
_OceanofPDF.com_The_Syrian_Refugee_Crisis_in_Lebanon_-_Robert_G_Rabil
يُشكّل كتاب "أزمة اللاجئين السوريين في لبنان" لروبرت ج. رابيل دراسةً معمّقةً لكيفية تحوّل لبنان، بفعل تركيبه الطائفي الهشّ وهويته الوطنية الممزّقة، إلى ساحة مكشوفة للصراعات الإقليمية، وأرضية خصبة لأزمة لاجئين غير مسبوقة هدّدت وجوده ذاته. يدافع المؤلّف عن موقفٍ مركزيّ مفاده أنّ أزمة اللاجئين السوريين لم تكن مجرّد كارثة إنسانية عابرة، بل شكلت تهديداً وجودياً متعدد الأوجه للبنان، إذ كشفت عن عمق انقساماته السياسية والطائفية، وفاقمت مخاوفه الديموغرافية، وأذكت استياءً شعبياً عميقاً تحوّل من ترحيب أولي باللاجئين إلى كراهية وتحميلهم مسؤولية تردّي الأوضاع الاقتصادية والأمنية.
يسير الكتاب في حجّته متّبعاً تسلسلاً زمنياً ومنطقياً محكماً، يبدأ من جذور الأزمة في تاريخ لبنان الحديث. يوضح الفصل التمهيدي كيف تأسّس لبنان الكبير عام 1920 تحت الانتداب الفرنسي على نظام طائفي يوزّع السلطة حسب الانتماء الديني، استناداً إلى تعداد 1932 الذي أظهر أغلبية مارونية. يشرح المؤلّف أنّ الميثاق الوطني، الذي كان تحالفاً مارونياً-سُنّياً، حدّد هوية لبنان بوجه عربي وشعار "لا شرق ولا غرب"، لكنّه استبعد طوائف كالشيعة وفشل في بلورة هوية وطنية حقيقية. هذا الإرث الطائفي جعل لبنان انعكاساً للصراعات الإقليمية، بدءاً من حرب 1948 التي جلبت اللاجئين الفلسطينيين، مروراً بالحرب الأهلية بين 1975 و1990، وانتهاءً بالهيمنة السورية التي قامت على استمالة الفرقاء أو تصفيتهم، ودعم حزب الله كقوة مقاومة إسلامية شيعية. بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005 والانسحاب السوري، انقسم لبنان إلى معسكرين سياسيين رئيسيين: تيار 14 آذار المناهض لسوريا بقيادة تيار المستقبل، وتيار 8 آذار الموالي لسوريا بقيادة حزب الله. هذا الانقسام العميق شكّل الخلفية التي اندلعت عليها الأزمة السورية في 2011.
ينتقل المؤلّف بعد ذلك إلى تفصيل الأزمة الإنسانية نفسها، موثّقاً أرقاماً صادمة تشرح حجم الكارثة. فبحلول 25 أغسطس 2015، سجّلت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان 1,113,941 لاجئاً سورياً، بينما بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا حوالي 450,000، إضافة إلى 53,070 فلسطينياً من سوريا. وتشير تقديرات إحصاءات لبنان المحدودة إلى وجود 1,456,709 لاجئاً سورياً بحلول مارس 2015، مما جعل لبنان البلد الأعلى في العالم بنسبة لاجئين للفرد، حيث بلغ عدد اللاجئين نحو مليوني شخص، أي ما يقرب من نصف السكان. يصف الكتاب تحوّل الاستقبال الأولي للاجئين إلى استياء شعبي عميق، لأسباب متعدّدة: الشعور بالإزاحة الاقتصادية بسبب العمالة السورية الرخيصة، وتردّي الخدمات الاجتماعية، واعتقاد أن المساعدات تجذب المزيد من اللاجئين، وارتفاع معدلات الجريمة بينهم حيث شكّل السوريون حوالي 29% من السجناء في 2014. الأهم من ذلك، يبرز الخوف الوجودي من أن اللاجئين السوريين سينتظرون في لبنان مثل الفلسطينيين، وهو ما يغذيه ارتفاع عدد المواليد السوريين (31,000 مولود عام 2013 مقابل 72,000 لبناني)، مما يثير مخاوف من تغيير ديموغرافي يخل بالتوازن الطائفي الحسّاس.
يتعمّق الكتاب في الوضع القانوني للاجئين، مسلّطاً الضوء على التناقض في الموقف الرسمي اللبناني. فلبنان، على الرغم من كونه موقعاً على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ليس طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 ولا في بروتوكولها لعام 1967. ومع ذلك، يلتزم طواعية ببعض أحكام الاتفاقية، وخاصة مبدأ عدم الإعادة القسرية. لكن المسؤولين اللبنانيين يصرّون باستمرار على أن لبنان ليس بلد لجوء ولا وجهة نهائية للاجئين، ولهذا السبب، يصفون كل من فرّ من سوريا بعد مارس 2011 بأنه نازح وليس لاجئاً، ويرفضون رفضاً قاطعاً إقامة مخيمات رسمية خشية توطينهم الدائم. يوثّق الكتاب التحوّل الحاسم في منتصف 2014، عندما أصبح لبنان البلد الأعلى في العالم من حيث عدد اللاجئين مقارنة بعدد السكان. في 20 أكتوبر 2014، أعلن وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس أن لبنان لن يقبل المزيد من اللاجئين السوريين، وأصدرت المديرية العامة للأمن العام توجيهات متسلسلة حصرت دخول السوريين بفئات محددة كالسياحة والعمل والدراسة والعلاج، مع اشتراط دفع رسوم وتقديم وثائق وتوقيع تعهد بعدم العمل. فرضت القيود الجديدة على تجديد الإقامة دفع 200 دولار، وتقديم إثبات سكن وشهادة من مختار، مما عرض اللاجئين للاستغلال وفقاً لمسؤولة الأمم المتحدة نينيت كيلي التي وصفته بأنه إشكالي للغاية.
يخصّص المؤلّف مساحة واسعة لتحليل استجابة المجتمع الدولي، موثّقاً تطوّر الخطط الإقليمية المتعاقبة من مجرّد مساعدات إنسانية طارئة إلى نهج أكثر شمولاً يهدف إلى دعم المجتمعات المضيفة وبناء قدرة الدولة على الصمود. يصف خطة الاستجابة الإقليمية لعام 2014 التي توقعت وجود 4.1 مليون لاجئ سوري، وغطّت قطاعات الحماية والأمن الغذائي والتعليم والصحة والإيواء والتماسك الاجتماعي وسبل العيش والمياه والصرف الصحي. لكنه يصل إلى ذروة تحليله في الفصل الخامس المخصّص لخطة اللاجئين والقدرة على الصمود الإقليمية (3RP) للفترة 2015-2016، التي مثّلت تحوّلاً نموذجياً بالجمع بين الجهود الإنسانية والإنمائية. يقدّم المؤلّف لوحة نتائج صريحة، مشيراً إلى أن الخطة لم تحصل إلا على 23% فقط من تمويلها البالغ 2.14 مليار دولار بحلول يوليو 2015، مما أدى إلى تخفيض قيمة القسائم الغذائية من 27 دولاراً إلى 13.50 دولاراً للفرد، وانخفاض حاد في جميع القطاعات. تشير نتائج مسح تقييم الضعف إلى أن 70% من الأسر السورية أصبحت تحت خط الفقر مقارنة بـ 50% في عام 2014. يرى المؤلّف أن النقص الحاد في التمويل الدولي، إلى جانب القيود الحكومية اللبنانية المشدّدة، أدى إلى تفاقم آليات التكيّف السلبية مثل عمل الأطفال والاستغلال الجنسي، مما أحبط الأهداف الرئيسية للخطة وزاد من هشاشة اللاجئين والمجتمعات اللبنانية على السواء.
يغوص الكتاب في التحليل الأمني والسياسي المعقّد، متتبّعاً نشوء وتطوّر التطرف الإسلامي والسلفي-الجهادي تحت الهيمنة السورية. يصف ظهور أول إمارة إسلامية في لبنان في طرابلس (1983-1985) بقيادة الشيخ سعيد شعبان وحركة التوحيد الإسلامي، الذي دعا إلى حكم إسلامي شامل رافضاً التعدّدية الدينية. يشرح كيف قمع الرئيس السوري حافظ الأسد هذه الحركة بوحشية في معركة طرابلس، مما أدى إلى تهجير الإسلاميين إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان. ثم ينتقل إلى حرب المخيمات (1985-1988)، حيث حاصرت ميليشيا أمل بقيادة سوريا مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، مما أسفر عن آلاف القتلى وعزّز الكراهية بين الإسلاميين واللاجئين تجاه النظام السوري. يصف صعود السلفية-الجهادية في مخيم عين الحلوة في صيدا، وظهور حركات مثل عصبة الأنصار وجند الشام التي تبنّت أيديولوجية سلفية-جهادية تركز على الجهاد وإقامة الدولة الإسلامية. مع الثورة السورية عام 2011، تعبّأ السلفيون لدعم الثوار، ويُذكر أن أعضاء سابقين من هذه الجماعات كانوا في طليعة تدريب عناصر جبهة النصرة. يقرّ المؤلّف بأن السلفية-الجهادية لم تكن ذات شعبية أولية في لبنان، لكنها وجدت أرضاً خصبة في المخيمات الفلسطينية نتيجة الإحباط من القومية الفلسطينية والتمييز والفقر.
يختتم الكتاب بتأمّلات قاتمة حول مآل الأزمة. يصف المؤلّف تحوّلاً دراماتيكياً في المواقف اللبنانية تجاه اللاجئين، مستشهداً بتجربته الشخصية: ففي صيف 2012 شعر بالترحيب والتعاطف الواسع مع اللاجئين، بينما في صيف 2015 اختفى هذا الدفء وحل محله شعور بالإحباط والاستياء، حيث أصبح كل سائق تاكسي وعامل بناء يشتكي من اللاجئين. يروي كيف أصبح اللاجئ كبش فداء للإرهاب والمشقة، رغم أن هذه المخاوف لا يمكن إلقاء اللوم فيها على اللاجئ العادي. ينقل عن نائب بارز في تحالف 14 آذار تساؤله عن قدرة لبنان على معالجة أزمة اللاجئين بينما تعجز حكومته عن حل أزمة النفايات التي أغرقت البلاد في القمامة. من ناحية أخرى، يشعر معظم اللاجئين بإقامة مؤقتة أصبحت عبئاً مفتوح النهاية، ويسخطون على اللبنانيين وهم مجبرون على العيش في مستوطنات قذرة والعمل في عمالة الأطفال والتسول، بعد أن أصدر وزير العمل اللبناني سجعان قزي في ديسمبر 2015 مرسوماً حصر فيه مئات المهن والأعمال باللبنانيين حصراً. يترك المؤلّف أسئلة مفتوحة حول احتمالية تجنيس اللاجئين، وتأثيرهم على التوازن الطائفي، وخطر راديكالية الشباب السوري والفلسطيني في المخيمات، خاصة مع جاذبية الفكر السلفي-الجهادي. ينتهي الكتاب بقصة مؤثرة عن امرأة تُدعى ماما ماريا تعمل بلا كلل لرعاية المرضى والمسنين في البقاع، واعداً الأطفال بمستقبل أفضل، لكن المؤلّف يعترف أنه عند زيارته لمخيمات البقاع المتهالكة، كاد أن يبكي عندما رأى ما يجرؤ على تسميته بالجيل الضائع من الغد، محذّراً من أنه في غياب حل سياسي وتمويل وافٍ، فإن مأساة أكبر تلوح في الأفق، وأكثر النتائج ترجيحاً هي الاضطرابات المدنية والهجرة الخطرة نحو أوروبا.
من النقاط القابلة للنقاش في الكتاب، تحميل اللاجئين مسؤولية المشاكل الاقتصادية والأمنية رغم وجود عوامل داخلية لبنانية كفشل الحكومة في إدارة أزماتها الأساسية. كما أن تحذير المؤلّف من تحوّل التوتر إلى صراع أهلي أو هجرة جماعية يظل سيناريو محتملاً يعتمد على تحليله الشخصي، وليس حقيقة ثابتة. يبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه الكتاب مفتوحاً: هل يستطيع لبنان، بنظامه الطائفي الهشّ وموارده المحدودة، معالجة أزمة لاجئين بهذا الحجم دون أن ينهار، أم أن تاريخ اللاجئين الفلسطينيين سيتكرّر بمأساة جديدة؟
Chapitres(7)
1.24–37▼ résumé
يقدّم الفصل التمهيدي لمحة شاملة عن تاريخ لبنان الحديث ونظامه السياسي وديناميكياته، بالإضافة إلى خلفية تمهيدية لأزمة اللاجئين السوريين وكيفية استجابة لبنان، كدولة وأمة، لهذه الأزمة. الموضوع المحوري هو أن لبنان، بسبب طائفيته المتجذرة وهويته الوطنية الهشة، أصبح ساحة مكشوفة للصراعات الإقليمية، وأن أزمة اللاجئين السوريين شكلت تهديداً وجودياً متعدد الأوجه للبلاد، مما أدى إلى استياء شعبي عميق، وانقسامات سياسية حادة، ومخاوف أمنية متصاعدة.
يبدأ الفصل بشرح تشكيل دولة لبنان الكبير عام 1920 تحت الانتداب الفرنسي، حيث ضُمت مناطق إلى جبل لبنان لتكوين دولة قابلة للحياة. يوضح أن النظام السياسي الطائفي تأسس على توزيع السلطة حسب الانتماء الديني، استناداً إلى تعداد 1932 الوحيد الذي أظهر أغلبية مارونية. ويشير إلى أن الميثاق الوطني، الذي كان تحالفاً مارونياً-سُنّياً، حدد هوية لبنان بـ"وجه عربي" وشعار "لا شرق ولا غرب"، لكنه استبعد طوائف أخرى كـالشيعة وفشل في بلورة هوية وطنية حقيقية.
يتناول الفصل بعد ذلك انعكاس الصراعات الإقليمية على لبنان، بدءاً من حرب 1948 التي جلبت اللاجئين الفلسطينيين، مروراً بالحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 و1990، وانتهاءً بالهيمنة السورية التي أعقبت اتفاق الطائف. يصف السياسة السورية التي قامت على استمالة الفرقاء أو تصفيتهم، ودعم حزب الله كقوة مقاومة إسلامية شيعية، مما جعله قوة عسكرية وسياسية بارزة بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.
بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005 والانسحاب السوري، انقسم لبنان إلى معسكرين سياسيين رئيسيين: تيار 14 آذار المناهض لسوريا بقيادة تيار المستقبل، وتيار 8 آذار الموالي لسوريا بقيادة حزب الله. يوضح الفصل أن هذا الانقسام العميق شكل الخلفية التي اندلعت عليها الأزمة السورية في 2011.
ينتقل الفصل إلى تفصيل أزمة اللاجئين، مشيراً إلى أن اللبنانيين رحبوا في البداية باللاجئين السوريين، لكن هذا التراجع تحول إلى استياء مع استمرار تدفقهم دون حلول. يقدم إحصائيات أساسية: بحلول 25 أغسطس 2015، سجلت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان 1,113,941 لاجئاً سورياً، بينما بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا حوالي 450,000، إضافة إلى 53,070 فلسطينياً من سوريا. وتشير تقديرات إحصاءات لبنان المحدودة إلى وجود 1,456,709 لاجئاً سورياً بحلول مارس 2015، مما جعل لبنان البلد الأعلى في العالم بنسبة لاجئين للفرد، حيث بلغ عدد اللاجئين نحو مليوني شخص، أي ما يقرب من نصف السكان.
يوضح الفصل الأسباب الكامنة وراء الاستياء الشعبي المتزايد: الشعور بالإزاحة الاقتصادية بسبب العمالة السورية الرخيصة، وتردي الخدمات الاجتماعية، واعتقاد أن المساعدات تجذب المزيد من اللاجئين، وارتفاع معدلات الجريمة بينهم (حيث يشكل السوريون حوالي %29 من السجناء في 2014). الأهم من ذلك، يبرز الخوف الوجودي من أن اللاجئين السوريين "سينتظرون في لبنان مثل الفلسطينيين"، وهو ما يغذيه ارتفاع عدد المواليد السوريين (31,000 مولود عام 2013 مقابل 72,000 لبناني)، مما يثير مخاوف من تغيير ديموغرافي يخل بالتوازن الطائفي الحساس.
على المستوى المؤسسي، يصف الفصل ضعف الحكومة اللبنانية في تنفيذ سياسة "النأي بالنفس" عن الأزمة السورية. فبينما دعم تيار 14 آذار المعارضة السورية، وخاصة السلفيين في شمال لبنان (طرابلس وعكار)، تدخل حزب الله عسكرياً إلى جانب النظام السوري، معلناً أن سوريا هي "ظهر المقاومة" وأنه لن يسمح بإسقاط النظام. هذا التدخل عمّق الانقسام الطائفي وأدى إلى أحداث عنف، أبرزها هجوم تنظيمي الدولة الإسلامية وجبهة النصرة على بلدة عرسال في أغسطس 2014، مما أسفر عن مقتل العشرات وأسر أكثر من 30 عسكرياً.
يختم الفلسف بالإشارة إلى أن هذه التهديدات الأمنية الوجودية خلقت، ولو مؤقتاً، إجماعاً نادراً بين القيادات اللبنانية على دعم الجيش لحماية البلاد، رغم الشلل السياسي المستمر وغياب رئيس الجمهورية منذ مايو 2014. كما يذكر تحفظات وقلقاً علنياً من مسؤولين، كوزير الخارجية جبران باسيل الذي عارض تسجيل المواليد السوريين معتبراً إياه "بداية التوطين". يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول احتمالية تجنيس اللاجئين، وتأثيرهم على التوازن الطائفي، وخطر راديكالية الشباب السوري والفلسطيني في المخيمات، خاصة مع جاذبية الفكر السلفي-الجهادي.
2.38–45▼ résumé
يستعرض هذا الفصل تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان وتوزعهم الجغرافي، مسلطاً الضوء على أعدادهم الكبيرة وطبيعة دخولهم غير القانوني في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى مشكلة انعدام الجنسية التي تهدد المواليد الجدد. المحور الرئيسي هو تحول لبنان، وهو بلد صغير المساحة وعدد السكان، إلى أكبر مستضيف للاجئين في العالم من حيث الكثافة لكل فرد، مما خلق أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية غير مسبوقة.
يبدأ الفصل بتتبع الموجات الأولى للاجئين السوريين التي بدأت بالدخول في أبريل 2011 عبر معابر رئيسية مثل القاع والمصنع، واستقر معظمهم في شمال لبنان، خاصة في طرابلس ووادي خالد وعكار. يعزو المؤلف ذلك إلى الروابط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية الوثيقة بين شمال لبنان وسوريا، بالإضافة إلى الغالبية السنية في المنطقة التي رحبت باللاجئين السوريين السنة. تشير الأرقام إلى أن عدد المسجلين في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ارتفع تدريجياً من بضع مئات في بداية 2011 إلى أكثر من 1.15 مليون بحلول يناير 2014.
مع اتساع رقعة الحرب في سوريا منذ مارس 2012، برزت سهل البقاع كوجهة رئيسية جديدة للاجئين بسبب قربه الجغرافي، كما امتد الوجود اللاجئي ليشمل بقية المناطق اللبنانية بما فيها العاصمة بيروت. يقدم الفصل تفصيلاً دقيقاً لتوزيع اللاجئين المسجلين حسب المحافظات حتى 30 يونيو 2015، ويبين أن أكثر من نصفهم يعيشون في مآوٍ غير آمنة كالخيام والمباني غير المكتملة والجراجات. في بعض المناطق مثل عرسال، تجاوز عدد اللاجئين عدد السكان الأصليين، والغالبية العظمى منهم من النساء والأطفال.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى حالة اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا، والذين استقر معظمهم في محيط مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، لا سيما في الجنوب في محيط أكبر مخيم وهو عين الحلوة وفي صور. تشير الأرقام إلى تسجيل أكثر من 53,070 لاجئاً فلسطينياً من سوريا لدى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بحلول أبريل 2014، مما زاد من تفاقم الأوضاع الصعبة أصلاً للاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان.
يصل الفصل إلى ذروته في وصف الأزمة الشاملة، مشيراً إلى أن لبنان سيستضيف بحلول نهاية 2015 ما يقدر بـ 1.5 مليون لاجئ سوري و313 ألف لاجئ فلسطيني، بالإضافة إلى 1.5 مليون لبناني يعيشون في ظروف هشة. هذا الوضع يجعل لبنان البلد الوحيد في العالم الذي يعاني من أعلى كثافة للاجئين مقارنة بعدد سكانه، مما يشكل "مأساة متخمرة".
أخيراً، يتناول الفصل مشكلة حساسة وهي اللاجئين غير المسجلين أو الذين دخلوا البلاد بطريقة غير قانونية. يشير المؤلف إلى أن أعدادهم يصعب تقديرها لكنها تصل إلى آلاف، ويعيشون في مستوطنات عشوائية قريبة من الحدود أو في مناطق نائية، متخفين خوفاً من الاعتقال. تكونت بذلك "مجموعة فرعية" من اللاجئين أكثر عرضة للخطر من غيرهم. يضيف المؤلف أن هذه المجموعة تزداد حجماً بسبب ازدياد الولادات غير المسجلة، حيث يذكر أن 34,272 طفلاً سورياً ولدوا في لبنان بين مارس 2011 وأغسطس 2014، ومعظمهم غير مسجلين رسمياً مما يعرضهم لخطر انعدام الجنسية.
3.46–54▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على الوضع القانوني للاجئين السوريين والفلسطينيين في لبنان، ويشرح الموقف الرسمي للحكومة اللبنانية الذي يتسم بالتناقض بين الالتزام ببعض المبادئ الدولية وبين رفض اعتبار لبنان بلد لجوء. يوضح المؤلف أن لبنان، على الرغم من كونه موقعاً على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ليس طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 ولا في بروتوكولها لعام 1967. ومع ذلك، يلتزم لبنان طواعية ببعض أحكام الاتفاقية، وخاصة مبدأ "عدم الإعادة القسرية"، الذي يحظر إعادة اللاجئين إلى بلدانهم إذا كانت حياتهم أو حريتهم مهددة. يصرّ المسؤولون اللبنانيون باستمرار على أن لبنان "ليس بلد لجوء ولا وجهة نهائية للاجئين"، ولهذا السبب، يصفون كل من فر من سوريا بعد مارس 2011 بأنه "نازح" وليس "لاجئاً"، ويرفضون رفضاً قاطعاً إقامة مخيمات رسمية خشية توطينهم الدائم، وهي خشية نابعة من تجربة لبنان الطويلة والمريرة مع اللاجئين الفلسطينيين.
يشرح الفصل التطورات المتعلقة بتنظيم دخول وإقامة السوريين، مستنداً إلى الاتفاقية الثنائية لعام 1993 بين لبنان وسوريا والتي كانت تمنح حرية التنقل والعمل، حيث كان يعمل في لبنان قبل الأزمة ما بين 300,000 إلى 900,000 عامل سوري. في فبراير 2013، أصدرت وزارة العمل اللبنانية قراراً فتحت بموجبه مهناً كانت حكراً على اللبنانيين للعمال السوريين. منذ بداية الأزمة وحتى عام 2015، اتبعت الحكومة سياسة "الباب المفتوح" التي سمحت بدخول مئات الآلاف. كانت عملية التسجيل تتم عبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) من خلال أربعة مراكز رئيسية، حيث كانت تصدر شهادة تسجيل تمنح حق الوصول إلى الرعاية الصحية الأولية والتعليم المخفّض. بالنسبة للإقامة، كان يُمنح السوريون جواز دخول يسمح لهم بالبقاء لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد مجاناً، ثم يتوجب عليهم دفع 300,000 ليرة لبنانية (حوالي 200 دولار) لتجديدها لمدة ستة أشهر إضافية.
على النقيض من ذلك، يبين الفصل الوضع القانوني المختلف جذرياً للاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا (PRS). حتى مايو 2014، كان يُمنح الفلسطينيون القادمون من سوريا تأشيرة دخول لمدة 15 يوماً، قابلة للتجديد لثلاثة أشهر مقابل رسم زهيد، وكانت الأونروا (UNRWA)، وليس UNHCR، مسؤولة عن تسجيلهم وتقديم الخدمات لهم. لكن مع تزايد الأعداد، فرضت الحكومة قيوداً مشددة اعتباراً من مايو 2014، حيث حصرت الدخول بتأشيرة عبور مدتها 24 ساعة بشرط امتلاك تذكرة وتأشيرة لبلد المقصد، وفي مايو 2015 توقفت الحكومة فعلياً عن السماح لهم بالدخول. يُشير الفصل إلى أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعانون أصلاً من تمييز قانوني، إذ يُمنعون من العمل في حوالي 20 مهنة، وتصفهم الأونروا بأنهم الأعلى نسبة في الفقر المدقع بين كل أماكن تواجدهم.
يوثق الفصل التحول الحاسم في السياسة اللبنانية في منتصف عام 2014، عندما أصبح لبنان البلد الأعلى في العالم من حيث عدد اللاجئين مقارنة بعدد السكان، مع تسجيل ما لا يقل عن 1.13 مليون لاجئ سوري لدى UNHCR. في 20 أكتوبر 2014، أعلن وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس أن لبنان "لن يقبل المزيد من اللاجئين السوريين"، مؤكداً أن أي سوري مرحب به لكن ليس كلاجئ. لتنفيذ هذا القرار، أصدرت المديرية العامة للأمن العام توجيهات متسلسلة في ديسمبر 2014، يناير 2015، وفبراير 2015. نصت هذه التوجيهات على أن دخول السوريين أصبح محصوراً بفئات محددة: السياحة، العمل برعاية كفيل لبناني، الدراسة، العلاج، امتلاك عقار، أو العبور إلى دولة أخرى. واشترطت دفع رسوم وتقديم وثائق تثبت الغرض من الزيارة، مع توقيع تعهد بعدم العمل لجميع فئات الدخول باستثناء فئة العمل. وحددت المادة الرابعة من التوجيه الأخير منع دخول أي سوري كمهاجر إلا في ظروف استثنائية.
يفيد الفصل أن القيود الجديدة على تجديد الإقامة أصبحت تتطلب من السوريين المسجلين لدى UNHCR دفع 200 دولار، بالإضافة إلى تقديم إثبات سكن (عقد إيجار موثق أو سند ملكية) وشهادة من مختار، وتعهد موثق بعدم العمل، وإثبات الموارد المالية. يعرض المؤلف الانتقادات الواسعة لهذه القيود، نقلاً عن مسؤولة الأمم المتحدة نينيت كيلي التي وصفها بأنها "إشكالية للغاية"، وأشارت إلى أنها تعرّض اللاجئين للاستغلال من قبل مالكي العقارات والمخاتير. كما نقل عن ناشطين تحدثوا عن تقارير عن طلب رشاوى وأعمال جنسية مقابل التوقيع على وثائق السكن. في المقابل، يذكر أن بعض المسؤولين اللبنانيين دافعوا عن القيود، مثل المستشار خليل جبارة الذي أقر بوجود صعوبات لكنه أكد أن الحكومة تسعى لمعالجتها، موضحاً أنه لا توجد سياسة ترحيل للسوريين المخالفين.
في ختام الفصل، يورد المؤلف وجهة نظر توفيقية من النائب باسم شعب، الذي يرى أن القوانين تسمح للسوريين بالعمل في معظم المهن باستثناء المهن النقابية كالطب والهندسة والمحاماة، وأن المطلوب منهم الآن هو الحصول على تصريح عمل فقط. يخلص الفصل إلى أن هذه التنظيمات كانت استجابة لبلد ترك إلى حد كبير لمواجهة أزمة طغت على نظامه ومجتمعه، ورسالة تحذيرية موجّهة للمجتمع الدولي، خاصة دول الخليج العربية الغنية التي لم تستقبل لاجئين رغم أنها دفعت أحياناً رسوم تجديد الإقامة. يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذه السياسات على تحقيق توازن بين تخفيف العبء على لبنان واحترام حقوق إنسانية أساسية، وهو ما يظهر من خلال الاستغلال والملاذات الآمنة التي اضطر اللاجئون للجوء إليها.
4.55–88▼ résumé
هذا الفصل يوثق بالتفصيل تطور استجابة لبنان والمجتمع الدولي لأزمة اللاجئين السوريين، وذلك من خلال الخطط الإقليمية المتعاقبة. يقدم المؤلف تحليلاً لكيفية تطور هذه الخطط من مجرد تقديم مساعدات إنسانية طارئة للاجئين إلى نهج أكثر شمولاً يهدف إلى دعم المجتمعات المضيفة الهشة وتعزيز قدرة الدولة على الصمود. المحور الأساسي للفصل هو إظهار كيف أن تدفق اللاجئين المتزايد، والتحديات المتراكمة، وتأثير الأزمة على الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي في لبنان، كلها عوامل دفعت إلى تحول الاستراتيجيات من التركيز على الحماية والمساعدات الفورية إلى دمجها مع أهداف التنمية طويلة المدى وبناء المرونة.
يبدأ الفصل بسرد تفاصيل الموجة الأولى من اللاجئين السوريين الذين دخلوا لبنان بين عامي 2011 و2012، والذين استقروا في البداية في شمال لبنان، خاصة في وادي خالد، طرابلس، وعكار. يصف كيف قامت منظمات خيرية لبنانية مثل "البشائر" و**"بيت الزكاة"** ومنظمات دولية مثل اليونيسيف، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كاريتاس، والصليب الأحمر الدولي بدور ريادي في تقديم المساعدات. يذكر أيضاً أن الحكومة اللبنانية أنشأت الهيئة العليا للإغاثة لتنسيق الجهود، والتي عملت بشكل وثيق مع المفوضية وركزت على تقديم الغذاء والمواد الأساسية وتغطية تكاليف الرعاية المركزة للجرحى السوريين. يبرز المؤلف دور مراكز التنمية الاجتماعية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، والتي كانت قد أنشئت أساساً لمساعدة النازحين خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وأصبحت الآن حجر الزاوية في تقديم الخدمات للاجئين والمجتمعات المضيفة.
مع تزايد أعداد اللاجئين وانتقالهم إلى البقاع في أوائل عام 2012، يوضح الفصل الحاجة الملحة لنهج أكثر تنظيماً. يسرد التحديات التي واجهتها الجهود الإنسانية: صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية بعد المسافات، غياب علاج الأمراض المزمنة، صعوبات متابعة المناهج الدراسية في المدارس العامة اللبنانية بسبب اختلاف لغة التدريس، الارتفاع الكبير في تكاليف الإيجار مما اضطر اللاجئين للعيش في مبانٍ مهجورة أو خيام عشوائية تفتقر للمياه والكهرباء. كاستجابة لهذه التحديات، تم تطوير خطة الاستجابة الإقليمية لعام 2012. يشرح الفصل أن هذه الخطة حددت أهدافاً استراتيجية إقليمية تشمل ضمان حماية اللاجئين وعدم إعادتهم قسراً، وتلبية احتياجاتهم الأساسية مع التركيز على الفئات الأكثر ضعفاً، واتخاذ تدابير للطوارئ في حال حدوث تدفق جماعي. تفاصيل الفصل الأنشطة المحددة لهذه الخطة في لبنان، مثل تسجيل جميع الوافدين الجدد عبر المفوضية، تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأسر والأطفال المتعثرين، توفير المواد الغذائية وغير الغذائية للاجئين والعائلات اللبنانية المضيفة، دعم التعليم في المدارس العامة من خلال تغطية الرسوم وتوفير المستلزمات المدرسية، ضمان الوصول إلى الرعاية الصحية الأولية والثانوية، وتأهيل المباني المهجورة كملاجئ جماعية.
يتناول الفصل بعد ذلك خطة الاستجابة الإقليمية لعام 2013، والتي تطورت استجابة لتصاعد الأزمة في سوريا. يوضح أن الخطة الجديدة ركزت على ثلاثة أهداف رئيسية: الحماية، تقديم الإغاثة الطارئة والخدمات الأساسية، ودعم قدرة المجتمعات النازحة والمضيفة على الصمود. يكشف الفصل عن أرقام مهمة، حيث تم تسجيل ما يقرب من 860,000 لاجئ سوري، وأكثر من 51,300 لاجئ فلسطيني من سوريا، و17,500 لبناني عائد من سوريا، في حين تأثر أكثر من 1.5 مليون لبناني بالأزمة. على الرغم من حجم المساعدات المقدمة التي شملت قسائم غذائية لمئات الآلاف، وتقديم الرعاية الصحية الأولية، وإلحاق 100,000 طفل في المدارس، وتقديم مساعدات الإيواء لمئات الآلاف، إلا أن الفصل لا يغفل عن التحديات الكبيرة التي واجهها هذا الجهد. يذكر أن 73 في المئة فقط من التمويل المطلوب للخطة تم توفيره، مما أثر سلباً على القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة. كما يسلط الضوء على مشاكل مزمنة مثل عزوف الناجيات من العنف الجنسي عن الإبلاغ خوفاً من الوصم الاجتماعي، لجوء الأسر الهشة إلى عمالة الأطفال، واستمرار انخفاض معدلات التحصيل الدراسي حيث كان 80 في المئة من أطفال اللاجئين لا يذهبون إلى المدرسة.
يتحول الفصل لاحقاً إلى التركيز على التأثير الاقتصادي والاجتماعي المدمر للأزمة على لبنان، بالاستناد إلى تقرير أعدّه البنك الدولي في سبتمبر 2013. يورد التقرير أن الصراع السوري قد يخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.9 نقطة مئوية سنوياً، ويدفع حوالي 170,000 لبناني إلى الفقر، ويضاعف معدل البطالة إلى ما يزيد عن 20 في المئة، ويكبد الخزينة خسائر ضريبية مع زيادة في الإنفاق تصل إلى 2.6 مليار دولار. بناءً على هذا التقرير، يصف الفصل كيف أن الحكومة اللبنانية وضعت "خارطة طريق لبنان للتدخلات ذات الأولوية لتحقيق الاستقرار من الصراع السوري" في نوفمبر 2013. يشرح أن هذه الخريطة كانت بمثابة نقطة تحول، حيث انتقلت من مجرد الاستجابة الإنسانية إلى التركيز على تثبيت استقرار الدولة. تتكون الخريطة من أربعة مسارات عمل رئيسية تهدف إلى تخفيف الأثر على ميزانية الدولة والقطاع الخاص، عبر تنفيذ مشاريع فورية ومتوسطة وطويلة الأجل في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق، مع التركيز على خلق فرص العمل وتعزيز التماسك الاجتماعي.
يكرس الفصل قسماً كبيراً لتفصيل خطة الاستجابة الإقليمية لعام 2014، والتي كانت الأكبر والأكثر شمولاً في ذلك الوقت. يبين أن هذه الخطة، التي توقعت وجود 4.1 مليون لاجئ سوري بحلول نهاية العام، جعلت من الحماية والاستجابة للاحتياجات الإنسانية الفورية هدفاً أساسياً، ولكنها تضمنت أيضاً تدخلات جديدة تهدف إلى تعزيز تقديم الخدمات المحلية وقدرة المجتمعات على الصمود. يقدم الفصل تحليلاً لكل قطاع من القطاعات الثمانية التي غطتها الخطة. في قطاع الحماية، تم استهداف تقديم مساعدات متخصصة للأكثر ضعفاً وتوسيع المساحات الآمنة للنساء والفتيات. في قطاع الأمن الغذائي، الذي يقوده برنامج الأغذية العالمي، تبين أن 72 في المئة من اللاجئين يعانون من انعدام الأمن الغذائي. في قطاع التعليم، واجه النظام المدرسي ضغطاً هائلاً، حيث كان هناك حاجة لتعليم أكثر من 500,000 طفل خارج النظام الرسمي. في قطاع الصحة، وصف الفصل التحديات المتمثلة في ضعف البنية التحتية الصحية وغالبية القطاع الخاص، مما استلزم توسيع شبكة مراكز الرعاية الصحية الأولية. في قطاع الإيواء، انتقل اللاجئون من العيش مع العائلات المضيفة إلى المستوطنات العشوائية، مما استدعى إقامة مستوطنات رسمية وتقديم مساعدات نقدية للإيجار. في قطاع الاحتياجات الأساسية، تم التركيز على توزيع المواد غير الغذائية ومساعدة اللاجئين على مواجهة الشتاء. في قطاع التماسك الاجتماعي وسبل العيش، ركزت الاستراتيجية على تخفيف التوترات بين اللبنانيين والسوريين ودعم سبل العيش المستدامة. أخيراً، في قطاع المياه والصرف الصحي، تم توزيع آلاف المرشحات وخزانات المياه وبناء شبكات صرف صحي، مع التحول نحو مشاريع مجتمعية طويلة الأجل بدلاً من الاستجابات الطارئة مثل نقل المياه بالشاحنات.
يختتم الفصل بتأكيد أن الخطة الإقليمية لعام 2014 عززت الإجماع الدولي على ضرورة دمج المساعدات الإنسانية مع التنمية القائمة على بناء قدرة المجتمعات على الصمود، مما مهد الطريق لوضع خطة إقليمية أكثر شمولاً وتركيزاً على الدولة في الفترة 2015-2016. يقدم الفصل في النهاية نظرة عامة على تمويل الخطة لعام 2013، مدرجاً أسماء الدول المانحة مثل الولايات المتحدة، اليابان، ألمانيا، المملكة المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والسعودية، وغيرها من الدول والصناديق، ويشير إلى أن نسبة التمويل الإجمالية التي تلقتها لبنان بلغت حوالي 73 في المئة. يمكن القول إن الفصل يوثق بدقة عملية تحول استراتيجي من الإغاثة البحتة إلى بناء المرونة، مع الاعتراف بأن هذا التحول كان مدفوعاً بضغوط هائلة على الدولة والمجتمع اللبناني، وبضرورة تعزيز التماسك الاجتماعي وتخفيف التوترات بين المجتمعات المستضيفة واللاجئين.
5.89–122▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل دراسةً تفصيليّةً لخطة اللاجئين والقدرة على الصمود الإقليمية (3RP) للفترة 2015-2016 ومكوّنها القُطري في لبنان، وهو خطة الاستجابة للأزمة في لبنان (LCRP). يتمحور الموضوع المحوري حول وصف هذا التحوّل النموذجي في نهج الأمم المتحدة تجاه أزمة اللاجئين، حيث تنتقل الاستراتيجية من تقديم المساعدات الإنسانية البحتة إلى دمجها مع جهود بناء القدرة على الصمود والتنمية المستدامة للمجتمعات المضيفة. الإجابة التي يقدّمها المؤلف هي أن هذه الخطط، رغم طموحها ونجاحها في تحقيق بعض الإنجازات، قد فشلت إلى حد كبير في تحقيق أهدافها الرئيسية بسبب نقص حاد في التمويل، وتشديد السياسات الحكومية اللبنانية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية، مما أدى إلى استمرار معاناة اللاجئين والمجتمعات المضيفة على حد سواء.
يسير الفصل بتسلسل منطقي واضح، فيبدأ بمراجعة إنجازات خطة الاستجابة الإقليمية السابقة (RRP6) لعام 2014 وإخفاقاتها. يذكر الفصل أن الخطة السابقة لم تحصل إلا على 53% فقط من تمويلها، وهو أدنى مستوى مقارنة بـ 71% في 2013 و 77% في 2012. على الرغم من ذلك، استعرض الفصل إنجازات ملموسة تحققت بموجب RRP6 في لبنان، شملت تقديم مساعدات شتوية لأكثر من 596,000 شخص، وتوزيع قسائم غذائية على 980,000 شخص، وتقديم 620,000 استشارة طبية، وتوفير 1.3 مليون جرعة تطعيم ضد شلل الأطفال والحصبة، وإلحاق ما يقرب من 220,000 طفل بخدمات التعليم. لكن هذه الإنجازات قوبلت بتحديات هائلة مثل العيش في أكثر من 1,700 موقع، وعدم القدرة على تجديد الإقامة، وآليات التكيف السلبية كعمل الأطفال والزواج المبكر، مما أدى إلى تطوير خطة 3RP الجديدة كإطار إقليمي متماسك.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى شرح بنية خطة 3RP التي تضم ما يقرب من 200 شريك إنساني وتنموي. تعمل الخطة عبر مكونين رئيسيين: الأول هو "مكون اللاجئين" الذي يعنى بالحماية والمساعدات الإنسانية، والثاني هو "مكون القدرة على الصمود" الذي يهدف إلى دعم النظم الوطنية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. حددت الخطة ثلاثة أهداف إقليمية كبرى: تعزيز حماية اللاجئين، ومعالجة الفجوات في القدرات الوطنية، وتعزيز التماسك الاجتماعي. تتجسد هذه الاستراتيجية في خطة LCRP اللبنانية، التي صُممت لتتكامل مع خطة 3RP وتهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية: ضمان المساعدات الإنسانية والحماية، وتعزيز قدرة أنظمة تقديم الخدمات العامة، وتعزيز استقرار لبنان الاقتصادي والاجتماعي والمؤسسي.
يخصص الفصل قسماً كبيراً لتفصيل مكونات خطة LCRP وآلياتها، مقسّماً إياها إلى ثلاث "مناطق استجابة". المنطقة الأولى ركزت على تقديم المساعدات الأساسية للفئات الأكثر ضعفاً، بما في ذلك المساعدات الغذائية والمأوى والحماية القانونية، بإجمالي ميزانية مقترحة بلغت 2.14 مليار دولار. المنطقة الثانية هدفت إلى ربط الفئات الضعيفة بخدمات أساسية معززة، مع التركيز على قطاعات التعليم (عبر خطة الوصول إلى جميع الأطفال - RACE)، والصحة، والمياه والصرف الصحي (WASH). المنطقة الثالثة ركزت على دعم المؤسسات الوطنية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي من خلال برامج سبل العيش والاستقرار الاجتماعي. يوضح الفصل بالتفصيل القطاعات المختلفة والأطراف القيادية، مثل وزارة الشؤون الاجتماعية (MoSA) ووزارة الداخلية والبلديات (MoIM) والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) وغيرها.
في القسم الأخير والأكثر أهمية، وهو "لوحة النتائج: الإنجازات والإخفاقات"، يقدم الفصل تحليلاً صريحاً للواقع بعد منتصف عام 2015. يقرّ المؤلف بأن خطة LCRP لم تحصل إلا على 23% فقط من تمويلها البالغ 2.14 مليار دولار بحلول يوليو 2015، مما أدى إلى تخفيض قيمة القسائم الغذائية من 27 دولاراً إلى 13.50 دولاراً للفرد الواحد، وانخفاض حاد في جميع القطاعات. تشير نتائج مسح تقييم الضعف (VASyR) إلى أن 70% من الأسر السورية أصبحت تحت خط الفقر (مقارنة بـ 50% في عام 2014). يصف الفصل بالتفصيل فشل الخطة في تحقيق أهدافها القطاعية: ففي قطاع التعليم، على سبيل المثال، تم دعم 106,735 طفلاً لاجئاً، وهو رقم بعيد جداً عن الهدف المحدد بـ 227,947 طفلاً. وفي قطاع الصحة، لم يتمكن 20% من اللاجئين المحتاجين للرعاية الصحية من الوصول إليها.
يعود الفصل بعد ذلك لتحليل أسباب هذا الفشل، مركزاً على عاملين رئيسيين. الأول هو النقص الحاد في التمويل الدولي، مما قوض قدرة الجهات الفاعلة على تقديم الخدمات الأساسية. الثاني هو القيود الحكومية اللبنانية المشددة، ممثلة في سلسلة من التوجيهات التي أصدرتها المديرية العامة للأمن العام في أواخر 2014 وأوائل 2015. حولت هذه التوجيهات سياسة الحدود المفتوحة إلى سياسة "مغلقة تقريباً"، وفرضت شروطاً تعجيزية لتجديد الإقامة، بما في ذلك دفع رسم قدره 200 دولار والتوقيع على تعهد بعدم العمل، مما دفع العديد من العائلات لإخراج أطفالها إلى سوق العمل. يخلص المؤلف إلى أن هذا المزيج من العوامل أدى إلى تفاقم آليات التكيف السلبية مثل عمل الأطفال والاستغلال الجنسي، ما أدى إلى إحباط الأهداف الرئيسية للخطة وزيادة هشاشة اللاجئين والمجتمعات اللبنانية على السواء.
في تحليل نقدي، يمكن القول إن الفصل يقدم صورة متوازنة لكنها قاتمة لواقع التدخل الدولي المعقد. من ناحية، يُظهر طموح الخطة الجديدة وابتكارها النظري في المزج بين الإغاثة والتنمية، ومن ناحية أخرى، يكشف عن عجزها أمام حقائق الجغرافيا السياسية والتمويل غير الكافي والإرادة السياسية المحلية. النقطة الأكثر إثارة للجدل والتي يدعو إليها التحليل بشكل ضمني هي أن الخطة، رغم تركيزها على "بناء القدرة على الصمود"، فشلت في التصدي للسبب الجذري للأزمة وهو القيود القانونية والحكومية التي جعلت اللاجئين غير قادرين على الاعتماد على أنفسهم. الفصل يلمح إلى أن لبنان، الذي يعاني من أزماته السياسية والطائفية العميقة، لم يكن قادراً على استيعاب هذه الأزمة الضخمة، مما خلق مأزقاً مزدوجاً للاجئين وللدولة اللبنانية على حد سواء، مع تحذير صريح من تكرار التاريخ المأساوي للاجئين الفلسطينيين.
6.123–170▼ résumé
يُحلل هذا الفصل الأمني والسياسي في لبنان، ويسعى إلى فهم كيف نشأ وتطور التطرف الإسلامي والسلفي-الجهادي تحت الهيمنة السورية، وكيف امتد من شمال لبنان إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. ثم يدرس تداعيات انهيار النظام السوري في لبنان عام 2005، وكيف تسببت الأزمة السورية في امتداد تأثيرها إلى البلاد. أخيراً، يحقق الفصل في تأثير هذا الامتداد على الأمن والوعي الجمعي اللبناني، وخصوصاً العلاقة بين اللاجئين والإرهاب الذي نفذه داعش وجبهة النصرة وحلفاؤهما السلفيون-الجهاديون بين اللاجئين.
يبدأ الفصل بوصف حالة الجيش اللبناني، الذي يُعتبر المؤسسة الأكثر احتراماً في البلاد الطائفية. منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1943، سعى الجيش للبقاء محايداً، لكنه اتُهم بكونه "جيشاً مسيحياً" قبل الحرب الأهلية. أدى تزايد نشاط منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات ضد إسرائيل بعد حرب 1967 إلى استقطاب البلاد، ووقع اتفاق القاهرة 1969 الذي أخرج المخيمات الفلسطينية من سيطرة الجيش ومنح الفلسطينيين حق الكفاح المسلح. انزلقت البلاد إلى حرب أهلية عام 1975، وتفكك الجيش طائفياً.
ينتقل الفصل إلى اتفاق الطائف 1990 الذي أنهى الحرب الأهلية وأدخل تعديلات دستورية، وأكد على "العلاقات المميزة" بين لبنان وسوريا. أدى ذلك إلى احتلال سوري للبلاد بموجب معاهدة الأخوة 1991، وحكم النظام السوري لبنان عبر مخابراته (المخابرات) بقسمة الأراضي والحفاظ على توازن طائفي. عززت سوريا وإيران قوة حزب الله، الذي أصبح ورقة ضغط داخلية وخارجية للنظام السوري، مما جعل الجيش اللبناني قوة شبه عاجلة.
يناقش الفصل اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في فبراير 2005، والذي ألقي باللوم فيه على سوريا وحزب الله. أدى اغتياله إلى ضغوط دولية ومحلية أدت إلى إعلان الرئيس بشار الأسد سحب قواته من لبنان في مارس 2005، لينتهي بذلك ثلاثة عقود من الهيمنة السورية. خلق الانسحاب فراغاً سياسياً أشعل صراعاً طائفياً بين معسكر 8 آذار بقيادة حزب الله، ومعسكر 14 آذار بقيادة تيار المستقبل.
يركز الفصل بعد ذلك على ظهور أول إمارة إسلامية في لبنان في طرابلس (1983-1985) بقيادة الشيخ سعيد شعبان وحركته "حركة التوحيد الإسلامي". كان شعبان متأثراً بأفكار سيد قطب والثورة الإيرانية، ودعا إلى حكم إسلامي شامل رافضاً التعددية الدينية. أدى الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 إلى تعزيز نفوذه، وبايعه أمراء الميليشيات في طرابلس. خشي الرئيس السوري حافظ الأسد من تحالف بين شعبان ومنظمة التحرير الفلسطينية، فقمع الحركة بوحشية في معركة طرابلس، مما أدى إلى تهجير الإسلاميين إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان.
ينتقل الفصل إلى "حرب المخيمات" (1985-1988)، حيث حاصرت ميليشيا أمل بقيادة سوريا مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ومحاولة اقتلاع نفوذ منظمة التحرير. أسفرت الحرب عن آلاف القتلى الفلسطينيين، وعززت الكراهية بين الإسلاميين واللاجئين تجاه النظام السوري.
يتناول الفصل بعد ذلك شيطنة حزب الله في فترة ما بعد الانسحاب السوري. في يوليو 2006، نشبت حرب بين حزب الله وإسرائيل، والتي اعتبرها كثير من اللبنانيين حرباً إيرانية-سورية بالوكالة. تفاقم الاستقطاب مع اغتيالات شخصيات معادية لسوريا، وقرار الحكومة في مايو 2008 بإزالة رئيس أمن المطار واعتبار شبكة اتصالات حزب الله غير قانونية. رد حزب الله باجتياح بيروت الغربية، مما أدى إلى اتفاق الدوحة الذي أعطى المعارضة حق النقض في الحكومة. أدى هذا إلى شيطنة واسعة لحزب الله والطائفة الشيعية في خطب السلفيين.
في القسم الأخير، يحلل الفصل صعود السلفية-الجهادية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وتحديداً في مخيم عين الحلوة في صيدا. يصف ظهور "حركة الجهاد الإسلامي" المقاتلة في 1975 بقيادة الشيخ إبراهيم غنيم، والذي ألهم تلاميذاً مثل الشيخ هشام شرايدي مؤسس "عصبة الأنصار" في 1986. استفادت العصبة من القمع السوري لحركة التوحيد في طرابلس، حيث هرب أعضاؤها إلى عين الحلوة. تتبنى العصبة أيديولوجية سلفية-جهادية تركز على الجهاد، وإقامة الدولة الإسلامية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لعبت دوراً في دعم التمرد في العراق، ويُشتبه في علاقاتها مع القاعدة. أدى الانقسام داخل العصبة إلى انشقاق "جند الشام". مع الثورة السورية عام 2011، تعبأ السلفيون لدعم الثوار، ويُذكر أن أعضاء سابقين من جند الشام وعصبة الأنصار كانوا في طليعة تدريب عناصر جبهة النصرة.
في الختام، يقر الفصل بحدود التحليل، مشيراً إلى أن السلفية-الجهادية لم تكن ذات شعبية أولية في لبنان، لكنها وجدت أرضاً خصبة في المخيمات الفلسطينية نتيجة الإحباط من القومية الفلسطينية والتمييز والفقر. يطرح الفصل سؤالاً مفتوحاً حول كيفية تعامل الدولة اللبنانية مع هذه الشبكات الإرهابية ضمن سياق طائفي وأمني معقد، حيث تختلط الحدود بين اللاجئين والثوار السوريين والسلفيين-الجهاديين.
7.171–177▼ résumé
بدأت الحرب السورية، التي لا تزال مستمرة حتى لحظة كتابة هذا الفصل، بإحداث مأساة لا مثيل لها في التاريخ الحديث، حيث خلفت ما لا يقل عن 250 ألف قتيل وشردت أكثر من 11 مليون شخص. غيرت هذه الحرب حدود بلاد الشام وأطلقت صراعاً إقليمياً لتحديد طابع النظام الإقليمي الجديد. يرى المؤلف أن هذا الصراع معقد وطويل، ولا يوجد حل واضح في الأفق. ويعزو عجز المجتمع الدولي عن معالجة الأزمة السورية إلى عوامل كالارتباك، وعدم الاهتمام، و"الإرهاق" من مشاكل الشرق الأوسط، مما أدى إلى عواقب وخيمة جعلت الأزمة تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين. يجادل المؤلف بأن الأغطية الأيديولوجية الزائفة التي تلف بها النظام السوري ومعارضوه (مثل الإسلاموية والطائفية والعروبة) حجبت تقييماً نقدياً واقعياً لتنوع سوريا.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن المأساة الموازية في لبنان، حيث خلقت أزمة اللاجئين السوريين موجة جديدة من الفقر والبطالة وتعطيل الخدمات الاجتماعية ومخاوف أمنية وإرهابية، مما زاد من حدة الانقسامات الطائفية التي تعاني منها البلاد. يؤكد المؤلف أن لبنان استقبل، على غير المعتاد في العالم، أعداداً من السوريين أكبر مما يستطيع تحمله، ويحتوي من حيث عدد السكان على أعلى تركيز للاجئين في العالم بأسره. هذا الاستقبال كلف اللبنانيين ثمناً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً باهظاً. لكن الفصل يعترف بأن خطط الاستجابة المتعاقبة، مثل خطة لبنان للاستجابة للأزمة (LCRP) ضمن إطار خطة الاستجابة الإقليمية (3RP)، أحدثت تحولاً نموذجياً بالجمع بين الجهود الإنسانية والإنمائية، وساعدت مئات الآلاف من الفئات الأكثر ضعفاً على تغيير حياتهم.
على الرغم من هذه الجهود، يحذر الفصل من أن بنية المساعدات الإنسانية مهددة بالانهيار التام بسبب نقص التمويل الكافي ورأس المال السياسي. يستشهد المؤلف بتحذير أنطونيو غوتيريش، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الذي وصف الفشل في سوريا بأنه فشل دبلوماسي أولاً، ثم إنساني أيضاً، بسبب تضاؤل الاهتمام والتمويل وتزايد الاحتياجات، محذراً من أن ملايين البشر قد يموتون دون مساعدة. يصف الفصل تحولاً دراماتيكياً في المواقف اللبنانية تجاه اللاجئين، من ترحيب واعتبارهم ضيوفاً إلى كراهية وتحميلهم مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية. يروي المؤلف تجربته الشخصية: ففي صيف 2012 شعر بالترحيب والتعاطف الواسع مع اللاجئين عبر الطوائف اللبنانية، بينما في صيف 2015 اختفى هذا الدفء وحل محله شعور بالإحباط والاستياء، حيث أصبح كل سائق تاكسي وعامل بناء يشتكي من اللاجئين. ويضيف أن معظم اللاجئين من السنة، مما أثار قلق المسيحيين والشيعة والدروز من اختلال التوازن الطائفي، بينما خشيت القيادة السنية من فقدان شعبيتها لصالح صعود السلفيين.
يتناول الفصل تبعات هذه التحولات، مشيراً إلى أن اللاجئ أصبح كبش فداء للإرهاب والمشقة رغم أن هذه المخاوف لا يمكن إلقاء اللوم فيها على اللاجئ العادي. ينقل المؤلف عن نائب بارز في تحالف 14 آذار تساؤله عن قدرة لبنان على معالجة أزمة اللاجئين بينما تعجز حكومته عن حل أزمة النفايات التي أغرقت البلاد في القمامة، وهي الأزمة التي اندلعت في صيف 2015 وأدت إلى ظهور حركة احتجاجية. كما ينقل عن العميد الركن شامل روكوز قوله إن أمن لبنان مهدد بالتغيير الذي أحدثه العدد الضخم للاجئين في نسيج المجتمع اللبناني. من ناحية أخرى، يشعر معظم اللاجئين بأن إقامتهم المؤقتة في لبنان أصبحت عبئاً لا مفر منه ومفتوحة النهاية؛ فهم يشعرون بالاستياء العميق من اللبنانيين، وبأنهم مجبرون على العيش في مستوطنات قذرة والعمل في عمالة الأطفال والتسول، بعد أن أصدر وزير العمل اللبناني سجعان قزي في ديسمبر 2015 مرسوماً حصر فيه مئات المهن والأعمال باللبنانيين حصراً.
يختتم الفصل بقصة مؤثرة عن امرأة تدعى ماما ماريا، تعمل بلا كلل لرعاية المرضى والمسنين والفئات الهشة في منطقة البقاع، وتحدثهم عن سوريا بحكايات وطنية وتغني لهم بوعد مستقبل أفضل. لكن المؤلف يعترف أنه عند زيارته لمخيمات البقاع المتهالكة، كاد أن يبكي عندما رأى أطفال الغد، أو ما يجرؤ على تسميته بـ"الجيل الضائع من الغد". يخلص الفصل إلى أنه في غياب حل سياسي للأزمة، وتمويل كامل لخطة لبنان للاستجابة، ومنطقة آمنة دولياً في سوريا لإعادة توطين اللاجئين، فإن مأساة أكبر تلوح في الأفق، حيث أصبحت ردود الفعل العنيفة الناجمة عن الإحباط المكبوت لكل من الفئات المهمشة في لبنان والمحرومين في سوريا أمراً شبه حتمي، وأكثر النتائج ترجيحاً هي الاضطرابات المدنية والهجرة الخطرة نحو أوروبا.
من النقاط القابلة للنقاش والتي يبرزها النص هو تحميل اللاجئين مسؤولية المشاكل الاقتصادية والأمنية رغم وجود عوامل داخلية لبنانية مثل فشل الحكومة في إدارة أزمة النفايات وغيرها. كما أن تحذير الفصل من تحول التوتر إلى صراع أهلي أو هجرة جماعية هو استنتاج جوهري يعتمد على تحليل المؤلف لمشاعره ولقاءاته الميدانية، لكنه يظل سيناريو محتملاً وليس حقيقة ثابتة.