
The Syrian Orthodox Christians in the Late Ottoman Period and Beyond
يُشكّل كتاب "المسيحيون السريان الأرثوذكس في أواخر العهد العثماني وما بعده" لخالد س. دينو دراسةً تاريخيةً معمّقةً تُحاول الإجابة عن سؤال جوهري: كيف كادت الكنيسة السريانية الأرثوذكسية أن تزول خلال أواخر الحكم العثماني، وكيف استطاعت، بعد كل تلك المآسي، أن تحقق نهضةً واسعة النطاق؟ يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن سرّ صمود هذه الكنيسة وتجدّدها لم يكن نتاج حماية خارجية أو تدخل غربي، بل نبع من آليات داخلية، أبرزها العلاقة الوثيقة بين البطريرك ورعيته، والتمسك بالهوية السريانية واللغوية، والقدرة الفائقة على التكيف مع بيئات جديدة، خاصة في الأراضي العربية بعد الحرب العالمية الأولى. يعتمد الكتاب على مجموعة استثنائية من الوثائق الأرشيفية غير المنشورة التي جمعها المؤلف من مواقع رئيسية هي: دير الزعفران قرب ماردين، وكنيسة في ماردين، والبطريركية السريانية الأرثوذكسية في باب طوما بدمشق، بالإضافة إلى مجموعة ثانوية في دير مار مرقس بالقدس. تشمل هذه الوثائق آلاف الرسائل التي تقدم منظوراً اجتماعياً واقتصادياً فريداً، غالباً ما يُهمله التأريخ التقليدي.
يبدأ الكتاب بوضع الطائفة السريانية في سياقها التاريخي الأوسع ضمن الإمبراطورية العثمانية، مركزاً على نظام الملل كآلية إدارية حكمت علاقات الدولة برعاياها غير المسلمين. يعترف المؤلف بأن مفهوم "نظام الملل" نفسه مثار جدل أكاديمي، إذ يراه بعض الباحثين مجرد أسطورة تأسيسية أو نظاماً تطور لاحقاً. يشرح الكتاب أن السريان الأرثوذكس، إلى جانب كنيسة المشرق والأقباط، كانوا لقرون طويلة ضمن ملة الأرمن، وكان بطريركهم يحتاج إلى وساطة البطريرك الأرمني في القسطنطينية للتواصل مع الباب العالي، خاصة في مسائل تنصيب البطاركة الجدد، مثلما حدث مع البطريرك إلياس الثاني (1838-1847). يثير الكتاب جدلاً حول الادعاء الشائع بأن السريان حصلوا على ملتهم المستقلة عام 1882، ويرى أن هذا الادعاء لا يستند إلى وثيقة تاريخية رسمية قاطعة، ويفسر الإشارات الواردة بأن البطريرك بطرس الثالث (1872-1894) حصل فقط على "حق المقابلة" مع السلطان، مما أتاح له الوصول المباشر إلى الباب العالي دون وساطة الأرمن، لكن هذا لا يرقى بالضرورة إلى منح ملة مستقلة رسمياً.
يكرس الكتاب مساحةً واسعة لوصف التحديات الكبرى التي واجهتها الكنيسة في القرن التاسع عشر، وهي فترة وصفها المؤلف بأنها فترة تراجع وصعوبات كبيرة، جعلت الكنيسة "ظلاً لما كانت عليه" في أيام مجدها السابقة. يحدد الكتاب ثلاثة تحديات رئيسية: أولاً، التحول إلى الكاثوليكية الذي بدأ في القرن السابق في مراكز مثل حلب ودمشق والموصل. ثانياً، وصول البعثات البروتستانتية التي أضافت تحدياً خارجياً آخر. وثالثاً، ظهور أزمة داخلية مع كنيسة الهند في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حيث تبين أن شخصاً قد رُسّم أسقفاً في دير الزعفران بناءً على أوراق اعتماد مزورة، بتشجيع من الجمعية التبشيرية الكنسية (الذراع التبشيري للكنيسة الأنجليكانية). يقدم المؤلف تحليلاً دقيقاً للعلاقة المتعثرة بين بطريركية أنطاكية للسريان الأرثوذكس وكنيسة إنجلترا، موضحاً كيف أن هذه العلاقة، التي بدأت بدوافع دينية وتعليمية، تحولت إلى ساحة من الصراع على السلطة والمصالح الاستعمارية. يصف المؤلف كيف أن بعض المبشرين الإنجليكانيين لم يروا في الكنيسة السريانية سوى "كنيسة مخدوعة" تحتاج إلى "إصلاح"، مما أدى إلى انقسامات عميقة في الكنيسة في كيرالا جنوب الهند.
تتصاعد وتيرة المأساة مع الانتقال إلى الحديث عن العنف والاضطهاد. يصف الكتاب كيف أن الضغوط الأوروبية على الدولة العثمانية لإجراء إصلاحات للأرمن، خاصة بعد حرب 1877-1878، تسببت بقلق عميق بين المسلمين والأكراد، مما زاد من حدة التوتر الطائفي. يورد المؤلف تقديرات بأن ما لا يقل عن 200,000 أرمني فقدوا حياتهم خلال الأعوام 1894-1896. ويؤكد أن هذه المذابح، رغم كونها موجهة في المقام الأول ضد الأرمن، تحولت بسرعة إلى تهديد وجودي لجميع المسيحيين، بمن فيهم السريان الأرثوذكس الذين لم يكن لهم أي مصلحة سياسية أو قومية مع الأرمن. يصف الكتاب مذبحة ديار بكر في أواخر 1895، حيث خرج الأكراد من المساجد وهم يهتفون "محمد صلوات"، وهاجموا الأحياء المسيحية. يورد مقتطفات من رسائل بالغة الأسى تصل إلى البطريرك، تصف كيف تعرضت القرى للتدمير والنهب، وكيف أُرغم المسيحيون على اعتناق الإسلام، وكيف تم اختطاف النساء والأطفال. بلغت هذه المآسي ذروتها في الإبادة الجماعية للحرب العالمية الأولى، والتي يعتبرها الكاتب إبادة جماعية قضت على ما يقرب من ثلثي السكان السريان في موطنهم التاريخي بالأناضول، وأجبرت الناجين على النفي في الأراضي العربية إلى الجنوب. يصف المؤلف كيف أن ضعف القيادة في تلك الفترة الحرجة، وتحديداً حالة البطريرك عبد المسيح (1895-1904) الذي أصيب بصدمة من الأحداث وأهمل رعيته، كاد أن يقضي على الكنيسة سياسياً وروحياً، مما جعل التحول إلى الكاثوليكية أو البروتستانتية يبدو خياراً معقولاً للكثيرين.
عند هذه النقطة، يحدث تحول جذري في السرد. ينتقل الكتاب من وصف الأزمة الوجودية إلى وصف النهضة غير المتوقعة. يرى المؤلف أن الشتات القسري بعد الإبادة الجماعية، بدلاً من أن يكون النهاية، أصبح بداية جديدة. فالمسيحيون السريان الذين نزحوا من الأناضول إلى سوريا والعراق وفلسطين وجدوا أنفسهم في بيئة عربية إسلامية أكثر تسامحاً نسبياً. ويُسلط الكتاب الضوء بشكل خاص على دور مدينة الموصل التي كانت مركزاً للثقافة والتعليم. في الوطن العربي الجديد الناشئ، وخاصة في ظل القومية العربية، وجدوا فرصة للانخراط كمواطنين متساوين، بعكس التهميش الذي عانوه في تركيا. يقدم الكتاب قصة عائلة عبد الله سليمان كدليل حي على هذه الفرص؛ فابن لعائلة سريانية أرثوذكسية من الموصل يدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، ليصبح لاحقاً طبيباً ويؤسس جمعية حماية الطفل العراقية، بينما يصبح شقيقه أبو السعود داؤد كاس أول عميد لكلية الهندسة في جامعة بغداد عام 1943.
يحدد الكتاب أربعة دوافع رئيسية كانت وراء هذه النهضة. أولاً، الخصائص الموروثة للكنيسة، وتشمل ارتباطها التاريخي بمدينة أنطاكية حيث دُعي أتباع المسيح مسيحيين أولاً، وتراثها الثقافي السرياني/الآرامي العريق، ونموذج الاستشهاد بدءاً من إغناطيوس النوراني، وخبرة البقاء تحت الحكم الإسلامي التي أكسبتها مرونة كبيرة. ثانياً، البيئة الجديدة الداعمة التي وجدها السريان المهجرون في سوريا والعراق. ثالثاً، مسؤولية الكنيسة تجاه أتباعها الكثر في الهند، والذين يفوق عددهم أتباعها في الشرق الأوسط، مما خلق حافزاً إضافياً للتعافي. وأما الدافع الرابع والأكثر حسماً، فهو ظهور نواة من المصلحين المتحمسين، وعلى رأسهم البطريرك أفرام الأول برصوم (1887-1957)، ويوليا ن دولاباني، ونعمة الله دنو. يصف المؤلف البطريرك أفرام الأول برصوم بأنه عالم موسوعي أنتج أعمالاً في اللاهوت والتاريخ واللغة، وأشهرها كتابه "اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية"، ويصف كيف أن جهوده أوقفت "كابوس السنين العجاف"، وأن عمره السبعين عاماً عوضت خسارة سبعمئة عام من الجمود الفكري.
يصف الكتاب معالم النهضة العملية، والتي شملت إعادة توطين اللاجئين وبناء الكنائس، وإنشاء معهد إكليريكي لتعليم رجال الدين (معهد مار أفرام اللاهوتي في زحلة بلبنان عام 1939)، وإدارة مدارس عامة مثل مدرسة مار توما في الموصل، وتطوير الطباعة ونشر الكتب الطقسية لأول مرة بدلاً من المخطوطات، وترجمة النصوص الليتورجية والتراتيل من السريانية إلى العربية استجابةً لانتشار المعرفة بالعربية بين الجيل الجديد، وأخيراً استعادة الاسم التاريخي للكنيسة (السريانية الأرثوذكسية) بدلاً من الأسماء التي أطلقها عليهم خصومهم مثل "اليعاقبة". يخلص الكتاب إلى أن هذه النهضة قادت إلى زيادة عدد الأبرشيات من ثمانية إلى ما يزيد عن ثمانية وأربعين، ممتدة من السويد والهند إلى الأميركتين وأستراليا.
يقر المؤلف بحدود معرفية في عدة مواضع، خاصة فيما يتعلق بعدم وجود دليل أرشيفي قاطع على منح ملة مستقلة للسريان عام 1882، أو على تدخل الباب العالي لعزل البطريرك عبد المسيح قبل أن تطلب الجماعة ذلك بنفسها. من أبرز الحجج القابلة للنقاش في الكتاب هو التركيز الشديد على شخصية البطريرك أفرام برصوم كـ"بطل خارق" للنهضة، مما قد يلقي بظلاله على الأدوار الجماعية والمؤسسية الأخرى. كما أن افتراض أن هوية الكنيسة "الآبائية" وذاكرة الاستشهاد كانتا كافيتين بمفردهما لتوليد حافز إحيائي قوي، دون الخوض في دور العوامل الاقتصادية المباشرة أو تأثير التحديث العلماني، يظل مجالاً للتساؤل. يختتم الكتاب بإشارة إلى التحديات المعاصرة، وعلى رأسها الحرب في سوريا والعراق وصعود التطرف، مما يطرح تساؤلاً وجودياً حول استمرارية المسيحية السريانية في مهدها التاريخي، ويترك السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت النهضة في الشتات كافية لتعويض الخسائر الفادحة في الأرض الأم.
Personnes
Chapitres(7)
1.21–64▼ résumé
يبدأ هذا الفصل التمهيدي من كتاب "المسيحيون السريان الأرثوذكس في أواخر العهد العثماني وما بعده" للكاتب خالد س. دينو بتحديد هدفين رئيسيين: أولاً، تحليل الأحداث البارزة التي كادت تؤدي إلى زوال الكنيسة السريانية الأرثوذكسية خلال أواخر العهد العثماني، وثانياً، دراسة ظاهرة نهضتها اللاحقة. يعتمد الكتاب على مجموعة استثنائية من الوثائق الأرشيفية من مواقع رئيسية هي: دير الزعفران قرب ماردين، وكنيسة في ماردين والبطريركية السريانية الأرثوذكسية في باب طوما بدمشق، بالإضافة إلى مجموعة ثانوية في دير مار مرقس بالقدس. توفر هذه الوثائق، التي تتكون من آلاف الرسائل، منظوراً اجتماعياً واقتصادياً قيماً غالباً ما يتم تجاهله، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع القبائل الكردية، والانقسامات الداخلية في الكنيسة، وعدم الاستقرار السياسي في المنطقة.
يقدم الفصل خلفية تاريخية شاملة للكنيسة السريانية الأرثوذكسية، متتبعاً جذورها إلى الكنيسة الأولى في أنطاكية حيث دعى المسيحيون أولاً بهذا الاسم. يوضح الكاتب كيف أن الانقسامات الكريستولوجية الكبرى، مثل مجمع خلقيدونية في عام 451 م، أدت إلى انفصال الكنيسة السريانية (الميافيزية) عن الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والإمبراطورية البيزنطية. يلعب كل من الدين والسياسة دوراً محورياً؛ فبينما تعرض الميافيزيون للاضطهاد من قبل البيزنطيين، وجدوا ملاذاً وحرية نسبية تحت حكم الساسانيين في بلاد فارس الذين رأوا فيهم حلفاء محتملين ضد أعدائهم المشتركين. يسلط الفصل الضوء على دور شخصيات محورية مثل يعقوب البرادعي (القرن السادس الميلادي) الذي أعاد بناء التسلسل الهرمي للكنيسة خلال فترة اضطهاد شديد، والذي اشتق منه اسم "اليعاقبة" الذي أطلقه خصومهم عليهم.
يتناول الفصل فترة العصور الوسطى، شارحاً كيف تمكنت الكنيسة، رغم اضطهادها تحت الحكم البيزنطي، من الازدهار ثقافياً في العصر الذهبي للسريانية (من القرن السادس إلى التاسع). يبرز دور الرهبنة والأديرة كمراكز للحفظ الثقافي والتعليم. مع ظهور الإسلام في القرن السابع، تغير وضع المسيحيين من "هراطقة" عند البيزنطيين إلى "ذميين" تحت الحكم الإسلامي. تولى السريان أدواراً مهمة كأطباء وكتبة وفي حركة الترجمة من اليونانية إلى السريانية ثم إلى العربية، خاصة في العصر العباسي ببغداد، حيث برز بطريرك مثل ديونيسيوس التلمحري (817-845). ثم يستعرض الفصل التحديات التي واجهتها الكنيسة خلال فترة الحروب الصليبية والغزوات المغولية، وكيف أن قادة مثل نور الدين زنكي وأحداثاً مثل سقوط الرها (إديسا) في 1146 أدت إلى مذابح مروعة في صفوف المسيحيين، بينما أظهر سلاطين مثل قلج أرسلان الثاني مواقف مغايرة بالتسامح والتكريم للبطريرك ميخائيل الكبير.
أخيراً، يختتم الفصل بالحديث عن الفترة المتأخرة من الحكم العثماني، حيث يصف كيف أن المجتمع السرياني الأرثوذكسي، الذي كان يتركز في جنوب شرق الأناضول وشمال العراق والشام، وجد استقراراً نسبياً في ظل نظام الملة العثماني. لكن هذا الاستقرار تقوض بسبب ثلاثة عوامل رئيسية: التغلغل الأوروبي المتزايد، خاصة النشاط التبشيري؛ وعدم الاستقرار السياسي؛ ونمو القوميات التركية والعربية. يشير الفصل إلى أن أعمال العنف التي استهدفت الأرمن في عام 1895 طالت السريان أيضاً، وكانت مقدمة للمذابح الأشد فظاعة التي حدثت خلال الحرب العالمية الأولى، والتي يعتبرها الكاتب إبادة جماعية قضت على ما يقرب من ثلثي السكان السريان في موطنهم التاريخي بالأناضول وأجبرت الناجين على النفي في الأراضي العربية إلى الجنوب. ويختتم الفصل بالإشارة إلى أن هذه المأساة كانت بمثابة فاتحة لعهد جديد ومفاجئ من النهضة والبعث للكنيسة، وهو موضوع سيتناوله الكتاب بالتفصيل.
1.الفصل الأول: تحت مظلة الدولة العثمانية: نظام الملل وتطوره65–108▼ résumé
يبدأ هذا الفصل بوضع الطائفة السريانية الأرثوذكسية في سياقها التاريخي الأوسع ضمن الإمبراطورية العثمانية، مركزاً على نظام الملل كآلية إدارية حكمت علاقات الدولة برعاياها غير المسلمين. يقدم المؤلف إطاراً تاريخياً للموضوع، معترفاً بأن مفهوم "نظام الملل" ذاته مثار جدل أكاديمي، إذ يراه بعض الباحثين مجرد أسطورة تأسيسية أو مفهوم تطور لاحقاً بدلاً من أن يكون نظاماً مقنناً منذ البداية.
يتناول الفصل تطور نظام الملل عبر أربع مراحل رئيسية كما يراها المؤرخ هالي إينالجيك، بدءاً من سياسة الاستمالة في فترة الفتح، مروراً بمرحلة المركزية بعد فتح القسطنطينية عام 1453، ثم فترة اللامركزية في القرن السابع عشر، وأخيراً مرحلة الإصلاحات في القرن التاسع عشر والتي تضمنت مراسيم التنظيمات (خاصة 1839 و1856) والتي هدفت إلى إعادة تعريف مكانة غير المسلمين، وإن ظل الإطار النظري القديم للنظام مصدراً للإلهام رغم تغير ملامحه العملية.
يناقش المؤلف أصول الملل الثلاث الأصلية: الروم (الأرثوذكس اليونانيون)، والأرمن، واليهود، ويبين كيف أن قصص تأسيسها غالباً ما تُروى بطريقة أسطورية، كما يوضح اختلاف المؤرخين حولها. على سبيل المثال، يذكر الادعاءات بأن السلطان محمد الثاني منح امتيازات خاصة لقادة هذه الطوائف، بينما يرى باحثون مثل بنجامين برود أن هذه القصص تفتقر إلى الأدلة الموثقة. يركز الفصل بعد ذلك على مكانة الملة الرومية المهيمنة، والتي قادها البطريرك المسكوني لكنها عانت من التوترات بسبب هيمنة العنصر اليوناني على حساب الطوائف الأخرى داخلها، كالسريان والعرب، مما أدى إلى استياء متزايد.
مع القرن التاسع عشر، يشرح الفصل كيف أدى صعود القوميات في البلقان وتأثر الطوائف المسيحية بالأفكار الغربية إلى إضعاف الروابط التقليدية داخل نظام الملل، خاصة بعد حرب الاستقلال اليونانية (1821-1832). ويخصص الفصلاً هاماً لدور البعثات التبشيرية الغربية، الكاثوليكية والبروتستانتية، كعامل رئيسي في تغيير المشهد الديني والطائفي. توضح الأقسام كيف أن هذه البعثات، المدعومة من دولها (كفرنسا والنمسا للكاثوليك، وبريطانيا والولايات المتحدة للبروتستانت)، استغلت نظام الملل لخلق انقسامات داخل الكنائس الشرقية القديمة، مما أدى إلى ظهور كنائس موحدة مع روما (كالكاثوليك السريان عام 1843 والكلدان عام 1844) وطوائف بروتستانتية جديدة (عام 1850). يذكر الفصل كيف أن هذا النشاط التبشيري، رغم زعمه أهدافاً دينية، كان جزءاً من المنافسة الإمبريالية الأوروبية التي قوضت السيادة العثمانية وأضعفت التماسك الاجتماعي بين الطوائف.
أما القسم الأخير من الفصل فيركز تحديداً على السريان الأرثوذكس وعلاقتهم بنظام الملل. يوضح أنهم، مع الكنيسة المشرقية (النسطورية) والأقباط، كانوا ضمن ملة الأرمن لقرون. يقدم الفصل أدلة على هذه التبعية، مشيراً إلى أن بطريرك السريان الأرثوذكس كان يحتاج إلى وساطة البطريرك الأرمني في القسطنطينية للتواصل مع الباب العالي، خاصة في مسائل تنصيب البطاركة الجدد، مثلما حدث مع البطريرك إلياس الثاني (1838-1847). يذكر المؤلف أن أوضاع الكنيستين السريانية والمشرقية اختلفت لأسباب منها الاختلاف في علاقتهما التاريخية مع الأرمن وطبيعة الخلافة البطريركية (وراثية في الكنيسة المشرقية، بالانتخاب في السريانية).
يخصص الفصل نقاشاً مطولاً حول الادعاء الشائع بأن السريان الأرثوذكس حصلوا على ملتهم المستقلة عام 1882. يرى المؤلف أن هذا الادعاء، الذي استشهد به باحثون واستند إلى مؤرخين مثل سيلبرناغل الذي اعتمد على إدوارد زاخاو، لا يستند إلى وثيقة تاريخية رسمية قاطعة. بدلاً من ذلك، يفسر المؤلف الإشارات الواردة من أوزوالد باري وغيره بأن البطريرك بطرس الثالث (1872-1894) حصل فقط على "حق المقابلة" مع السلطان، مما يعني إمكانية الوصول المباشر إلى الباب العالي دون وساطة الأرمن، لكن هذا لا يرقى بالضرورة إلى منح ملة مستقلة رسمياً. وبذلك، يترك الفصل هذا السؤال مفتوحاً للنقاش والتحقيق.
في ختام الفصل، يمكن القول إن المؤلف يقدم تحليلاً دقيقاً لمكانة السريان الأرثوذكس المتقلبة تحت الحكم العثماني، واضعاً إياهم في سياق التحديات الكبرى التي واجهتها جميع الطوائف المسيحية الشرقية، من ضغوط الانقسام الطائفي المدعوم من القوى الأوروبية، إلى صعود القوميات، وأخيراً العنف المأساوي الذي تعرضوا له في نهاية الدولة العثمانية، خاصة في الفترة من 1895 وحتى الحرب العالمية الأولى.
2.الفصل الثاني: الأرثوذكسية السريانية في القرن التاسع عشر109–156▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل مدخلاً تاريخياً وجغرافياً لفهم حالة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي سبقت الأحداث المفصلة في فصول لاحقة. يصف المؤلف هذه الحقبة بأنها فترة تراجع وصعوبات كبيرة للكنيسة، التي كانت قد خرجت من قرون من الاضطهاد تحت حكم سلالات ما بعد المغول والعثمانيين، مما جعلها "ظلاً لما كانت عليه" في أيام مجدها السابقة، وخصوصاً في القرن الثالث عشر. يحدد الفصل التحديات الرئيسية التي واجهتها الكنيسة:首先是 التحول إلى الكاثوليكية الذي بدأ في القرن السابق في مراكز رئيسية مثل حلب ودمشق وحمص والموصل، وتزايدت حدته خلال معظم القرن التاسع عشر. ثم وصول البعثات البروتستانتية التي أضافت تحدياً خارجياً آخر. أخيراً، ظهرت أزمة داخلية مع كنيسة الهند في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حيث تبين أن شخصاً قد رُسّم أسقفاً في دير الزعفران بناءً على أوراق اعتماد مزورة، وكان ذلك بتشجيع من الجمعية التبشيرية الكنسية (الذراع التبشيري للكنيسة الأنجليكانية) كجزء من خطتهم لتحويل السريان الأرثوذكس في الهند إلى البروتستانتية. تطورت هذه القضية إلى مشكلة كبرى، مما دفع البطريرك بطرس الثالث لزيارة الهند عام 1875 لحلها، وكانت هذه أول زيارة يقوم بها بطريرك سرياني أرثوذكسي خارج الشرق الأوسط.
ينتقل الفصل إلى وصف الوضع غير الآمن في جنوب شرق الأناضول، حيث عاش معظم السريان الأرثوذكس، وكانت قراهم وبلداتهم تحت رحمة القبائل الكردية المعتدية. يذكر تعرض دير الزعفران، المقر البطريركي، للاحتلال من قبل الأكراد. كما يشير إلى أعمال العنف الوحشية التي ارتكبتها جماعات مثل بدر خان (حاكم كردي إقطاعي سيئ السمعة) في أربعينيات القرن التاسع عشر، وأعمال النهب التي قامت بها الحكومة العثمانية. ومع ذلك، يرى المؤلف أن أسوأ الفظائع كانت تلك التي بدأت عام 1895 (مذابح الحميديين). ويشير إلى أنه على الرغم من أن القوى الأوروبية (مثل بريطانيا) تدخلت أحياناً بناءً على أسس دينية، فإن هذا التدخل كان محدوداً وغالباً ما كان قائماً على مصالح متبادلة، مما وفر بعض الفرص للصالح، مثل الحصول على تعليم ومرافق محسنة مقابل التعاون.
لتقديم هذه الصورة، يعتمد الفصل أولاً على مصادر منشورة، خاصةً روايات الرحالة المعاصرين مثل هوراشيو سوثغيت (مبعوث الكنيسة الأسقفية الأمريكية) وأوزوالد باري (الذي زار المنطقة عام 1892 لتفقد المدارس). ثانياً، والأهم، يعتمد الفصل لأول مرة على تحليل نحو 3,700 رسالة أرشيفية غير منشورة من الأرشيف البطريركي في دير الزعفران وماردين والقدس وباب توما (دمشق). هذه الرسائل، التي أرسلها أفراد وجماعات إلى البطاركة، تغطي مجموعة واسعة من الموضوعات التي أثرت على حياتهم، وتوفر نافذة فريدة على تاريخ هذه المجتمعات.
يصف الفصل بالتفصيل التوزيع الجغرافي للمجتمع السرياني الأرثوذكسي. كان معظمهم يعيش في محافظة ديار بكر في الأناضول، وخصوصاً في منطقة طور عابدين ("قلب التقليد السرياني")، والتي تضم مدناً مثل ماردين ومديات ونصيبين. في سوريا، تركزوا في حلب ودمشق وحمص، وفي العراق، سكنوا بشكل أساسي في الموصل وسهل نينوى (بما في ذلك بخديدا/قره قوش وبرطلة وباعشيقة وبحزاني). يقدم الفصل جدولاً إحصائياً يعود لعام 1872، يشير إلى أن إجمالي عدد السريان الأرثوذكس في الشرق الأوسط كان حوالي 237,880 نسمة، موزعين على 20 أبرشية، معظمها في طور عابدين.
يتعمق الفصل في تاريخ طور عابدين، مشيراً إلى أهميتها كمنطقة جبلية حافظت على التقاليد السريانية والأديرة العريقة مثل دير مار جبرائيل ودير مار أوجين. يستعرض معاناة السكان تحت حكم السلالات الكردية الإقطاعية التي بدأت حوالي عام 1300 واستمرت حتى منتصف القرن التاسع عشر، والتي تجلت في هجمات بدر خان وعز الدين شير. ويسرد حادثة مروعة من رواية سوثغايت عن اغتيال المطران عبد الأحد على يد أتباع بدر خان. كما يشير إلى انفصال طور عابدين إلى بطريركية منفصلة بين عامي 1364 و1839، وهو انشقاق استمر 475 عاماً، مما يعكس حالة التدهور في الكنيسة آنذاك.
يستعرض الفصل أيضاً الإحصائيات السكانية العثمانية من سجلات السالنامات (الكتب السنوية الرسمية) لمدينة ديار بكر في سبعينيات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي تظهر أن السريان الأرثوذكس كانوا ثاني أكبر طائفة غير مسلمة في المدينة بعد الأرمن الأرثوذكس. وينتقل بعدها إلى الملف اللغوي للمجتمع، موضحاً أن اللغة العربية كانت اللغة السائدة في سوريا والعراق، بينما تنوعت اللهجات في الأناضول بين الطوروية (لهجة آرامية جديدة) والتركية والكردية والأرمنية. أما في المراسلات الرسمية والكنسية، فكانت الكتابة بالعربية بحروف سريانية (الكرشوني) وبالتركية العثمانية هي السائدة.
يختتم الفصل بتفصيل منهجية تحليل الرسائل الأرشيفية. يوضح أن تحليل هذه المجموعة الضخمة من الرسائل (نحو 3,700) كان يهدف للحصول على صورة تمثيلية عامة لحالة الكنيسة والمجتمع، من خلال فحص المعايير التالية: الفترة الزمنية (مقسمة حسب فترة حكم كل بطريرك)، هوية المرسل، الموقع الجغرافي (على الرغم من صعوبة تحديده أحياناً بسبب الغموض أو تغيير الأسماء التركية لاحقاً)، موضوع الرسالة (والذي شمل قرابة 24 موضوعاً مثل تقارير رجال الدين، الشكاوى، القضايا المالية، النزاعات مع الجيران، والأمن العام)، وأخيراً لغة المراسلة. يذكر الفصل تحفظاً مهماً: أن هذه الدراسة يمكن أن تكون مجرد بداية، إذ أن معالجة هذه المجموعة الهائلة بالكامل تتطلب مشروعاً طويل الأمد.
3.الفصل الثالث: أنطاكية، كانتربري والهند157–182▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على العلاقة التاريخية بين بطريركية أنطاكية للسريان الأرثوذكس وكنيسة إنجلترا الأنجليكانية، مع التركيز بشكل خاص على أوضاع الكنيسة السريانية في جنوب الهند. يوضح المؤلف أن هذه العلاقة، التي بدأت بدوافع دينية وتعليمية، سرعان ما تحولت إلى ساحة من المصالح السياسية والصراع على السلطة، مما أدى إلى انقسامات عميقة داخل الكنيسة السريانية في الهند وخيبة أمل للبطاركة السريان في مساعيهم للحصول على دعم حقيقي.
يبدأ الفصل بخلفية تاريخية موجزة عن المسيحية السريانية في كيرالا جنوب الهند، والتي يعود تقليدها إلى القديس توما الرسول الذي يُعتقد أنه وصل إلى موزيريس حوالي عام 52 ميلادي. يشير المؤلف إلى وجود تواصل مستمر بين كنائس الهند وكنائس الشرق الأوسط، ولا سيما أنطاكية، حيث كان يتم إرسال الأساقفة السريان لرعاية المؤمنين هناك. ومع ذلك، فإن وصول الأسطول البرتغالي بقيادة فاسكو دي غاما في عام 1503، وما تبعه من ممارسات توفيقية قسرية من قبل البرتغاليين الكاثوليك، مثّل نقطة تحول صعبة.
يتناول الفصل بالتفصيل مجمع ديامبير عام 1599، حيث استخدم البرتغاليون القوة والإكراه، بما في ذلك محاكم التفتيش وحرق الكتب السريانية الليتورجية، لإخضاع مسيحيي مالابار للسلطة البابوية في روما. يصف المؤلف كيف كانت هذه الإجراءات القاسية جزءاً من حملة لقطع الصلة بينهم وبين تراثهم السرياني الذي دام 1300 عام. كرد فعل، وفي عام 1653، اجتمع المؤمنون في كنيسة القديس توما في ماتانشيري وأقسموا سراً على التمسك بتقاليدهم، مما أدى لاحقاً إلى وصول المطران مار غريغوريوس عبد الجليل آل موصلي من بطريركية أنطاكية في عام 1665، لإعادة تأكيد الارتباط التاريخي لكنيسة الهند بأنطاكية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى العلاقة مع كنيسة إنجلترا، والتي بدأت باهتمام متزايد في أوائل القرن التاسع عشر، وتحديداً بعد نشر كلوديوس بوكانان لكتابه "الأبحاث المسيحية في آسيا" الذي لفت الأنظار إلى الكنيسة السريانية الأرثوذكسية. هذا الاهتمام، الذي تبنته جمعية الإرساليات الكنسية، لم يكن خالصاً للتعاون الديني، بل كان مشوباً بأهداف استعمارية وإصلاحية. يجادل الفصل بأن بعض المبشرين الإنجليكانيين لم يروا في الكنيسة السريانية سوى "كنيسة مخدوعة" تحتاج إلى "إصلاح" وتنصير على الطريقة البروتستانتية. هذا التوجه أدى مباشرة إلى أزمة عميقة وخلاف حول السلطة الكنسية، حيث دعم الإنجليكان المطران المتمرد متى أثناسيوس ضد البطريرك الشرعي في أنطاكية والمطران ديونيسيوس الرابع، مما مزّق الكنيسة في الهند عبر عقود من النزاعات القانونية والانقسامات.
يخصص الفصل جزءاً كبيراً لزيارة البطريرك بطرس الثالث إلى لندن في عام 1874، متوجهاً بعد ذلك إلى الهند. يشرح المؤلف الأسباب الرئيسية لهذه الزيارة، كما وردت في رسائل البطريرك والمذكرات الرسمية، وهي: الحصول على اعتراف من الحكومة البريطانية بسلطته الكنسية على السريان في جنوب الهند، وطلب المساعدة المادية والمعنوية لتعزيز التعليم وإحياء الكنيسة. لكن البطريرك اصطدم بجدار من الرفض وعدم المبالاة من قبل رئيس أساقفة كانتربري، أرشيبالد تيت، الذي كان قد انحاز بالفعل إلى المطران أثناسيوس بناءً على مشورة السلطات الكنسية والمدنية البريطانية في الهند. يقدّم الفصل وثيقة داخلية من أرشيف مكتبة لامبث بالاس، عنوانها "قضية البطريرك السرياني للكنيسة الأنطاكية موضحة بوضوح"، والتي تتهم المبشرين الإنجليكانيين، وبالتحديد جمعية الإرساليات الكنسية، بأنهم هم المتسببون الرئيسيون في الانشقاق والمشاكل في كنيسة الهند، وأنهم زرعوا الفتنة والانقسام بدعم من السلطات البريطانية. على الرغم من أن التقرير أنصف حق البطريرك في العزل وأدان تدخل البريطانيين، إلا أن رئيس الأساقفة تيت ظل متصلباً في موقفه، وباءت مساعي البطريرك التعليمية بالفشل أيضاً، حيث رفضت جمعية نشر المعرفة المسيحية اتخاذ أي إجراء عملي بعد لجان تشاورية لم تسفر عن شيء.
يتابع الفصل هذه العلاقة المتعثرة مع البطاركة اللاحقين مثل عبد المسيح وعبد الله، الذين قوبلت طلباتهم للمساعدة التعليمية بالرفض المتكرر أو الجمود من قبل خلفاء تيت، مثل رئيس الأساقفة فريدريك تيمبل وراندال ديفيدسون. حتى زيارة البطريرك عبد الله المطولة للندن بين عامي 1908 و 1909، والتي تزامنت مع حوار لاهوتي حول الاعتراف المتبادل بين الكنيستين، انتهت دون نتائج عملية. يلاحظ المؤلف أن البطريرك عبد الله رفض التصديق على وثيقة اللقاءات اللاهوتية التي تمت مع أسقف سالزبوري، مستنكراً "الطابع البروتستانتي" للإجابات المنسوبة إليه من قبل المترجم الإنجليزي، ومشيراً في تصريح صحفي إلى أن عقبة رئيسية هي موقف "كنيسة إنجلترا المنخفضة" (ذات الميال البروتستانتي).
في القسم الختامي من الفصل، يناقش المؤلف نظرية طرحها الباحث وليام تايلور حول إمكانية أن يكون إصدار البابا لمرسوم "Apostolicae Curae" عام 1896 والذي أعلن بطلان الرسامات الأنجليكانية، قد دفع كنيسة إنجلترا للبحث عن اعتراف من الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، ومنها السريانية، لتأكيد شرعيتها الرسولية. ومع ذلك، يرفض المؤلف هذه الفرضية بشكل قاطع، مشيراً إلى أن المصادر السريانية الأرثوذكسية (كتب، مجلات، وثائق أرشيفية) لم تتناول موضوع الاعتراف المتبادل هذا مطلقاً. ويخلص إلى أن أي حوار لاهوتي بين الكنيستين كان مدفوعاً في النهاية بالمصالح السياسية البريطانية المتغيرة. فمع اقتراب الحرب العالمية الأولى، وتغير أولويات بريطانيا الإمبريالية وتوجهها نحو الآشوريين ثم تراجع ذلك الاهتمام، توقف كل تواصل تقريباً، ليتجدد بشكل محدود للغاية دون أي انفراجة، عام 1919 عندما كان البطريرك إفرام الأول برصوم في لندن لحضور مؤتمر باريس للسلام.
بعد فشل مساعيه في لندن، يصف الفصل جهود البطريرك بطرس أثناء زيارته الطويلة للهند (استغرقت سنتين)، حيث تمكن من فرض إصلاحات كنسية هامة، أهمها تأكيد حرم المطران أثناسيوس، والحصول على مراسيم من حكام المناطق الهندية تؤكد سلطة أنطاكية التاريخية، وعقد سينودس مولانثوروثي عام 1876 الذي نظم الكنيسة بإقامة سبعة أبرشيات ومجالس إدارية. لكن هذه الاستقرارية لم تدم طويلاً، فسرعان ما عادت الانقسامات لتظهر مجدداً في عهد خلفائه، حيث حاول بعض المطارنة في الهند الحصول على درجة من الاستقلالية أو حتى سلطة شبيهة بسلطة الكاثوليكوس، مما أدى إلى نزاعات جديدة وحرمان كنسي، كما حدث مع المطران ديونيسيوس جوزيف في عام 1912.
5.الفصل الخامس: المذابح والنزوح – من سيفو إلى الأمان185–276▼ résumé
بدأ الفصل بالحديث عن السياق السياسي المضطرب الذي مهّد لأحداث العنف ضد المسيحيين في الدولة العثمانية أواخر القرن التاسع عشر. ركز المؤلف على الضغوط الأوروبية بعد حرب 1877-1878 بين روسيا والعثمانيين، والتي أسفرت عن معاهدة برلين ووعد بإصلاحات للأرمن. يشير المؤلف إلى أن هذه الضغوط، لا سيما من بريطانيا التي كانت تخشى النفوذ الروسي الممتد إلى 150,000 جندي في القوقاز، لم تكن بدافع إنساني محض، بل لحماية المصالح الاستراتيجية. في المقابل، تسبب ذلك بقلق عميق بين المسلمين، خصوصاً الأكراد، الذين رأوا في هذه المطالب الأوروبية تهديداً لسيادتهم، مما زاد من حدة التوتر الطائفي. كما يوضح الفصل كيف أن تدفق اللاجئين المسلمين من البلقان والقوقاز إلى الأناضول، بعد الحروب مع روسيا، زاد من عدم الاستقرار، وجلب معه موجة من العداء تجاه المسيحيين المحليين.
ثم ينتقل الفصل إلى الأحداث المباشرة، مخصصاً جزءاً كبيراً لوصف أعمال العنف التي بدأت في يوليو 1894 في منطقة ساسون، والتي أدت إلى تدمير 25 قرية ومقتل نحو 20,000 شخص. تبع ذلك مجزرة في إسطنبول في سبتمبر 1895 راح ضحيتها قرابة 10,000 أرمني، ليتوسع نطاق العنف ليشمل كامل الأنثناء الشرقية. يورد المؤلف، نقلاً عن سانجيان، تقديرات بأن ما لا يقل عن 200,000 أرمني فقدوا حياتهم خلال الأعوام 1894-1896، وأصبح أكثر من نصف مليون بلا مأوى. يشرح المؤلف أن هذه المذابح كانت موجهة في المقام الأول ضد الأرمن بسبب طموحاتهم الوطنية، لكنها تحولت بسرعة إلى تهديد وجودي لجميع المسيحيين، بمن فيهم السريان الأرثوذكس الذين لم يكن لهم أي مصلحة سياسية أو قومية مع الأرمن. يؤكد المؤلف أن كل من المصادر العثمانية والمبشرين الغربيين ميزت بوضوح بين الجماعتين، مشيرة إلى أن السريان كانوا "رعايا مخلصين" للسلطان و"غير منحرفين" عن الحكومة.
يخصص القسم التالي من الفصل لسرد تفصيلي لعمليات العنف ضد الطوائف المسيحية غير الأرمنية، مع التركيز على السريان الأرثوذكس، وذلك من خلال ثلاث مجموعات من المصادر: روايات شهود عيان، وتقارير مبشرين، ووثائق أرشيفية من دير الزعفران. يصف المؤلف كيف بدأت أعمال العنف في ديار بكر في أواخر 1895، حين خرج الأكراد من المساجد وهم يهتفون "محمد صلوات" (الصلاة على محمد)، ليبدأوا هجوماً استمر عدة أيام. تذكر إحدى الروايات أن بطريرك السريان آنذاك، عبد المسيح الثاني، الذي كان في ديار بكر، استطاع الحصول على مرسوم سلطاني بالحماية، لكن الرسول الذي أُرسل لتبليغه قُتل في الطريق. ازدحمت الكنائس باللاجئين، وأصبحت كنيسة "مريمانا" مثل سفينة نوح. يورد الفصل مقتطفات من رسائل بالغة الأسى كانت تصل إلى البطريرك، تصف كيف تعرضت القرى للتدمير والنهب، وكيف أُرغم المسيحيون على اعتناق الإسلام، وكيف تم اختطاف النساء والأطفال، وكيف كان الأهالي يموتون جوعاً وبرداً بعد حرق منازلهم.
بعد وصف المذابح، ينتقل الفصل لمناقشة تبعاتها، مركزاً على حالة البطريرك عبد المسيح الثاني. يوضح أن أحداث العنف الهائلة التي وقعت في بداية عهده كانت محورية في تعريف فترة حكمه. وبسبب عجزه عن حماية شعبه، تآكل الإيمان بقوة البطريركية كمؤسسة حامية، مما أدى إلى زيادة الهجرات إلى الكاثوليكية والبروتستانتية التي نظر إليها البعض على أنها أكثر قدرة على تقديم الدعم المادي والروحي. ويصف المؤلف تدهور الحالة النفسية للبطريرك، حيث يذكر أنه لجأ إلى الكحول، مما أثر على قدرته العقلية وإدارته، وزاد من المشاكل في الكنيسة، لا سيما في الهند. ويوثق الفصل كيفية تنسيق بعض الأساقفة لعزله، بالاستعانة بسلطة الدولة العثمانية، ويدحض أي اتهامات بالتدخل الخارجي المباشر، مؤكداً أن العزل جاء بقرار من السينودس وبطلب شعبي، وتم بمرسوم سلطاني في 16 يوليو 1904.
أما القسم الأخير من الفصل، فيتناول مصير البطريرك المخلوع عبد المسيح. يسرد الفصل كيف ذهب إلى الهند وأثار مشاكل كنسية هناك، ثم حاول الانتقال إلى الكنيسة الكاثوليكية، لكنه عاد في النهاية إلى حضن كنيسته الأم قبل وفاته. يورد الفصل تفاصيل استقباله في دير الزعفران في 8 يونيو 1914، ونفيه القاطع لادعاءات الأسقف الكاثوليكي بأنه أجبر على البقاء أو أنه يملك ممتلكات كاثوليكية. وينتهي الفصل بإشارة إلى أن هذه الأحداث تعكس حالة الانحدار المستمرة التي عانى منها الكيان السرياني الأرثوذكسي في تلك الفترة العصيبة.
طوال الفصل، يقر المؤلف بحدود معرفية، لا سيما فيما يتصل بعدم وجود دليل أرشيفي قاطع على تدخل الباب العالي لعزل البطريرك قبل أن تطلب الجماعة ذلك بنفسها. كما يترك أسئلة مفتوحة حول بعض التفاصيل، مثل السبب الدقيق لتغير رأي السينودس في انتخاب البطريرك. يمكن القول إن الحجة الأكثر قابلية للنقاش في الفصل هي تأكيد المؤلف المتكرر على أن السريان الأرثوذكس لم يكونوا مستهدفين بشكل أساسي في المذابح، بل كانوا ضحايا عرضة لانفلات أمني عام وتحريض ديني، وهو ما يتعارض إلى حد ما مع الروايات التي ترى أن المذابح كانت مخططاً منظمًا للقضاء على جميع المسيحيين.
6.الفصل السادس: الأرثوذكسية السريانية على عتبة نهضتها الثانية277–526▼ résumé
يبدأ هذا الفصل بمحاولة الإجابة عن سؤال جوهري: كيف تمكنت الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، بعد قرون من الانحدار والمآسي التي بلغت ذروتها في الإبادة الجماعية خلال الحرب العالمية الأولى، من تحقيق نهضة واسعة النطاق؟ يرى المؤلف أن هذه النهضة، التي يعتبرها الكثيرون "النهضة الثانية" للكنيسة، بدأت بخطوات متواضعة في العقود التي سبقت الحرب العالمية الأولى، لكنها تسارعت بشكل ملحوظ بعدها. لم تكن هذه النهضة مجرد تعافٍ من الصدمة، بل كانت عملية إحياء شاملة قادها جيل من المصلحين، مستفيدين من بيئات جديدة داعمة ومن إرث تاريخي وثقافي غني. يوضح الفصل أن هذه النهضة امتدت عبر النصف الأول من القرن العشرين على الأقل، ووضعت الأسس لنهضة أكبر في النصف الثاني.
يسير الفصل بمنهجية واضحة، فيبدأ بتحليل أربعة دوافع رئيسية كانت وراء هذه النهضة. الدافع الأول هو الخصائص الموروثة للكنيسة، وتشمل ارتباطها التاريخي بمدينة أنطاكية، حيث دُعي أتباع المسيح مسيحيين أولاً، وحيث يعتبر الرسول بطرس أول أسقف. هذا الارتباط يمنح الكنيسة هوية تاريخية عريقة. ثانياً، تفخر الكنيسة بتراثها الثقافي السرياني/الآرامي، الذي يعود إلى آباء الكنيسة الأوائل مثل مار أفرام السرياني، والذي اعتبرته الكنيسة ركيزة لهويتها رغم كونها أقلية. ثالثاً، يبرز نموذج الاستشهاد، بدءاً من إغناطيوس النوراني الذي استشهد في أنطاكية، والذي غرس في الكنيسة ثقافة الصمود والتضحية في سبيل الإيمان. وأخيراً، لعبت خبرة البقاء تحت الحكم الإسلامي المتنوع دوراً حاسماً، حيث تعلمت الكنيسة كيفية التكيف والتفاوض من أجل البقاء كأقلية "ذمية"، مما أكسبها مرونة كبيرة.
الدافع الثاني الذي يناقشه الفصل هو البيئة الجديدة الداعمة التي وجدها السريان المهجرون من الأناضول بعد الإبادة. فبدلاً من العزلة، وجد معظمهم أنفسهم في سوريا الكبرى والعراق، حيث تمتعوا بقدر أكبر من الأمان والتسامح. ويُسلط الفصل الضوء بشكل خاص على مدينة الموصل التي كانت مركزاً للثقافة والتعليم منذ أواخر العهد العثماني. يصف المؤلف كيف استفاد المهاجرون السريان من الفرص التعليمية التي وفرتها المدارس الإرسالية، خاصة مدرسة الرهبنة الدومنيكية، ومن روح النهضة الثقافية التي عمت العراق بعد تأسيس المملكة تحت قيادة الأمير فيصل الأول. يقدم الفصل قصة عائلة عبد الله سليمان كدليل حي على هذه الفرص؛ فها هو ابن لعائلة سريانية أرثوذكسية من الموصل يدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، ليصبح لاحقاً طبيباً ويؤسس جمعية حماية الطفل العراقية، بينما يصبح شقيقه أبو السعود داؤد كاس أول عميد لكلية الهندسة في جامعة بغداد عام 1943.
الدافع الثالث يتعلق بمسؤولية الكنيسة تجاه أتباعها الكثر في الهند، والذين يفوق عددهم أتباعها في الشرق الأوسط. خلق هذا الالتزام تجاه جماعة كبيرة في الخارج حافزاً إضافياً للكنيسة للتغلب على محنها والمضي قدماً في طريق التعافي. ويشير الفصل إلى أن هذه المسؤولية كانت واضحة عندما سافر البطريرك إلياس الثالث إلى الهند عام 1931، رغم احتياج مجتمعاته في الشرق الأوسط الشديد للرعاية في ذلك الوقت. يضاف إلى ذلك العلاقة الفريدة التي تربط البطريرك برعيته، حيث لم يكن البطريرك شخصية بعيدة في قصر، بل كان يعيش حياة متواضعة في دير، ويشارك شعبه أفراحهم وأحزانهم، مما أكسبه احتراماً عميقاً وجعله قائداً روحياً مقرباً منهم.
أما الدافع الرابع والأكثر حسماً، فهو ظهور نواة من المصلحين المتحمسين. ويحدد الفصل ثلاثة أسماء رئيسية كقادة لهذا الجيل الأول من الإحياء: البطريرك أفرام الأول برصوم، ويوليا ن دولاباني، ونعمة الله دنو. لقد عمل هؤلاء معاً لتعزيز تعليم رجال الدين والمجتمع، وإحياء الممارسات الطقسية، ورفع تطلعات المجتمع لتستلهم من أمجاد الماضي. كان لجهودهم الفضل في ظهور أجيال لاحقة من العلماء والمصلحين الذين واصلوا مسيرة النهضة.
بعد تحليل الدوافع، ينتقل الفصل إلى استعراض معالم النهضة العملية. كانت الخطوة الأولى هي إعادة توطين اللاجئين وبناء الكنائس، وإن كانت الموارد المالية محدودة. أما التحدي الأكبر فكان تعليم رجال الدين، حيث أولى برصوم اهتماماً خاصاً بإنشاء معهد إكليريكي، وتحققت هذه الرؤية بإنشاء معهد مار أفرام اللاهوتي في زحلة بلبنان عام 1939. سبق ذلك محاولات محدودة في دير الزعفران (عام 1910) ودير مار متى قرب الموصل.
كما تفاعلت الكنيسة مع المجتمع في مجال التعليم العام، فأدارت مدارس مثل مدرسة مار توما في الموصل التي تعود للقرن التاسع عشر، ثم أُضيفت مدارس للبنين والبنات. تطور الطباعة ونشر الكتب الطقسية لأول مرة بدلاً من المخطوطات كان إنجازاً كبيراً، كما تم العمل على تبسيط وتقصير الليتورجيا لتتناسب مع العصر، وزيادة المحتوى العربي فيها. نشطت حركة الترجمة من السريانية إلى العربية، خاصة في النصف الأول من القرن العشرين، والتي رأى فيها المصلحون ضرورة لنقل التراث السرياني للأجيال الجديدة التي أصبحت تتحدث العربية. وأخيراً، عمل المصلحون على استعادة الاسم التاريخي للكنيسة (السريانية الأرثوذكسية) بدلاً من الأسماء التي أطلقها عليهم خصومهم مثل "اليعاقبة" و"المونوفيزيين". يذكر الفصل أن نعمة الله دنو نشر بحثاً مهماً عام 1949 يقدم أدلة من مصادر تعود للقرون السادس إلى الثالث عشر تثبت أن أتباع الكنيسة كانوا يسمون أنفسهم "سرياناً" و"أرثوذكساً" منذ القدم.
يخصص الفصل قسماً كبيراً للحديث عن البطريرك أفرام الأول برصوم (1887-1957) كأبرز وجوه النهضة. يصف مسيرته منذ أن كان راهباً شاباً في دير الزعفران، حيث أظهر فضولاً علمياً استثنائياً وتواصل مع كبار المستشرقين في أوروبا، وجمع المخطوطات الثمينة. لم يقتصر دوره على كونه بطريركاً، بل كان عالماً موسوعياً أنتج أعمالاً في اللاهوت والتاريخ واللغة، وأشهرها كتابه "اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية". يصف المؤلف كيف أن جهود برصوم أوقفت "كابوس السنين العجاف" كما وصفه خلفه البطريرك زكا الأول عيواص، وأن عمره السبعين عاماً عوضت خسارة سبعمئة عام من الجمود الفكري. يعترف الفصل بأن برصوم اعتمد في بعض أعماله على المستشرقين السابقين، ولكنه أضاف إليها ثراءً من بحثه الشخصي المستمر في المخطوطات وأسفره وتواصله مع الكنائس المنتشرة.
في ختام الفصل، يشير المؤلف إلى أن هذه النهضة شملت أجيالاً متتالية من المصلحين، ويعد قائمة بأسماء بارزة منهم. لكنه يقر بأن هذه النهضة كانت مشروطة بسياقات تاريخية معينة، وأن استمراريتها كانت تعتمد على الظروف المحلية في كل بلد. من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، هو افتراض أن هوية الكنيسة "الآبائية" وذاكرة الاستشهاد كانتا كافيتين بمفردهما لتوليد حافز إحيائي قوي كهذا، دون الخوض في دور العوامل الاقتصادية المباشرة أو تأثير التحديث العلماني بشكل أعمق. كما أن التركيز على شخصية البطريرك برصوم كـ"بطل خارق" للنهضة، رغم دقته، قد يلقي بظلاله على الأدوار الجماعية والمؤسسية الأخرى.
7.325–331▼ résumé
يُختتم هذا الفصل بعرض شامل للرحلة التاريخية للكنيسة السريانية الأرثوذكسية خلال أواخر العهد العثماني وما بعده، مركزاً على ثنائية الأزمة والنهضة. الموضوع المحوري هو قدرة هذه الكنيسة الصغيرة على الصمود في وجه تحديات وجودية متعددة، بدءاً من نظام الملل العثماني وصولاً إلى الإبادة الجماعية والشتات، ثم نهضتها غير المتوقعة في سياقات جديدة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن سر بقاء السريان الأرثوذكس وتجددهم لم يكن نتاجاً للقوى الخارجية أو الحماية الغربية، بل نبع من آليات داخلية، منها العلاقة الوثيقة بين البطريرك والمجتمع، والتمسك بالهوية السريانية واللغوية، وقدرتهم على التكيف مع البيئات الجديدة، وخاصة في الأراضي العربية بعد الحرب العالمية الأولى.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تحليل هذه الآليات. يبدأ بتقييم نظام الملل العثماني، الذي منح قادة الكنائس المسيحية سلطة داخلية على طوائفهم، مما خلق علاقة وثيقة بين البطريرك ورعيته. يوضح المؤلف أن هذه العلاقة لم تكن مجرد سلطة دينية، بل كانت علاقة اجتماعية وسياسية، حيث كان أفراد المجتمع يخاطبون البطريرك بلقب "وضايع" (وصية العبودية) أو "وشرّف" (شرف يُشرّف)، مما يؤكد الطابع الشخصي للرئاسة. على الرغم من أن النظام منح أماناً نسبياً، إلا أن له حدوداً واضحة، خاصة في مواجهة الضغوط الاقتصادية والتحولات السياسية.
ينتقل الفصل بعد ذلك لمناقشة التحديات الكبرى التي واجهتها الكنيسة. يُسلط الضوء على التحولات الدينية كأزمة داخلية، وعلى رأسها تأثير الإرساليات الغربية، الكاثوليكية والبروتستانتية. يشرح المؤلف كيف أن هذه الإرساليات، بدعم من القوى الغربية (فرنسا وبريطانيا)، قدمت إغراءات مادية وحماية سياسية، مما أدى إلى انشقاقات في صفوف الكنيسة، خاصة في الهند (منذ 1795) وسوريا والعراق. يُذكر أن الكنيسة الكاثوليكية أنشأت "جماعة إحياء الروحانية" في الهند في القرن التاسع عشر، مما أدى لانقسامات حادة. لكن في المقابل، يوضح المؤلف أن التحول نحو الأرثوذكسية كان أحياناً نتيجة لعوامل سياسية، مثل الثورة الفرنسية التي دفعت بعض القوى للتمسك بكنائسها الشرقية.
يمثل الاضطهاد والعنف تحدياً أكثر خطورة. يصف الفصل مذبحة ديار بكر في عام 1895 كنقطة تحول، حيث كانت بمثابة فاتحة لسلسلة من أعمال العنف في الأناضول الشرقي في الأشهر والسنوات التالية. يرى المؤلف أن ضعف الاستجابة العثمانية الحازمة لهذه المذابح، والتي شملت قبائل كردية ويزيدية، شجّع الجناة وزاد من انعدام الثقة لدى السريان الأرثوذكس بقدرة الدولة على حمايتهم. امتد هذا العنف ليبلغ ذروته في الإبادة الجماعية لعام 1915 والتي أبادت ما يقرب من نصف السكان السريان الأرثوذكس، تاركة الكنيسة على حافة الهاوية.
في خضم هذه الأزمة الوجودية، يسلط الفصل الضوء على القيادة المتذبذبة. يصف حالة البطريرك عبد المسيح (1895-1904) الذي أصيب بصدمة من الأحداث ورحل إلى القدس، مما أدى إلى غيابه المستمر وإهماله، مما جعل الكثيرين يشكون في قدرته على القيادة. تم عزله في عام 1904 ليحل محله البطريرك عبد الله (1904-1915)، الذي كان بدوره مثاراً للجدل بسبب ماضيه مع الكنيسة الكاثوليكية. هذه القيادة الضعيفة في وقت حرج كادت أن تقضي على الكنيسة سياسياً وروحياً، مما جعل التحول إلى الكاثوليكية أو البروتستانتية يبدو خياراً معقولاً للكثيرين.
عند هذه النقطة، يحدث تحول جذري في السرد. ينتقل الفصل من وصف الأزمة إلى وصف النهضة غير المتوقعة. يرى المؤلف أن الشتات القسري بعد الإبادة الجماعية، بدلاً من أن يكون نهاية، أصبح بداية جديدة. فالمسيحيون السريان الذين نزحوا من الأناضول إلى سوريا والعراق وفلسطين وجدوا أنفسهم في بيئة عربية إسلامية أكثر تسامحاً نسبياً. في الوطن العربي الجديد الناشئ، وخاصة في ظل القومية العربية، وجدوا فرصة للانخراط كمواطنين متساوين، بعكس التهميش الذي عانوه في تركيا. هذا الانتقال من وضع الأقلية المضطهدة إلى مواطني دولة حديثة أعطاهم شعوراً بالحرية والأمان، مما أتاح لهم فرصة "عكس نزيف التدهور الذي استمر لقرون".
يتعمق الفصل في شرح آليات النهضة من خلال شخصيات محورية. يعد البطريرك إغناطيوس أفرام برصوم (1933-1957) الشخصية الأبرز. على عكس أسلافه، كان بارسوم على دراية تامة بظروف أبناء كنيسته. رسم سياسة مزدوجة: في تركيا اتبع نهج التكيف مع السلطات الجديدة، بينما في المشرق العربي اختار الانخراط الكامل. كان نهجه يركز على تعليم الإكليروس والاعتماد على الذات، مما ولّد احتراماً واسعاً ونظرة إليه كمحرر. يذكر الفصل أيضاً شخصيات بارزة أخرى مثل يوحنّن دولباني وفيلكسوس يوحنا دولباني، الذين عملوا على نشر التعليم والثقافة. ويشير إلى دور الراهب يوحنّا وغيره من "النهضويين" الذين رأوا في الكنيسة أساساً للهوية السريانية والتاريخ واللغة، محولين وصمة العار إلى مصدر فخر.
يصف الفصل أسس هذه النهضة الفكرية والروحية. كان أحد الإنجازات الكبرى هو ترجمة النصوص الليتورجية والتراتيل إلى العربية، استجابة لانتشار المعرفة بالعربية بين أبناء الجيل الجديد. قاد هذه الحركة شخصيات مثل أفرام برصوم ويعقوب صليبي وفيليب بطرس، بهدف جعل التراث الكنسي متاحاً للجميع، وخاصة في المهجر. كما أن التفاعل مع الحركات المسكونية الشرقية في القرنين العشرين والحادي والعشرين فتح آفاقاً جديدة للحوار والتعاون، مما ساعد الكنيسة على التعامل مع تحديات العولمة والشتات.
في الختام، يقدم الفصل تقييماً لنتائج هذه النهضة. يرى المؤلف أن الكنيسة نجحت في التخلص من "وصمة التخلف" التي ألصقت بها في القرن التاسع عشر، والتي استغلها المنافسون الغربيون. وقد قاد هذا النهضة إلى زيادة عدد الأبرشيات من ثمانية إلى ما يزيد عن ثمانية وأربعين، ممتدة من السويد والهند إلى الأميركتين وأستراليا. هذا التوسع، على الرغم من كونه دليلاً على النهضة، يطرح تحديات جديدة حول كيفية الحفاظ على الهوية والتراث السرياني في الشتات. ويختتم الفصل بإشارة إلى التحديات المعاصرة، وعلى رأسها الحرب في سوريا والعراق وصعود التطرف، مما يطرح تساؤلاً وجودياً حول استمرارية المسيحية السريانية في مهدها.
بناءً على ما يقدمه النص، يمكن القول إن التحليل الذي يقدمه المؤلف مقنع في إظهاره أن النهضة السريانية لم تكن مجرد رد فعل على الأزمة، بل كانت عملية إعادة بناء واعية للهوية والمؤسسات. ومع ذلك، فإن الاعتماد على شخصيات قيادية كاريزمية مثل أفرام برصوم قد يثير تساؤلاً حول مدى استدامة هذه النهضة في غياب قادة مماثلين، خاصة في ظل تشتت المجتمع بين الشرق والغرب. النص لا يقدم إجابة قاطعة على هذا السؤال، بل يتركه مفتوحاً، مشيراً إلى أن الإبادة الجماعية الحالية التي يتعرض لها المسيحيون تشكل تحدياً قد "يثبت قاتلاً" للوجود السرياني في أرضه الأم، حتى مع استمرار النهضة في الشتات.
Analyse & mots-clés
Personnes
Lieux