
الادب و الايدلوجية في سوريا
يُحلل كتاب «الأدب والأيديولوجيا في سوريا» العلاقة الجدلية بين الإنتاج الأدبي السوري والمواقف الأيديولوجية لكتّابه، مدافعاً عن أطروحة مفادها أن الأدب، في سياقه السوري ما بعد الاستقلال وصولاً إلى ما بعد هزيمة حزيران 1967، ليس مجرد تعبير جمالي محايد، بل هو انعكاس صريح للصراع الطبقي ولرؤية الكاتب للعالم. يدافع المؤلّف عن موقف ماركسي واضح، مفاده أن الأدب الحقيقي والتقدمي هو ذلك الذي ينحاز للطبقات الكادحة، ويتبنى تحليلاً طبقيّاً للصراعات الاجتماعية والتاريخية، ويرفض الحلول الفردية أو الوجودية أو الرومانسية. في المقابل، يُصنّف الكتاب الأعمال التي تتبنى رؤى إقطاعية أو برجوازية صغيرة أو ليبرالية على أنها أدب يعيق الوعي الثوري، حتى لو تمتعت ببراعة فنية.
تسير حجة الكتاب عبر فصول مترابطة، يبدأها بتحليل ما يسميه «شواهد المجتمع القديم»، مركزاً على عبد السلام العجيلي وألفة الادلبي. يرى المؤلّف أن العجيلي، عبر قصصه التي تعيد سرد الهزائم العربية (مثل حرب 1948 وهزيمة 1967) بأسلوب تاريخي غيبي، يكرّس الرؤية القبلية والجبرية التي تضع اللوم على «الخيانة» و«القدر» بدلاً من التحليل الاجتماعي. أما الادلبي، فتُقدَّم كممثلة لأيديولوجيا المجتمع الإقطاعي، حيث تمجّد دور المرأة التقليدي كأم وزوجة وتنظر بحنين إلى الماضي الإقطاعي، وتخلط بين العلم والشعوذة. بعد ذلك، ينتقل الكتاب إلى تحليل «الليبرالية والثبات الحسنة» عبر دراسة كوليت خوري وغادة السمان. يُظهر كيف أن الأولى، رغم ادعائها «الهومانية»، تظل أسيرة أيديولوجيا البورجوازية الكبيرة والملكية الخاصة والبطريركية، فيما الثانية، رغم جرأتها في طرح قضايا الهزيمة والجنس والتفاوت الطبقي، تظل أسيرة «الأجواء البورجوازية» وتقدم حلولاً إصلاحية لا تهدف لتدمير النظام الفاسد. في الفصل الثالث «من الوجودية إلى الماركسية»، يُحلّل جورج سالم ومصطفى الحلاج، منتقداً هاجس الموت والعزلة والذنب الوجودي في قصصهما، واعتبر أن تركيزهما على الفرد والميتافيزيقا هو هروب من التحليل الطبقي للصراع، ويعكس أزمة مثالية وسكونية في فهم التاريخ.
مع «احتقار البرجوازية الصغيرة وفوضويتها وعقمها»، يدرس المؤلّف صدقي إسماعيل، حسيب كيالي، زكريا تامر، وعلي الجندي، مركزاً على محدودية رؤية هذه الطبقة. ففي أعمالهم، يرى الكتاب سخطاً فردياً وفوضوية وعجزاً عن تقديم حلول جماعية ثورية، بل إن بعضهم، مثل كيالي، يبرر التفاوت الطبقي ويكرّس النظرة المتخلفة للمرأة. ثم يتناول «البرجوازية الصغيرة تتلمس الطريق» عبر حيدر حيدر، ممدوح عدوان، وعلي كنعان، حيث ينتقد تأرجحهم بين رومانسية الماضي وتقديس الريف وفهمهم الخاطئ للبطولة والفداء كأفعال فردية «سوبرمانية» منفصلة عن الجماهير. يخصص الكتاب فصلاً لـ«البطل الشعبي في الأدب السوري» من خلال تحليل شخصية بو علي شاهين كما قدمها حيدر حيدر وممدوح عدوان ومحمد عمران، ناقداً تحويل هذه الشخصية التاريخية إلى أسطورة بدلاً من تقديمها كدرس في النضال الطبقي الجماعي. وأخيراً، في «شواهد المستقبل الاشتراكي والمجتمع الجديد»، يرى المؤلّف بارقة أمل في أعمال عبدالله عبد، سعدالله ونوس، فارس زرزور، وحنا مينه، معتبراً أنهم يمثلون اتجاهاً نحو أدب ينحاز للفقراء والكادحين ويحاول تقديم رؤية جماعية ثورية، لكنه يُقر بأن هذا الأدب لا يزال في مرحلة متطورة وليس نهائياً، ومرهون بتطور البنية الاجتماعية والاقتصادية.
يضم الكتاب العديد من الأرقام والوقائع والشهادات اللافتة. هزيمة حزيران 1967 تمثل حدثاً محورياً يتكرر في كل الفصول تقريباً، وتُستخدم كحالة اختبار للرؤى الأيديولوجية المختلفة. يُبرز الكتاب شخصية عبد السلام العجيلي ورواياته «فارس مدينة القنطرة» التي تستعير سقوط الأندلس لتحليل هزيمة 1967، و**«نبوءات الشيخ سلمان»** عن حرب 1948. في تحليل غادة السمان، يُركّز على قصص مثل «الدانوب الرمادي» حيث تكتشف المذيعة «مدى» تورطها في تضليل الجماهير، و**«جريمة شرف»** التي تنسف منطقها الطبقي عندما يعدم الفدائي كلب البيك بدلاً من عدوه. في فصل جورج سالم، تُذكر قصة «الذنب» التي يعترف فيها البطل بأنه «حفيد مروان بن محمد» و«حفيد المستعصم بالله»، في إشارة إلى انهيار الدول الإسلامية الكبرى. أما في فصل بو علي شاهين، فيظهر تفصيل دقيق لظروف عمل «المرابعين» في قرية «سيفاتي»، حيث كانوا يدفعون ثلاثة أرباع المحصول للإقطاعي. أخيراً، في فصل «شواهد المستقبل»، تُقدم مسرحية سعدالله ونوس «مغامرة رأس المملوك جابر» التي تدور في بغداد القديمة كمشروع عمل ثوري ينتظر جمهوراً واعياً.
يقر المؤلّف في أكثر من موضع بحدود تحليله، معترفاً بأن بعض الكتّاب مثل غادة السمان تطرح قضايا حقيقية وجريئة، لكنه يرى أنهم يفشلون في تقديم حلول جذرية ويظلون أسرى أيديولوجيتهم الطبقية. كما يُقر بأن الأدب الواقعي الاشتراكي في سورية ليس قمة التطور، بل هو مرحلة متطورة تحتاج لمزيد من التطور يتناسب مع التحولات الهيكلية. ويترك أسئلة مفتوحة حول كيفية إحياء ذكرى البطل الشعبي الحقيقي شاهين بدلاً من الأسطوري، وحول قدرة الجماهير على التحرك وامتلاك زمام أمورها.
تثير بعض حجج الكتاب جدلاً قابلاً للنقاش. التركيز الحصري على المضمون الأيديولوجي على حساب القيمة الفنية أو الجمالية للأعمال قد يبدو متشدداً، إذ يُحاكم النص الأدبي بوصفه وثيقة سياسية قبل أن يكون عملاً فنياً. كذلك، فإن اتهام الكتّاب بأنهم «أسرى طبقتهم» وأنهم غير قادرين على تجاوزها لإنتاج «أدب ثوري حقيقي» قد يختزل الإبداع الأدبي في خانته الأيديولوجية فحسب، متجاهلاً تعقيد التجربة الإنسانية والبحث الفني الحر. وأخيراً، فإن رؤية المؤلّف للحلول التي يقدّمها (الانسلاخ عن الطبقة والالتزام بالماركسية) تبقى ضمن إطار نظري أيديولوجي واضح، قد لا ينصف تنوع التجارب الأدبية والجمالية التي أنتجها هؤلاء الكتاب.
Chapitres(7)
2.شواهد المجتمع القديم22–64▼ résumé
بما أنك لم تقدم محتوى الفصل الفعلي، بل قدمت نصًا يبدو أنه ملخص أو تحليل نقدي للفصل نفسه (ويحتوي على تعليقات وأحكام)، لا يمكنني كتابة ملخص أمين للفصل بناءً على هذا النص، لأن ذلك سيكون تلخيصًا لملخص وتحليل، مما سيخرج عن المطلوب.
بدلاً من ذلك، سأقوم بتلخيص النص الذي قدمته أنت، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا النص هو بمثابة تحليل نقدي لعدد من القصص والكتّاب، وليس الفصل الأصلي نفسه.
الملخص المطلوب بناءً على النص المقدم:
يُحلل هذا النص الأدب السوري في إطار الصراع الأيديولوجي، مركزاً على شخصية عبد السلام العجيلي كأبرز ممثل لـ "أدب المجتمع القديم". يرى النص أن العجيلي، على الرغم من مهارته الفنية، يتبنى رؤية رجعية تعود بالقارئ إلى القبلية والعصبية. يبرز ذلك في قصته "فارس مدينة القنطرة" التي تعيد سرد هزيمة حزيران 1967 عبر استعارة تاريخية من سقوط الأندلس، ملقية باللوم على الخيانة والتآمر دون تحليل اجتماعي عميق، ومعتمدة على مفهوم القائد "الفرد" المخلص والعصبية القبلية. في قصة "نبوءات الشيخ سلمان" عن حرب 1948، يستخدم العجيلي أسلوباً غيبياً يائساً، حيث يتنبأ الشيخ بالفشل والخيانة ويحط من قدر الجماهير، متنبئاً بمستقبل مظلم دون إشارة إلى نضال شعبي.
ثم ينتقل النقد ليشمل ألفة الادلبي، ممثلة "أفكار المجتمع القديم" لكن بأسلوب أقل حدة. تكرس الادلبي في مجموعتها "ويضحك الشيطان" القيم التقليدية للمرأة، محصورة في دورها كأم وزوجة، ومجددة الأسطورة القائلة إن "الأمومة" هي خلاصها الأسمى. في قصص مثل "الحنان غلاب"، تخلط الكاتبة بين العلم والشعوذة، وتبرر الخيانة الزوجية في "و shت بها العصافير" استثنائياً بسبب عجز الزوج. كما تعبر عن حنين رجعي للماضي الإقطاعي في قصص مثل "حمام النسوان" و"بعد سبعين عاماً"، حيث تصور العيش تحت سلطة "الحماة" القوية باعتباره مثالياً.
في المقابل، يذكر النص باختصار الليبراليين الجدد مثل نزار قباني وغادة السمان، محددا إياهم في إطار الصراع الأيديولوجي، ثم يختم بإشارة إلى كتابات كوليت خوري وغادة السمان اللتين تهاجمان "الشرق" ولكن من منظور ليبرالي غربي، مختلف عن تمجيد الادلبي للشرق ورومانسيتها الرجعية. الخلاصة هي أن أدب العجيلي والادلبي، على أهميته الفنية لناحية اللغة والصبغة، يكرس قيماً اجتماعية وسياسية متخلفة، ترفض التغيير التقدمي والتحليل الطبقي للصراعات، وتفشل في تقديم فهم حقيقي لأسباب الهزائم العربية.
3.من الوجودية إلى الماركسية107–185▼ résumé
يُحلل هذا الفصل أعمال الكاتب السوري جورج سالم، مركزاً على مجموعته القصصية «حوار الصم»، ويُظهر تحولاً فكرياً وأدبياً من التأثر بالوجودية إلى تبني رؤية ماركسية ناقدة لهذه التجارب الأدبية. يرى المؤلف أن أدب جورج سالم هو تعبير عن أزمة فردية ووجودية عميقة، حيث يُشير الكاتب نفسه إلى أن الكتابة عنده هي محاولة للتغلب على شعور الموت والقلق الوجودي، وهي ضرب من التطهر والخلاص الفردي.
يسير الفصل عبر فحص دقيق ومتسلسل لقصص المجموعة كل على حدة، مستخرجاً منها السمات المشتركة والمبادئ الفكرية التي تقوم عليها. يبدأ الفصل بمناقشة أفكار جورج سالم حول «المواقف الحدية» و«اللامعقول» و«القدر»، حيث يظهر في قصصه مثل «الصواب والخطأ» و«الصعود إلى الجلجلة» عالم مقلوب وقوانين غير عادلة، يواجه فيها الأبطال أقداراً لا مفر منها وكأنها «القدر» نفسه، مما يعكس نزعة جبرية. يستخدم الكاتب تقنية البدايات المفاجئة التي تضع القارئ أمام أحداث منتهية، وهذا الأسلوب، بحسب المؤلف، يعزز فكرة أن «كل شيء قد حدث لأسباب خارجة عن الإرادة»، وهي نظرة «جبريّة» دينياً و«محافظة» سياسياً.
يتعمق التحليل ليكشف عن هاجس الموت والعزلة والغربة الذي يطغى على قصص سالم. ففي قصة «الصعود إلى الجلجلة»، يُصوَّر البطل في حالة شيخوخة ومرض وقطيعة تامة مع العالم، حيث تنقطع كل الروابط ويتحول كل شيء حوله إلى صمم وخرس. هذه العزلة، بحسب المؤلف، تعكس أفكاراً وجودية حول صعوبة التواصل وفشل الذات في تحقيق ذاتها عبر الآخر. ينتقد المؤلف هنا جورج سالم لعدم ربطه هذه الظاهرة بالبنية الاجتماعية والاقتصادية، معتبراً إياها مشكلة فردية لا علاقة لها بالنظام البيروقراطي أو الرأسمالي الذي يعزل الإنسان.
ثم ينتقل الفصل لتحليل مفهوم «الذنب» في قصة «الذنب»، والتي يعتبرها المؤلف مفتاحاً لفهم رؤية سالم. البطل هنا لا يعاني من ذنب نفسي، بل من ذنب وجودي وتاريخي قومي، حين يعترف بأنه «حفيد مروان بن محمد» و«حفيد المستعصم بالله» و«حفيد محمد بن أبي عبد الله»، في إشارة إلى انهيار الدول الإسلامية الكبرى (الأموية والعباسية والأندلسية). هذا الشعور بالذنب، بحسب المؤلف، يعكس وعياً قومياً زائداً ونظرة مثالية سكونية للتاريخ، ويسأل الكاتب ناقداً: لماذا يرى الكاتب في تاريخ العرب مراحل سقوط فقط؟ ولماذا هذا الجلد الذاتي الذي يبدو امتداداً لهزيمة حزيران؟. يرى المؤلف أن هذا الموقف يخلق بطلاً «وحيداً» وسط عالم فاسد، وهي سمة وجودية بامتياز.
يكشف التحليل عن عناصر دينية ومسيحية واضحة في أدب سالم، خاصة في قصص «في الأعماق حديقة» و«أمام الجدار» و«اللوحة». ففي قصة «في الأعماق حديقة»، يُصوَّر الداخل (الذات) كحديقة يبست وتحولت إلى موت، مما يدل على أن الخلاص الفردي مستحيل إذا كان العالم الخارجي معادياً. أما في «أمام الجدار»، فيظهر البطل كـ«سيزيف» عربي يسعى نحو «الواحة» (المطلق) لكنه يصطدم بـ«الجدار» الذي لا يمكن تجاوزه، ويُؤمر بتكرار العمل مرة أخرى، مما يفضي إلى خلاصة عدمية: «الحياة أكذوبة كبرى». ويشير المؤلف هنا إلى أن هذه «العدمية الدينية» تخالف التعاليم الدينية التقليدية، لأنها تنفي إمكانية الوصول إلى المطلق.
تتصاعد حدة النقد الماركسي في تحليل قصة «المنتهى»، حيث يُرى أنها تختزل هموم الأمة العربية في «موت العواطف» الناتج عن صدمات تاريخية (مثل هجمات هولاكو)، مبتعدةً بذلك عن التحليل الطبقي للصراعات. يرى المؤلف أن جورج سالم يرتكب «مغالطة» بمعاملة المجتمع أو الأمة كفرد، وإعطاء الأولوية «للبناء الفوقي» (العواطف والعلماء) على «البنية التحتية» (الطبقة الكادحة)، وهذا، برأي المؤلف، هو قلب للمادية التاريخية وفهم مثالي. وتكرر هذه المغالطة في قصة «الفندق الكبير» التي تركز على عزلة الفرد وعدوانية المجتمع ضده، مما يمثل نظرة وجودية للإنسان ككيان وحيد معزول في عالم معادٍ.
يختم الفصل بمناقشة مسرحية «الدراويش يبحثون عن الحقيقة» لـمصطفى الحلاج، مقارناً إياها بأعمال جورج سالم. يرى المؤلف أن المسرحية، رغم محاولتها تجاوز الإطار الوجودي، لا تزال تعاني من ثنائية وجودية ودينية. فبطلها، درويش، يجد نفسه في «موقف حدي» (وجودي) لا مفر منه، ويُجبر على حمل صليب الآخرين، حاملاً همّاً قومياً وكأنه قدر. يتعرض الفصل لنقد حاد للصورة التي رسمها الحلاج للثائر، حيث يصوره وقد تحولت عواطفه إلى حجر وقلبه إلى نحاس، مما يعتبره المؤلف تشويهاً للالتزام الثوري. ويخلص إلى أن المسرحية مزيج من اتجاهات فكرية متضاربة (دينية، وجودية، قومية) لا تستطيع تقديم تحليل طبقي واضح، وتبقى حيادية لصالح الطبقة الوسطى، رغم أنها تعبر عن قلق حقيقي على المصير القومي والفردي.
تحفظات شخصية: يُظهر هذا الفصل قدرة تحليلية عالية من قبل المؤلف في تطبيق المنهج الماركسي لنقد الأعمال الأدبية. لكن التحليل، على دقته، قد يبدو أحياناً متشدداً وحاسماً في إدانة أي انشغال بالفرد أو الميتافيزيقا، باعتبارها خروجا عن «الصواب» الطبقي. النصوص الأدبية، كما هي الحياة، أكثر تعقيداً وثراءً من أن تُختزل في صراع طبقي فقط، وقد تكون معاناة الفرد الوجودية والبحث عن الخلاص الروحي قضايا حقيقية وملحة أيضاً، خاصة في سياقات القهر والتسلط التي وصفها الكاتب نفسه. يبدو أن المؤلف يطالب الكتّاب بأن يكونوا ثوريين وفقاً لوصفة أيديولوجية محددة، مما يقلل من شأن تعقيد التجربة الإنسانية والبحث الفني الحر.
4.احتقار البرجوازية الصغيرة وفوضويتها وعقمها186–259▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل دراسةً نقديةً لتيّار أدبي سوري، يمثل رؤية الطبقة البرجوازية الصغيرة وفكرها وأزماتها. تُقدّم الفكرة المحورية أنّ أدب هذه الطبقة، على الرغم من نبعه من معاناة طبقية ووطنيّة، يظلّ محصوراً في إطار فرداني وفوضوي وعقيم، عاجزاً عن تقديم حلول جذرية تتجاوز السخط واليأس نحو التغيير الثوري الجماعي.
يسير الفصل بتقسيم واضح، يبدأ بتحليل الظروف العامة التي أنتجت هذا الأدب، ثم ينتقل لدراسة أعمال أربعة كتّاب يمثلون مراحل واتجاهات مختلفة داخل هذه الطبقة: صدقي إسماعيل، حسيب كيالي، زكريا تامر، وعلي الجندي. لكلّ منهم فقرة مخصّصة، تُحلّل فيها نماذج من أعمالهم لاستخلاص الموقف الإيديولوجي للكاتب وحدود رؤيته.
البداية مع صدقي إسماعيل، حيث يُحلّل الفصل مجموعته القصصية «الله والفقر». يُظهر التحليل كيف تدور قصص صدقي، وبخاصة قصته الرئيسية، حول شخصية «أسعد الوراق»، وهو إنسان بسيط ومتدين يعاني من الفقر والقهر. يُبيّن الكاتب كيف يقدّم صدقي، المنتمي لحزب البعث، حياديةً ظاهريةً في سرد القصة، لكنها تخفي انحيازاً طبقيّاً. يطرح الفصل سؤالاً محورياً حول طريق الخلاص: هل هو التدين والتسليم بالقدر، أم هو الخلاص المادي بالثورة على الظلم؟ يخلص إلى أن صدقي إسماعيل، عبر شخصية أسعد، يصل إلى طريق مسدود؛ فحتى حين يتحول أسعد من الجبرية السلبية إلى الإيجابية (قتل من يقترب من الشرطة)، يبقى فعله فردياً غير واعٍ، ولا يصل إلى ثورة جماعية واعية. ينتقد الفصل ميل الكاتب إلى التفسيرات النفسية الساذجة بدلاً من التحليل الطبقي، وخلطه بين الظالم والمظلوم، مما يفضي إلى نهاية انتحارية أو انهزامية. أما قصته «العطب»، فتُعتبر هجاءً للمثقفين المنحدرين من طبقة برجوازية صغيرة والذين يتخلّون عن أصولهم عندما يصعدون اجتماعياً، مؤكدةً ثبات الانتماء الطبقي كقدر لا يمكن الفكاك منه.
ينتقل الفصل إلى حسيب كيالي، ويُحلّل مجموعته «حكاية بسيطة». يصف الكاتب أدب كيالي بأنه أقرب إلى «الحكايات الشعبية» أو «الخواطر» منه إلى القصة القصيرة المكتملة فنياً. يتناول الفصل بالتحليل قصصاً مثل «التوم»، و«الكم»، و«الخلاصة»، و«الموظفين»، ليكشف عن أيديولوجية الكاتب. يُظهر التحليل أن حسيب كيالي يقع في تناقضات: فهو يهاجم الاقطاع والاستغلال، لكنه في الوقت نفسه يمجّد نموذج التاجر الرأسمالي الذي جمع ثروته بـ«العمل» (كما في قصة الخلاصة)، ويبرر الفقر والتفاوت الطبقي على أنهما «قسمة الله». يركّز الفصل على نظرة كيالي المتخلفة للمرأة، التي يصورها ككائن غير مفكر، مهمّته الأساسية هي الأمومة فقط، ومن الخطأ أن تطلب شيئاً سوى ذلك. ينتقد الفصل سطحية تحليل كيالي للمشكلات الاجتماعية (كالفساد الإداري)، حيث يراها ناتجة عن أخلاق الأفراد الفاسدين لا عن طبيعة النظام. يُعتبر أدب كيالي، برأي الكاتب، أدباً محافظاً وترفيهياً، يخاطب القارئ البسيط بلغته وهمومه، لكنه لا يقدم رؤية ثورية أو حلاً جذرياً لمشاكله.
يُخصص الفصل فقرات نقدية موجزة لـ زكريا تامر و علي الجندي. يُعتبر زكريا تامر، برأي الكاتب، الأكثر تمثيلاً للبرجوازية الصغيرة بفردانيتها وفوضوية معاداتها للسلطة، وهي صفات منعت تطوره الأدبي رغم إبداعه اللفظي. أما علي الجندي، فيمثّل مأساة الإفلاس السياسي والفكري لهذه الطبقة، حيث انعكس عقمها السياسي إلى عقم في إنتاجه الأدبي.
يُقرّ الكاتب في تحليله بحدود هذه الأعمال، مشيراً إلى أنها تظلّ أسيرة إطارها الطبقي، غير قادرة على تجاوزه نحو رؤية ماركسية متكاملة تتبنى الصراع الطبقي والثورة كخيار وحيد. الحجج القابلة للنقاش في الفصل تكمن في صرامة التحليل الطبقي، الذي قد يختزل الإبداع الأدبي في خانته الإيديولوجية فقط، وربما أهمل بعض القيم الفنية أو الجمالية في هذه النصوص. كما أن الحلول التي يقدّمها الكاتب (الانسلاخ عن الطبقة والالتزام بالماركسية) تبقى ضمن إطار نظري أيديولوجي واضح.
4.الليبرالية والثبات الحسنة65–106▼ résumé
يطرح هذا الفصل من كتاب "الأدب والأيديولوجيا في سوريا" موضوعاً محورياً هو تحليل العلاقة بين الأيديولوجيا والخطاب الأدبي، من خلال دراسة نماذج لكاتبات سوريات ولبنانيات، هن: الفة الادلبي، كوليت خوري، وغادة السمان. يهدف الفصل إلى كشف كيف تعكس أعمالهنّ الأيديولوجيات الطبقية السائدة في المجتمع السوري والعربي، وكيف تتبنى كل كاتبة أو تنقد قيم طبقتها، خاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة والوطن والثورة.
يسير الفصل بتتبع تطور هذه الكاتبات وتحليل أعمالهنّ واحدة تلو الأخرى. يبدأ بمناقشة أعمال الفة الادلبي، مقدماً إياها كممثلة صادقة لأيديولوجيا المجتمع الإقطاعي الشرقي. ويستخدم الفصل أمثلة من قصصها مثل "الحل الوحيد" و"مفتاحان" و"هديته إلى الثوار" ليُظهر كيف تمجد شخصياتها قيم "المرأة العربية الفاضلة" والأمومة والتضحية، وكيف تنظر إلى الرجل كفارس شجاع. في قصة "هديته إلى الثوار"، التي تدور أحداثها في زمن الثورة السورية الكبرى، يشرح الفصل كيف تظهر الكاتبة خنوعاً في شخصية الشيخ مسعود ثم ترفعه عالياً، وكيف تبرز نخوة الأرملة التي تقدم بارودة زوجها الشهيد هدية للثوار. يكشف التحليل أن الادلبي تمجد الحياة الشرقية وترفض الهجمة البورجوازية على الأسس المتوارثة للمجتمع، وتنظر بعين الرضا للممارسة الدينية الشائعة، ما يضعها في خانة المدافعة عن القيم التقليدية.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى مناقشة كوليت خوري، مقدماً إياها كأصدق نموذج يمثل "البورجوازية الكبيرة". يعتمد الفصل بشكل كبير على حوار صحفي معها ليفضح تناقضها، حيث تنفي انتماءها للبورجوازية وتدّعي أنها "هومانية" وفوق الطبقات، بينما يرى المحلل أن هذا الموقف هو محاولة للتملص من مسؤولية طبقتها المسيطرة. ويشرح الفصل كيف تنعكس أيديولوجيا الملكية الخاصة والبطريركية في قصصها مثل "الواقع" و"هذا المجتمع" و"الزنزانة" و"التهمة". في قصة "الواقع"، يُظهر الفصل كيف تستسلم الكاتبة لـ "الواقع" البطريركي والزواج البورجوازي كعلاقة ملكية، بينما في "هذا المجتمع" تظهر فردانيتها وتضخم ذاتها على حساب الفهم العميق. وفي "الزنزانة"، ينتقد الفصل نظرتها السياسية السطحية التي تختزل الصراع الطبقي إلى مجرد "اختلاف في الآراء"، وتفضل اليوغا على فهم قوانين الحركة التاريخية. ويتناول الفصل أيضاً قصصها التي تتناول الفدائيين مثل "أم عرسة" و"قطرة دم"، منتقداً المبالغة والافتعال والإنشائية التي تجعل الكتابة هامشية.
يخصص الفصل حيزاً كبيراً لمناقشة غادة السمان ومجموعتها القصصية "رحيل المرافئ القديمة". يرى الفصل أن غادة السمان تطرح هموماً جريئة تتعلق بالهزيمة والجنس والتفاوت الطبقي والثورة والعمل الفدائي. يحلل الفصل بالتفصيل قصصاً مثل "الدانوب الرمادي" و"حريق ذلك الصيف" و"أرملة الفرح" و"جريمة شرف" و"الساعتان والغراب" و"عذراء بيروت". في "الدانوب الرمادي"، تظهر البطلة المذيعة "مدى" التي تكتشف تورطها في تضليل الجماهير قبل هزيمة حزيران 1967، وتعاني من عقدة الذنب. يمدح الفصل جرأة الكاتبة في فضح الفئة الحاكمة ممثلة بـ "حازم" وموقفها المتخلف من المرأة والجنس، لكنه ينتقد دعوتها إلى البدائية والعودة إلى الطبيعة كموقف بورجوازي، ورؤيتها اليائسة واللاوجودية التي تطغى على النهاية المتفائلة. في "حريق ذلك الصيف"، تتعمق الهزيمة مع البطلة "نوف" التي تركت حزبها بسبب "الديكتاتورية". ينتقد الفصل نظرتها غير الطبقية التي تعمم الأحكام على الشعب بأكمله، وتصورها للموت واللاجدوى التي تصل ذروتها في مشهد "مسرحية الموت" داخل التابوت. في "أرملة الفرح"، يشيد الفصل بانتفاداتها اللاذعة للبورجوازية العربية وفسادها، لكنه يكشف أن دعوتها للإصلاح هي "بورجوازية إصلاحية" لا تهدف لتدمير النظام، بدليل أنها لا تزال ترى نفسها منفصلة عن طبقة الخدم مثل "أبو عبدو" و"تفاحة".
في تحليل "جريمة شرف"، يرى الفصل أن الكاتبة تقدم مقارنة رائعة بين تفضيل المجتمع البورجوازي للكلاب على البشر من أبناء الجنوب اللبناني، لكنها تنسف الأساس المنطقي للقصة عندما تجعل بطلها "بوعلي" يعدم كلب البيك بدلاً من أن يقتل عدوه الطبقي، مؤجلة بذلك الصراع الطبقي لصالح النضال الوطني. وأخيراً، في "عذراء بيروت"، يلخص الفصل رؤية الكاتبة لمأزق تحرر المرأة في المجتمع البورجوازي، حيث لا ترى سوى طريقين لا ثالث لهما: التمرد والانتحار (علياء)، أو المسايرة والنفاق (مريم). ينتقد الفصل بشدة تركيزها على الجانب الجنسي فقط من قضية تحرر المرأة، متجاهلة الاستغلال الاقتصادي والحاجة للمشاركة في الإنتاج الاجتماعي، ونظرتها المثالية التي تعلق التحرر على تغير عقلية الرجل فقط.
يعترف الفصل بحدود ومسائل مفتوحة، أهمها إقراره بأن غادة السمان تطرح قضايا حقيقية وجريئة، لكنه يرى أنها تفشل في تقديم حلول جذرية وتظل أسيرة "الأجواء البورجوازية" ونظرة "المثقفين البورجوازيين"، ونادراً ما تخرج بعالمها إلى عالم الفلاح والعامل العادي. يقر الفصل أيضاً بأن القضية الوطنية والعمل الفدائي يحتلان مكانة مركزية في فكرها، لكنه ينتقد تناولها للصراع الطبقي على أنه "إصلاحي لا يهدف لتدمير النظام البورجوازي الفاسد".
من الحجج القابلة للنقاش بوضوح، اتهام الفصل الصريح والمباشر لغادة السمان وكوليت خوري بأن إنتاجهما هو مجرد تعبير عن أيديولوجيتهما الطبقية، مما يجعلهما غير قادرتين على تجاوز حدود وعيهما الطبقي لإنتاج أدب ثوري حقيقي يخدم مصالح الجماهير الكادحة. كما أن تحليل الفصل للأعمال الأدبية يركز بشكل شبه حصري على المضمون الأيديولوجي، دون إعطاء وزن كاف للقيمة الفنية أو الجمالية للأعمال، رغم اعترافه أحياناً بـ "جمال" أسلوب غادة السمان.
5.البرجوازية الصغيرة تتلمس الطريق260–316▼ résumé
يتمحور هذا الفصل حول تحليل الأدب السوري في فترة ما بعد الهزيمة، ويركز بشكل خاص على أعمال ثلاثة كتاب هم: حيدر حيدر، وممدوح عدوان، وعلي كنعان. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن أدب هؤلاء الكتاب يعكس أيديولوجية "البرجوازية الصغيرة" بكل تناقضاتها وإخفاقاتها، حيث يتلمسون طريقهم بين رومانسية الماضي، وتقديس الريف، والفهم الخاطئ للقضايا الوطنية والطبقية، وصولاً إلى تصور مثالي ورومانسي للبطولة والفداء.
يسير الفصل بتحليل كل كاتب على حدة، مستنداً إلى نصوصهم الأدبية كأدلة. بالنسبة لـحيدر حيدر، يناقش الفصل مجموعته القصصية "حكايا النورس المهاجر". يرى المؤلف أن حيدر يتأرجح بين نارين: جذوره الريفية وضرورات الحياة في المدينة. يتجلى هذا في صورته المزدوجة للمرأة، التي تتراوح بين "الهة" و"غول"، وفي نظرته المتناقضة للعلاقات الزوجية والملكية. في قصة "الوعل يقتنص صغيراً"، مثلاً، يدافع الكاتب عن حرية المرأة لكنه يقع في فخ نزعة الامتلاك. يستخدم المؤلف هذا المثال ليبين ازدواجية الرؤية و"الارتجاس" الفكري عند حيدر. كما ينتقد تمجيده المطلق للريف وهجومه غير المقنع على المدينة في قصص مثل "الصدع والهجرة"، حيث يقدس العمل الريفي ويهاجم الحضارة الغربية دون تحليل طبقي أو واقعي، معتبراً أن هذا الموقف "موقف وجودي لبورجوازي صغير" وليس فهماً اشتراكياً.
ثم ينتقل الفصل إلى تحليل فكرة "الوطن والبطولة" لدى حيدر، من خلال قصص مثل "الشاهد والجمعة الحزينة" و"الشموس الساطعة". يوضح المؤلف أن حيدر يخلط بين النضال المسلح والنظرية، ويزدري التنظير لصالح الفعل الفردي. في قصته المهداة إلى جيفارا، يصور الفدائي كـ"سوبرمان" منفصل عن الجماهير، "لا يفرح ولا يحب"، مما يعكس "أمنية البورجوازية المنهلة" وليس فهماً ماركسياً لحرب التحرير الشعبية. هذا التصور، بحسب المؤلف، يحجب الطابع الإمبريالي للصراع ويهمل معناه الطبقي، ويختزل التاريخ في صراع قوميات متكرر.
أما بالنسبة لـممدوح عدوان، فيركز التحليل على ديوانه "تلويحة الأيدي المتعبة". يرى المؤلف أن عدوان ينظر إلى التاريخ نظرة "سكونية"، ويعيد إنتاج قيم "الفروسية" و"البداوة" العربية القديمة، كنوع من الهروب من الحاضر. يستشهد المؤلف بقصائد عدوان المليئة بمفردات الفارس والسيف والصحراء، ويشير إلى أن معالجته للشخصيات التاريخية مثل وحشي والحطيئة، رغم محاولة التعاطف معهم، تظل فردانية ولا تنبع من فهم طبقي للتاريخ كصراع بين الفقراء والمستعبدين. في قصيدة "سفر الدم والميلاد"، ينتقد المؤلف تصوير عدوان للجماهير كـ "رعاع" يتبعون بطلاً ثم يطعنونه في الظهر، وهو ما يتناقض مع الفهم الماركسي للجماهير كصانعة للتاريخ.
فيما يخص الهزيمة، يرى المؤلف أن عدوان يبالغ في "تعذيب الذات" ويوزع المسؤولية على الجميع (الحاكم والمحكوم) مما يضيع المسؤولية الحقيقية، ويتجاهل الأسباب الطبقية والاجتماعية للهزيمة. في قصيدة "رسالة إلى أسماء بنت أبي بكر"، يختزل الأسباب في الجبن وضعف العزيمة، وهي بنظر المؤلف "افرازات لسبب حقيقي" يتعلق بالطبقة القائدة ومصالحها. وينهي المؤلف تحليله لعدوان بالإشارة إلى مفهومه الرومانسي عن "الفدائي" كفرد وحيد ومثالي، كما في قصيدة "اسكتشات عربية"، وهو تصور قريب من نيتشه و"السوبرمان"، لا يخلق ثورات جماهيرية حقيقية.
أخيراً، يحلل الفصل علي كنعان وديوانه "أنهار من زبد". يشير المؤلف إلى أن كنعان يتخذ من الوطن محوراً لقصائده، لكن فهمه للتاريخ مثالياً وقومياً وليس مادياً جدلياً. ينتقد المؤلف نظرة كنعان إلى التاريخ كصراع بين حضارات تفنى وتُبعث (على طريقة تويبنبي)، وهي رؤية "رجعية" تتعامل مع البشر كقبائل وتتجاهل التناقضات الطبقية داخل كل حضارة. في قصيدة "أسطورة الأعور الدجال"، يصور كنعان عدواً كونياً (الصهاينة، التتار) ويخلط بينهم، مكرساً فكراً يمتزج بـ "الكره الأعمى والكبرياء الجوفاء". كما ينتقد المؤلف تمجيد كنعان للقيم البدوية والصحراوية، حتى في أقبح أشكالها، وفهمه الخاطئ لدور الجنس والمرأة في الحرب والمجتمع.
في الختام، يقر المؤلف بأن كنعان يتحدث عن المقاومة وحرب الشعب، لكنه يعتبرها مجرد "مسايرة" أو "أفكار مستوردة" لا تنبع من أيديولوجيته العميقة، التي تظل أسيرة دورة الزمن والقدر. يرى المؤلف أن كنعان، مثل عدوان، يمارس "ديمافوجية" عندما ينقد الحكام بشكل سطحي ثم يعذرهم، أو عندما يحمل الجميع مسؤولية الهزيمة دون تمييز. يرى الفصل أن هؤلاء الكتاب يعانون من "أزمة بورجوازية صغيرة" تجعلهم يرون الداء لكنهم يخطئون الدواء، عاجزين عن الانسلاخ عن طبقتهم وتبني رؤية ثورية علمية شاملة.
7.شواهد المستقبل الاشتراكي والمجتمع الجديد335–412▼ résumé
يتمحور هذا الفصل حول استشراف ملامح المستقبل الاشتراكي والمجتمع الجديد من خلال تحليل نماذج أدبية سورية، ويقدم المؤلف إجابة مفادها أن الأدب القادر على التعبير عن هذا المستقبل هو ذلك الذي ينحاز للطبقات الكادحة ويعبر عن همومها، مع الإقرار بأن الأدب الواقعي الاشتراكي في سورية لا يزال في مرحلة متطورة ولكنه ليس قمة التطور، بل يحتاج إلى مزيد من التطور يتناسب مع التحولات الهيكلية في المجتمع والاقتصاد.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تحليل أعمال أربعة أدباء هم: عبدالله عبد، سعدالله ونوس، فارس زرزور، وحنا مينه، معتبراً إياهم شواهد على الطريق نحو أدب المستقبل الاشتراكي. يبدأ الفصل بمناقشة نظرية حول علاقة الأدب بالطبقة، مشيراً إلى أن الأدب ظل حكراً على طبقات معينة، وأن انتقال أدباء مثل حنا مينه وزكريا تامر من العمل العضلي إلى العمل الذهني يعكس هذه الإشكالية. ينتقد المؤلف فكرة "الصعود إلى الجماهير" أو "النزول إليها" معتبراً أنها تفصل بين الشكل والمضمون، مؤكداً أن غياب أدب بروليتاري صميمي يعود لضعف الطبقة العاملة وغياب من يتحدث باسم فقراء الفلاحين.
ثم ينتقل الفصل لتحليل أعمال عبدالله عبد، وتحديداً مجموعته القصصية "مات البنفسج". يناقش الكاتب كيف أن قصة "اللعنة" تستخدم الرمز السياسي لتصوير مدينة "الشمس" التي تحكمها سلطة مستبدة، حيث يأتي "غريب" من الشرق ليكشف للشعب حقيقة وضعه. يشير المؤلف إلى إشكالية في هذه القصة، حيث أن أسلوب النضال الذي يتبعه الناس هو الإضراب عن الطعام، وهو أسلوب "غاندي" لا يجدي نفعاً حسب التاريخ. كما ينتقد صورة الحكماء المقطوعين من الواقع. في قصة "الملاح وسر البلورة"، يتابع الكاتب رمزية التخلف والبحث عن المطلق، بينما في قصة "دكنا" يجد المؤلف مثالاً أبلغ على نقد السلطة الوهمية والزعامة المزيفة من خلال صراع ديكين، حيث يمثل الديك السمين القوة المقاتلة التي أفسدتها الامتيازات.
يتناول الفصل قصصاً أخرى لعبدالله عبد تركز على هموم الطبقات الفقيرة. في "المتشرد" و"الرجل والعربة"، يرسم الكاتب صورة للكادح الصامد الذي يواجه البطالة والقهر، ويشيد المؤلف بقدرة الكاتب على تصوير معاناة محمود العتال في "الرجل والعربة" كبطل إيجابي. في "متاعب رتيبة" و"عودة الاحباب"، يصور الكاتب معاناة الأطفال والعجزة، وكيف أن قسوة الحياة تدفع إلى التشوه الأخلاقي. ينتقد المؤلف قصة "مات البنفسج" باعتبارها القصة الوحيدة الرجعية في المجموعة، حيث تمجد رومانسية أرستقراطية وتتمسك بنموذج المرأة التقليدي، معتبراً أنها تناقض تقدمية الكاتب.
ينتقل الفصل بعدها إلى دراسة أعمال سعدالله ونوس المسرحية، مركزاً على مسرحيته "مغامرة رأس المملوك جابر". يقدم الفصل البيانات النظرية لونوس حول المسرح الجماهيري الثوري، حيث يرفض القوالب الجاهزة ويهدف إلى تغيير العقلية وتعميق الوعي الجماعي. المسرحية، التي تدور أحداثها في بغداد القديمة، تقدم نموذجاً لصراع السلطة داخل الطبقة الحاكمة، وتصور انتهازية المملوك جابر الذي يراهن على الفريق الكاسب. يربط الكاتب بين أحداث المسرحية والواقع العربي المعاصر، وخاصة هزيمة حزيران 1967، مشيراً إلى أن المسرحية هي "مشروع عمل" ينتظر جمهوراً متجانساً لتنفيذه. يبرز الكاتب شخصيتي "الرجل الرابع" و"المملوك منصور" كصوت إيجابي يدعو للتفكير والتحرك، لكن دعواته تذهب هباءً وسط سلبية الجماهير واستسلامها. يخلص الفصل إلى أن المسرحية تقدم نموذجاً حياً لقدرة المسرح على أن يكون مدرسة تثويرية جماهيرية، رافضاً النقد الذي وجهه محيي الدين صبحي لها.
أخيراً، يشير الفصل باقتضاب إلى أن فارس زرزور (في رواية "اللاإجتماعيون") وحنا مينه هما شاهدان هامان آخران في الدعوة لأدب المجتمع الجديد، حيث يقدم الأول صورة لقصور الأداة الفنية وإجهاض التعبير، بينما يواصل الثاني انخراطه في اللجة محققاً إنجازات مهمة للرواية السورية.
يقر المؤلف بوجود حدود وتحفظات، أبرزها أن الأدب الواقعي الاشتراكي في سورية ليس قمة التطور، بل هو مرحلة متطورة ومتقدمة عما سبق، وأن تطوره مرهون بالتحولات الهيكلية في المجتمع والاقتصاد. كما يترك أسئلة مفتوحة حول قدرة الجماهير على التحرك وامتلاك زمام أمورها، وهو ما تعالجه مسرحية ونوس. من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، رؤية المؤلف لقصة "مات البنفسج" لعبدالله عبد باعتبارها "رجعية"، وكذلك نقده لأسلوب المقاومة في قصة "اللعنة" (الإضراب عن الطعام) باعتباره أسلوباً مجدياً، بالإضافة إلى تفضيله الواضح لمنهج سعدالله ونوس المسرحي في التغيير الجماهيري على البطولة الفردية.
19.البطل الشعبي في الادب السوري317–334▼ résumé
يُحلّل هذا الفصل ظاهرة البطل الشعبي في الأدب السوري، مركزاً على شخصية بو علي شاهين (أو شاهين)، الفلاح المتمرّد في جبال العلويين بعد الاستقلال. يرى المؤلّف أن الاهتمام الأدبي بهذه الشخصية تركز بشكل لافت في فترة ما بعد هزيمة حزيران 1967 مباشرة، ويحاول أن يفهم لماذا تحولت هذه الشخصية التاريخية الفردية إلى بطل شعبي وأسطورة في أعمال ثلاثة كتّاب هم: حيدر حيدر، وممدوح عدوان، ومحمد عمران.
يسير الفصل بالترتيب، فيبدأ بتحليل قصة «الفهد» لـحيدر حيدر، التي يعتبرها الجزء الأهم والأكبر في معالجة هذه الظاهرة. يعرض الفصل كيف يصور حيدر الظروف الموضوعية القاسية في قرية «سيفاتي»، حيث كان الفلاحون ومنهم شاهين يعملون كـ«مرابعين» يدفعون ثلاثة أرباع المحصول للإقطاعي (الأغا). ويصف الكاتب الوعي الذاتي الخاطئ والمتخلف لدى الفلاحين، والذي يعزوه إلى عوامل منها الإيدولوجيا الموروثة وألاعيب الزعماء. لكنه ينقد هذا التصور بحدة، معتبراً أن حيدر يبسّط العلاقات الطبقية بشكل غير جائز، ويتجاهل دور التنظيم العشائري والملكية المشاعية والعائلية، التي كانت سائدة في تلك المنطقة. ويرى أن الظروف الموضوعية والذاتية لم تكن مهيأة لثورة، لأن النظام الإقطاعي لم يكن في حالة انحلال، ولأن غياب طليعة ثورية من المثقفين أو البروليتاريا حال دون ذلك.
ثم يستعرض الفصل حالة شاهين في القصة، والتي يصفها بأنها «قصة شعب وقصة رجل»، ويحلل تناقضات الكاتب في تصوير وعي البطل؛ فهو يتأرجح بين وصفه كفرد يقوم بعمل فردي غير واعٍ طبقيًا، وبين رؤيته كثائر واعٍ لكنه سبق زمنه. كما يناقش الموقف المتناقض للجماهير الفلاحية التي تعاطفت مع شاهين لكنها لم تنضم إليه. ويشير الفصل إلى مأزق الكاتب حين ينتقل، في نهاية القصة، من تحليله المادي التاريخي إلى فهم «مثالي» للصير، يتجسد في شخصية «الشيخ» الحكيم الذي ينظر إلى الأمور من خارج الصراع الطبقي، ويختتم القصة بإضفاء طابع «أُسطوري» على البطل، بدلاً من تقديم درس نافع في النضال من أجل الحرية والأرض.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى مناقشة مسرحية «المخاض» لـممدوح عدوان، والتي كُتبت قبل الهزيمة بيُسر، مما يؤكد أن الهزيمة ليست حداً فاصلاً مطلقاً. هنا، يكون البطل الفعلي هو شخصية «السكير»، الذي يتخذ كشاهد على العصر، بينما يغيب بو علي شاهين جسدياً عن المسرح لكنه حاضر كظاهرة وأسطورة مؤثرة. يثني الفصل على محاولة عدوان تصوير الحياة من وجهة نظر الفلاحين ولغتهم، لكنه يوجه له نقداً مشابهاً بما يخص التصور الطبقي، حيث يتحدث الكاتب عن مجتمع إقطاعي لكنه يصور مرابعين يملكون جزءاً من وسائل إنتاجهم، أو فلاحين يحلمون بأن يصبحوا جزءاً من جهاز القمع. يرى الفصل أن عدوان يلعب دور «المصلح الاجتماعي الحكيم» الداعي إلى السلام الطبقي، وأن المسرحية تعبّر عن «إجهاض» لثورة محتملة وليس عن «مخاض» حقيقي، خاصة من خلال موقف «السكير» السلبي والداعي للرضوخ للقانون القائم.
أخيراً، يتناول الفصل قصيدة «شاهين» لـمحمد عمران من ديوانه «أغانٍ على جدار جليدي». ويخلص إلى أن الشاعر ركّز بشكل مفرط على الجانب الفني والشكلي على حساب المضمون، مما جعل القصيدة مشوشة وغامضة. كما ينتقد نظرة عمران إلى التاريخ باعتباره تاريخ أبطال وبطولات فردية، وهو بذلك يتناقض مع حيدر حيدر الذي كان يرجو تحول التمرد الفردي إلى حركة جماهيرية، ويختلف عن ممدوح عدوان الذي لم يرَ جدوى في التمردات الفردية. بالنسبة لعمران، البطولة تبدو وكأنها غاية نهائية بحد ذاتها.
في ختام الفصل، يقر المؤلّف بحدود هذه التحليلات الأدبية، ويترك سؤالاً مفتوحاً حول الحاجة إلى إحياء ذكرى شاهين التاريخي الحقيقي، وليس شاهين الأسطوري، مما يشير إلى أن النقاش حول كيفية تمثيل البطل الشعبي ومعنى بطولته لا يزال مفتوحاً ويمكن مناقشته بشكل أعمق.