Almawred
_OceanofPDF.com_The_Syrian_Famine_and_the_Armenian_Atrocities_-_Therese_Philippe_Bresse
English

_OceanofPDF.com_The_Syrian_Famine_and_the_Armenian_Atrocities_-_Therese_Philippe_Bresse

1 janvier 1919enGorgias Press LLC

الكتاب هو نص محاضرة ألقتها مدام تيريز فيليب بريس في الإسكندرية بتاريخ 21 يناير 1919، أي بعد أسابيع قليلة من انتهاء الحرب العالمية الأولى. المحاضرة التي جمعت تبرعات لصالح أيتام سوريا وأرمينيا، تقدم شهادة عيان مباشرة على الكارثة الإنسانية المزدوجة التي حلت بسوريا وأرمينيا، وتتهم بشكل قاطع الحكومة التركية وجمعية "الاتحاد والترقي" (تركيا الفتاة) بارتكاب فظائع ممنهجة، وتصفها بأنها "وحشية" و"دموية". الموقف الذي تدافع عنه المحاضِرة لا يقتصر على السرد التاريخي بل هو نداء عاجل إلى مؤتمر السلام القادم في باريس لتحرير سوريا وأرمينيا من "نير العبودية".

تنتظم حجة الكتاب عبر مسارين متوازيين: الأول هو سرد معاناة سوريا تحت المجاعة التي صنعها جمال باشا، والثاني هو وصف الإبادة الممنهجة للأرمن. يبدأ الكتاب بمشهد سوريا، حيث يستشهد باعتراف جمال باشا نفسه في جريدة "الشرق" الدمشقية عام 1917 بأن "كارثة سوريا بلغت من الفظاعة حداً لا توجد كارثة أخرى فاقتها في الرعب". ثم يصف واقع بيروت حيث كان الأغنياء يتسولون حصة من الخبز، وهو خبز كان عبارة عن خليط من الترمس والعدس وجذور عرق السوس والفول وغالباً نشارة الخشب. يصف الكتاب مشاهد الأطفال الذين يُلقون على أكوام الزبالة كالقمامة، والناس الذين يسقطون في الشوارع وهم يتقيؤون دماً.

بعد هذا التمهيد، ينتقل السرد إلى رحلة المعاناة الشخصية التي بدأت باعتقال زوجها فيليب بريس في 16 ديسمبر 1914 من محطة قطار طرابلس. هنا تأخذ الحجة منحىً جديداً حيث تتحول الشهادة من وصف عام للمجاعة إلى سرد تفصيلي لرحلة الاعتقال والترحيل التي ربطت بين سوريا وأرمينيا كجسدين يعذبان بنفس الآلة. يصف الزوج كيف اقتيد مع سجناء بريطانيين آخرين عبر حمص ودمشق، حيث تعرضوا لتهديدات الطيار الألماني الذي قال إنهم سيُذبحون جميعاً إذا قصفت طائرات الحلفاء مدينة تركية. ثم يصف الترحيل إلى أورفة (الرها القديمة) في 31 مايو 1915، حيث كانوا ضمن قافلة من مئة وخمسين شخصاً.

تصل الحجة إلى ذروتها المروعة في وصف ما حدث في أورفة، التي كان سكانها نحو سبعين ألف نسمة. هنا تتحول الشهادة من سرد شخصي إلى توثيق جماعي للفظائع. يصف الكتاب "المشهد الأكثر إثارة للرعب والأكثر مأساوية" عند الوصول إلى مبنى المحافظة، حيث رأى الراوي مئات من النساء والأطفال الأرمن "هياكل عظمية تمشي"، قد قدمن من سيواس، كاربوط، معمورة العزيز، وديار بكر. كانت روايتهن مقتضبة ومرعبة: الأتراك قتلوا أزواجهن وكل طفل يزيد عمره عن ست سنوات، ثم ساقوهن في مسيرات صحراوية طويلة حتى سقط معظمهن في الطريق من الجوع والعطش والبرد.

يتضمن الكتاب لائحة مروعة من المدن والمجازر، وهي وقائع يقدمها الكاتب كملاحظات "سرية" دوّنها في مذكراته. ففي ماردين، ذُبح المطران إغناطيوس ماتويان مع 13 كاهناً، وخرج 800 رجل من السجن ليُذبحوا أربعةً أربعة، وأُلقيت 580 امرأة وفتاة في النيران. في طرابزون، دُفن الأطفال أحياءً بمئاتهم في حفر كبيرة، وظلت الأرض تتحرك فوقهم لأيام. في ديار بكر، قُتل الأسقف تشيليبيان مع المطرودين في الطريق. في كاربوط، ذُبح الأسقف إزرائيليان مع رجال دينه وثلاث راهبات. في فلاطية، أُجبر الأسقف كاتشادوريان على جر عربة الوالي ثم خُنق بسلسلة صليبه الصدري. في سيواس، أُلقي نصف السكان في النهر، وأُجبر الأسقف الأرمني الغريغوري على الركض بسلاسل حديدية في رجليه حتى الموت. في أرضروم، قُتل جميع الأرمن. وفي موش، قُطع الأسقف إرباً خارج المدينة.

لا يكتفي الكتاب بتوثيق الموت بل يصف أيضاً سخرية الموت المزدوجة: ففي أورفة، وبعد أن بدأت المذبحة الأولى في 19 أغسطس 1915 بتحريض من جمعية الاتحاد والترقي، تحولت المدينة إلى "بحيرة من الدماء" وتجاوز عدد الضحايا في يوم واحد 800 قتيل. ثم حين قاوم الأرمن بأنفسهم ودربوا جيشاً وانضممت النساء إلى صفوفهن، أرسل جمال باشا فخري باشا على رأس ثمانية آلاف جندي مع مدافع ثقيلة. قصفوا الحي الأرمني من أكتوبر 1915 حتى 15 أكتوبر، ثم شنقوا 265 أرمينياً في أربعة أيام. هنا يظهر الانتهاك الأخلاقي الأعمق حين تُدفن التفاصيل في تفاصيل أخرى: راهبات جمعية جميع القديسين، الراهبات اللواتي يخترن الموت في النيران هرباً من الاغتصاب على يد الضباط الأتراك، الطفل فيكتور ذو الست سنوات الذي يتقيأ دماً ويكتشف الأطباء علقة لاصقة في حلقه.

تستمر الحجة في عرض تنقلات المعتقلين إلى كوتش حصار، الواقعة في قلب الصحراء المالحة على ضفاف بحيرة توز غولو، حيث عاشوا على الأعشاب والسلاحف في شتاء قاسٍ بلغت فيه الحرارة 15 درجة تحت الصفر. هنا يظهر دور بعض الشخصيات المحايدة أو المنقذة، مثل الآنسة كوشمان، ممرضة المستشفى الأمريكي في قونية التي وزعت الإعانات وأنقذت آلاف الأرمن، وكذلك الكونت هنري كريمونا الذي جاب المنطقة ليعزي ويطعم المرضى. لكن هذا الأمل الفردي لا يمحو الوزن الهائل للشهادة الأساسية: أن الدولة التركية – ممثلة بواليها وضباطها وجنودها – كانت أداة الموت الممنهج.

يعترف السرد الشخصي بحدود الشهادة، فالراوية تعلن صراحة أنها لم تشاهد كل شيء بنفسها، بل تعتمد على يوميات زوجها وشهادات معارف موثوقين (مثل صديقها الذي رأى أكوام العظام البيضاء في جبال طوروس وأخبره السائق التركي أنها "عظام الأرمن الملعونين"). يقر الكتاب أيضاً باستثناءات إنسانية نادرة، مثل موظف الشركة حلمي أفندي الذي عامل الأوروبيين بلطف، وأمين الشرطة شاكر أفندي الذي أذن لهم بالخروج من المدرسة الموبوءة. لكن هذه الاستثناءات لا تقدم أي تخفيف من المسؤولية الجماعية المنسوبة للحكومة التركية.

في خاتمة المحاضرة، يتجلى الموقف السياسي الصريح: "شعب سوريا وأرمينيا، نحترم ونقدس فضيلتكم ومعاناتكم وتضحياتكم؛ قلوبنا موجوعة بالاضطهادات التي تحملتموها عبر القرون، وخصوصاً في العصور الحديثة، من عملاء الحكومة التركية القاسية المتعطشة للدماء". تختتم المحاضرة بدعوة مباشرة إلى "مؤتمر السلام في باريس" حيث "سيترنم جميع المتحضرين بنشيد الحرية والسلام لسوريا، بينما سيُكلل جبين أرمينيا الشجاعة التي لا تعرف الخوف بإكليل النصر والسلام".

الكتاب يحمل حجة واضحة قابلة للنقاش: فهو لا يقدم نفسه كتحليل موضوعي بل كشهادة عيان بليغة وعاطفية، تهدف إلى تحريك الرأي العام الدولي لتحقيق أهداف سياسية (تحرير سوريا وأرمينيا). ربما يكون قابلاً للنقاش في اعتماده على التعميم في وصف "الأتراك" كجنس "جاهل وحشيّ لصّ"، مما قد يحجب الفروق الفردية داخل المجتمع التركي. كذلك، فإن الاعتماد الكلي على الرواية الشخصية والمذكرات الخاصة كأساس للحقيقة يجعل من الصعب التثبت من كل التفاصيل الدقيقة (مثل عدد الضحايا اليومي). لكن قوة الكتاب تكمن في كونه وثيقة إنسانية من الدرجة الأولى، تلتقط فظاعة الإبادة الجماعية والمجاعة من خلال عيون من عاشوها، لا من أوراق المحاكم أو المؤرخين، مما يمنحها صدقاً لا يمحوه الزمن.