (التي انبثقت عن تداعيات مجمع أفسس عام 431)، والكنيسة السريانية الأرثوذكسية (التي تشكلت بعد مجمع خلقيدونية عام 451)، والكنائس الخلقيدونية التي أصبحت كنيسة الإمبراطورية (الملكيين).
يبني المؤلف حجته المركزية على أن الانقسامات العقائدية حول طبيعة المسيح - وهي الخلافات الكريستولوجية بين "الميافيزية" (الذين يؤمنون بطبيعة واحدة للمسيح المتجسد) والدايوفيزية (الذين يؤمنون بطبيعتين) - لم تكن سوى عامل واحد من عدة عوامل. يكرس الفصل جزءاً كبيراً لتحليل العوامل غير العقائدية التي لعبت دوراً محورياً، وعلى رأسها السياسة الكنسية والإمبراطورية، والولاءات الشخصية والعائلية، والتنافس على السلطة بين الكراسي الرسولية الكبرى. يشرح المؤلف نظام المطارنة والمقاطعات الكنسية، ثم يتناول الأهمية المتزايدة لكراسي مثل الإسكندرية بقيادة بطاركة أقوياء مثل كيرلس وديوسقورس. ويبين كيف أن التكتلات السياسية، مثل العلاقة الخاصة بين الإسكندرية وروما (كما حدث في مجمع أفسس 431)، ثم تصادمها لاحقاً، كانت حاسمة. ويضرب مثلاً على البعد الإنساني والسياسي باستخدام كيرلس لرشوة ضخمة من ذهب وعروش لضمان مصادقة البلاط الإمبراطوري على مجمع أفسس، وباستعراضه تعاقب العائلات على منصب بطريرك الإسكندرية (خلف ثاوفيلس ابن أخيه كيرلس)، ومحاولات البطاركة تثبيت أقاربهم في الأساقفة، مثل إيباس الرها الذي جعل ابن أخيه أسقفاً على حران وابن عمه أسقفاً على تلّا.
يسير الفصل زمنياً بتفصيل دقيق. يبدأ من مجمع أفسس الأول عام 431 الذي أدان نسطور، بطريرك القسطنطينية، بسبب رفضه تسمية مريم بـ"والدة الإله". لكن هذا لم يحسم الخلاف، بل أدى إلى صراع بين أنطاكية (المنتمين للمدرسة الأنطاكية الداعية لطبيعتين) والإسكندرية. يوضح المؤلف أن تأثير هذا المجمع على ظهور كنيسة المشرق لم يكن مباشراً. ففي الإمبراطورية الساسانية، تمسّكت الكنيسة المحلية بتعاليم ثيؤدورس الموصستي، معلم نسطور، الذي كان يعتبر مفسراً أعظم في الشرق بينما حُكم عليه بالهرطقة في مجمع القسطنطينية الثاني عام 553. أما الحدث الحاسم فهو مجمع خلقيدونية عام 451، والذي اعتبره رافضوه خيانة لتعاليم كيرلس. أدى هذا إلى تمرد في فلسطين واغتيال بطريرك الإسكندرية الخلقيدوني بروتيريوس عام 457. ثم تأتي محاولات الأباطرة اللاحقين للملمة الصدع، وأبرزها محاولة الإمبراطور زينون بإصدار "الهينوتيكون" (صك الوحدة) عام 482، الذي لم يؤد إلا إلى "الانشقاق الأققي" بين روما والقسطنطينية حتى عام 518.
مع تولي الإمبراطور يوستين الأول (518-527) الحكم، انتهى التردد. قبل يوستن شروط البابا هرمزداس، مما تطلب من الأساقفة الشرقيين التوقيع على وثيقة تعترف بأولوية روما، وأدى إلى نفي أكثر من خمسين أسقفاً غير خلقيدوني، من بينهم ساويرس الأنطاكي (أحد أبرز لاهوتيي القرن السادس) وفيلوكسينس المابوغي. هنا يبرز المؤلف الدور الحاسم للقاعدة الشعبية، إذ بدأ الأسقف المنفي يوحنا الرهاوي (519-521) برسامة قساوسة وشمامسة غير خلقيدونيين، مما ضمن استمرار وجود جماعة كنسية مستقلة قادرة على تقديم الأسرار. وبعد عقود، وفي أعقاب مجمع القسطنطينية الثاني عام 553، بنى يعقوب البرادعي (543-578) على هذا الأساس برسامة أساقفة وبطاركة، ليؤسس بذلك هيكلاً أسقفياً مستقلاً للكنيسة السريانية الأرثوذكسية الناشئة.
يعترف الفصل بحدود هذه العملية وعدم خطيتها. يذكر أن الإمبراطور يوستنيانوس الأول (527-565) حاول اتباع سياسة تقارب مع غير الخلقيدونيين، لكن مجلسه عام 536 حسم الأمر بإعلانهم زنادقة رسمياً، مما أدى إلى موجة اضطهاد جديدة. ويشير المؤلف إلى أن الإمبراطورة ثيودورا لعبت دوراً وسيطاً مع غير الخلقيدونيين، لكن بعد وفاتها عام 548، ازدادت حدة الصراع. ويقر بأن محاولات المصالحة استمرت حتى بعد يعقوب البرادعي، ووصلت إلى حد مشاركة القربان بين الكنيستين الخلقيدونية وكنيسة المشرق عام 587، لكنها لم تدم. يختم الفصل بملاحظة أن فصل الكنائس السريانية لم يكتمل فكرياً إلا بعد الفتح العربي، الذي قطع الرابط الأيديولوجي بين الكنيسة والإمبراطورية الذي كان أساسياً للخلقيدونيين، تاركاً هذه الكنائس كهيئات مستقلة ذات تراث عقائدي وطقسي وهوية لغوية سريانية مميزة، تشكلت في بوتقة الصراعات الكنسية في القرنين الخامس والسادس.
الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الفصل هي التركيز المكثف على العوامل السياسية والبشرية (الولاءات، العائلات، التنافس على السلطة) كأسباب رئيسية للانقسام، مع تقديمها أحياناً كعوامل لا تقل أهمية عن العقيدة نفسها. هذا الطرح يقلل - ضمنياً - من محورية الخلافات اللاهوتية الحادة والمخلصة، وهو موقف تاريخي يمكن مناقشته، خاصة عند النظر إلى ثبات هذه الجماعات على عقائدها لقرون.
8.250–274▼ résumé
يُقدّم هذا الفصل لمحة شاملة عن الطوائف المسيحية السريانية المختلفة، مفسّراً أصولها التاريخية والعقائدية التي أدّت إلى انقسامها. الموضوع المحوري هو التنوع الجغرافي واللاهوتي الكبير الذي ميّز المسيحية السريانية، وكيف أن الخلافات حول طبيعة المسيح، إلى جانب العوامل السياسية كالحروب والهجرات، أسفرت عن تشكيل عائلة من الكنائس المتميزة، لكل منها تقاليدها الليتورجية وهيكلها التنظيمي.
يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بتأكيد الانتشار المبكر للمسيحية السريانية خارج حدود الإمبراطورية الرومانية، وصولاً إلى بلاد فارس والهند والصين بحلول القرن السابع. يوضح الكاتب أنه من المفيد التمييز بين تقليدين ليتورجيين رئيسيين: التقليد السرياني الشرقي والتقليد السرياني الغربي. ثم يقدم جدولاً يوضح الطوائف المنبثقة عن هذين التقليدين، مثل كنيسة المشرق (شرقية) والكنيسة السريانية الأرثوذكسية (غربية)، إضافةً إلى الكنائس الكاثوليكية الشرقية المتحدة بروما (كالكلدان والموارنة) والكنائس الإصلاحية (ككنيسة مار توما).
ينتقل الفصل بعدها إلى تفصيل الخلافات الكريستولوجية التي كانت الدافع الرئيسي للانقسامات. يُركّز على رفض المجمع الخلقيدوني (451) من قبل الكنائس الأرثوذكسية المشرقية، التي تتبنى الكريستولوجيا الميافيزية (اتحاد الطبيعتين في طبيعة واحدة). في المقابل، تطورت كنيسة المشرق في الإمبراطورية الفارسية بمعزل عن صراعات الإمبراطورية الرومانية، وتبنّت لاهوتاً أنطاكياً قوياً ثنائي الطبيعة (dyophysite)، لكن دون أن تتبنى تعاليم نسطورius كما يُشاع خطأً. يوضح الكاتب أن مصطلح "نسطوري" يعتبر تسمية خاطئة ومرفوضة لاهوتياً من قبل هذه الكنيسة نفسها منذ القرن السادس.
ثم يأخذ الفصل القارئ في رحلة تاريخية مفصلة لكل طائفة. بالنسبة لكنيسة المشرق، يروي قصة تطورها من خلال المجامع الأولى في سلوقية-قطيسفون (410)، ودور مدرسة الرها ونصيبين في صياغة لاهوتها، وصولاً إلى دورها المحوري في حركة الترجمة في العصر العباسي في بغداد. يصف الفصل انتشارها التبشيري الواسع على طول طريق الحرير حتى الصين في عهد أسرة تانغ، ثم اضمحلالها بسبب سياسات الإمبراطور الصيني في القرن التاسع، وهجمات تيمورلنك في القرن الرابع عشر، والمذابح التي تعرضت لها خلال الحرب العالمية الأولى على يد الأكراد والأتراك، مما أدى إلى تشتت أبنائها في العالم.
بالنسبة للكنيسة السريانية الأرثوذكسية، يشرح الفصل كيف أن رفض مجمع خلقيدونيا أدى إلى انشقاق داخل بطريركية أنطاكية. يبرز دور القديس يعقوب البرادعي (القرن السادس) في إعادة تنظيم الكنيسة بعد الاضطهادات، مما جعلها تُعرف أحياناً بالكنيسة "اليعقوبية". يصف الفصل علاقتها المتقلبة مع الحكام البيزنطيين ثم المسلمين، وصولاً إلى عصرها الذهبي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ثم تراجعها مرة أخرى بسبب الغزوات والانقسامات الداخلية والهجرة الجماعية من طور عبدين في تركيا.
ينتقل الفصل إلى الكنيسة المارونية، موضحاً أنها نشأت من جماعة رهبانية حول دير مارون في القرن الخامس، وتمسكت بالمذهب الخلقيدوني. أدى الفتح الإسلامي إلى عزلتها وانتخابها بطريركاً خاصاً بها بحلول القرن الثامن. يُذكر أن العلاقة المارونية بروما كانت متواصلة منذ المجمع اللاتراني الرابع (1215)، مما جعلها الكنيسة الشرقية الوحيدة التي لم تشهد انقطاعاً في الشركة مع الكرسي الرسولي.
في الأقسام التالية، يعرض الفصل بالتفصيل تاريخ اتحادات الكنائس الشرقية مع روما.
- الكنيسة الكلدانية: يبدأ بقصة الراهب يوحنا سولاقا الذي انتُخب بطريركاً عام 1553 وسافر إلى روما للاعتراف بإيمانه، مما أدى إلى إنشاء خط بطريركي موالٍ لروما. بعد صراعات طويلة، تم توحيد هذا الخط مع خط بطريركية الموصل في عام 1830 بقيادة يوحنا هرمز، ليُعترف به رسمياً كبطريرك للكلدان. اليوم، الكنيسة الكلدانية هي أكبر جماعة مسيحية في العراق.
- الكنيسة السريانية الكاثوليكية: يصف محاولات الاتحاد المتكررة منذ عهد الحروب الصليبية. يُركز على دور أندراوس أخيجان الذي أصبح بطريركاً في منتصف القرن السابع عشر، لكن بعد وفاته حدث فراغ طويل. تم إحياء الكنيسة مجدداً على يد ميخائيل جروة عام 1783، وأخيراً تم الاعتراف بها رسمياً كطائفة (ملة) عثمانية مستقلة عام 1830، مما أدى إلى انقسام الملة السريانية الغربية إلى بطريركيتين.
يختتم الفصل بتحليل شامل للمسيحية السريانية في الهند، أي مسيحيو توما. يوضح أنهم كانوا كنيسة واحدة متحدة مع كنيسة المشرق حتى وصول البرتغاليين. أدى مجمع ديامبير (1599) القسري ومحاولات اللاتنة إلى اندلاع قسم صليب كونان (1653)، وهو حدث مفصلي أدى إلى أول انقسام بين من بقي مع روما ومن التحق بالكنيسة السريانية الأرثوذكسية الأنطاكية عام 1665. من هذا الانقسام تفرعت عدة كنائس: الكنيسة اليعقوبية السريانية المالانكارية (تحت أنطاكية)، والكنيسة السريانية الأرثوذكسية المالانكارية (المستقلة منذ 1912)، والكنيسة السريانية المالابارية الكاثوليكية (أكبر كنيسة سريانية في الهند حالياً بـ 4 ملايين عضو)، وكنيسة مالانكارا الكاثوليكية (التي انشقت عام 1930)، وكنيستين أصغر هما المالابار المستقلة ومار توما الإصلاحية.
اعترف الكاتب بصعوبة وتعقيد الموضوع، وأشار إلى أن بعض الانقسامات الأخيرة في الهند لا تزال دون حل، مما يترك أسئلة مفتوحة حول المصالحة الكنسية. كما أقر بأن مصطلح "نسطوري" تسمية خاطئة تاريخياً ولاهوتياً. من الممكن مناقشة مدى دقة اعتبار مصطلح "نسطوري" مجرد تسمية خاطئة بشكل قاطع، حيث أن بعض الأبحاث لا تزال تناقش تأثير أفكار نسطوريوس في كنيسة المشرق، وإن كان الفصل يرفض هذا التأثير بقوة معتمداً على النصوص المجمعية الرسمية.
9.275–295▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على تجربة المسيحيين السريان الذين عاشوا داخل الإمبراطورية الساسانية (224-651م)، ويُقدّم صورة معقّدة لعلاقتهم بها، متجاوزاً الرواية التقليدية التي تصوّرهم كأقلية مضطهَدة بشكل دائم. يهدف المؤلف إلى إظهار أن واقع المسيحية في بلاد فارس كان أكثر تبايناً، حيث تداخلت فترات الاضطهاد مع فترات من التعايش والتأقلم والاندماج الثقافي والسياسي.
يبدأ الفصل بتتبّع انتشار المسيحية في الإمبراطورية الساسانية، مشيراً إلى وجود أدلة على وجود جيوب مسيحية في المنطقة منذ القرنين الثاني والثالث الميلاديين. يذكر المؤلف أن وصول المسيحيين تم عبر طرق التجارة الشمالية في بلاد ما بين النهرين، وكذلك نتيجة لعمليات الترحيل التي قام بها الملك شابور الأول (241-272م) لسكان المناطق الرومانية التي غزاها. ثم ينتقل إلى الحديث عن التنظيم الهرمي للكنيسة، موضّحاً كيف عكست المجامع الكنسية، بدءاً من مجمع سلوقية-قطيسفون عام 410م، التقسيم الإداري للإمبراطورية. يؤكد الفصل على قضية حاسمة وهي استقلال الكنيسة الفارسية عن السلطة الكنسية في الإمبراطورية الرومانية، وهو ما أُعلن رسمياً في مجمع عام 424م بزعامة داديشوع، مما جعلها كنسية مستقلة. كان لأسقف العاصمة سلوقية-قطيسفون مكانة خاصة، حيث حصل على لقب "جاثليق" ثم "جاثليق-بطريرك"، مدعوماً بقرب القصر الملكي، لكن هذه المكانة لم تكن بلا منازع، كما يظهر من تنافس مدن مثل بيت لاباط في إقليم خوزستان.
يتناول الفصل بشكل مفصّل قضية الاضطهاد والاستشهاد، وهي الصورة الأكثر شيوعاً عن مسيحيي بلاد فارس. يشير إلى أن الاضطهادات الرئيسية تركزت في فترات حكم ملوك معينين، أبرزهم شابور الثاني، ويزدجرد الأول (399-420م)، وبهرام الخامس (421-438م)، وغيرهم. لكن الفصل يلفت الانتباه إلى أن الأرقام الواردة في المصادر الاستشهادية، مثل ادعاء مقتل 16,000 مسيحي في عهد شابور الثاني، تفتقر إلى المصداقية. يقدم المؤلف تفسيراً تقليدياً لهذه الاضطهادات، وهو أنها كانت تتصاعد في أوقات النزاع العسكري بين روما وبلاد فارس، حيث كان يُنظر إلى المسيحيين بازتياب باعتبارهم طابوراً خامساً لروما. مع ذلك، يذهب الفصل أبعد من ذلك ليعيد النظر في قراءة هذه النصوص الاستشهادية. يوضح أن الدراسات الحديثة لم تعد تركز على مدى دقتها التاريخية بقدر ما تركز على دورها في بناء الهوية الجماعية للمجتمعات المسيحية التي كتبتها. بل إن الفصل يشكك في الفرضية الأساسية بأن حالة المسيحيين كانت اضطهادية بشكل عام، مستشهداً بأعمال أفرام السرياني الذي عاش في عهد شابور الثاني ولم تظهر أعماله تأثراً كبيراً بسمعته كمضطهد. ويخلص الفصل إلى أن صورة بلاد فارس كمضطهد شرس للمسيحية كانت تخدم أجندة روما السياسية، التي ورثت التقليد القديم في تصوير بلاد فارس كتهديد بربري، ثم أضافت إليه البعد الديني بعد تحولها للمسيحية.
على النقيض من صورة الاضطهاد، يُظهر الفصل وجود أدلة قوية على تعايش وولاء سياسي للمسيحيين للإمبراطورية الساسانية. في العديد من روايات الاستشهاد نفسها، يصرّح الشهداء بولائهم العميق للملك، ويميّزون بوضوح بين هويتهم الدينية المسيحية وانتمائهم السياسي الفارسي. هناك تفصيل مهم هنا وهو التمييز بين شخص الملك، الذي يُصوَّر أحياناً على أنه متردد ومتعاطف، وبين الموابذة (كهنة الزرادشتية) الذين يُقدَّمون كالمحرضين الحقيقيين على الاضطهاد. يورد الفصل أمثلة على هذا الاندماج مثل قصة حياة مار أبا التي تؤكد إمكانية أن يصبح المسيحيون مشاركين كاملين في المجتمع الإيراني، وذكر مار نرسي الذي يعترف بعدالة النظام القانوني الساساني. ويشير أيضاً إلى وجود أدلة على دعم ملكي للكنيسة من خلال التبرعات ورعاية المجامع، بل وحتى تكهنات حول تحوّل بعض الملوك سراً إلى المسيحية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى العلاقة الأقل عنفاً بين المسيحية والزرادشتية، متناولاً الجدل الديني والتأقلم الثقافي. يُظهر الأدب السرياني، رغم طابعه الجدلي في كثير من الأحيان، معرفة واسعة ودقيقة بالمعتقدات والممارسات الزرادشتية، مثل وصف مهرجان فرورديجان للأرواح وطقوس إشعال النار في المعابد. من جهة أخرى، كان المسيحيون ينتقدون ممارسات زرادشتية معينة مثل زواج الأقارب (خوادوده). لكن الأكثر دلالة هو وجود أدلة على تداخل ديني، فعلى الرغم من جهود القادة الدينيين من كلا الجانبين لفصل أتباعهم، هناك مصادر تُظهر مسيحيين يمارسون عادات زرادشتية مثل التلفّظ بـ "الواز" (الصلاة الزرادشتية) أو زواج الأقارب. تعتبر أواني التعاويذ السحرية المكتوبة بالسريانية دليلاً مادياً على تجاوز الحدود الدينية، حيث كان كُتَّاب مسيحيون يصنعونها لعملاء بأسماء زرادشتية صرفة.
أخيراً، يتناول الفصل ظاهرة التأقلم الفارسي (الاستعراب) لدى المسيحيين السريان. يوضح أن تأثير الثقافة الفارسية كان عميقاً، ويتجلى في عدة مجالات: أولها اللغة، حيث دخل عدد كبير من الكلمات الفارسية إلى اللغة السريانية، خاصة في مجالات الإدارة والجيش والقانون. ثانياً، الأسماء، حيث حمل العديد من المسيحيين، بمن فيهم قادة الكنيسة، أسماء إيرانية بل وحتى ذات عناصر ثيؤفورية زرادشتية. ثالثاً، في الأدب، حيث تقتبس بعض النصوص المسيحية أساليب وموضوعات أدبية فارسية، مثل قصة مار قرداغ التي تعكس أساطير البطولة الفارسية. وختاماً، يشير الفصل إلى استخدام اللغة الفارسية في الطقوس الكنسية، حيث يُذكر أن ماعنا الشيرازي، مطران ريو أردشير، ألف ترانيم وعظات باللغة الفارسية، كما تم اكتشاف أجزاء من سفر مزامير بالفارسية الوسطى في تورفان. كل هذه الأدلة تؤكد أن مسيحيي الإمبراطورية الساسانية، رغم هويتهم السريانية، كانوا منغمسين بعمق في النسيج الثقافي واللغوي والسياسي الفارسي.
10.296–318▼ résumé
يُقدّم هذا الفصل من كتاب "العالم السرياني" للكاتب دانيال كينغ، من تأليف ميشال بار-أشر سيغال، دعوةً قوية لإعادة النظر في العلاقة بين اليهودية الحاخامية والمسيحية السريانية في بلاد الرافدين في العصور القديمة المتأخرة. يطرح الفصل فكرةً محوريةً مفادها أن الدراسات الأكاديمية أهملت إلى حدٍ كبير التفاعلات الثقافية والأدبية بين هاتين الجماعتين، وذلك بسبب تحيزات تاريخية معينة. يبدأ الكاتب بالإشارة إلى مقال لـ سيباستيان بروك ينتقد فيه إهمال الأدب السرياني في الغرب، ويعزو ذلك إلى نزعة بروتستانتية تنظر للكنائس الشرقية كهرطقة، وتركيز المناهج على آباء الكنيسة الغربيين الذين كتبوا باللاتينية واليونانية، مما خلق فجوة في دراسة المصادر الشرقية. ويرى الكاتب أن هذا الإهمال امتدّ ليشمل الدراسات التلمودية، حيث مال الباحثون إلى مقارنة النصوص المسيحية بالتراث الفلسطيني، معتبرين أن الأدب البابلي أقل ارتباطاً بالمسيحية، رغم أن أكبر تجمع يهودي في الشتات بين القرنين الثالث والسابع الميلاديين كان في بابل، حيث عاش اليهود والمسيحيون على مقربة شديدة وتشاركوا لغة آرامية ذات لهجات متقاربة.
يسير الفصل خطوةً بخطوة في تفكيك هذا الافتراض، بدءاً من تحليل نص تلمودي معروف (بابلي، أفودا زارا 4أ) يستشهد به غالباً كدليل على عدم أهمية المسيحية في بابل. في هذا النص، يعجز الحاخام البابلي راف صفرا عن الرد على أسئلة هراطقة، فيفسر الحاخام الفلسطيني ر. أباهاو ذلك بأن اليهود في فلسطين اعتادوا دراسة الكتب المقدسة للرد على المناظرات، على عكس يهود بابل. يوضح الكاتب أن هذا النص لم يعد يُفهم حرفياً كما في الماضي، بل يُقرأ اليوم كأداة بلاغية أو تحذير أو إشارة إلى مجموعة مسيحية محددة، مما يفتح الباب أمام الاعتراف بتأثير مسيحي أكبر. ثم ينتقل الفصل إلى عرض الأدلة الملموسة التي تُظهر تداخلاً عميقاً بين الجماعتين، مقدماً إياها وفقاً لأنواع أدبية مختلفة، فنجد القوانين الكنسية الصادرة عن سينودس الكنيسة الشرقية عام 585م، والتي تحظر على المسيحيين المشاركة في أعياد اليهود والهراطقة والوثنيين، مما يُثبت أن هذه المشاركة كانت شائعة لدرجة استدعت إصدار تشريعات لمنعها.
ثم يتطرق الفصل إلى أوعية التعاويذ السحرية التي كُتبت بالآرامية البابلية اليهودية ووجدت مدفونة تحت العتبات، لتكشف عن مزيج مذهل من العناصر الدينية. يذكر الكاتب وعاءً تعويذياً يحتوي على جملة تستحضر يسوع المسيح واسم الرب يهوه والأرواح المقدسة معاً، مما يشير إلى وجود "كوينيه ثقافية" مشتركة كما يصفها الباحث شاؤول شاكيد، حيث استعار الممارسون من كل جماعة طقوساً ونصوصاً من الجماعات المجاورة لتحقيق أهداف سحرية، وهو ما وصفه الباحث جان موريس فيي بـ "الانفتاح غير المتحيز" في المجالات الليتورجية والتفسيرية.
ينتقل الفصل بعد ذلك لمناقشة التفاعلات في المجالات الأدبية والفكرية، مستعرضاً أعمال آباء الكنيسة السريان مثل أفرام السرياني وأفراهاط. تقدم أبحاث ناعومي كولتون-فروم حول أفراهاط حججاً على أنه كان على دراية عميقة بالمناظرات اليهودية والتفسيرات الحاخامية، وأنه يمكن الأخذ بجدية ادعاءاته بأن تفسيراته تستند إلى محادثات مع "يهودي". بالمقابل، يرى آدم بيكر أن نصوصاً مسيحية تشير إلى مسيحيين كانوا يهربون إلى المعابد اليهودية أثناء الاضطهاد ويستخدمون التقويم اليهودي، مما يدل على أن الحدود بين الجماعتين لم تكن واضحة تماماً. ويخصص الفصل مساحة مهمة لمناقشة الأدب الحاخامي نفسه، حيث تم تحديد نصوص تلمودية (بابلي) على أنها محاكاة ساخرة أو مهاجمة لتقاليد العهد الجديد، مثل محاكاة الموعظة على الجبل، أو قصة موت يسوع. ويرى بيتر شيفر أن معارف الحاخامات البابليين بتفاصيل عن حياة يسوع (مثل عذريته أو إعداده في الرابع عشر من نيسان) قد تكون وصلت إليهم عبر الدياطسرون لـ تاتيانوس، وهو عمل سرياني شهير.
يختتم الفصل بعرض نماذج من الدراسات المقارنة في سير القديسين والروايات التاريخية. فمثلاً، يجد جيفري روبنشتاين تشابهاً بين قصة وفاة الحاخام إلعازار بن شمعون ودفنه في التلمود البابلي وطقوس تبجيل رفات القديسين المسيحيين. أما مؤلفة الفصل نفسها (ميشال بار-أشر سيغال) فقد أثبتت في أبحاثها أن قصة الحاخام شمعون بار يوحاي في مغارته، كما تروى في التلمود البابلي فقط، تحمل تشابهاً واضحاً مع قصص الرهبان المسيحيين الناسكيين، مما يشير إلى أن النسخة البابلية استعارت من تقاليد مسيحية محلية متداولة بالسريانية. ويقر الفصل بصعوبات منهجية جمة، كصعوبة تحديد اتجاه التأثير (هل هو مباشر أم عبر وسائط غربية؟) وصعوبة التمييز بين التشابه العرضي والتأثير المقصود. لكنه يخلص إلى أن القراءة الجانبية والمقارنة بين هذين التراثين لا تُثري فهم كل نص على حدة فحسب، بل تقدم أيضاً "نقطة أرشميدس" يمكن من خلالها رؤية الصورة الكبرى للعلاقات التاريخية بين هاتين الجماعتين الدينيتين في الشرق القديم، مؤكداً أن العمل في هذا المجال لا يزال في بداياته.
ملاحظة أخيرة: يمكن القول إن الفصل يقدم حجة مقنعة ومتوازنة، فهو لا يبالغ في التأكيد على التفاعل ولا ينفيه، بل يبني حالةً تراكمية من الأدلة عبر أنواع أدبية مختلفة. أقوى ما فيه هو تناوله النقدي للتقاليد الأكاديمية الراسخة التي تجاهلت هذه العلاقات، ودعوته الصريحة لمنهجية متعددة التخصصات.
11.319–345▼ résumé
يُحاول هذا الفصل الإجابة عن سؤال جوهري: هل كان هناك هوية "سورية" متماسكة، أو حتى وعي عرقي سوري، في العالم الروماني المتأخر، خاصة بين المتحدثين بالسريانية؟ يرفض المؤلف الإجابة بنعم أو لا قاطعة، ويقدّم بدلاً من ذلك تحليلاً دقيقاً يُظهر أن المفهوم كان موجوداً، لكنه كان متعدد الأوجه ومتغيراً حسب الزمان والمكان والفئة الاجتماعية. الجوهر الذي يخلص إليه هو أن "السوري" كان هوية قابلة للتفاوض، يمكن التعبير عنها بطرق مختلفة، وأن الحديث عن "عرقية سورية" يتطلب تعريفاً دقيقاً للمصطلح نفسه.
يسير الفصل خطوة خطوة، بدءاً من مناقشة الإشكاليات التي واجهها الباحثون. يشير المؤلف إلى أن تنوع اللهجات الآرامية والممارسات الثقافية والدينية في سوريا الرومانية جعل من الصعب الحديث عن هوية واحدة موحدة. يذكر أن بعض الباحثين (مثل فيرغس ميللار) استخدموا هذا التنوع كدليل على غياب هوية "سورية" أو "شرق أوسطية". في المقابل، يذكر أن باحثين آخرين (مثل وارويك بول) ركزوا على استمرارية المظاهر المادية، خاصة الدينية، كدليل على وجود هذه الهوية، لكنه ينتقد هذا التوجه لافتراضه أن أي شكل مادي من أصل شرقي يعبر بالضرورة عن هوية "سامية" دون إثبات ذلك. يقدم كبديل تياراً ثالثاً من البحث (مثل أعمال ناثانيل أندرادي) الذي يرى أن الفئات السورية واليونانية والرومانية كانت قابلة للتفاوض ثقافياً، وأن الناس كان بإمكانهم أن يكونوا سوريين ويونانيين وروماناً في آن واحد بطرق مختلفة.
يوضح الفصل بعد ذلك أن "السوري" كان يعمل في المقام الأول كفئة إقليمية في الإمبراطورية الرومانية، حيث كان السوريون يعرّفون أنفسهم من خلال أصلهم الإقليمي. يُدرج المؤلف أدلة نصية على ذلك، فيذكر أن كتّاباً مثل لوقيانوس وأميانوس مارسيلينوس ويوحنا الأفسسي كانوا يصفون جميع سكان الأقاليم الممتدة من بلاد الشام إلى بلاد ما بين النهرين، والتي كان سكانها يتحدثون الآرامية تقليدياً، بأنهم "سوريون"، بمن فيهم الفينيقيون والفلسطينيون. إلى جانب الهوية الإقليمية، يقرّ الفصل بوجود مفهوم عرقي لـ"السوري"، لكنه يصفه بأنه بناء يوناني وروماني في الغالب. فقد تصوّر الكتّاب اليونان أن "السوريين" بالمعنى العرقي هم المتحدثون بالآرامية أو منحدرون منهم، ونسبوا أصولهم الأسطورية إلى ملوك آشوريين وبابليين مثل نينوس وسميراميس. ويشير المؤلف إلى أن سوريين أنفسهم، مثل لوقيانوس، تبنوا هذا التصور وقدّموا تاريخ مواقعهم المقدسة من خلال الأساطير اليونانية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى العصر الروماني المتأخر، مركزاً على اللغة السريانية. يشير إلى أنه على الرغم من أن السريانية أصبحت لغة دينية وطقسية مهمة للمسيحية وانتشرت على نطاق واسع، إلا أن استخدامها لم يؤدِ بالضرورة إلى هوية عرقية متماسكة. يطرح المؤلف مشكلتين رئيسيتين: أولاً، استمرار التنوع اللهجي للآرامية، كما لاحظ ذلك ثيودوريطس في القرن الخامس، مما حال دون أن تكون الآرامية علامة مميزة لهوية قومية واحدة. ثانياً، سيطرة اللغة والثقافة اليونانية في المؤسسات المدنية والكنسية، وانتشار ثنائية اللغة، مما جعل من الصعب تحديد كنيسة "عرقية سورية" واضحة قبل العصر الإسلامي. ومع ذلك، لا يرفض الفصل الفكرة بالكامل، بل ينتقل إلى تقديم أدلة على ظهور وعي عرقي سوري بين المتحدثين بالسريانية، خاصة في منطقة الرها وبلاد ما بين النهرين العليا.
يحشد المؤلف أدلة مهمة من نصوص سريانية لتأكيد أن أفكاراً عن عرقية سورية كانت تتشكل في القرنين الخامس والسادس. يذكر كتاب "مغارة الكنوز" الذي يُرجّح أنه كُتب بين القرنين الخامس والسابع، والذي يقدم السريانية ("اللغة السورية") كأقدم لغة في العالم، وملكة اللغات، واللغة الوحيدة قبل برج بابل. يربط الكتاب أيضاً بين السوريين وأصلهم من سام وآرام، ويؤكد أن ملك الرها أبجر والسوريين لم يشاركوا في قتل المسيح. ويشير المؤلف إلى أن هذا النص يدل على أن المتحدثين بالسريانية في بلاد ما بين النهرين كانوا يتصورون أنفسهم كـ "سُريايي" (Suryaye)، أي سوريين. ثم ينتقل إلى شعراء ومؤلفين مثل يعقوب السروجي وفيلوكسينس المابوغي، الذين وصفوا أفرام السرياني بأنه "تاج كل الشعب الآرامي" أو "معلمنا نحن السُريايي"، مما يشير إلى وجود وعي بقومية آرامية أو سورية متحدثة بالسريانية ومنحدرة من آرام. يلفت الانتباه إلى أن ثيودوريطس نفسه، وهو كاتب يوناني، وصف أفرام بأنه "يسقي الأثنوس (ethnos) السوري يومياً بجداول النعمة"، مما يدل على أن هذه النظرة العرقية كانت منتشرة حتى بين الناطقين باليونانية.
في خاتمته، يعترف الفصل بأن مسألة الوجود الفعلي للعرقية السورية في الإمبراطورية الرومانية المتأخرة هي مسألة قابلة للنقاش وتعتمد على التعريف. يوضح المؤلف أن الأبحاث الحديثة مالت إلى تعريف العرقية على أنها "إدراك" (cognition) للنسب المشترك وعلامات هوية معينة، تمييزاً لها عن "الأمة" (nation) التي تتطلب مؤسسات سياسية وأعمالاً جماعية. وبناءً على هذا التعريف الضيق، يخلص الفصل إلى أنه يمكن القول أن بعض السوريين، خاصة المتحدثين بالسريانية في شمال بلاد ما بين النهرين، طوّروا وعياً عرقياً سورياً في أواخر العصر الروماني. لكنه يؤكد أن هذا الوعي لم يتحول بعد إلى أمة، أي لم ينتج مؤسسات سياسية أو حركات جماعية إقليمية. وقد مهّد صعود الكنيسة السريانية الأرثوذكسية (غير الخلقيدونية) في القرنين السادس والسابع الطريق نحو هذا التحول، لكنه لم يكتمل إلا في العصر الإسلامي. الفصل، إذن، لا يقدم إجابة حاسمة بل رسمًا دقيقًا لعملية هوية معقدة ومتطورة، تاركًا القارئ مع استنتاج دقيق ومحفوف بالشروط.
12.346–368▼ résumé
يؤكد هذا الفصل، بقلم مايكل بن، على الأهمية القصوى للمصادر السريانية لفهم تاريخ العلاقات بين المسيحية والإسلام في القرون الأولى. يوضح الكاتب أن هذه المصادر، التي كتبها مسيحيون سريان عاشوا تحت الحكم الإسلامي بعد فترة وجيزة من وفاة محمد، تقدم منظوراً فريداً لا نجده في المصادر الغربية التي غالباً ما كتبت من سياق صراع عسكري. فالسريان لم يتعاملوا مع الإسلام كظاهرة بعيدة، بل كجزء من حياتهم اليومية، حيث شغلوا مناصب حكومية، وتعاونوا مع علماء مسلمين، وتزوجوا منهم، وعلموا أطفالهم. يرى بن أن هذه التجارب المتنوعة لم تؤدِ إلى رد فعل موحد تجاه الإسلام، بل أنتجت نصوصاً تتراوح بين العداء الصريح والود، مما ينقض فكرة أي رد فعل مسيحي جماعي. كما أن هذه المصادر ذات قيمة هائلة لدراسة التاريخ الإسلامي المبكر، حيث تحتوي على أقدم الإشارات إلى محمد وأقدم قوائم الحكام المسلمين، وحتى شهادة عيان عن الفتنة الثانية.
يسير الفصل زمنياً، متتبعاً تطور ردود الفعل السريانية تجاه الإسلام من منتصف القرن السابع حتى القرن التاسع. يبدأ بأقدم المصادر، مثل حساب عام 637، وهو نص قصير ومتلف على ورقة حافظة لمخطوطة كتابية، يعود لعام 637 م، ويعتبر أقدم مخطوطة باقية تذكر محمد. يصف النص العرب (بالمصطلح السرياني طيي، الذي كان يشير في البداية إلى قبيلة) ومعركة اليرموك، دون أن ينسب إليهم أي معتقدات دينية محددة. بعد ذلك، ظهرت نصوص مثل نهاية العالم لپسودو-أفرام التي صورت الفتوحات كمأساة وعقاب إلهي، مما يمثل بداية "لاهوت الهزيمة" السرياني. في الوقت نفسه، بدأت تظهر تسميات دينية للفاتحين مثل إسماعيليين وهاجريين، مع أولى الإشارات إلى أن لهم ديناً خاصاً بهم، كما في رسالة الكاثوليكوس إيشوعياب الثالث (ت. 659 م).
ينتقل الفصل إلى أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن، وهي فترة شهدت تحولاً كبيراً بعد الفتنة الثانية (683-692 م) وسياسات عبد الملك بن مروان التي تهدف إلى أسلمة الدولة، مثل بناء قبة الصخرة. كان رد الفعل السرياني الأولي انفجاراً في النصوص المروانية، وأشهرها نهاية العالم لپسودو-ميثوديوس، التي صورت المسلمين بأبشع الصور كأداة لعقاب المسيحيين قبل زوالهم الوشيك. لكن هذه النبوءات لم تتحقق، فظهرت ردود فعل بديلة، أهمها مجموعة القوانين الكنسية ورسائل الأساقفة، وعلى رأسها يعقوب الرهاوي (ت. 708 م). تقدم هذه النصوص صورة مختلفة تماماً، حيث تظهر عالماً من الحدود الدينية غير الواضحة، مع حالات زواج مختلط، وتحول إلى الإسلام والعودة عنه، وطلبات من مسلمين لرجال دين مسيحيين لشفاء أطفالهم المصابين بالشياطين أو تدريس أطفالهم، وحتى استعمال قماش مطرز بـ"الشهادة الهجرية" كغطاء لمذبح مسيحي. في هذه الفترة أيضاً، ظهرت نصوص مثل مناظرة يوحنا والأمير ومناظرة بيت هاليه التي ناقشت قضايا لاهوتية مثل ألوهية المسيح والقرآن، مما يدل على معرفة متزايدة بالإسلام وتصنيفه كدين مستقل.
أما في العصر العباسي (أواخر القرن الثامن والتاسع)، فقد ازداد الاحتكاك والتأثير المتبادل، وأصبح العديد من السريان ثنائيي اللغة وشاركوا في حركة الترجمة من اليونانية والسريانية إلى العربية. تنوعت ردود الفعل بشكل كبير، من صلوات تمدح حاكماً مسلماً وتشبه حكمه بحكم النبي داود، إلى سير قديسين تروي أن عبد الملك بن مروان نفسه أمر ببناء الكنائس والأديرة، إلى انتقادات لاذعة في وقائع زقنين التي تصف حاكماً بأنه "ضد المسيح". أبرز تطور في هذه الفترة هو ازدياد المعرفة الوثيقة بالإسلام؛ إذ اقتبس المؤلفون السريان القرآن بشكل مباشر وناقشوا قضايا لاهوتية بعمق، مثل تيموثاوس الأول الكاثوليكوس (780-823 م) الذي امتدح محمد كموحد صالح، لكنه أنكر نبوته لعدم وجود معجزات أو نبوءات سابقة عنه، وادعى أن محمد كان يدعم سراً التثليث المسيحي من خلال رموز في القرآن. كما أن أسطورة بحيرا السريانية قلبت الرواية الإسلامية رأساً على عقب، مدعية أن الراهب بحيرا هو من كتب القرآن واخترع الإسلام. يؤكد الكاتب أن كل هذه النصوص، حتى الأكثر جدلاً، تعكس تداخلاً وتمازجاً ثقافياً ودينياً عميقاً بين المسيحيين والمسلمين في تلك الفترة.
يعترف الكاتب بحدود هذه المصادر، مشيراً إلى أن كل نص له تحيزه الخاص ويجب استخدامه بنقد. كما أن العديد من الدراسات الحديثة أهملت هذه المواد السريانية بسبب التركيز على المصادر اليونانية واللاتينية أو العربية والفارسية، أو بسبب تركيز دراسات السريانية على الفترة "الذهبية" (القرن الرابع-السادس). لكن منذ نشر كتاب الهاجرية لـباتريشيا كرون ومايكل كوك عام 1977، الذي استند بشكل كبير على هذه المصادر، ازداد الاهتمام بها، وظهرت دراسات وأعمال محققة مهمة.
في النهاية، يخلص الكاتب إلى أن تنوع هذه المصادر وتعددها يجعل من المستحيل اختزال رد الفعل المسيحي تجاه الإسلام في نموذج واحد، سواء كان نموذج صراع الحضارات أو نموذج التعايش المثالي. بل إنها تكشف عن هويات هجينة ومتداخلة، وعن مجتمعات مسيحية وإسلامية في القرون الأولى كانت أكثر ترابطاً وتداخلاً مما يُفترض عادةً. هذه النصوص لا تقدم فقط معلومات عن الماضي، بل تشكل أداة حاسمة لتصحيح التصورات المبسطة والمختزلة عن تاريخ العلاقات بين الأديان.
13.369–390▼ résumé
يبدأ هذا الفصل بمناقشة الأثر الكارثي للفتح الإسلامي في القرن السابع على مسيحيي الشرق، حيث وضع أكثر من نصف مسيحيي العالم آنذاك تحت الحكم الإسلامي. يشير المؤلف إلى أن الفتح وضع بطريركيات الإسكندرية وأنطاكية وأورشليم تحت سيطرة المسلمين، كما ابتلع المقاطعات العشر لكنيسة المشرق في العراق وإيران وشمال الجزيرة العربية والتي كانت تضم حوالي 80 أبرشية. يوضح الفصل أن ردود فعل المسيحيين تنوعت بين الفرار إلى الأراضي البيزنطية، والتحول إلى الإسلام الذي لم يكن كبيراً في البداية باستثناء الجزيرة العربية، أو البقاء ودفع الجزية. ويشبه المؤلف وضعهم كـ"أهل ذمة" بوضعهم السابق تحت الحكم الساساني، حيث تعامل الخلفاء مباشرة مع البطاركة وتركت الشؤون الداخلية للمسيحيين، مع فرض حظر على التبشير للمسلمين وعقوبة الإعدام نظرياً لمن يرتد عن الإسلام. يرى المؤلف أن التمييز الإسلامي أدى ببطء إلى تراجع النمو الذي شهدته الكنائس السريانية، عبر التحول إلى الإسلام والهجرة، وتوقف اكتساب مسيحيين جدد لأن المسلمين كانوا خصماً أقوى من الزرادشتيين.
ينتقل الفصل لمناقشة تعقيد الموقف الإسلامي من المسيحيين واليهود مقارنة بالزرادشتيين، الذين عوملوا بقسوة أكبر بسبب تحديهم للإسلام وغرابة معتقداتهم. يشرح مفهوم "أهل الكتاب" الذي منح اليهود والمسيحيين احتراماً خاصاً كمستلمين لوحي إلهي سابق، لكنه لم يمنع فرض إجراءات قمعية بهدف إذلالهم وإظهار تفوق الإسلام، مثل إلزامهم بارتداء حزام وعمامة مميزين، ومنع بناء كنائس جديدة، وتحريم إزعاج المسلمين بأصوات الأجراس أو الترانيم. يشير المؤلف إلى أن هذه القيود لم تكن تُطبق دائماً، لكن وجودها كان محبطاً وأدى إلى تآكل المسيحية بشكل أكثر فعالية من الاضطهادات الزرادشتية المتقطعة. يضيف أن الاتصال بين المسيحيين والمسلمين كان نادراً في العصر الأموي، خاصة في الريف، حيث ظل الإدارة المحلية بيد وجهاء مسيحيين، مما دفع البعض للتلفظ باسم المسيح كما يفعل المسلمون للحصول على مكاسب اجتماعية.
يناقش الفصل ترحيب المسيحيين بسقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية التي اعتبرها ابن العبري أفضل حالاً تجاههم. يوضح أن البطاركة السريان الشرقيين استفادوا أكثر من غيرهم لأن العاصمة بغداد أصبحت قريبة منهم، مما أعاد للبطريرك مكانته بجانب السلطة. تحت رعاية الخلفاء العباسيين، ازدهر التبادل الفكري بين المسلمين والمسيحيين واليهود، وأصبح البطاركة أعضاء في مجلس الدولة. ومع ذلك، يلاحظ الفصل أن الضغط على المسيحيين ازداد تدريجياً، حيث تحول هدف العباسيين من تحصيل الضرائب إلى نشر الإسلام، مما أدى إلى ضغوط اجتماعية ومالية (كثقل الجزية) لدفع المسيحيين للتحول. يصف المؤلف فترة حكم تيموثاوس الأول (780-823) بأنها كانت فترة ضعف نسبي لكنيسة المشرق مقارنة بفترة إيشو يهب الثالث (649-659)، على الرغم من النفوذ الذي تمتع به الأطباء المسيحيون في البلاط.
يغطي الفصل فترة حكم السلالتين البويهية والسلجوقية التي سيطرت على الخلافة لثلاثة قرون قبل الغزو المغولي، مشيراً إلى أن عدد المسيحيين انخفض بشكل كبير خلال العصر السلجوقي. يعتمد الكاتب على تحليل السجلات الضريبية ليقول إن المسلمين انتقلوا من أقلية (أقل من 20% من السكان قبل 850م) إلى أغلبية (أكثر من 60% بعد 950م). يصف نزوح المسيحيين من جنوب بلاد ما بين النهرين وفارس إلى شمالها حيث كانوا لا يزالون بأعداد كبيرة، وهجرتهم إلى الأراضي البيزنطية. يذكر أن الحروب الصليبية زادت من مرارة المسلمين تجاه المسيحيين، وجعلت الخوف دافعاً إضافياً للتحول إلى الإسلام. يقدم الفصل مثالاً على تفاوت معاملة الخلفاء، فيذكر الخليفة القادر (991-1031) كحاكم عادل تدخل لحماية المسيحيين، مقابل الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (996-1021) الذي أطلق اضطهاداً استمر عشر سنوات ضد اليهود والمسيحيين في مصر وفلسطين وسوريا.
يتناول الفصل فترة الحكم المغولي في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، حيث ازدهرت الكنائس السريانية لفترة وجيزة تحت حمايتهم. يشرح أن تدمير الخلافة العباسية عام 1258 أثار آمال المسيحيين في تحالف مغولي مسيحي يستعيد أولوية المسيحية، لكن انتصار المماليك في معركة عين جالوت عام 1261 وضع حداً لهذه الآمال. يصف الفصل توتر العلاقات بين المسيحيين والمسلمين، مستشهداً بحادثة أربيل عام 1274 حيث تعرض موكب مسيحي لأحد الشعانين للرشق بالحجارة من قبل حشد مسلم، مما أدى إلى فرارهم. يشير إلى أن تولي الخان غازان الإسلام عام 1295 كان نقطة تحول مهمة، بلغت ذروتها بمذبحة المسيحيين في أربيل عام 1310 على يد قائد عسكري مسلم خالف أوامر رؤسائه المغول دون أن ينال المسيحيون أي تعويض.
ينتقل الفصل لمناقشة التنظيم الكنسي، محذراً من المبالغة في تقدير حجم كنيسة المشرق وتأثيرها قبل القرن الرابع عشر. يرفض المؤلف التقديرات التي تصل إلى 27 مقاطعة كنسية كبرى و230 أبرشية، معتبراً أن الرقمين يحتاجان للتنصيف تقريباً. يستند إلى المؤرخ إليا الدمشقي الذي أحصى حوالي 80 أبرشية عام 893م، معظمها في بلاد ما بين النهرين وبلاد فارس، ويقدر أن العدد الإجمالي لم يتجاوز 100 أبرشية، مقارنة بما يقارب 2,000 أبرشية في الإمبراطورية الرومانية قبل الفتح الإسلامي. يصف الفصل فساد الانتخابات البطريركية في العصر العباسي، حيث كانت الرشوة والمديونية أمراً شائعاً، وكذلك بيع المناصب الكنسية (السيمونية). يذكر أن معظم البطاركة لم يهتموا بالإدارة طويلة الأمد، وكثيراً ما كانت الأبرشيات تترك دون أساقفة.
يناقش الفصل إصلاحات البطريرك تيموثاوس الأول للنظام المطراني، حيث خلق فئتين من المقاطعات: "الداخلية" التي تشكل الهيئة الانتخابية للبطريرك (وتضم خمس مقاطعات تقليدية في بلاد ما بين النهرين)، و"الخارجية" التي مُنحت استقلالية أكبر لتعويضها عن فقدان حق التصويت. يتابع أن البطريرك ثيودوسيوس (853-858) طور هذه الإصلاحات بإلزام مطارنة الداخل بالحضور شخصياً لتقديم تقارير كل أربع سنوات، بينما يكتفي مطارنة الخارج (عشر مقاطعات منها فارس ومرو وهراة والهند والصين) بتقديم تقرير مكتوب كل ست سنوات. يشير المؤلف إلى فشل كنيسة المشرق في تجذير كنائسها في أراضي البعثات التبشيرية محلياً، حيث ظل الأساقفة والمطارنة رهباناً يتكلمون السريانية ويتعلمون في أديرة بلاد ما بين النهرين، وهو ما يفسر انهيارها الكامل في القرن الرابع عشر.
يصف الفصل واقع الرهبنة، مشيراً إلى استمرار تأسيس الأديرة في العصر الأموي رغم الاضطرابات والعنف الطائفي بين الرهبان السريان الشرقيين والغربيين في مناطق مثل سهل الموصل. يذكر أن أهم دير في العصر الأموي كان دير بيت عابي الذي زود الكنيسة ببطريركين ورجال دين كثيرين، ومنه انطلق أسقف إلى الصين البعيدة حوالي عام 840م. يضيف المؤلف أنه في العصر السلجوقي، صودرت عدة أديرة وأغلقت أخرى صغيرة، وتضاءلت أهمية دير بيت عابي لصالح أديرة أخرى مثل دير مار جبرائيل ودير مار إبراهيم التائب. يستشهد الفصل برحلة البطريرك يَهْبَلاهَا الثالث (1281-1317) ورفيقه ربان صَوما في أواخر سبعينيات القرن الثالث عشر، والتي زارا خلالها معظم الأديرة الناجية في شمال بغداد، معتبراً أن قلة الأديرة التي زاراها في جنوب بلاد ما بين النهرين وبيث هوزاي ومايشان وفارس دليل بليغ على تراجع المسيحية في قلبها.
يختتم الفصل بمناقشة الأدب والعلم، مشيراً إلى تحول الكتاب السريان الشرقيين من الكتابة بالسريانية إلى العربية تحت العباسيين لجذب جمهور أوسع، مع بقاء السريانية للكتابات الداخلية مثل تاريخ توماس الرهباني. يركز على حركة الترجمة من اليونانية والسريانية إلى العربية، والتي قام بها علماء مسيحيون ويهود ثنائيو اللغة، وأشهرهم الطبيب حنين بن إسحاق (808-873) الذي ترجم أعمال جالينوس الطبية بدقة عالية. يوضح أن الدافع وراء الترجمة لم يكن مادياً فقط، بل كان دفاعياً أيضاً، حيث استخدم المسيحيون الفلسفة الأرسطية للحوار مع النخبة المسلمة. يضرب مثلاً بمناظرة البطريرك تيموثاوس الأول مع الخليفة المهدي (774-785)، والتي مدح فيها تيموثاوس محمداً لهدايته العرب للتوحيد مع الدفاع عن حقيقة المسيحية. وأخيراً، يربط المؤلف بين ازدهار الكتابة الموسوعية (كالقواميس والموسوعات التاريخية) في القرن العاشر والشعور بالانحدار، معتبراً أن هذه الجهود لتدوين اللغة والتاريخ جاءت كرد فعل على تراجع المسيحية الملحوظ في جنوب بلاد ما بين النهرين وبلاد فارس بسبب كثرة التحولات إلى الإسلام.
14.748–774▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على تاريخ الفلسفة السريانية، ممتداً من أقدم مؤلف سرياني معروف، برديصان الرهاوي (154-222م)، وصولاً إلى عصر النهضة السريانية في القرن الثالث عشر، مع التركيز على كيفية تلقي الفكر الفلسفي اليوناني وتحويله وتكييفه داخل الوسط السرياني.
يبدأ الفصل بالإشارة إلى أن المنطقة السريانية كانت خاضعة للتأثير اليوناني قبل برديصان بفترة طويلة. وبما أن أعمال برديصان الأصلية فقدت جميعها، فإن معرفتنا بآرائه تعتمد بشكل كبير على كتاب "قوانين البلاد"، وهو حوار حول القدر والإرادة الحرة، يُرجح أن تلميذه فيليب هو من كتبه ويظهر فيه برديصان كشخصية محورية. يذكر الفصل أن هناك جدلاً حول ما إذا كان برديصان فيلسوفاً بالأساس أم لاهوتياً، ولكن من المحتمل أنه كان على دراية بالرواقية والأبيقورية، وقد رُبط تحليله للقدر والإرادة الحرة بأطروحة "في القدر" للإسكندر الأفروديسي، وإن كان البعض يعترض على هذا الارتباط نظراً للأهمية التي أولها برديصان لعلم التنجيم. بعد وفاته، لا يوجد دليل على وجود مفكر فلسفي كبير آخر في العالم السرياني حتى ظهور سرجيس الرأسعيني (ت. 536م). يتساءل الفصل عما إذا كان الاهتمام بالفلسفة غائباً تماماً في الفترة بينهما، خاصة في الدوائر المؤثرة بـ أفرام السرياني، مشيراً إلى أن المخطوطات المبكرة التي تحتوي على نصوص فلسفية سريانية، مثل مخطوطة المكتبة البريطانية (إضافة 14658) من القرن السابع، قد توحي بوجود اهتمام مبكر بالأخلاقيات الشعبية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى فترة العصور القديمة المتأخرة (حوالي 500-750م)، مؤكداً أن الفلسفة اليونانية العليا وصلت إلى العالم السرياني فقط في أواخر القرن الخامس أو أوائل السادس الميلادي. في ذلك الوقت، كانت الفلسفة اليونانية تركز في مدرستي الإسكندرية وأثينا، وكانت تهيمن عليها الأفلاطونية الحديثة. يتضمن المنهج الدراسي دراسة مجموعة من أطروحات أرسطو (منطق، فلسفة عملية، فيزياء، رياضيات، ما وراء الطبيعة) تليها أطروحات أفلاطون، وكان الهدف الأسمى هو "التشبه بالإله بقدر الإمكان". يوضح الفصل أن الفلسفة السريانية اتبعت هذا النموذج جزئياً فقط، وأبرز فارق هو غياب أعمال أفلاطون، والتركيز فقط على أطروحات أرسطو. كان سرجيس الرأسعيني، الذي درس الفلسفة والطب في الإسكندرية، أول وأهم الكتاب السريان الثلاثة في فترة ما قبل الإسلام (إلى جانب بروبا و بولس الفارسي). قام سرجيس بترجمة العديد من أعمال جالينوس وكتابات ديونيسيوس الأريوباغي الزائف، وكتب شروحات على مقولات أرسطو ومقدمات في المنطق. في الفترة الإسلامية المبكرة، برز أربعة باحثين سريان أرثوذكس مرتبطين بدير قنّسرين على الفرات، وهم: ساويرس سابوخت (ت. 666/7م)، و أثناسيوس البلدي (ت. 686م)، و يعقوب الرهاوي (ت. 708م)، و جورج أسقف العرب (ت. 724م). قام هؤلاء بترجمات وشروحات إضافية لأعمال أرسطو المنطقية.
يناقش الفصل مسألة أي جزء من مناهج أرسطو كان يُدرس فعلياً في هذه الفترة. يشير إلى أن الأدلة المباشرة لا تظهر دراسة المنهج الكامل كما في الإسكندرية، ولكن الأدلة غير المباشرة، مثل الهوامش في المخطوطات العربية، تثبت أن الترجمات السريانية شملت "الأورغانون" الكامل المكون من ستة أجزاء، مما يوحي بوجود قراء متخصصين. كما يؤكد الفصل على أهمية ثنائية اللغة (اليونانية-السريانية) في ذلك الوقت، حيث كان العديد من العلماء يقرأون النصوص الفلسفية باليونانية مباشرة، مما يجعل من الصعب تحديد ما ترجم فعلياً إلى السريانية وما درس باليونانية الأصلية.
يقدم الفصل بعد ذلك تصريحات واضحة من علماء قنّسرين حول مفهومهم للفلسفة. يشرح ساويرس سابوخت في أطروحته عن القياسات المنطقية أن دراسة المنطق تبلغ ذروتها مع كتاب "الأدلة التحليلية" (الأورغانون الثاني لأرسطو)، وأن الفلسفة بأكملها تهدف إلى "التشبه بالإله"، وهو تعريف أفلاطوني جديد. كما يقدم جورج أسقف العرب في مقدمته لشرحه على "المقولات" تعريفاً مماثلاً، حيث يرى أن غاية الفلسفة الأرسطية هي معرفة "المبدأ الواحد والعلة والخالق لكل شيء"، وأن الوسيلة لذلك هي دراسة الأشياء الزمنية والمتغيرة (الفيزياء) للصعود عبر الرياضيات إلى ما هو أبدي، ومن ثم إلى العلة الأولى. يؤكد الفصل أن هذا المفهوم يتوافق تماماً مع مفهوم المدرسة الإسكندرية. في تفسير سرجيس الرأسعيني لخططه الدراسية، نجد أنه يتصور دراسة أرسطو كاملة، من المنطق إلى الأخلاق والفيزياء والرياضيات وما وراء الطبيعة. ويشير الفصل إلى أن سرجيس، كمسيحي، قام بحل الصراع بين الفلسفة الوثنية والمسيحية من خلال ربط مناهج أرسطو بتعليم إيفاغريوس البنطي وديونيسيوس الأريوباغي الزائف، حيث جعل من الأخير "أفلاطوناً مسيحياً".
في فترة الخلافة العباسية المبكرة (حوالي 750-1000م)، أصبحت بغداد المركز الفكري، وبرزت العربية كلغة فلسفية مهمة، لكن السريانية حافظت على مكانتها بين المسيحيين. كان المترجمون الأكثر أهمية هم حنين بن إسحاق وابنه إسحاق، الذين ترجموا إلى السريانية والعربية على حد سواء. يوضح الفصل أن الترجمات السريانية كانت مخصصة للقراء السريان وليس فقط كوسيط للترجمة العربية، مستشهداً بمثال الأطباء السريان الذين طلبوا ترجمات سريانية لنصوص جالينوس رغم وجود نسخ عربية منها. يؤكد الفصل على ازدهار الثقافة السريانية الطبية والفلسفية في بغداد في القرن التاسع، لكنه يذكر أن عدم بقاء مخطوطات من هذه الفترة يعود لأسباب تاريخية، أهمها أن المخطوطات الموجودة حصل عليها دير السوريان في مصر، بينما لم تنج مخطوطات بغداد. يُلاحظ أن التحول الحاسم من السريانية إلى العربية في الكتابة الفلسفية للمسيحيين حدث مع أبي بشر متى (ت. 940م) ومدرسته المعروفة بـ "أرسطوطاليسيي بغداد". اعتمد هؤلاء بشكل كبير على الترجمات السريانية، لكن تراثهم الأدبي ينتمي إلى الأدب العربي، على الرغم من أنهم ينتمون بطريقة ما إلى "العالم السرياني".
أخيراً، يتناول الفصل فترة "النهضة السريانية" في القرن الثالث عشر. على الرغم من أن الفترة بين المدرستين (أرسطوطاليسيي بغداد والنهضة السريانية) تبدو فقيرة نسبياً في الفلسفة السريانية، إلا أن هناك مؤشرات على استمرار الاهتمام بها، مثل شرح ديونيسيوس بار صليبي (ت. 1171م) للمنطق. أبرز شخصية في هذه الفترة هو ابن العبري (برصوما، ت. 1286م)، الذي ألف موسوعة فلسفية ضخمة بعنوان "زبد الحكمة"، والتي تغطي المنطق والفلسفة النظرية (العلوم الطبيعية وما وراء الطبيعة) والفلسفة العملية. يوضح الفصل أن ابن العبري اعتمد بشكل كبير على الترجمات السريانية القديمة لأرسطو، لكنه تأثر أيضاً بالفلاسفة العرب، خاصة ابن سينا، الذي كان نموذجاً لبنية ومحتوى كتابه. على الرغم من شعبية أعمال ابن العبري، إلا أن محاولته لإحياء الفلسفة السريانية لم تنجح، ولا توجد أدلة على وجود فلاسفة سريان بارزين بعده.
يختتم الفصل بمناقشة الفلسفة الشعبية والأخلاقية والسياسية في العالم السرياني. يشير إلى وجود تقليد فلسفي شعبي موجه للأخلاق والسلوك، يعتمد على ترجمات لأعمال إيسقراط و بلوتارخس و لوقيانوس و ثامسطيوس، بالإضافة إلى مجموعات من الأقوال المأثورة. لم تكن هذه الترجمات مجرد نقل حرفي، بل تضمنت تعديلات لجعلها أكثر انسجاماً مع المعتقدات المسيحية. بشكل خاص، يسلط الضوء على أهمية ثامسطيوس، الفيلسوف والسياسي الوثني، حيث يرى أن ترجمات خطبه إلى السريانية قدمت فلسفة سياسية ملكية قائمة على فكرة الملك الفيلسوف المحسن، والتي قد تكون متوافقة مع الأفكار المسيحية، مما أتاح للقراء السريان الوصول إلى فلسفة سياسية من مؤلف وثني تتسق مع قراءاتهم المسيحية.
في النهاية، يقر الفصل بوجود عدة حدود وتحفظات، منها اعتمادنا على أدلة محدودة ومخطوطات غير مكتملة، خاصة من الفترة المبكرة، مما يجعل معرفتنا غير كاملة. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مدى انتشار دراسة الفلسفة باليونانية مقابل السريانية، وحول الدوافع الحقيقية لدراسة المنطق (هل كانت لاهوتية بحتة أم فلسفية أوسع). حجة قابلة للنقاش واضحة هي مسألة ما إذا كان الاهتمام بالفلسفة اليونانية قد انقطع تماماً بين برديصان وسرجيس، حيث يلمح الفصل إلى أنه ربما كان موجوداً في دوائر مختلفة. كما أن التفسير السائد بأن المنطق استخدم فقط في الجدالات المسيحية يُنتقد في الفصل، حيث لا يوجد دليل قوي على ذلك.
15.1240–1262▼ résumé
يُعالج هذا الفصل فترةً مهملةً في تاريخ المسيحية السريانية، ألا وهي أواخر العصور الوسطى (من عام 1286 إلى عام 1517)، ويسعى إلى تقديم فهم شامل لموقع السريان في هذا الشرق الأوسط المتنوع لغوياً وسياسياً. يلاحظ المؤلف أن الإهمال الأكاديمي لهذه الفترة يشمل أيضاً المناطق التي عاش فيها السريان، مثل سوريا وبلاد ما بين النهرين، مما يجعل دراستهم أكثر صعوبة. لذلك، يقدّم الفصل ملخصاً للتاريخ السياسي والكنسي، ويبحث في قضايا مثل أسلمة السكان وتنوع اللغات، ثم يستعرض الأدب السرياني والتطورات الليتورجية في تلك الحقبة.
يبدأ الفصل بوصف المشهد السياسي المتشرذم بعد وفاة المؤرخ السرياني البارز ابن العبري عام 1286. في ذلك الوقت، كان الإيلخانيون المغول في إيران يسيطرون على معظم المناطق السريانية باستثناء سوريا التي كانت تحت حكم المماليك. ومع وفاة آخر إيلخان قوي، أبو سعيد، عام 1335، انهارت الإمبراطورية المغولية وتفتت إلى دويلات متناحرة مثل الجلايريين والقراقويونلو والآق قويونلو، بالإضافة إلى بقايا الأيوبيين والأرتقيين. أدت هذه الحالة من عدم الاستقرار السياسي والعسكري، التي تفاقمت بغزوات تيمورلنك، إلى خلق بيئة صعبة للمسيحيين السريان، واستمر هذا التفتت حتى صعود السلطان سليم الأول العثماني الذي هزم الصفويين عام 1514 وضم مصر المملوكية عام 1517، ثم استولى ابنه سليمان القانوني على بغداد عام 1533، ليقسم المنطقة بين العثمانيين والصفويين.
على الصعيد الكنسي، انعكس التشرذم السياسي في ظهور بطريركيات سريانية متعددة ومتنافسة. فبعد وفاة البطريرك فيلوكسينوس نمرود السرياني الأرثوذكسي عام 1292، انتُخب ثلاثة خلفاء له في آن واحد. كما ظهر خط بطريركي جديد في طور عابدين عام 1364. في كنيسة المشرق، كان الخلافة البطريركية غير مستقرة، مع تنقل البطاركة بين أديرة مختلفة وخلافات حول التسلسل الزمني. لجأت بعض البطريركيات إلى نظام الخلافة الوراثية، حيث كان الأخ أو ابن الأخ يخلف البطريرك المتوفي، وهي ممارسة انتقدها البعض واعتبروها تقليداً أرمينياً أو إسلامياً. كما شهدت هذه الفترة تراجعاً في الرهبنة، مع وجود عدد قليل من الأديرة العاملة، وازدادت نسبة نسخ المخطوطات على أيدي رجال دين قرويين وحضريين بدلاً من الرهبان. ومع ذلك، كانت هذه الفترة هي أوسع فترة امتدت فيها شبكات الكنيسة السريانية، حيث وصلت إلى قبرص والصين وآسيا الوسطى والهند، قبل أن تنهار هذه الشبكات خارج المنطقة الواقعة بين لبنان وشمال غرب إيران.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى مناقشة قضية الأسلمة، مشيراً إلى أنها ظاهرة غير مفهومة جيداً على الرغم من كونها عملية اجتماعية مهمة. فقد تحول الإسلام من دين أقلية حاكمة إلى دين الأغلبية في معظم مناطق العالم السرياني. ينتقد المؤلف الدراسات السابقة، مثل دراسة ريتشارد بوليت التي قدرت اكتمال أسلمة سوريا والعراق بحلول عام 1000، معتبراً أنها تبالغ في تقدير درجة الأسلمة. ويستشهد بدراسة حديثة تشير إلى أن سكان الموصل ظلوا 37% مسيحيين حتى عام 1541، وبأعمال جغرافية عربية تظهر بقاء أجزاء كبيرة من سكان سوريا مسيحيين حتى أواخر القرن الثالث عشر. ويؤكد الفصل على ضرورة النظر إلى الأسلمة كظاهرة متعددة الأوجه تشمل المشهد المقدس والعمارة والقوانين القانونية، وليس مجرد اتجاه ديموغرافي.
أما فيما يتعلق بالتنوع اللغوي، فبينما استمرت السريانية كلغة أدبية وطقسية، قل استخدام السريان للعربية في مؤلفاتهم مقارنة بفترات سابقة. فقد كتب ابن العبري وعبد يشوع الصوباوي بالعربية، لكن بعد ذلك، لم يُعرف سوى كتاب عربي واحد لمؤلف من كنيسة المشرق في عدة قرون. كما استُخدمت اللغات التركية والفارسية في بعض النصوص السريانية، مثل قصيدة ثنائية اللغة لـخميس بن قرداحه، ولكن لم تؤلف نصوص مستقلة كاملة بهذه اللغات. ويشبه الفصل وضع السريانية بوضع العربية الفصحى بين المسلمين، حيث كانت لغة النخبة الدينية والأدب، بينما كانت اللغات العامية (لهجات آرامية غير سريانية أو عربية عامية) هي المستخدمة يومياً. كما أظهر شعراء هذه الفترة براعتهم باستخدام كلمات يونانية وابتكار مصطلحات سريانية جديدة.
يستعرض الفصل الأدب السرياني، مشيراً إلى أن فترة الحكم المغولي المتأخر (حتى 1335) كانت أكثر إنتاجية من القرنين التاليين. كان عبد يشوع الصوباوي (توفي 1318) أكثر مؤلفي هذه الفترة غزارة، وله أعمال في الشعر واللاهوت والقانون الكنسي. من أشهر نصوص القرن الرابع عشر هو "تاريخ مار يهبالاها ورابان صوما"، الذي يروي رحلة راهبين صينيين إلى الغرب. ومن المؤلفين المهمين أيضاً خميس بن قرداحه، الشاعر الليتورجي الغزير الإنتاج في كنيسة المشرق. بعد انهيار الحكم المغولي، قلت الأعمال الأدبية الجديدة بشكل كبير، لكنها عادت للازدياد في أواخر القرن الخامس عشر، مع مؤلفين مثل داود البنقويي ونوح البنقويي. ويختتم الفصل بمناقشة الليتورجيا، مشيراً إلى اختفاء بعض الممارسات القديمة في كنيسة المشرق، مثل تبجيل الأيقونات الذي دافع عنه آخر مرة عام 1332، وتوقف تحديث ثنائيات القداس، واختفاء المنصة المركزية (البِيما) من هندسة الكنائس، مما يدل على تغير كبير في الممارسة الطقسية.
16.1262–1295▼ résumé
يقع هذا الفصل في كتاب "العالم السرياني" تحت عنوان "الكنيسة المارونية"، ويبحث فيه المؤلف شفيق أبو زيد في الأصول التاريخية والروحانية والهوية الطقسية والثقافية لهذه الكنيسة الشرقية. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن الكنيسة المارونية، رغم صغر حجمها النسبي وعزلتها الجبلية الطويلة، استطاعت الحفاظ على هويتها السريانية الأنطاكية المميزة، ولعبت دوراً محورياً في النهضتين العربية والسريانية، وأسهمت بشكل حاسم في تكوين دولة لبنان الحديثة، وذلك بفضل جذورها الرهبانية القوية وارتباطها بالكرسي الرسولي في روما.
يبدأ الفصل بتأكيد أن كلمة "ماروني" تشير مباشرة إلى الأصل الرهباني للكنيسة. الرهبان هم المؤسسون الحقيقيون، وهم من صاغوا شخصيتها عبر التاريخ. تنسب الكنيسة اسمها إلى ناسك من القرن الرابع أو الخامس يدعى مارون، سطّر سيرته بإيجاز ثيودوريطس القورشي. ويعتقد أن تلاميذ مارون أسسوا دير مارون الكبير (بيت مارون) في سوريا الثانية عام 452 بأمر من الإمبراطور الروماني مرقيانوس، وفقاً للمؤرخ العربي أبو الفداء. أول ذكر تاريخي للدير ورد في تاريخ ديونيسيوس التلمحري. تبنى رهبان مارون تعاليم مجمع خلقيدونية، مما عرضهم لصراع دموي مع المخالفين (اليعاقبة)، كما تشير رسالة منهم إلى البابا هورميسداس الثاني عام 517. دمر الدير نحو بداية القرن السادس، ثم أعاد بناؤه الإمبراطور جستنيان. مع هجرة الموارنة إلى جبل لبنان، استقر الرهبان في الوادي المقدس (قاديشا). في أواخر القرن السابع عشر، أعاد البطريرك اسطفان الدويهي تنظيم الحياة الرهبانية واستعان ببعض قواعد الرهبنة الغربية. اليوم، يتبع الأغلبية أنشطة تعليمية وروحية، بينما تلتزم أقلية فقط بالقواعد القديمة للرهبنة المنعزلة. يعدد الفصل الرهبانيات الرجالية والنسائية الحالية.
ينتقل الفصل إلى مرحلة تأسيس البطريركية. في محاولة لتوحيد الإمبراطورية دينياً، أصدر الإمبراطور هرقل صيغة "المشيئة الواحدة" (المونوثيليطية) عام 638، التي أقرت أن للمسيح إرادة واحدة رغم طبيعتيه. أدان المجمع المسكوني السادس في القسطنطينية عام 680 هذه الصيغة، لكن الموارنة ظلوا متمسكين بها. هذا ولّد عداءً مع بيزنطة وأدى إلى انشقاق داخل الكنيسة الملكية، فانتخب الموارنة في الربع الأخير من القرن السابع أسقفاً خاصاً بهم، يوحنا مارون، بطريركاً لأنطاكية. أثار هذا الفعل غضب الإمبراطور البيزنطي جستنيان، الذي شن حرباً عام 694 لتدمير الاستقلال الماروني، فقتل مئات الرهبان ودمر الدير في أفاميا. لكن يوحنا مارون هرب مع الناجين إلى كفرحي في شمال لبنان حيث أسس كرسي البطريركية المارونية. أصبحت الجماعة الرهبانية كنيسة مستقلة ذاتياً ببطريركها الخاص، متحدة مع كنيسة روما مع احتفاظها بطابعها الأنطاكي السرياني الكامل.
بخصوص الهوية، يؤكد الفصل أن الكنيسة المارونية تطورت في سوريا، وبالتالي تراثها ثقافي سوري ولغتها السريانية هي العمود الفقري لروحانيتها. لكنه يوضح الفرق بين "سوري" (ثقافة) و"سرياني" (لغة)، مفضلاً الأول لأنه يشمل العناصر اليونانية في المسيحية الأنطاكية. ثم ينتقل لمناقشة الليتورجيا (الطقس) المارونية بالتفصيل. أصولها سريانية أنطاكية مع عناصر مستعارة من ليتورجية أورشليم وأديسا، لكن ندرة المصادر تجعل تحديد شكلها بين القرنين الخامس والعاشر صعباً. أقدم مخطوطات القداس تعود للفترة بين القرنيين الثاني عشر والسادس عشر، وأقدمها من عام 1454. خضعت الليتورجيا لإصلاحين رئيسيين: الأول قاده خريجو الكلية المارونية في روما وعلى رأسهم البطريرك الدويهي، والثاني بدأ بعد المجمع الفاتيكاني الثاني. طبع أول كتاب قداس ماروني في روما بين 1592 و1594 بتأثير لاتيني، وتعرضت طبعته الثانية عام 1716 لانتقادات شديدة لزيادة اللاتينية فيه. بعد أبحاث استمرت 19 عاماً بين 1963 و1982، صدرت النسخة النهائية المعتمدة من القداس الماروني، والمترجمة إلى العربية. يتناول الفصل أيضاً كتب الطقوس الأخرى مثل "القراءات" (رس غوريان) الذي يعود لأقدم مخطوطاته لعام 1242، و"الكتاب اليومي" (شيمتو) الذي طبع أول مرة في روما 1624-1625، وكتاب "السيامات" (السيرطانية) الذي جمعه الدويهي، وأديرة التقديس والبركات، والموسيقى الليتورجية التي تعود أصولها إلى ما قبل المسيحية في سوريا وتم تدوينها بالنظام الغربي قبل القرن التاسع عشر.
ثم يتناول الفصل العلاقة مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. عند وصول الصليبيين عام 1099، استقبلهم معظم الموارنة بحفاوة، ويذكر المؤرخ وليم الصوري عام 1182 أن 40 ألف ماروني انضموا إليهم وتخلوا عن المونوثيليطية. لكن بعض الموارنة عارضوا ذلك. قام البطريرك إرميا العمشيتي بأول زيارة مارونية لروما عام 1213 وحضر المجمع اللاتيراني الرابع وحصل على الباليوم. بعد وفاته، ظهر انقسام تمثل بانتخاب بطريرك منافس هو لوقا البنهراني الذي يعتقد أنه قتل مع أتباعه على يد الصليبيين عام 1283. أدى التحالف مع روما إلى محاولات لاتينة للكنيسة المارونية. بلغ التأثير اللاتيني ذروته عام 1584 بتأسيس الكلية المارونية في روما على يد البابا غريغوريوس الثالث عشر، بهدف تثقيف نخبة رجال الدين الموارنة بالروح الكاثوليكية الرومانية، مما نجح في جعل المجامع المارونية اللاحقة مجرد مُصادقة على قرارات روما. كذلك ساهمت البعثات التبشيرية اليسوعية والفرنسيسكانية في تعزيز هذه اللاتينة.
أخيراً وليس آخراً، يفرد الفصل مساحة واسعة للإسهام الماروني في النهضتين السريانية والعربية. يذكر أنه منذ بداية الألفية الثانية، كانت العربية هي اللغة السائدة بين الموارنة، بينما بقيت السريانية لغة طقسية. يستشهد بوثيقتين من القرن الحادي عشر: "كتاب الهدى" المترجم للعربية عام 1059، و"الفصول العشرة" الذي كتبه الأسقف توما الكفرتابي عام 1089 بالعربية. كان الشاعر والأسقف جبرائيل بن القلاعي (القرن الخامس عشر) أول مثقف ماروني في أوروبا وكتب زجلياته باللهجة اللبنانية مستخدماً أوزاناً سريانية. لكن الثقل الأكبر يقع على خريجي الكلية المارونية في روما. يعدد الفصل أسماء عشرات العلماء الذين برزوا في القرن السابع عشر والثامن عشر، مثل غبرائيل الصهيوني (سيونيتا) أستاذ العربية في الكوليج دو فرانس، إبراهيم الحاقلاني (إكسلنسيس) الذي ترجم كتباً من العربية والسريانية إلى اللاتينية وأشرف على فهرسة المخطوطات الشرقية في الفاتيكان، ويوسف سمعان السمعاني (أسيماني) الذي قاد رحلات لجمع المخطوطات وألف "المكتبة الشرقية" الشهيرة. هؤلاء العلماء لعبوا دوراً رئيسياً في تعريف أوروبا على الثقافتين العربية والسريانية. في القرن التاسع عشر والعشرين، لعب الموارنة دوراً في الحفاظ على اللغة العربية ضد التتريك، وأمر مجمع 1736 بتدريس العربية في القرى، وأنتجوا مفكرين مثل بطرس البستاني وجبران خليل جبران. ويختتم الفصل بإشارة سياسية، إذ يرى أن عزلتهم في جبل لبنان ساهمت في تشكيل شخصيتهم المستقلة، وأن كنيستهم لعبت دوراً رئيسياً في إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920، وأن أبناءها ما زالوا يشغلون مناصب رئيسية في الدولة اللبنانية.
في النهاية، يعترف الفصل بندرة المصادر الأولية لدراسة الليتورجيا المارونية المبكرة، ويترك أسئلة مفتوحة حول بعض التفاصيل التاريخية كالظروف الدقيقة لتدمير الدير الأول وحقيقة البطريرك المنافس لوقا البنهراني. كما أن الفصل يسمح بمناقشة واضحة حول "اللاتينة" المتنامية للكنيسة المارونية وتأثيرها على هويتها السريانية الأصيلة، وهو جدل لا يزال قائماً في الأوساط المارونية.
17.1328–1349▼ résumé
يتمحور هذا الفصل حول تطور الهوية السريانية في العصر الحديث، ويقدم إجابة شاملة عن كيفية تحول الجماعات السريانية من كنائس متعددة ذات انتماءات دينية ضيقة إلى مفهوم أوسع لأمة واحدة. يتتبع المؤلف، هيلين مور-فان دن بيرغ، تاريخ الكنائس السريانية منذ أوائل القرن السادس عشر وحتى الوقت الحاضر، محللاً العوامل التي شكلت هذه الهوية، ومن أبرزها الانقسامات الكنسية، والإرساليات التبشيرية، والمذابح الجماعية، والهجرة، والنشاط القومي.
يبدأ الفصل بعرض مشكلة التسميات المتنازع عليها، مثل "آشوري" و"سرياني" و"كلداني" و"آرامي"، ويختار المؤلف استخدام مصطلح "سرياني" كوصف شامل للجماعات التي تشترك في اللغة السريانية الكلاسيكية وتراثها الليتورجي، ويشمل ذلك الكنائس السريانية الأرثوذكسية والآشورية والمشرقية والكاثوليكية المنبثقة عنها.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الفترة من 1500 إلى 1800، حيث كانت الكنائس السريانية تعيش تحت الحكم العثماني في ظروف صعبة تميزت بالحروب والمجاعات والأوبئة. يصف الفصل بدايات الانشقاقات الكبرى، حيث أدت جهود البعثات الكاثوليكية إلى إنشاء كنيسة "كلدانية" كاثوليكية انبثقت عن كنيسة المشرق في عام 1553، وكذلك الكنيسة السريانية الكاثوليكية التي انبثقت عن الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في أواخر القرن الثامن عشر. يلاحظ المؤلف أن الحدود بين الكنائس التقليدية والكاثوليكية كانت مرنة، وأن التأثير الكاثوليكي في التحديث الديني والتعليم قد تغلغل في جميع الجماعات المسيحية. كما يشير إلى الدور المحوري للباحث الماروني يوسف سمعان السمعاني في خلق مفهوم "الأدب السرياني" الموحد من خلال موسوعته "المكتبة الشرقية".
في الفترة من 1800 إلى 1910، يركز الفصل على ولادة الفكرة القومية. بدأت الإرساليات البروتستانتية الأمريكية، وخاصة في أورميا (شمال غرب إيران) منذ عام 1834، في إحداث تغيير جذري. قام المبشرون بطباعة الكتاب المقدس باللغة العامية وتأسيس المدارس، مما حفز صحوة دينية وفكرية. على عكس توقعاتهم، لم تؤد هذه الجهود إلى إصلاح الكنائس التقليدية من الداخل، بل إلى ظهور كنائس بروتستانتية مستقلة. في هذا السياق، بدأ استخدام مصطلح "الأمة السريانية" (mellat suryaya) للتأكيد على الوحدة القومية فوق الخلافات المذهبية. ويوضح الفصل أن مصطلح "آشوري" بدأ يظهر في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مستلهماً من اكتشاف الآثار الآشورية في شمال العراق والكتابات التاريخية المبكرة، ليصبح علماً قومياً جامعاً.
يتناول الفصل بعد ذلك أفظع مرحلة: الفترة من 1910 إلى 1920، والتي شهدت الإبادة الجماعية للسريان (السيفو). يصف المؤلف كيف أن صعود القومية التركية المتطرفة خلال الحرب العالمية الأولى حوّل المسيحيين، وخاصة الأرمن والسريان، إلى أعداء يُنظر إليهم كحلفاء لروسيا. بدأت المذابح الجماعية في أبريل 1915، حيث تم إعدام الرجال وترحيل النساء والأطفال في مسيرات موت نحو صحراء سوريا. يوضح الفصل أن تدمير المجتمعات السريانية في الأناضول كان أقل تنظيماً من تدمير الأرمن، لكنه كان شاملاً وكارثياً، خاصة في ولاية ديار بكر. كما يصف معاناة الآشوريين في جبال هكاري وإيران، الذين انحازوا إلى الحلفاء وقاتلوا الأتراك والأكراد حتى فرارهم الكبير إلى العراق عام 1918، تاركين وراءهم قرى مدمرة. يخلص الفصل إلى أن هذه الإبادة تركت ظلاً كثيفاً من عدم الثقة بين المسيحيين والمسلمين لا يزال يؤثر على المنطقة حتى اليوم.
بعد الحرب العالمية الأولى، من 1920 إلى 1970، يحلل الفصل مساهمة السريان في دول الشرق الأوسط الحديثة. اختارت معظم الجماعات السريانية، باستثناء الآشوريين القادمين من هكاري، الاندماج في الدول الجديدة مثل سوريا والعراق ولبنان دون المطالبة بوضع أقلية خاص. في تركيا، أُجبر البطريرك إغناطيوس إلياس الثالث شاكر على مغادرة البلاد واستقر في حمص بسوريا عام 1924/1925. في العراق، أدى صدام الآشوريين مع الدولة الفتية إلى مذبحة سميل في أغسطس 1933، حيث قتل الجيش العراقي رجالاً آشوريين أعزل. يناقش الفصل كيف أن السريان، بشكل عام، عاشوا فترة من الاستقرار النسبي، وشاركوا في الحياة السياسية والاجتماعية، خاصة في الأحزاب القومية والاشتراكية، لكنهم ظلوا أقلية مطيعة.
يركز القسم الأخير (من 1970 إلى 2010) على ثقل مفهوم "ما بعد القومية" والشتات. أدى تدهور الأوضاع في الشرق الأوسط، بدءاً من حرب تركيا مع حزب العمال الكردستاني (PKK) في الثمانينيات، والحرب الأهلية اللبنانية، والحروب في العراق، إلى هجرة هائلة للسريان إلى أوروبا وأستراليا والأمريكيتين. يصف الفصل أن هذه الهجرة عززت قوة المجتمعات في الشتات مقابل المجتمعات الباقية في الشرق الأوسط. في المهجر، واجه السريان تحديات جديدة مثل الخوف من الاندماج والتمييز، مما دفع الكنائس والمؤسسات الثقافية إلى بذل جهود كبيرة للحفاظ على الهوية من خلال تعليم اللغة السريانية وإنشاء الأبرشيات. يشير الفصل إلى أن الصراع على الهوية ازداد حدة في الشتات بين الانتماء الكنسي والهوية القومية العلمانية الآشورية. في المقابل، شهد إقليم كردستان العراق بعد عام 2003 فرصة غير مسبوقة للتأثير السياسي، لكنه شهد أيضاً تنافساً بين الفصائل الآشورية والكلدانية.
في الختام، يقرّ المؤلف بأن مستقبل المجتمعات السريانية يعتمد على تطور الصراعات بين الهوية الكنسية والهوية القومية الشاملة، وبين القيادة الكنسية والعلمانية، وبين الاندماج والعزلة. ومع ذلك، يشير الفصل إلى أن هذه الجماعات أظهرت مرونة كبيرة عبر التاريخ، وهي قادرة على البقاء بل والازدهار في عالم الشتات المترابط. يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش مفادها أن محاولات بناء هوية "سريانية" أو "آشورية" موحدة تصطدم باستمرار بالولاءات الكنسية والعائلية والإقليمية الراسخة، وأن المستقبل قد يشهد استمرار هذا التوتر بدلاً من حسمه.