Almawred
حزب البعث، مأساة المولد.. مأساة النهاية
عربي

حزب البعث، مأساة المولد.. مأساة النهاية

مطاع الصفديar

حزب البعث، كما يراه مطاع الصفدي في كتابه «حزب البعث، مأساة المولد.. مأساة النهاية»، لم يكن نتاجاً لصراع طبقي ناضج أو فكر ثوري متكامل، بل كان تجمعاً لمثقفين منعزلين عن القوى الاجتماعية الحقيقية، تحوّلوا من طليعة ثورية إلى أداة للقمع والثورة المضادة. الموضوع المحوري للكتاب هو تشريح الأسباب التي جعلت حزباً ولد بحلم الوحدة والتحرر يتحول إلى حزب انفصالي قمعي، ويرى المؤلف أن مأساة البعث تكمن في خلل تكويني أصابه منذ نشأته: الفقر النظري، والطابع الطائفي المبكر، والاعتماد على نموذج «الشيخ والمريد» القائم على الخطابة العاطفية بدل التحليل العلمي، وهشاشة البنية الأخلاقية التي جعلت الانتهازية تطغى على المبادئ.

يمضي الكتاب في حجته عبر سلسلة من الفصول المترابطة التي تنتقل من تحليل العلاقة بين الثورة والإرهاب، إلى دراسة الظروف الاجتماعية والسياسية لنشأة البعث، ثم تفكيك بنيته الطبقية ومصادره الفكرية، وصولاً إلى نقد المثالية البعثية والموقف اللاعقلي، وانتهاءً بتحليل تجربة الوحدة مع مصر وكيف تحوّل الحزب إلى عائق أمامها. المنطق الذي يربط الأجزاء هو أن كل مرحلة من مراحل تطور الحزب كانت تحمل بذور المرحلة التالية: الفقر النظري أدى إلى غياب الرؤية الاستراتيجية، وهذا الغياب أوقع الحزب في التردد والانتهازية، وهذه الانتهازية قادته إلى التآمر على الوحدة التي كان يدّعي الدفاع عنها، وأخيراً تحوّله إلى أداة قمعية بعد وصوله إلى السلطة في آذار 1963.

من الأرقام والوقائع الصادمة التي يوردها الكتاب، تفاصيل الإرهاب البعثي في سجون المزة حيث مارس التعذيب «أساتذة» و«محامين» و«شعراء» سابقون، وتحول المدن السورية مثل حلب ودرعا وحماه إلى ساحات حرب. كما يذكر أن الحزب الذي تأسس في ثانوية التجهيز الأولى في دمشق خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، كان نتاج بيئة طلابية متأثرة بالأفكار الليبرالية والرومانسية الفردية من فرنسا، وليس باليسارية الجدية. ويصف المؤلف كيف انتهج قادة البعث موقفاً «متكبراً سلبياً» من جمال عبد الناصر، محاولين نسب نجاحاته لأنفسهم، وعندما انكشف موقفهم الرجعي خلال محطتي الوحدة والانفصال، لم يجدوا ملاذاً سوى العودة إلى النعرات الإقليمية والطائفية. ومن اللافت أن الكتاب يذكر أن زكي الأرسوزي، صاحب عقيدة البعث الأصلي، تعرض لمؤامرة من ميشيل عفلق وصلاح البيطار اللذين انتهزا أفكاره وطرحوها بطرق أكثر مرونة، فجذبوا طلابه، بينما أُبعد المؤسس الحقيقي عن الساحة.

يعترف المؤلف ببعض الحدود في تحليله، حيث يقر بأن الظروف الموضوعية للمرحلة التاريخية بين 1947 و1958 كانت «سابقة على نظرياتها»، أي أن الواقع الثوري المادي كان يسبق قدرة العقول على التأطير النظري. كما يترك أسئلة مفتوحة حول البديل الممكن بعد انهيار حزب البعث، مشيراً إلى ضرورة بناء «حركة عربية واحدة» أو يسار وحدوي جديد، دون أن يقدم وصفة عملية واضحة لتحقيق ذلك. هذه الأسئلة المفتوحة، رغم إحباطها، تعكس وعي المؤلف بحجم المأساة وصعوبة الخروج منها.

هناك حجتان رئيسيتان في الكتاب قابلة للنقاش بوضوح. الأولى هي التعميم المفرط في وصف البعثيين والشيوعيين ككتلة واحدة متجانسة من الفشل والانتهازية، دون تمييز بين تياراتهم المختلفة أو إنجازاتهم السياسية المحتملة. الثانية هي إرجاع فشل سياسي معقد إلى عوامل فكرية وأخلاقية (اللاعقلية، المثالية الصوفية) فقط، متجاهلاً عوامل بنيوية أخرى مثل الاستبداد السياسي، هياكل الدولة العميقة، والصراعات الإقليمية والدولية التي استغلت الحزب. هذا التركيز الأحادي على «الخلل التكويني» كتفسير شامل، قد يبسّط أمراً أكثر تعقيداً بكثير.

Chapitres(20)

1.الثورة والإرهاب11–40▼ résumé

يطرح هذا الفصل من كتاب "حزب البعث، مأساة المولد.. مأساة النهاية" لمطاع الصفدي سؤالاً محورياً حول العلاقة الجدلية بين الثورة والإرهاب، ويقدم إجابة نقدية حادة مفادها أن الثورة حين تخلو من الفكر والأخلاق تتحول إلى فوضوية إرهابية، وأن المثقفين الذين يفقدون بوصلتهم الأخلاقية والفكرية يصبحون إما أدوات لهذا الإرهاب أو ضحاياه. يرى المؤلف أن الثورة الأصيلة هي تعبير عن إرادة الجماهير وحركة التاريخ نحو العدالة، بينما الإرهاب هو أداة القلة المعزولة لسرقة الشعوب وقمعها.

يسير الفصل عبر عدة خطوات مترابطة. يبدأ بمناقشة التناقض الجوهري بين الثورة والفوضوية، حيث يرسم المؤلف خطاً فاصلاً بينهما: الثورة تقوم على الفكر والوجدان والأخلاق، وتسعى لتحقيق أهداف جماعية عبر التضحية، أما الفوضوية فهي مسخ الثورة، تفتقر إلى الفكر وتستند إلى الإرهاب والعنف العبثي. يوضح المؤلف أن الثورة الحقيقية لا يمكنها تجنب القتل تماماً، لكنها تقتل من القلة المعاكسة لإرادة التغيير، بينما الفوضوية تقتل من الغالبية. الفرق الجوهري، بحسب النص، هو أن الثورة تقدم ضحايا من صفوفها، بينما الفاشية تقدم ضحايا من غير صفوفها.

يتعمق التحليل ليفحص وضع المثقف في هذا السياق. يشير المؤلف إلى أن المثقفين في المجتمعات المستعمرة هم طلائع الثورة الشعبية، لكنهم يعانون من أمراض مزمنة كالتردد والانتهازية. يصف الفصل كيف ينقسم المثقفون بعد كل ثورة: فريق يتفاهم مع المنتصرين، وفريق يبحث عن مغامرات جديدة، وفريق قليل يلتزم بـ "الثورة الدائمة". هؤلاء الأخيرون هم الذين يضرمون نيران التمرد الجديد، لكنهم قد يتحولون هم أنفسهم إلى أدوات إرهاب عندما يفقدون أخلاقهم وفكرهم.

ينتقل الفصل بعدها إلى تحليل تاريخي مكثف لـ الثورة العربية الكبرى ودور المثقفين فيها، بدءاً من أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. يصف المؤلف كيف كان المثقفون العرب، من أطباء ومحامين وأساتذة، رواد الدعوة إلى القومية العربية والاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية. لكنهم، بعد الثورة، وجدوا أن دورهم النظري قد أبطأته الأحداث، وتحولت أحلامهم إلى ممالك موزعة تحت الوصاية الاستعمارية. يذكر الفصل انقسام المثقفين بين من التحق بالسلطات الجديدة، ومن تقاعد، ومن تمسك بالثورة الدائمة في سورية وفلسطين والعراق.

يخصص القسم الأخير من الفصل، وهو الأطول والأكثر تفصيلاً، لوصف آليات الإرهاب البعثي في سورية، مع إشارات إلى العراق في عهد عبد الكريم قاسم. يقدم المؤلف سرداً صادماً لتفاصيل الإرهاب المنظم، متحدثاً عن:

  • دور المثقفين البعثيين في قيادة وتنفيذ عمليات القمع.
  • تحول المدن السورية مثل حلب ودرعا وحماه إلى ساحات حرب.
  • تفاصيل التعذيب في سجون المزة وغيرها، على أيدي "أساتذة" و"محامين" و"شعراء" سابقين.
  • كيف خلق البعث "احتلالاً" لسورية منذ آذار 1963، باستخدام الدبابات والمصفحات والحرس القومي والشعبية.

يختم الفصل بنقاش حول مسؤولية المثقف. يرفض المؤلف أي تبرير للإرهاب، سواء كان ماركسياً أو غيره، ويؤكد أن الإرهاب البعثي لا يمتلك حتى "فضائل" الإرهاب النازي أو الفاشي، كونه إرهاب قلة معزولة لا تمثل أي طبقة أو جماهير. يوجه نداءً أخيراً إلى المثقفين المتورطين: الصمت والانسحاب الصامت ليس موقفاً أخلاقياً، ولا خلاص لهم إلا بإعلان النضال العلني ضد إرهاب رفاقهم السابقين. يطرح الفصل أسئلة مفتوحة عن دوافع الإرهاب، خاصة النفسية منها، ويشير إلى أن الإرهابي المثقف المنحرف نفسياً هو الأخطر.

في فقرة أخيرة، يمكن القول إن هذا الفصل يمثل خطاباً غاضباً ومفجعاً في نفس الوقت. يبدو أن المؤلف يكتب تحت وطأة تجربة شخصية أو قريبة جداً، مما يمنح النص قوة عاطفية هائلة لكنه يفقده أحياناً التوازن التحليلي المطلوب. فالتعميم الشديد على "المثقفين البعثيين" ووصفهم بصيغة الجماعة المنحرفة أخلاقياً ونفسياً، قد يُقرأ كإدانة أيديولوجية شاملة لا تترك مجالاً لتحليل أسباب فشل التجربة برمتها، بل تحولها إلى مسألة انحطاط أخلاقي محض. هذا لا ينتقص من شجاعة المؤلف في توثيق الفظائع، لكنه يجعل من الفصل شهادة شخصية أكثر من كونه تحليلاً موضوعياً للظاهرة.

1.اليسار العربي وظروف نشأة البعث41–54▼ résumé

يُحلل هذا الفصل ظروف نشأة حزب البعث في سياق المشهد السياسي والاجتماعي الأوسع للعالم العربي، مركزاً على علاقة الحزب باليسار وصعوبة تشكّل أحزاب يسارية حقيقية في المجتمعات العربية. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن حزب البعث، رغم ادعائه اليسارية والقومية، لم يكن نتاج صراع طبقي ناضج داخل المجتمع العربي، بل كان تجمعاً لمثقفين منعزلين عن القوى الاجتماعية الحقيقية، مما جعله غير قادر على فهم الثورة العربية وتعقيداتها.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من تعريف اليسار واليمين في السياق الغربي، حيث يوضح أن الصراع بينهما تطور ليشمل أهدافاً اجتماعية واقتصادية مع ظهور الاشتراكية. ثم ينتقل إلى خصوصية المجتمعات العربية "المتخلفة حضارياً وصناعياً"، التي لم تعرف هذا التمايز الداخلي. في هذه المجتمعات، كان الصراع الرئيسي ضد الاستعمار، مما خلق وحدة عضوية بين فئات المجتمع المختلفة، حيث كانت العشيرة والطائفة والعائلة هي الوحدات الاجتماعية الأساسية للتعبئة. ويشير المؤلف إلى أن الزعامات التقليدية (الإقطاعية والبورجوازية) قادت النضال الوطني، مما عزز مكانتها، لكن بعد الاستقلال ظهر التمايز الطبقي بين من احتكر منافع الاستقلال ومن بقي مهمشاً.

يطرح الفصل فكرة أن الثورة العربية تحتاج إلى ثلاثة مستويات متوازنة من النضال: المستوى الوطني (ضد الاستعمار المباشر وغير المباشر)، والمستوى القومي (الانفتاح نحو الأمة العربية كاملةً، مستشهداً بتجربتي مصر والجزائر)، والمستوى الاجتماعي (الصراع الطبقي). ويؤكد المؤلف أن النضال الاجتماعي هو الذي يجب أن يعطي معنىً حقيقياً للوحدة الوطنية والقومية، وإلا تحولت الوحدة إلى تجميع شكلي بين القوى العاملة والمستثمرة.

بعد هذا الإطار النظري، ينتقد الفصل الأحزاب العربية، خاصةً اليسارية منها. ويقول إن أحزاب اليمين كانت أكثر تعبيراً عن واقع المجتمع لأنها مثلت مصالح طبقات موجودة فعلياً. أما أحزاب اليسار، مثل الحزب الشيوعي السوري، فلم تستطع مواجهة تعقيدات المجتمع العربي، وظلت أسيرة أطرها النظرية المستمدة من الماركسية، فعجزت عن فهم النزعات القومية والدينية، ووجدت نفسها معزولة، بل لعبت أحياناً دوراً معرقلاً للحركات الوطنية والقومية.

ثم ينتقل الفصل إلى تحليل نشأة حزب البعث تحديداً، والتي بدأت في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية في دمشق، وتحديداً في بيئة ثانوية التجهيز الأولى. ويذكر أن الأفكار التأسيسية تعود إلى زكي الأرسوزي وتلاميذه من الإسكندرونة، قبل أن يتبناها ميشيل عفلق وتلاميذه. ويصف الفصل الفئة التي شكلت الحزب بأنها طبقة مثقفة متأثرة بالأفكار الليبرالية والرومانسية الفردية من فرنسا، وليس باليسارية، وكانت تتميز بـ"كراهية صوفية" و"استعلاء" على الواقع الاجتماعي. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين البعث وأحزاب اليمين، حيث أن ثقافة البعث هي نفس ثقافة اليمين في جوهرها، بعيدة عن التحول الاشتراكي.

يصف الفصل عزلة هذه الفئة المثقفة عن الجماهير، وكيف كانت ستبقى على هامش الحياة السياسية لولا انضمام تجمع أكرم الحوراني (الحزب العربي الاشتراكي) إليها. ويعتبر المؤلف أن هذه النقطة "فاصلة في تاريخ نشأة حزب البعث"، حيث أضاف الحوراني للحزب وسيلتين للعمل: تحريض بعض مناطق الفلاحين واستخدام العسكريين. ومع ذلك، بقي الحزب منعزلاً عن القوى الحقيقية حتى ظهر جمال عبد الناصر، الذي استطاع ترجمة أهداف البعث النظرية إلى حقائق كبرى، فالتفتت الجماهير حوله، وأصبح "حزب البعث في عين الجماهير هو حزب عبد الناصر". وهنا، بدلاً من أن يتفاعل قادة البعث بإخلاص مع هذه الموجة، انتهجوا موقفاً "متكبراً سلبياً"، محاولين نسب نجاحات عبد الناصر لأنفسهم وادعاء أنهم "أعطوه أهدافهم".

عندما انكشف موقفهم الرجعي والانتهازي خلال محطتي الوحدة مع مصر وانفصالها، لم يجدوا ملاذاً سوى العودة إلى الأطر الأكثر تخلفاً والتستر وراء النعرات الإقليمية والطائفية. ويخلص الفصل إلى نتيجة قاسية: إن الحزب الذي كان يدعو للوحدة تحول إلى "حصن للأقليات" ينعش انفصاليتها، وجيشه الذي كان يفترض أن يدافع عن الأمة أصبح جيشاً للدفاع عن أقلية معزولة. وهكذا ارتد جزء خطير من اليسار العربي إلى ما وراء صفوف اليمين نفسه.

أخيراً، يقرر الفصل أنه من الضروري دراسة القوى الاجتماعية والعناصر البشرية التي شكلت الحزب لفهم مسيرته، وسيتم تفصيل ذلك في فصول قادمة، بدءاً من جذور "العقيدة البعثية" عند زكي الأرسوزي.

ملاحظة نقدية بناءً على النص فقط: يمكن ملاحظة أن تحليل المؤلف يقوم على افتراض أن "اليسار الحقيقي" يجب أن يكون نتاج صراع طبقي ناضج (على غرار النموذج الماركسي الغربي)، ومن هنا كان حكمه القاسي على كل من الشيوعيين العرب والبعثيين بعدم قدرتهم على تحقيق ذلك. هذا المنظور يجعل الفصل أقرب إلى نقد "أيديولوجي" لتجارب سياسية انطلاقاً من معيار نظري محدد، بدلاً من تقييمها وفقاً لظروفها التاريخية والسياسية الخاصة. كما أن الفصل يُخضع البعث لحكم مزدوج: فهو لا يرقى لليسارية الحقيقية، لكنه في الوقت نفسه ليس يميناً صادقاً يعبر عن طبقة موجودة، مما يجعله في منطقة رمادية يصعب معها تكوين صورة نهائية عنه.

1.البنية الاجتماعية لحزب البعث55–78▼ résumé

هذا الفصل من كتاب مطاع الصفدي يعالج البنية الاجتماعية لحزب البعث، ويحاول تفسير نشأته وتطوره من خلال التحليل الطبقي، وليس من خلال الأفكار أو الشعارات. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن حزب البعث لم يكن نتاجاً لفكر عقائدي متكامل، بل كان نتاجاً لتغيرات اجتماعية واقتصادية عميقة في المجتمع السوري، وتحديداً صعود طبقات اجتماعية جديدة بحثت عن موطئ قدم في السلطة.

يبدأ الفصل برسم خلفية الصراع الوطني في سورية خلال الثلاثينيات، حيث كان النضال بقيادة زعامات تقليدية من البورجوازية القديمة والأرستقراطية الزراعية. هذه الزعامات، حسب المؤلف، استخدمت وساطتها بين الشعب والاحتلال لتحقيق مكاسب شخصية، وتحويل المطالب الوطنية إلى صفقات للسلطة والمناصب الإدارية ضمن إطار الاحتلال نفسه. خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، نشأت طبقة جديدة من البورجوازية التجارية المرتبطة بجيش الاحتلال والصفقات الحربية، والتي ازدهرت على حساب الشعب الذي عانى من نقص المواد الغذائية. هذه البورجوازية الجديدة تداخلت مصالحها مع البورجوازية التقليدية، مشكّلة كتلة واحدة تسيطر على السياسة والاقتصاد.

في مقابل هذا التحالف، تظهر طبقة جديدة أخرى هي "البورجوازية الصغيرة" أو الطبقة المثقفة، المكونة من أبناء المدن والأرياف الذين تدفقوا إلى المدارس. يشير المؤلف إلى أن هذه الطبقة المثقفة، التي لم تستطع الحصول على نفوذ سياسي أو اقتصادي، وجدت نفسها تبحث عن أيديولوجية وأداة سياسية لانتزاع السلطة من البورجوازية التقليدية. ويلاحظ أن هذه الطبقة تتفرع إلى بورجوازية ثقافية (مدنية) وأخرى عسكرية، وكلاهما يبحثان عن مكان في المجتمع الجديد.

يتناول الفصل بالتفصيل دور شخصيتين محوريتين في تأسيس الحزب: زكي الأرسوزي وميشيل عفلق. يصور المؤلف الأرسوزي كمفكر أصيل وصاحب عقيدة البعث، وزعيماً قومياً صلباً قاد مقاومة عنيفة في لواء إسكندرون، وطرح فكراً جديداً يتجاوز الطوائف والعائلات. لقد تعرض الأرسوزي لمؤامرة من عدة أطراف في دمشق، شملت الزعامات التقليدية، ودوائر الاستعمار، وحتى مثقفين مثل عفلق وصلاح البيطار. فبينما كان الأرسوزي يرفض المساومة ويتمسك بالثورية المطلقة والأخلاق الصارمة، انتهز عفلق أفكاره وطرحها بطرق أكثر مرونة، ونجح في جذب طلاب الأرسوزي اللوائيين، ليؤسس بذلك باكورة حزب البعث، بينما أُبعد المؤسس الحقيقي عن الساحة.

يركز الفصل على الهيكل الاجتماعي الداخلي للحزب، ويكشف عن طابعه الطائفي الواضح في مراحله الأولى. فالقادة الأوائل، ومعظمهم من اللاذقية أتباع عفلق، كانوا ينتمون إلى الطائفة العلوية. كما انتشر الحزب بسرعة بين المثقفين الدروز في جبل العرب، ومن ثم بين المسيحيين والإسماعيليين. يفسر المؤلف هذا الأمر بأن هذه الطوائف كانت الأكثر تهميشاً في البنية الاجتماعية السنية التقليدية، والأكثر رغبة في تحدي الهرم الاجتماعي الذي تسيطر عليه البورجوازية السنية في المدن. هذا التكوين الطائفي كان، حسب المؤلف، حاجزاً يحول دون انتشار الحزب في المدن السنية الكبرى مثل دمشق أو حلب حتى منتصف الخمسينيات.

يوضح الفصل الصراع الطبقي داخل الحزب أيضاً. فالعناصر الريفية التي التحقت به سرعان ما تتحول وتمتزج بحياة المدينة، وتفقد صلتها بالفلاحين. وبالتالي، بقي الحزب بعيداً عن الجماهير الفلاحية والعمالية. ويصف المؤلف المثقفين الحزبيين بأن نشاطهم يذرو في مرحلة الدراسة، لكنه يخبو بعد التخرج والاندماج في الوظائف والبحث عن المصالح الشخصية. هذا خلق فجوة بين المثالية الثورية والنفعية العملية، وحوّل الحزب إلى جسر يعبر عليه الأفراد نحو عالم البورجوازية، وليس أداة لتغيير المجتمع.

أخيراً، يتناول الفصل افتقار الحزب الملحوظ إلى الثقافة والفكر الموحدين، خلافاً لسمعته. يرفض المؤلف وصف الحزب بأنه "حزب المثقفين"، لأنه، على الرغم من ضمه لأعداد كبيرة من حملة الشهادات، إلا أنهم بقوا أسرى استقلالهم الفكري. لم تكن هناك نشرة داخلية لتوحيد الفكر أو تثقيف القواعد. ويصف المحتوى الفكري للحزب بأنه كان خليطاً من أحاديث عفلق الارتجالية، ومقالاته السياسية، ومقالات متفرقة في جريدة البعث عن الفلسفة والأدب، بالإضافة إلى كتب قليلة صدرت عن أفراد (مثل منيف الرزاز وعبد الله عبد الدائم) لم يتبناها الحزب رسمياً. هذا الفراغ الفكري، في رأي المؤلف، هو المصدر الحقيقي للأزمات والانقسامات التي عانى منها الحزب لاحقاً.

يمكن القول إن حجة المؤلف واضحة حول أهمية التحليل الطبقي لفهم نشأة البعث، وهو تحليل نقدي وحاد، وخاصة في تصويره لعلاقة الحزب بالقاعدة الشعبية وانتقاده لـ عفلق والبيطار. هذه الحجة قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بالدور الحصري الذي يعطيه المؤلف للعامل الاجتماعي والطائفي، وربما تقليله من دور العوامل الفكرية والأيديولوجية الذاتية لدى مؤسسي الحزب وقادته.

1.مصادر فكر البعث79–88▼ résumé

يُحلل هذا الفصل «مصادر فكر البعث» من كتاب «حزب البعث، مأساة المولد.. مأساة النهاية» لمطاع الصفدي، الجذور الفكرية والنمط التنظيمي الذي نشأ عنه حزب البعث، ويخلص إلى أن فقر الحزب النظري وانهياراته اللاحقة لم يكن صدفة، بل نتيجة طبيعية لخلل بنيوي في تكوينه الأول. يرى المؤلف أن الحزب وُلِد من رحم حالة من الفقر المذهبي والركود الفكري، حيث تأثر المؤسسون الشباب بالأدب والشعر والخطابة العاطفية أكثر من تأثرهم بالدراسة الجادة والنظرية العميقة.

يسير الفصل عبر عدة مراحل تحليلية، بدءاً من تشريح البنية التنظيمية الأولى للحزب. يصف المؤلف هذه البنية بأنها لم تكن حزباً سياسياً بالمعنى الحديث، بل كانت حلقة من "الشيخ والمريدين"، ويقصد بـ"الشيخ" هنا ميشيل عفلق، و"المريدين" هم تلاميذه الأوائل. في هذه العلاقة، كان الشيخ يقدم أفكاراً أولية ذات طابع شعري صوفي، وكان المريدون يتلقونها بنشوة وشطحات عبر "الانسحام" مع الضباب ورفض التحديدات الواقعية. هذا النمط جعل من المستحيل إنتاج منظومة فكرية متماسكة قادرة على تحليل الواقع ومواجهته. ومع انتشار الحزب، انطلق كل مريد ليصبح شيخاً لحلقته الخاصة، مما أدى إلى تعدد الحلقات والآراء دون وجود خط نظري موحد، مما حوّل كل حلقة إلى حصن عقائدي ضد الأخرى.

ينتقل المؤلف بعد ذلك لوصف آثار هذا الخلل التنظيمي على الحياة الفكرية الداخلية للحزب. يذكر أن القيادة السياسية الفعلية انحصرت بين الحوراني ونوابه الذين اندفعوا في صراعات خارجية سمحت بتفكيك أي محاولة للتفكير النظري، واصفاً هذا العمل بـ"الانزلاق بين الأضداد" و"الالتواء مع المنعطفات". أما القيادات الفكرية الأولى، فلم تجد مخرجاً لعقمها سوى "الحرد المصطنع" والانزواء، بينما اتخذ البعض الآخر موقفاً أكثر تطرفاً بتقديم الشعارات كأنها "آيات مقدسة" محرمة على الفهم والدرس، مدعين أن دراسة الشعار تؤدي إلى تقويضه وإبعاده عن "روحه الثورية". هذا التبرير، رغم ضعفه، أبقى شباب الحزب في حالة من التيه بين أقصى اليمين وأقصى اليسار دون عمق أو شمولية في الطروحات.

يواصل الفصل تحليل أدوات التثقيف الفاشلة داخل الحزب. فـ**"المكاتب الثقافية"** التي أُنشئت لم تستطع الاتفاق على منهج واحد أو إصدار نشرة داخلية منتظمة، بل تحولت جلساتها إلى حلبات للصراعات الشخصية. أما المحاضرات التي ألقاها بعض الأساتذة (مثل عفلق بعد انعزاله)، فكانت عفوية ومبنية على تبرعات شخصية من بعض الفرق، لا على خطة مدروسة، مما جعلها مليئة بالتناقضات. ثم يأتي انتقاد لاذع لما كان يُنشر في جريدة الحزب، حيث يصفه المؤلف بأنه كان مجرد "ترجمات واقتباسات من مصادر غربية" لا طابع أصيل لها، لكن جماهير الحزب تعلقت بها طمعاً في أي نور فكري وسط الظلام العقائدي. ويخلص إلى أن الرابط الوحيد الذي حافظ على وحدة الحزب الظاهرية لم يكن فكراً، بل كان الاستغراق في الصراعات السياسية المحيطة به بصفته جزءاً من الجماهير السورية المعادية للأحلاف والمؤامرات اليمينية.

مع نهاية الفصل، يطرح المؤلف إقراراً مهماً بالحدود والتحفظات، معترفاً بأن الظروف الموضوعية للمرحلة التاريخية ساهمت في هذه الأزمة. فهو يقر بأن المرحلة التي عاشتها الثورية العربية بين 1947 (تاريخ تأسيس الحزب) و1958 (الوحدة مع مصر) كانت مرحلة "سابقة على نظرياتها"، أي أن الواقع الثوري المادي كان يسبق قدرة العقول على التأطير النظري. ويضرب مثالاً على ذلك بـثورة 23 يوليو في مصر، مشيراً إلى أن أهدافها الأولى كانت حدسية لا نظرية، وقد صقلتها وقائع الثورة نفسها وشخصية جمال عبد الناصر. كما يعترف بأن قادة البعث لم يتوقعوا ثورات خارج "المشرق العربي" مثل مصر أو اليمن، مما يعطي وجود عامل "المفاجأة" في مسار الثورات العربية، ويقدم ذلك كعذر جزئي يخفف من المسؤولية المطلقة لقادة البعث عن تقصيرهم الفكري. ومع ذلك، يبقى التركيز الأساسي على أن الخلل الأولي في نموذج "الشيخ والمريد" هو البذرة الأولى التي أنتجت كل العقد اللاحقة.

1.واقع الفكر الثوري العربي89–100▼ résumé

يُحلل هذا الفصل «واقع الفكر الثوري العربي» جذور الأزمة الفكرية التي عصفت بحركة البعث، ويقدّم تشخيصاً لجوهرها: غياب نظرية ثورية ناضجة ومتطورة تسبق الحدث أو ترافقه، والاكتفاء بـ «شعارات وثوقية» بديلة عن الفعل الواعي. يرى المؤلف أن الثورة العربية انطلقت من زخم شعوري وتعبئة سلبية ضد الأنظمة القائمة، دون تملك أداة نظرية نقدية تمكنها من تقييم مسارها وتصحيح أخطائها. هذا الخلل جعل القادة الثوريين مشغولين بتثبيت سلطتهم بعد النجاح الأول، واستخدام النظرية بأثر رجعي كمجرد «تبرير» للأحداث، وليس كمنهج استباقي للفعل والتغيير.

يسير الفصل خطوة خطوة لتفكيك هذا المعضلة، مبتدئاً بالتمييز بين مفهومين للثورة: إما أن تبدأ كخطة نظرية شاملة، أو كفعل عفوي يفرض نفسه ثم يحاول تنظيف آثاره. ويرى أن الوعي الثوري العربي اختار المسار الثاني، ووقع في فخ «المحافظة الجديدة» التي تعيد إنتاج ما يفترض أنها ثارت عليه. ويشير إلى أن هذا النمط جعل النظرية مجرد حاشية تبرر الواقع، وأداة دعائية فقدت قدرتها على التأثير الحقيقي، فتحولت إلى ظل لا جوهر له.

ثم ينتقل الفصل إلى نقد موقف نخبة من المثقفين الثوريين الذين يتوقون إلى «إيديولوجيا متكاملة» تشبه الفلسفة، تجيب عن الأسئلة المطلقة وتقدم تفسيراً كلياً للوجود، متجاهلين الأولوية المنطقية للتطابق مع «التحولات الموضوعية» للواقع. يصف هذا الشوق بأنه «سوق مغمض غير واع»، وينبه إلى أن الشروع في تصميم إيديولوجي حسب الأهواء الفردية ليس البداية الصحيحة، بل هو تعبير عن «شبه قدرية غبية» تحول حتمية التاريخ إلى نوع من المصير الجامد، وهو ما ينتقد فيه اقتباساً غير ناضج من الماركسية.

يكشف الفصل عن وهمين أساسيين في الفكر البعثي المبكر:

الأول، هو الإيمان بـ«ضرورات المرحلة التاريخية» بطريقة صوفية غير نقدية، حيث يتحدث القائد باسم المرحلة دون أن يحدد طبيعة تلك الضرورات أو يقدم برهاناً على صلته بها. هذا الأسلوب يخلق، كما يقول، «غروراً مراهقاً» وذاتية مغلقة، وينزع عن القائد مسؤوليته الشخصية، محيلاً كل شيء لقوى غيبية تتحكم في التاريخ. ونتيجة ذلك أن التنظيم الطليعي تخلى عن مبادرته الثورية وانتظر، بإيمان سحري، قيام الثورات ليتفاعل معها برد فعل لا بفعل.

أما الوهم الثاني، فيتجسد في العلاقة بين ميشيل عفلق (المثالي التبشيري) وأكرم الحوراني (البراغماتي التنظيمي). يصف الفصل كيف طغت مرحلة «التبشير الأولى» للحزب (عقب الحرب العالمية الثانية) على مساره كله، فانقسم بين شطر عفلقي «شبه سحري» يحافظ على عقليته التبشيرية الرومانسية، وشطر حوراني يسيطر على السياسة العملية والبرلمان والأجهزة. هذه الازدواجية خلقت بناءً «طبائياً» داخل الحزب، حيث تكررت علاقة «الأستاذ والتلاميذ»، وسحب عفلق وجهه العقلي والعاطفي على كل فرد، مما جعل الارتباط به شخصياً لا فكرياً.

يقدم الفصل أمثلة تاريخية واضحة على العواقب الكارثية لهذا الفكر، مستعرضاً سلسلة انقلابات وهزات سياسية:

  • انهيار الحزب أمام الانقلاب الأول في سوريا (حسني الزعيم)، إذ سارع إلى تأييده ثم تراجع، ويثبت الفصل أن وثيقة عفلق للزعيم عام 1949 تكشف عجزه وروحه الفردية.
  • اندفاع قادة البعث في سوريا خلف انقلاب «الناوي» (أديب الشيشكلي) بتحريض من الحوراني نفسه، ثم اضطروا لخوض معركة ضده بعد أن استبد به.
  • تردد الحزب بين الوحدة مع القاهرة والانقلابات عليها في 1958، ثم تفضيل الانفصال في 1961 لضمان السيطرة.
  • في العراق، انقاد الفكر البعثي خلف انقلاب عبد الكريم قاسم ثم انقلبوا عليه، قبل أن يندفعوا لتأييد مشروع حاول الاستعمار فرضه، ثم معارضته بانقلاب ثالث. يكشف المؤلف أن هذه المواقف المتناقضة ليست صدفاً، بل نتيجة حتمية لغياب فكر نقدي يوجه الفعل، مما جعل التنظيم يفتقر للحرارة النضالية ويتحول إلى جماعة متعالية تنتظر نبوءاتها فقط.

يخلص الفصل إلى أن ما حدث بعد ثورة 8 آذار (1963) من انقسامات وتصفيات دامية بين الأجنحة القيادية (تصفية الجناح الرماوي، فؤاد الركابي، الحوراني، الوحدويين، ثم السعدي والشرفي، وأخيراً عفلق نفسه) هو تعبير حقيقي عن هذه الأزمة. فالصراعات التي كانت تتم تحت شعارات نظرية، هي في جوهرها «ستار مذهبي» يخفي معارك على القيادة والمكاسب، خاصة بعد أن أمسكت فئة الحزب بزمام الدولة.

أما الفقرة الختامية فتوضح أن البنية المثالية الطوباوية، التي تكتفي بـ«تصور العقبات دون دراستها» وتخلق حول نفسها عقداً تحاصرها، هي المسؤولة عن اغتيال جيل بعد جيل من الطاقات الثورية. هذه العزلة «الشرنقية» عن المرحلة التاريخية جعلت القادة يعيشون في وهم التفوق دون أدوات، فتحولوا بـ «نفخة فردية» وبالبطش والقوة وحدها إلى عقبات في وجه أي تطوير حقيقي، مما جعل مسيرة الحزب بأكملها مأساة يغتال بعضها.

1.معنى المثالية البعثية101–108▼ résumé

يتركز هذا الفصل حول نقد المثالية البعثية، ويرى المؤلف أنها ليست أيديولوجية سياسية عملية، بل هي نزعة صوفية طوباوية تقوم على أحلام ذهنية مفارقة للواقع. الجوهر الذي يقدمه المؤلف هو أن هذه المثالية، بدلاً من أن تكون أداةً للتغيير الثوري المنظم، تحولت إلى عائق فكري وسلوكي أدى إلى فشل الحزب ذريعاً، وانتهى به إلى "الفوضى الدموية" التي شهدها في سوريا والعراق، والتي يراها المؤلف النتيجة المحتومة لهذا الخلل التأسيسي.

يسير الفصل خطوة خطوة في تفكيك هذه "المثالية". أولاً، يصفها بأنها إيمان غيبي بالأمة العربية في "حال من الكمون"، ينتظر انبعاثاً أسطورياً. هذا التصور جعل البعثيين يهربون من مواجهة تفاصيل الواقع المعقدة، واكتفوا بـ الانتماء العاطفي إلى "الركب المتحرك من الأمة"، بدلاً من وضع برامج عملية. النتيجة، كما يوضح المؤلف، كانت تردداً مستمراً بين النقيضين في الأفكار والمواقف، وعجزاً عن تحديد وسائل العمل، مما جعل الحزب يتجنب الأسئلة المصيرية مثل: "هل البعث حركة أم حزب؟" و"هل يدخل المعترك السياسي أم يكتفي بالدور العقائدي؟".

يستخدم المؤلف نقداً لاذعاً لتطوير حجته، فيقارن بين المثالي والانتهازي. يرى أن المثالي، بعقيدته المطلقة التي لا تُقيّد بالواقع، يُصبح غير قادر على تحمّل مسؤولية الوسائل العملية. فحين تفشل هذه الوسائل، يتهرب المثالي من تبعاتها، لأنه يعتبر نفسه فوق مستوى التنظيم والتفاصيل. هذا الانفصال بين الاعتقاد النظري الكامل والسلوك العملي الملوّث، يخلق، بحسب المؤلف، أرضية خصبة للانتهازية، فالانتهازي يستفيد من هذه "الخلاقية التبريرية" ليلبس أفعاله ثوب الحق المطلق، متحصناً وراء شعارات "منطق الأحداث" أو "الضرورة المرحلية".

ثم يتوسع الفصل ليشمل النقد الثقافي العام للجيل الثوري العربي الذي أنتج البعث. هذا الجيل، كما يصفه المؤلف، تعامل مع تاريخ الأمة العربية بوصفه "قصة من الشعر والآداب"، متجاهلاً العوامل الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية التي بنت الحضارات ودمرتها. كما تعامل مع الواقع الحاضر من خلال "المؤامرات" كعلة أولى لكل مشكلة، دون تحليل بنيوي عميق. هذا المزيج من الجهل بالتاريخ والهروب من الواقع، حوّل العمل السياسي إلى طقوس خطابية وهتافات، بدلاً من كونه جهداً علمياً منظماً، ولهذا لم يصدر عن الحزب "نشرة واحدة توضح أحد المفاهيم والشعارات التي يطلقها القادة".

يقرّ الفصل بحدود هذا التحليل من خلال تركيزه على الجذور الفكرية والنفسية للمشكلة، معترفاً ضمنياً بأن الظروف الموضوعية (مثل سلسلة الانقلابات والوحدة والانفصال) لعبت دوراً في تفاقم الأزمة. لكن السؤال الذي يظل مفتوحاً، والذي يطرحه الكاتب بقوة في نهاية الفصل، هو: ما البديل؟ ما هي الصيغة السياسية القادرة على ملء "الفراغ السياسي" الذي سيخلفه انهيار حزب البعث في سوريا والعراق، بعد أن أثبتت هذه التجربة فشلها الذريع؟ إن الفصل لا يقدم إجابة عملية، بل يكتفي بتأكيد ضرورة العودة إلى "نقطة الانطلاق" لاستخلاص الدروس وبناء حركة يسارية عربية وحدوية جديدة.

في النهاية، يمكن القول إن حجة الفصل قابلة للنقاش من زاوية أن الإخفاقات السياسية للبعث لا يمكن ردها فقط إلى "مثالية" تأسيسية غامضة، بل قد تكون ناتجة عن عوامل أخرى مثل الاستبداد السياسي، وهياكل الدولة العميقة، والصراعات الإقليمية والدولية التي استغلت الحزب وجنّدته لخدمة أجنداتها. إلا أن قوة الفصل تكمن في كشفه عن تناقض جوهري داخل الفكر البعثي نفسه: ادعاء الثورية الشاملة مع العجز عن فهم تعقيدات الواقع، وهو تناقض جعله، حسب تحليل الكاتب، هشاً أمام الانتهازية وعُرضة للتحول إلى مجرد أداة دموية في أيدي "شرذمة".

1.الموقف الأدبي اللاعقلي109–118▼ résumé

يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو نقد الموقف الفكري والأدبي لليسار العربي، وبشكل خاص حزب البعث، متّهماً إياه بأنه موقف «لاعقلي» أو «عجائبي». الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا الموقف يقوم على ثقافة الشعار والانفعال، ويفتقر إلى التحليل العلمي والجدلي للواقع، مما جعل الأحزاب اليسارية، وعلى رأسها البعث، تتحول من طلائع ثورية إلى "مؤخرات" تعيق تقدم المجتمع العربي وتكرّس التخلف والرجعية بدلاً من تجاوزهما.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر نقد مقارن بين تيارين رئيسيين في اليسار العربي: البعثيين والشيوعيين. يبدأ المؤلف بوصف الجيل الأول والثاني والثالث من الشباب الملتحق بالحزب، مشيراً إلى أن عفلق كان يوزع عليهم نمطاً من التفكير قائماً على "ثقة سلبية بوقوع المعجزات". هذا التفكير يمنع التحليل والمقارنة حول مظاهر الواقع المدعي تفسيره، ويبشر بـ"البطء في كل شيء" كرد فعل لقتل ثقل الواقع من حس الشباب، محوّلاً إياهم إلى "فرسان أسطوريين يتغذون من غرور مراهق وشرنقة ذهنية خيّمة". فالأمة لا بد أن تتوحد، وتحضن حضارتها، وتطرد الاستعمار، وتقضي على الرجعية، كل ذلك بقدرة قادر، دون عناء التساؤل عن الكيفية.

أما الشيوعيون، فإن المؤلف ينتقدهم أيضاً، رغم ادعائهم الماركسية، لكونهم اكتفوا بنقل النماذج الجاهزة عن ستالين وتطبيقها على الأرض العربية، رغم أن المجتمعات العربية لم تصل بعد إلى مرحلة النضال الطبقي الواضح. كان الشيوعيون العرب "امتدادات تافهة لأحزاب شيوعية في مختلف أنحاء العالم"، مما ساعدهم مع البعثيين على ترسيخ "الأمية الإيديولوجية" و"ثقافة الشعار". ويخلص المؤلف إلى أن الفرق بين الطرفين هو أن شعارات البعثيين كانت عاطفية وقريبة من الخطاب الديني والتبشيري بصياغة شعارات عريضة، بينما كانت شعارات الشيوعيين "من غرائب الأمور على مسمع الشعب العربي".

ثم ينتقل الفصل إلى تحليل أعمق لطبيعة هذه الأحزاب اليسارية، واصفاً إياها بأنها "مزيف حديث من الفرق الدينية". هذه الفرق تقوم على "القيادات الخالدة" و"الروابط الأبدية" مثل روابط القبائل والعشائر، وليس على مفهوم "الحزب" بالمعنى العصري التنظيمي الذي لم يتكون بعد في المنطقة العربية. وبدلاً من أن تكون طلائع للشعب، تحولت هذه الأحزاب إلى "مؤخرات" تعيق حركة الشعب وتطالب بحق احتكار النضال والتسلط عليه. هذا يؤدي إلى ظاهرة "التشرذم" والتفرق، حيث ينفرط التجمع إلى شراذم، وتنشأ حرب الزوايا والتكايا بين القادة والقواعد، مما يشل قدرة الحزب على استقطاب أي قطاع اجتماعي حقيقي.

يقدّم المؤلف مثالاً على هذا العجز من خلال حركة الإخوان المسلمين، التي انبعثت عن صراع طبقي حاد في حماه وريفها، لكنها سرعان ما انغمست في "السياسة" واستخدمت جماهيرها كأدوات للوصول إلى مراكز السلطة. حتى عندما حدث توزيع لأراضي الغاب أثناء الوحدة، تسربت الإقطاعات الكبيرة إلى شخصيات بورجوازية من حماه، بدلاً من أن تعطى للفلاحين أصحاب الحق الأصلي. هذا يوضح أن الأحزاب بقيت حصوناً مغلقة في الصراع على الغنائم البورجوازية، مما يثبت أن تجربة اليسار في مرحلتها الأولى كانت غير قادرة على تجاوز الواقع العربي المريض من عصبيات وطوائف، فأتت حصيلتها الواقعية عودة إلى جذور الرجعية نفسها.

يصف الكاتب المصير النهائي لهذه الأحزاب: الاحزاب غير البعثية تحولت إلى فرق عصوبية، بينما حزب البعث تحول إلى فرق طائفية خلف واجبات عسكرية. هذه التنظيمات، بحسب المؤلف، لم تقدم أي نموذج أخلاقي متفوق على أفراد الشعب غير المنضوين فيها، بل طالبت بالامتيازات والحقوق والوصاية دون واجبات، مما جعل الناس يرون في الحزبية مجرد "وصولية". ويصل التحليل إلى ذروته عندما يصف هذه الأحزاب بأنها أصبحت "ملاذاً للعاجزين والمشوهين والمعقدين نفسياً"، الذين يجدون في تضامنهم طريقاً للتخلص من عقد النقص. ويستشهد بـ"أنهار الدماء التي سالت في شوارع عمان ودرعا" كصورة مثلى عن هذا الدفاع العقائدي عن المناصب والسلطات التي منحتها تقاليد "المحسوبية الثورية الجديدة".

بعد هذه اللوحة القاتمة عن تجارب الطلائع، يطرح الفصل أسئلة مفتوحة حول البديل الممكن، وهو "الحركة العربية الواحدة" أو اليسار الوحدوي الجديد. يسأل المؤلف: هل هذه الحركة هي البديل الأفضل الذي يقضي على خرافة التحزب والتفرق؟ ما هي الضمانات ضد التحول من طليعة إلى مؤخرة، من فكر عميق إلى طقوس تقديس أعمى؟ ويقر بأن التفكير في هذه الحركة صدر أولاً عن ضرورة توفير مقومات افتقدتها التنظيمات السابقة. ويشترط لنجاحها: "التيار الثوري الحقيقي، والفهم العلمي لمؤسسات الواقع، وتنظيم الثوريين، وتجاوز عقد القيادات الأبدية، والنضال في جبهة واحدة وطنية وديمقراطية ذات أهداف متفق عليها".

أخيراً، ينتقل الفصل إلى تقديم أساس فكري بديل، وهو المنهج الجدلي (الديالكتيكي). هذا المنهج يُعرّف بأنه "النظر الثوري للواقع العربي في صورته الكاملة وفي علاقاته المتشابكة". وهو ثورة على المناهج التقليدية (المثالية والمادية القديمة) التي كانت تعتبر الطبائع ثابتة والتغير فساداً. المنهج الجدلي يقدّم رؤية للعالم بأنه في تغير دائم، وأن كل تغير هو حركة كميّة تتحول فجأة إلى كيف جديدة، وأن الحوادث لا تتغير منفردة بل في سياق من العلاقات المتبادلة التي تؤلف "الماعيات" (الكلّيات). ويؤكد المؤلف أن هذا التغير له اتجاه وسياق تاريخي واضح، ويقوم على أساس وحدات متفاعلة يصعب فيها الفصل بين المستويين الإنساني والمادي.

ويختم الفصل بربط غياب هذا المنهج الجدلي عند البعثيين بفشلهم. فالفكر البعثي في أساسه "وثوقي"، ينطلق من مسلّمات نظرية مطلقة، تفرض وصاية "القيادة الخالدة" على الحزب، ووصاية الحزب على الأمة. هذا الفكر يرفع مفهوم "الأمة العربية" إلى مستوى قدرة الخلق ذاتها، مثلما يفعل اللاهوتيون مع المصدر الإلهي، مما يجعله فكر ماهيات (جوهر ثابت) وليس فكر أحداث (واقع متغير). وعندما يفشل الواقع في الانصياع لصيغهم الجاهزة، يلجأ قادة هذا الفكر إلى قوالب متعالية أخرى، مما يوقعهم في تخبّط وفوضى لا نهاية لها بين تدابير متناقضة، بينما المستفيد الوحيد هو المستعمر وقوى الرجعية. وهكذا، فإن الفكر البعثي الوثوقي والعجائبي هو المسؤول عن إفشال كل نصر وتشويه كل فعالية كان يمكن أن تخدم الشعب.

من الحجج القابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، نجد التعميم الشديد في وصف البعثيين والشيوعيين، وتجاهل أي تمييز بين مراحل تطور هذه الأحزاب أو تياراتها المختلفة، أو حتى أي إنجاز سياسي أو اجتماعي محقق، كما أن إرجاع فشل سياسي معقد إلى عامل فكري واحد (اللاعقلية) يُغفل عوامل أخرى بنيوية وسياسية.

1.المفهوم البعثي للقومية العربية119–134▼ résumé

المفهوم البعثي للقومية العربية

يدور هذا الفصل حول نقد جذري للمفهوم البعثي للقومية العربية، الذي يقدمه مطاع الصفدي بوصفه أيديولوجية غيبية ومتعالية ومنفصلة عن الواقع الاجتماعي والتاريخي. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن الفكر البعثي، كما صاغه ميشيل عفلق، لم يكن أداة لتحرير الجماهير، بل تحول إلى ديكتاتورية فاشية، لأنه استبدل التحليل الواقعي للقوى الاجتماعية بحتمية غيبية وأسطورة "الأمة الخالدة". هذا الفكر، بحسب الكاتب، لم ينتج حزباً ثورياً حقيقياً، بل طائفة مغلقة تعتقد أنها الناطقة الوحيدة باسم الإرادة الخارقة للأمة.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تفكيك هذه الرؤية. يبدأ بوصف الدوامة السياسية التي وقع فيها الحزب بعد انقلاب 13 نوفمبر 1963 في العراق، ثم دوامة القرارات الاشتراكية المتناقضة في سوريا. لكن النقد الأساسي ينتقل سريعاً من الممارسة السياسية إلى الجذور الفكرية. يستخدم المؤلف مفهوم "الحتمية الغيبية" كأداة تحليلية رئيسية: فالعفلقيون، بدلاً من فهم الأمة ككيان تاريخي متغير، يرفعونها إلى مرتبة "الذات الكلية" المتعالية، التي تجري فوق الإرادات والقوى الاجتماعية. الطليعة الحزبية تصبح الأداة السحرية لهذه الحتمية، وهي وحدها المعصومة عن النقيصة، والناطقة باسم الإرادة الخارقة.

يقدم الفصل عدة أمثلة على هذه العقلية. يشير إلى أن ميشيل عفلق نفسه، في انفتاحه على عبد الناصر، تصور العلاقة على أنها وصاية فكرية، معتقداً بغرور أنه يستطيع "تطبيق" الرئيس على أفكاره، وأن عبد الناصر سيلجأ إليه باستمرار لإرشاداته. هذا الموقف، بحسب المؤلف، كشف عن الشخصية "العنكبوتية" لعفلق الذي لم يستطع تقدير كفاءة الرجال الذين يلتقي بهم. مثال آخر هو موقف الحزب من الوحدة مع مصر عام 1958، حيث لم يكن لدى القيادة أي تصور عن شكل الدولة الوحدوية، بل كانت ترى في الوحدة مجرد طقس للحلول محل الأعداء، لتنقلب بعد فشلها إلى ألد أعدائها.

يعمق التحليل باستعراض خصائص المنطق القرهي للحزب، ويعددها في نقاط: أولاً، الوثوقية في الاعتقاد، أي التركيز على وصف عظمة الأمة المفترضة وتجريدها من كل نقص، مع إضعاف دور المرحلة الإسلامية وتقديم صورة أسطورية عن "الأصالة العربية". ثانياً، الحتمية الغيبية نفسها، حيث تتحدث الأحاديث التأسيسية عن النصر دون وسائل، وتحتقر الواقع، وتضع نفسها بديلاً عن العالم الفاسد، بأسلوب إيحائي وشعري يستغني عن التحليل ويطرد كل علم اجتماعي نقدي. ثالثاً، الماهية القومية المتعالية، والتي جعلت من الأمة "ذاتاً كلية" مطلقة وكاملة وخالدة، يشبه موقع العفلقي منها موقع الكاهن من الإله، يحرسها ويتأمل فيها. رابعاً، الوحدة التجريدية، حيث ترفض العقلية العفلقية تحليل العوامل الواقعية للوحدة (كالعلاقات الاقتصادية والصراع الطبقي)، وتكتفي بترديد لازمة "الوحدة، الوحدة، الوحدة" كطقس، وتعتبر أي نقاش حول العقبات شكاً في الإيمان ذاته.

يقرّ الفصل بحدوده بشكل ضمني من خلال الإشارة إلى أن التحليل لا يتناول تطبيق هذه الأيديولوجية في السلطة بالتفصيل، بل يركز على السبب الرئيسي لانحراف الحزب: وهو انفصال الأهداف القومية عن المحتوى الاجتماعي. يترك الكاتب باباً مفتوحاً للنقاش حول علاقة الثورية العربية بالفكر الماركسي، مشيراً إلى أن سوء الفهم التاريخي مع الأحزاب الشيوعية المحلية لم يمنع التقاء الثورية العربية مع الدول الاشتراكية كالاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا في المستوى السياسي. في ختام الفصل، يدعو اليسار العربي إلى ضرورة "تفهم أعظم للتيارات الفكرية في الثورية والانفتاح على حقائقها دون أي التزام مسبق بها"، مما يشير إلى أن المؤلف يرى أن أزمة الحزب البعثي هي نموذج لأزمة أوسع في الفكر القومي العربي، حيث يجب الانتقال من مرحلة "تأكيد الذات" المغلقة إلى مرحلة "الانفتاح" القائم على الثقة النقدية والاستقلال الفكري الحقيقي.

أخيراً، من الواضح أن حجة الفصل قابلة للنقاش، لا من حيث معلوماتها بقدر ما من منطلقها الماركسي الصريح. يبني المؤلف نقده على الرفض التام لكل ما هو غيبي أو رومانسي في الأيديولوجيا، ويعتبر أن الحل الوحيد هو في "المنهج الجدلي" المستند إلى الصراع الطبقي. هذا الرفض المطلق لأي نزعة "صوفية" أو "شعرية" في السياسة، وتحويلها حتماً إلى ديكتاتورية فاشية، هو موقف أيديولوجي قوي بذاته، يمكن أن يناقشه قارئ يرى في البعد الرمزي أو الميثولوجي للقومية ضرورة لا يمكن اختزالها إلى مجرد بنية طبقية.

1.بين اشتراكية البعث والماركسية135–152▼ résumé

هذا الفصل من كتاب "حزب البعث، مأساة المولد.. مأساة النهاية" لمطاع الصفدي يتناول العلاقة الإشكالية بين فكر حزب البعث والماركسية، محاولاً تفكيك الأسباب التي حالت دون تطور البعث إلى حزب ثوري اشتراكي حقيقي وفق المنهج الماركسي. الموضوع المحوري هو تحليل العقم النظري والانتهازية السياسية التي اتسم بها فكر البعث، وكيف أن رفضه للجدل المادي والصراع الطبقي جعله أسيراً للخطاب العاطفي والطوباوي، مما قاده في النهاية إلى الانتكاس والتحول إلى أداة للثورة المضادة.

يسير الفصل خطوة خطوة بدءاً من انتقاد "الذهنية المثالية" التي سادت الفكر الثوري العربي، حيث يرى المؤلف أن المفكرين العرب، وتحت تأثير تربية تقليدية تنفر من "المادي" و"الواقعي"، كانوا يتبنون شعارات كبيرة كالوحدة والحرية دون الجرأة على طرح الأسئلة العملية عن كيفيتها ونظامها الاجتماعي وأدواتها. هذا النفور من المادية، حسب المؤلف، جعل الفكر الثوري أسيراً للعاطفة والغموض، واعتقد أتباعه أن مجرد التمسك بالأهداف كافٍ، متناسين أن الثورة الحقيقية تبدأ بفهم الواقع المادي كما هو.

ثم ينتقل إلى مناقشة كيف وصلت الماركسية إلى المثقفين العرب، مشيراً إلى أنها دخلت عبر قنوات الأحزاب الشيوعية العربية التي كانت موقفها سلبياً من القومية العربية في لحظاتها الحرجة. هذا جعل الماركسية تُستقبل كجزء من "الدعاية" الحزبية وليس كثقافة فلسفية متكاملة، مما حال دون تفاعل حقيقي معها. حتى المؤلفات الماركسية الرئيسية ظلت حبيسة التبسيط والتصنيف المسبق كفكر "ملعون" أو "فوضوي"، مما منع الثوار العرب من الاستفادة من منهجها في تحليل واقعهم.

يحدد المؤلف بعد ذلك خطين رئيسيين في الثقافة الماركسية المعاصرة: الأول نظري أكاديمي محض، والثاني نظري تطبيقي أقرب إلى الالتزام الثوري، وهذا الأخير يتسع ليشمل مفكرين مستقلين يتخذون موقفاً نقدياً من الأحزاب الشيوعية نفسها. أمام هذه اللوحة الواسعة من التيارات، يقف مفكرو البعث في موقف منغلق، يرفضون الماركسية رفضاً كلياً غير معلل إلا بالمزاج الرافض نفسه. ويرى المؤلف أن مهمة اليساريين العرب، وخاصة البعثيين، هي التمييز بين ما هو علمي موضوعي في الثقافة الماركسية، وما هو مجرد موقف عاطفي نابع من صراعات تاريخية مع الشيوعيين.

إنشاء "منظور خاص" للثورية العربية هو التحدي الأكبر، وهذا يتطلب جهدين متوازيين: الأول هو اكتشاف الثقافة الماركسية بعمق ونقد، والثاني هو اكتشاف المعطيات الفكرية للتجارب الثورية العربية نفسها. لكن الثورية العربية، حسب التحليل، لم تقم حتى الآن بمسح علمي حقيقي للمجتمع العربي أو تحليل لتناقضاته الأساسية، مما جعلها تفتقر إلى "الموقف العلمي" القادر على تحديد العقبات ومواجهتها. وعليه، تظل الثورية العربية أسيرة العفوية، حيث تفرض الأحداث نفسها بقوة أكبر من أي تخطيط نظري هادئ.

يمضي الفصل في تحديد ما يراه "ثوابت مبدئية" لفكر الثورية العربية المستمدة من تجاربها العفوية. أولها أن الثورية العربية، رغم كونها قومية، ذات مضامين اجتماعية وطبقية عميقة، فهي ليست مجرد شمول عددي للأمة بل تستغرق علاقاتها الاقتصادية والاعتقادية. وثانيها أن "القومية البروليتارية" هي طابعها، إذ أنها تتصدى في الداخل للتجمعات العشائرية والطائفية التي تستند إلى أشكال استغلال غير رأسمالية (روحية أو قبلية)، وتعتبر تحررها من الاستعمار الخارجي هو المعقل الأخير للرأسمالية الغربية. ثالثاً، إنها ذات نزعة حضارية تريد تجاوز التخلف إلى العصرية دون تناقضاتها الاجتماعية الحادة، مما يمنحها "بروليتارية مضاعفة": تحرر من التخلف الحضاري الداخلي ومن الاستعمار الخارجي. رابعاً، أدى كل هذا إلى مضمون خاص للحرية يختلف عن الحرية البورجوازية في الغرب أو البروليتارية في الشرق، وهو ما يفرض وجود "تجربة ثالثة" بين رأسمالية الغرب وشيوعية الشرق. هذه التجربة الثالثة تتجلى في سياسة "الحياد الإيجابي" التي تحوِّل التحدي السلبي بين القطبين إلى تنافس على تقديم المساعدات للدول النامية، وهو ما يخلق منطقاً جديداً للتعايش السلمي على المستوى العالمي.

بعد هذه الأسس النظرية، يعود المؤلف لانتقاد حزب البعث بشكل مباشر، مشيراً إلى أن الحزب ظل أسيراً لصراعه العقائدي مع الأحزاب الشيوعية، مما منعه من توضيح مفهومه الخاص للاشتراكية أو دراسة العلاقة الجدلية بين أهدافه الثلاثة (الوحدة، الحرية، الاشتراكية). هذا الربط بين الأهداف ظل مجرد شعار يرفع دون تفصيل، وأي بحث جاد في العلاقة بينها (كجدوى الوحدة مع الأنظمة المتناقضة) كان يُقابل بالتواطؤ أو الرفض. ونتيجة لهذا العقم النظري، كان نضال الحزب موجهاً نحو الاستلاب السياسي والإثارة العاطفية ضد المؤامرات بدلاً من ربط النضال القومي بأهداف اجتماعية تمس حياة الجماهير الكادحة. هذا الفصل بين القومي والطبقي أدى إلى الانتهازية في العمل اليومي وإخفاء المناورات السياسية خلف دعاية غوغائية.

يصف المؤلف الاشتراكية البعثية بأنها اتجاه رومانسي ينحدر من المقدمات الفلسفية الأولى للحزب، فهي دون منهج تحولي واقعي تدعو إلى "انقلابية" لا مضمون لها، ودون دراسة الصراع الطبقي العربي تدعو إلى اشتراكية تؤمن "العدالة للجميع"، ودون جدوى عملية تعطي للوحدة قدرة ميتافيزيقية على تحويل الواقع الفاسد. نموذج ميشيل عفلق الفكري كان مستلهماً من النموذج الغربي، خاصة الفرنسي، مما جعل الحزب عاجزاً عن التفاعل مع أي منهج جذري. فلسفة عفلق نمت من تربة رومانسية وأدبية متأثرة بـ هنري برغسون وأندريه جيد، وخطابه كان أقرب إلى فلسفة أخلاقية صوفية تعلي من "الروح" على "المادة"، مما حرم الحزب من خلق تناغم عقائدي بين أعضائه وجعله ساحة للنزاعات الفردية والانتهازية.

في الختام، يتناول تياراً يسارياً داخل الحزب ظهر من خلال مثقفين مثل جورج حبش (مؤسس حركة القوميين العرب لاحقاً)، زهور، جمال الأتاسي وغيرهم، الذين حاولوا فتح نافذة على الفكر الماركسي والوجودي، وتمردوا على التخلف النظري والانتهازية في الحزب. هذا التيار انقسم في النهاية مع الانقسام الكبير في الحزب عام 1958 (الوحدة مع مصر) بين جناح أكرم الحوراني الانتهازي وجناح الوحدويين الاشتراكيين. لكن المؤلف يخلص إلى أن اليسار البعثي ظل بشكل عام يفتقر لكل مضمون نظري حقيقي وموقف نضالي، مما جعل موقعه أقرب إلى اليسار الطوبائي البورجوازي منه إلى اليسار الثوري. هذه العقدة الرومانسية والصوفية هي التي مهدت الطريق لتحول الحزب إلى نموذج الثورة المضادة بعد انقلاب 8 آذار 1963.

من الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الفصل هي رؤية المؤلف للثورية العربية (وخاصة الناصرية) كـ "تجربة ثالثة" تمتلك "بروليتارية مضاعفة" و"حرية خاصة" تختلف عن الغرب والشرق، مما يمنحها دوراً محورياً في خلق "التعايش السلمي". هذه النظرة مثالية وتفتقر إلى التحليل المادي الدقيق للتناقضات الطبقية داخل تلك التجارب ذاتها، وتتعامل مع خطاب سياسي كواقع موضوعي. كما أن تحميل فلسفة برغسون والأدب الرومانسي مسؤولية الانتكاس السياسي للحزب قد يكون تبسيطاً مبالغاً فيه يقلل من أهمية العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الموضوعية التي شكلت مسار الحزب.

1.فكر الحزب واليسار الغربي المستقل153–166▼ résumé

يطرح هذا الفصل موضوعاً محورياً هو تحليل نشأة وتطور تيار اليسار المستقل في الغرب الأوروبي، وعلاقته الجدلية بكل من المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، ثم ينتقل المؤلف ليناقش انعكاسات هذا الفكر على تجربة حزب البعث وموقفه منه. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن فكرة "الحياد" أو "الاستقلال" عن القطبين المتصارعين لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتاج تطورات اجتماعية وثقافية عميقة داخل المجتمعات الغربية نفسها، وأن عجز حزب البعث عن استيعاب هذه التحولات والتفاعل معها بشكل موضوعي كان أحد علامات أزمته الفكرية وانهزامه أمام تيارات جديدة مثل الناصرية.

يبدأ الفصل بوصف المشهد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث لم تعد خارطة أوروبا ثابتة بين معسكرين. يشير المؤلف إلى أن العلاقات الدولية تجاوزت مرحلة الصراع الأيديولوجي الحاد إلى تقارب وتأثير متبادل، بحيث أصبحت التطورات في الدول الأفروآسيوية تؤثر بدورها على التيارات السياسية في الغرب والشرق. يضرب مثلاً على ذلك بأن روسيا السوفياتية لم تعد قادرة على منع تأثير ثقافة مثل موسيقى الجاز، كما أن الأدب الروسي غزا الأسواق الغربية، مما يشير إلى اختراق حضاري متبادل للحصون الأيديولوجية. ويذهب إلى حد الإشارة إلى نظرية أحد المحللين الاجتماعيين التي تفترض أن التناقضات بين المعسكرين قد تحل تدريجياً عبر شيوع نمط موحد من التفكير والتذوق ناتج عن العصر الصناعي والذري.

ثم ينتقل المؤلف إلى تحليل جذور فكرة الحياد داخل الغرب نفسه. يوضح أن هذه الفكرة ظهرت مع تيارات اليسار المستقل عن الأحزاب الشيوعية، وهي تمثل تعبيراً عن رغبة المجتمعات الغربية في التخلص من عبء تاريخها وصراعاتها، ومحاولة لاستعادة وجود إيجابي مستقل. لكنه لا يغفل عن ذكر العقبات العملية التي واجهت هذا التيار، خاصة في دول مثل فرنسا وإيطاليا اللتين كانتا تحت النفوذ الاقتصادي الأمريكي عبر المساعدات، مما جعل فكرة الحياد تصطدم بمتطلبات حلف الأطلسي من جهة، وهيمنة الحزب الشيوعي من جهة أخرى. ويشير إلى أن انشقاق يوغوسلافيا عن المعسكر السوفياتي والتخفيف من حدة الستالينية بعد وفاة ستالين، أعطى دفعة جديدة لتيار اليسار المستقل.

في السياق نفسه، يخصص المؤلف مساحة لمناقشة تطور اليسار المستقل في فرنسا كدراسة حالة. يذكر أن فشل فرنسا الاستعمارية في الهند الصينية والجزائر ساهم في تحويل هذا التيار من مجرد نخبة مثقفة إلى قوة اجتماعية ذات ثقل. كما أن تآكل شعبية الحزب الشيوعي الفرنسي بسبب مواقفه المترددة من القضايا الوطنية وخلفية مؤتمر الحزب الشيوعي السوفياتي العشرين، أفسح المجال أمام تجمعات يسارية جديدة للظهور. يذكر المؤلف أسماء بعض هذه التجمعات، مثل التجمع الذي تشكل حول مجلة "الأزمنة الحديثة" لـجان بول سارتر، والتجمع الماركسي حول مجلة "فكر" المنحدر من مدرسة "الشخصانية" لـإيمانويل مونييه، ومجلة "فرانس أوبزرفاتور" التي يرأس تحريرها كلود بورديه. ومع ذلك، يشير المؤلف إلى أن هذه التجمعات ظلت تعاني من عقد فكرية ومشكلات نظرية، خاصة فيما يتعلق بفكرة "الاستقلال" نفسها، ومدى إمكانية تشكيل حزب سياسي موحد دون الوقوع في مزالق الحزبية التقليدية.

يصل الفصل إلى نقطة جوهرية عندما يعرض نموذجين فكريين متناقضين داخل هذا اليسار الغربي، يمثلان عقبة أمام وحدته. النموذج الأول هو التطوير الوجودي والنفسي للماركسية، الذي يسعى لتطعيم فكرة الصراع الطبقي بالحرية الفردية وفرويدية التحليل النفسي. أما النموذج الثاني فهو التطوير الروحي أو الديني الكاثوليكي، الذي لا ينكر الصراع الطبقي ولكنه يلح على القيم الأخلاقية في توجيهه. ويطرح المؤلف تساؤلات حول كيفية التوفيق بين حتمية الطبقة في الماركسية وحرية الفرد في الوجودية، بين المادية الجدلية والروحانية. ثم يقدم مثالاً عملياً لهذا الخلاف من خلال مؤتمر عُقد في باديس عام 1954، حيث انقسم المجتمعون حول الموقف من حلف الأطلسي؛ فريق رأى أن أوروبا لا يمكن أن تقوم بدون حماية الحلف، وفريق آخر رأى أن وحدة أوروبا يجب أن تكون مستقلة تماماً عن القطبين.

بعد هذا التحليل المستفيض للواقع الغربي، يوجه المؤلف سهام نقده مباشرة إلى حزب البعث. يصف الحالة الفكرية لشباب البعث قبل الوحدة مع مصر، وكيف كانت تراوده مطامح كبرى لاستيعاب هذه التيارات اليسارية الجديدة. لكنه يحدد عقبتين حال دون ذلك: عقبة نفسية تمثلت في سيطرة الفكر الشعاراتي والثقة المفرطة التي تصل إلى حد الغرور والاستعلاء، مما منع الانفتاح الموضوعي على التحولات الفكرية المعقدة في الغرب، وعقبة سياسية تمثلت في الاحتكار السياسي والقيادة التقليدية للحزب التي كانت حاجزاً أمام أي تغيير حقيقي. ويتهم المؤلف الفكر البعثي الرسمي بأنه فلسفة "اكتفاء" و"تواطؤ" أدت إلى انغلاقه وفقر نظري، متهماً الحزب بأنه على مدى عشرين عاماً من عمره لم ينتج دراسة اجتماعية واحدة أو بحثاً فكرياً بالمعنى الصحيح حول قضايا مثل الصراع الطبقي أو الوجودية أو التراث العربي الإسلامي، مكتفياً بالغرور وتوزيع السرية على القيادات.

في الختام، يرى المؤلف أن هذا الجمود الفكري جعل الحزب غير قادر على مواجهة منعطف تاريخي حاسم تمثل في ظهور الناصرية. يصف الناصرية بأنها التيار الجديد الذي استطاع قيادة الجماهير وتحقيق التحولات من انقلاب إلى ثورة دائمة، ومن نضال وطني إلى نضال قومي واشتراكي وتكاملي. وقد كشف زحف الناصرية عن تهافت البنية الفكرية والقيادية للبعث، الذي حاول مقاومة هذا التقدم الثوري بتبني الشعارات الناصرية ظاهرياً بينما كان يعمل على الاحتفاظ بمراكز نفوذه القديمة. ويرى المؤلف أن هذا الاصطدام كان حتمياً لأنه يمثل صراعاً بين دور انقضى زمنه وآخر يمثل مستقبل الأمة. وينتهي الفصل إلى أن الثورة في مصر وقيادة الناصرية استطاعتا أن تتطورا من انقلاب على نظام ملكي إلى ثورة شاملة وعصر تاريخي حاسم للأمة العربية، وقفزت إلى مقدمة ثورات العالم الثالث.

1.الفكر البعثي والناصرية167–180▼ résumé

يقدّم هذا الفصل مقارنةً نقديةً بين تجربتين ثوريتين عربيتين رئيسيتين هما الناصرية وحزب البعث، مركزاً على تفوّق الأولى وفشل الثانية. يطرح الكاتب، مطاع الصفدي، فكرة محورية مفادها أن الثورة الناصرية كانت ثورةً حدسيةً واقعيةً، انطلقت من فهم اللحظة التاريخية وتفاعلت معها جدلياً، دون أن تكون أسيرةً لنظرية جاهزة أو مسبقة. في المقابل، يصف الفكر البعثي بأنه فكر مثالي طوباوي، منغلق على ذاته، وعاجز عن مواكبة التحولات الواقعية، مما قاد الحزب إلى مآزق سياسية وفكرية.

يسير الفصل بخطى منهجية واضحة، فيبدأ بالتمييز بين نوعين من الثورات: تلك التي تنطلق من نظرية مسبقة ثم تفرضها على الواقع، وتلك التي تنبثق من حدس القائد وتفاعله الحي مع الظروف. يُصنّف الكاتب الناصرية ضمن النوع الثاني، ويراها ثورةً تولدت من جدل حي بين الفكر والواقع، حيث لم تكن الفكرة هي التي تلد الحدث أو العكس، بل كلاهما يتفاعل في لحظة ثورية واحدة. ويضرب مثالاً على ذلك بالمسار المنطقي المتكامل الذي اتبعته الثورة منذ البداية، بدءاً من طرد الاستعمار وتأميم قناة السويس، مروراً بـالقضاء على الإقطاع وتحقيق الإصلاح الزراعي، وصولاً إلى التصنيع الجبار وبناء المؤسسات في القاهرة التي انتشرت في أرجاء الوطن العربي، من سوريا واليمن إلى العراق. هذا التكامل، بحسب الكاتب، لم يكن مخططاً له مسبقاً بنظرية جامدة، بل تبلور تدريجياً عبر الممارسة، حتى تجسد في ميثاق الاتحاد الاشتراكي بعد عشرة أعوام كاملة من الثورة.

ثم يتناول الفصل موقف الناصرية من الأيديولوجيات الأخرى، موضحاً كيف وقفت على مسافة متساوية من جميع الأيديولوجيات الجاهزة التي كانت تحاصر الواقع العربي. فمن القومية المثالية، أخذت الناصرية نزعتها الإنسانية لكنها تجاوزتها بنقلها من مرحلة الشعارات الصوفية إلى مرحلة العمل الثوري الجبار الذي حرّك الجماهير. كما تجاوزتها بتحويل الأحلام القومية إلى ثورات جماهيرية ذات مضمون اشتراكي حقيقي، وبإشراك أوسع قطاع شعبي في صنع الثورة. أما بالنسبة للماركسية، فتعترف الناصرية بما قدمته من حقائق، لكنها ترى أن للثورة العربية خصوصيتها كـ"ثورة قومية شعبية" لا تتضمن وحدة المصير فقط، بل تتضمن أيضاً تحرراً مزدوجاً: من الاستعمار ومن التخلف الحضاري، مع رفضها للصراع الطبقي بالمعنى الماركسي التقليدي، ودمجه في الكلية القومية الشعبية.

ويخصص الفصل مساحة لمناقشة علاقة الناصرية بالإسلام، معتبرة إياه جوهر التراث الحضاري للأمة. فهي تتلاقى مع الإسلام من كونه ثورة حضارية أسست ماضي الأمة، لكنها في الوقت نفسه تنكر كل تعصب طائفي وتتجنب التيارات المتطرفة التي تحاول إخراج الثورة العربية من سياقها الزماني والمكاني. هذا التكوين الفكري الفريد، الناتج عن حوار واقعي بين الفعل الثوري ومنجزاته، هو الذي شكل، برأي الكاتب، "الدليل العقائدي الحي" للناصرية، والذي حمى الثورة من أمراض المذاهب الثورية الأخرى كالصراع بين الحرفيين والحركيين أو الانتصار الزائف.

في القسم المقابل، يتناول الفصل أوجه القصور الجذرية في الفكر البعثي، ويحددها في خمس خصائص رئيسية. أولاً: المثالية في الفلسفة، والتي تجلت في تقديس القومية كمطلق، وتنزيه الشخصية الحزبية والقيادة، مع التجاهل التام للشروط الموضوعية وقوانين الحياة المادية. ثانياً: الغيبية في الاعتقاد، والتي حلت محل التحليل العلمي، ونظرت إلى النضال وكأنه قدر محتوم يتحقق بمعجزة قيادية، مما سبب عزلة الحزب عن الجماهير. ثالثاً: الطوبائية في الاجتماع، حيث بقيت اشتراكية البعث شاعرية وصفات عدالة مجردة، وديقراطيته تقليدية معزولة عن أي صراع اجتماعي حقيقي، مما جعل مواقفه السياسية تتسم بالتلفيق والتناقض بين الأطراف اليمينية واليسارية. رابعاً: العجز عن اتخاذ مواقف فكرية جريئة من العقائد والتقاليد، خاصة الإسلامية، مما جعله عاجزاً عن تحليل التاريخ العربي واستغلال الدين لخدمة الفكرة القومية. خامساً: الفهم الوهمي للشعارات، إذ بقيت مفاهيم الوحدة والاشتراكية والديقراطية والانقلابات مجرد شعارات طوباوية منفصلة عن أدواتها الثورية وشروطها الواقعية.

يختتم الفصل بأن الناصرية هي الثورة العربية الوحيدة التي حاولت السير على مستويات ثلاثة متداخلة: مستوى النظرية الأيديولوجية المنفتحة على الحوار مع الثورات الأخرى، وهو ما عجز عنه البعث؛ ومستوى الاستراتيجية النضالية المتكاملة والواضحة الخطوات؛ ومستوى القدرة الاستثنائية على توجيه التحولات الواقعية لصالح الثورة. ويخلص إلى أن "قيادة استثنائية" مثل قيادة جمال عبد الناصر هي التي مكنت من هذا النجاح، على عكس التجربة البعثية في سوريا والعراق، التي بقيت أسيرة ردود الفعل العسكرية الطائفية المفتقرة للرؤية الأصيلة، وتحولت إلى مجرد محاولات هستيرية للتمسك بالسلطة باسم الحزب.

في الفقرة الأخيرة، من الممكن القول إن الفصل يتبنى رؤيةً إطرائيةً تُخلو جانبياً من الموضوعية، إذ يمجد الناصرية بشكل مطلق ويجردها من أي إخفاقات أو تناقضات داخلية، بينما يُصوّر الفكر البعثي وكأنه كتلة واحدة من الفشل والانغلاق، دون تمييز بين مراحل تطوره أو تياراته المختلفة. هذا التبسيط المزدوج يخدم سردية معينة لكنه قد يقف حجر عثرة أمام فهمٍ أعمق وأشمل لتعقيدات كلتا التجربتين التاريخيتين.

1.مدخل187–194▼ résumé

يطرح هذا الفصل التمهيدي من كتاب "حزب البعث، مأساة المولد.. مأساة النهاية" إشكالية مركزية هي العلاقة الجدلية بين "الطليعة الثورية" كحامل للوعي والمطلق، و"الحزب السياسي" كأداة تنظيمية للعمل في الواقع. يرى المؤلف أن الحزب، رغم ضرورته لتحقيق الأفكار، يمثل خطراً دائماً على نقاء الطليعة ورسالتها الحضارية. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن مأساة حزب البعث، وتحوله من أداة ثورية إلى أداة للثورة المضادة، يمكن تفسيرها من خلال الأمراض التكوينية والتنظيمية التي أصابت الحزب منذ نشأته، والتي استغلها "انفصاليو الثامن من آذار" لإفراغ الحزب من محتواه التقدمي وتحويله إلى أداة للسلطة.

يسير الفصل في ثلاث مراحل مترابطة. يبدأ بوصف لحظة تاريخية حرجة، وهي مرحلة ما بعد الانفصال عن الوحدة مع مصر، حيث أدركت بعض القيادات الفكرية والقواعد الحزبية الأخطار التي تهدد الحزب، فعقدت اجتماعات غير رسمية لإنقاذه. لكن هذه المحاولات باءت بالفشل، إذ اعتبرت محاولات التصحيح هذه بمثابة "إعدام" للحزب قبل أن يفضح نفسه ويسقط أخلاقياً وقومياً. ثم ينتقل المؤلف فجأة ليعلن أن التحول الدراماتيكي الذي حدث بعد الثامن من آذار لم يكن مفاجئاً، بل كان نتيجة حتمية لمجموعة من الأمراض المتراكمة داخل الحزب.

في المرحلة الثانية، يحلل المؤلف هذه الأمراض، ويصنفها إلى نوعين: أمراض فكرية (كالصرفية المتعالية الذاتية) وأمراض تنظيمية (سمحت بتسرب أمراض المجتمع المتخلف). ويحدد خمس نتائج لهذا التراكم المرضي: أولاً، إبعاد القواعد الجماهيرية السابقة. ثانياً، إهمال العناصر الفكرية النقية التي نجت من التلوث. ثالثاً، وأخطرها، إفادة "انفصاليو الثامن من آذار" من هذا الفوضى التنظيمية لتثبيت أحكام عقائدية مزيفة. رابعاً، استثارة حرب طبقية تقدمية مزيفة لصالح الجموع. خامساً، تنشيط الأمراض التكوينية للحزب لخدمة أجندة الانقلاب.

أما المرحلة الثالثة والأطول، فهي نقلة تأصيلية يعود فيها المؤلف إلى ظهور الطليعة العربية في مرحلتها الثانية (اعتباراً من أواخر الحرب العالمية الثانية). يصفها بأنها انطلقت من شعور أصيل بأزمة الأمة الحضارية، وحددت لنفسها أهدافاً كبرى: طرد المستعمر، توحيد الأقطار، وتحديث المجتمع. لكن المشكلة الكبرى، حسب المؤلف، تكمن في تحول هذه الطليعة إلى حزب سياسي. هنا يطرح جدلاً نظرياً عميقاً: الطليعة هي "إمكان محض"، تحمل نية الثورة والمطلق، لكنها تفقد نقاءها وتتعرض للتمزق حين تتحول إلى حزب يخوض تفاصيل السياسة اليومية. يوضح أن التناقض الأساسي لا يكون بين الطليعة والمجتمع، بل بين الطليعة والحزب نفسه، حيث ينشأ قطبان: قطب المثاليين الطوباويين الذين يعجزون عن تحقيق شيء، وقطب الانتهازيين البراغماتيين الذين ينغمسون في الصراع اليومي ويفقدون البوصلة الثورية. بين هذين القطبين يتهشم العمل الثوري، إلا من خلال طبقة نادرة يمكنها تجاوز كلا القطبين.

يقر المؤلف صراحة بحدود هذه المقاربة، معتبراً أن الحزب هو "ابتسار وجودي" للطليعة، وأزمة حقيقية لا يمكن تجنبها. ويترك السؤال مفتوحاً حول إمكانية وجود حزب يكون وفياً لرسالة الطليعة دون أن يخونها. من الناحية النقدية، يمكن القول إن الفصل يبني حجة دائرية تفسر كل انحراف لاحق في تاريخ الحزب كنتيجة حتمية لعيوب تكوينية سابقة، مما يقلل من دور الخيارات الإرادية والظروف السياسية الطارئة. كما أن التقسيم بين "طليعة نقية" و"حزب فاسد" يبدو مثالياً إلى حد كبير، ويصعب ترجمته إلى أي معيار سياسي عملي غير القناعات الذاتية.

1.البعث حزب انفصالي261–270▼ résumé

ملخص الفصل: «البعث حزب انفصالي»

يطرح الكاتب مطاع الصفدي في هذا الفصل أطروحة محورية مفادها أن حزب البعث، الذي رفع شعار الوحدة العربية، تحول فعلياً إلى حزب انفصالي بعد انقلاب 28 أيلول 1961 في سوريا، الذي أخرجها من الجمهورية العربية المتحدة (وحدة مصر وسوريا). ويرى المؤلف أن البعث لم يكتفِ بخيانة هدف الوحدة فحسب، بل أصبح أداة لتعطيل أي مشروع وحدوي حقيقي، وابتكار شعارات بديلة ومضادة لخداع الجماهير وإجهاض ثوراتهم الوحدوية. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن البعث، في جوهره، لم يعد حزباً وحدوياً بل أصبح حزباً يخدم منطق الانفصال والتشرذم، وإن تحت غطاء خطاب قومي.

يسير الفصل وفقاً لبنية واضحة: يبدأ بصدمة الانفصال الأول، ثم ينتقل إلى وصف الفترة التي تلت ذلك، حيث تحولت الوحدة من مثال أعلى إلى تجربة تاريخية واقعية (بفضل نموذج الجمهورية العربية المتحدة الأول). بعدها، يحلل الكاتب بالتفصيل طبيعة الشعارات الوحدوية التي ظهرت بعد الانفصال لمواجهة الدعوة الشعبية الجامحة لعودة الوحدة الفورية. ويقسم هذه الشعارات إلى نوعين: شعارات وحدوية أصلية (وحدة الصف، وحدة الهدف، التضامن، وحدة العمل المشترك)، وشعارات مضادة ومزيفة ابتكرها الانفصاليون والبعث لتضليل الجماهير، وأبرزها: «الوحدة الشاملة» و«الوحدة المدروسة».

يركز الكاتب على تحليل هذين الشعارين المزيفين. بالنسبة لـ «الوحدة الشاملة» ، يرى أنها كانت شعاراً مثالياً لا ينتمي إلى واقع ملموس، وقد رفعه الانفصاليون الرجعيون مباشرة بعد أيلول 1961 كبديل عن الوحدة الثنائية التي ألغوها. وظيفته كانت رد الحياة إلى النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي القديم ما قبل الوحدة، وإعادة الزعامات التقليدية والطبقة الإقطاعية والبورجوازية إلى مواقع السلطة، وفتح الباب لعودة النفوذ الاستعماري الغربي، بقيادة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، بهدف محاصرة النظام الثوري الوحدوي في القاهرة بزعامة جمال عبد الناصر.

أما الشعار الثاني، «الوحدة المدروسة» ، فيصفه المؤلف بأنه أكثر خطورة لأنه ظهر في سياقين ثوريين واعدين: بعد ثورة حلب في مطلع نيسان 1963، وبعد انقلاب 8 آذار 1963 الذي أوصل حزب البعث إلى السلطة في سوريا. في كلا المرتين، لعب هذا الشعار دور «الشعار المضاد» للوحدة الفورية التي كانت الجماهير والثوار يطالبون بها. وظيفته كانت تأجيل الإعلان عن الوحدة وخَلق هوة زمنية بين الثورة والتنفيذ، مما أتاح للانفصاليين الجدد (وهم البعثيون هذه المرة) الوقت لضرب الثوار من الخلف وترسيخ أقدامهم. يعتمد هذا الشعار، حسب الكاتب، على أوهام خطيرة: أنه يناقض الوحدة الفورية، وأنه ينتقد شكل نظام الحكم في الجمهورية العربية المتحدة السابقة ويضخم أخطاءها (وهي أخطاء يعترف بها الوحدويون أنفسهم)، وأنه يبني على أسطورة «أخطاء الوحدة الأولى» لتبرير المماطلة وتهديد القيادة الثورية في القاهرة.

في مجمل الأدلة والحجج، يورد الكاتب أمثلة تاريخية مفصلة. فيذكر كيف استغل دعاة «الوحدة الشاملة» فترة الانفصال الرجعي بين عامي 1961 و 1963 لإعادة النظام البرلماني المتخلف القائم على العشائرية والإقطاع، وكيف عادت القيم الفكرية والأدبية المحافظة بعد أن كانت قد اندثرت. ويشير إلى أن هذا الشعار سقط مع فشل الحكومات المتتابعة التي خلقتها تلك المرحلة، وتصاعد الكفاح الجماهيري الذي بلغ ذروته في ثورة حلب. كما يتحدث عن الكيفية التي تعامل بها البعث مع ثورة 8 آذار 1963، حيث طرح شعار «الوحدة المدروسة» لتحويل مسارها، مما أدى إلى انفصال ثانٍ (بعثي) أبعد وأفجع من الأول، وتحول حزب البعث نفسه إلى أكبر عدو للوحدة.

يعترف الكاتب ببعض الحدود والتحفظات، إذ يقر بأن الشعارات البديلة مثل «الوحدة المدروسة» خدعت بعض المثقفين الحقيقيين الذين ظنوا أنها خطوة على الطريق الصحيح نحو بناء دولة وحدة قوية. كما لا يخلو الفصل من تأكيد على أن الصراع بين الوحدويين والانفصاليين، رغم شراسته، كان جزءاً من عملية نضال تاريخية أكبر، وأن كل انفصال وسقوط للطليعة يمهد لخروج قادة جدد وتجارب وحدوية أكثر نضجاً.

أخيراً، تبرز في الفصل حجة قابلة للنقاش بوضوح، وهي أن المؤلف يصنف حزب البعث برمته كحزب انفصالي في الممارسة، حتى وإن كان خطابه قومياً. فهو لا يميز بين تيارات أو قيادات بعثية مختلفة، بل يعتبر أن الحزب في سوريا بعد 8 آذار 1963 تحول إلى أداة لتكريس سلطة جديدة تحت غطاء الوحدة، مما جعله مسؤولاً عن إجهاضها للمرة الثانية بعد الانفصال الرجعي. هذه النظرة الأحادية تختزل تعقيدات المشهد السياسي في صراع ثنائي بين معسكر وحدوي نقي (ناصري وشعبي) ومعسكر انفصالي (بعثي ورجعي)، وهو ما يمكن أن يكون موضع جدل في الدراسات التاريخية الأكثر تفصيلاً.

1.البعث وشعارات الوحدة المصطنعة271–282▼ résumé

يُحلّل هذا الفصل مسارَ شعارات الوحدة التي طرحها حزب البعث في سوريا والعراق بعد انهيار الوحدة مع مصر في أيلول 1961، مُظهراً كيف استُخدمت هذه الشعارات كأقنعة لإخفاء نزعة انفصالية جديدة. يقول مطاع الصفدي إن دعاة الوحدة المزيفة كانوا لا يقلون خطراً عن دعاة الانفصال الصريح، وأن الصراع بين البعثيين والوحدويين في أعقاب ثورة 8 آذار في سوريا دفع الحزب إلى اختراع شعارات تحافظ على مظهر الوحدوية بينما تُبقي السيطرة بيد الحزب وحده.

يسير الفصل عبر أربعة شعارات رئيسية متتالية، يوضح كيف استُحدث كل منها كبديل عن سابقه عندما يصبح الأول غير قابل للاستمرار. يبدأ بـ "الوحدة الثلاثية" التي طرحها البعثيون الحاكمون في سوريا بديلاً عن الوحدة الثنائية مع مصر، لتضم العراق أيضاً. ويذكر الكاتب أن البعثيين اعترفوا في تقاريرهم السرية أن هذه الوحدة لم تكن إلا محطة في سبيل معارضة الوحدة الثنائية مع القاهرة. مع ذلك، أيدها بعض الوحدويين ظناً منهم أنها تعبر عن الوضع الثوري في العواصم الثلاث، لكن إجراءات التمكين للحزب داخل سوريا كشفت النية الانفصالية الحقيقية.

ثم ينتقل إلى "الوحدة الصراعية" أو وحدة صراع التجربتين، حيث أراد البعثيون تحويل أي دولة اتحادية قادمة إلى ساحة صراع بين التجربة الناصرية في القاهرة وتجربتهم هم في دمشق وبغداد، بهدف ضرب القاهرة من الخلف بدلاً من التفاعل الإيجابي. ويوضح الكاتب أن البعثيين، رغم إقرارهم بمبدأ تعدد التنظيمات السياسية في ميثاق الوحدة، رفضوا مشاركة الفئات الوحدوية في مستويات الجيش داخل سوريا، ممهدين بذلك لانفصال فعلي داخل أي اتحاد مقترح.

بعد الانفصال الدامي في 18 أيلول 1961، ظهر شعار "الوحدة المحورية" بين سوريا والعراق، وهو ما يراه الكاتب تعبيراً عن عقدة الذنب تجاه فشل الوحدة الثلاثية، وحصاراً شعبياً للحكام. كان الهدف الحقيقي لهذه الوحدة، بحسب النص، هو تكريس فصل المشرق العربي عن القيادة الثورية في القاهرة وبناء قلعة للتفاعل بين جناحي الوطن العربي. لكن هذه الوحدة تعثرت وعانت العزلة حتى سقطت بضربة 18 تشرين الثاني التي أسقطت حكم البعث في العراق. أما الشعار الأخير فهو "تلاقي الثورات" الذي روجته الدعاية البعثية بعد الانتصار الحزبي في 18 تموز، والذي كان يهدف إلى جمع ثورات مصر والعراق وسوريا واليمن. لكن الكاتب يصفه بمحاولة يائسة للخروج من العزلة الشعبية الرهيبة التي أحاطت بالحكم البعثي، مشيراً إلى أنه كشف عن صفة "الثورة المضادة" المختبئة وراء الشعارات البراقة، وفشل البعث في العراق أوقف أي خطوة تنفيذية تجاه هذا المبدأ.

في القسم التالي، يركز الفصل على المواقف الفردية لقادة البعث التاريخيين خلال فترة الانفصال. يتهم الكاتب ميشيل عفلق، مؤسس الحزب، بأنه أصدر من منفاه في بيروت نشرات موجهة للقيادات فقط، لتشويه سمعة الناصرية والدعوة لنسف التجربة الوحدوية، بينما كان يحافظ على غموض موقفه الظاهري. ويكشف أن أكرم الحوراني انحاز علناً للانفصال ووقّع على بيانه، بينما حاول صلاح البيطار التوفيق بين موقفين، وانضم لاحقاً لمجاملة الانفصاليين في ناديهم. ويصف الكاتب موقف عفلق بالملتبس والغامض، حيث كان ينتظر اللحظة المناسبة لإعادة بناء الحزب تحت سيطرته.

يخلص الفصل إلى أن ميشيل عفلق استغل هشاشة وضع الانفصال لتحقيق أهدافه. خطته، بحسب النص، كانت تقوم على: اعتبار الانفصال فرصة لإعادة بناء الحزب بقيادة جديدة تبعده عن خصومه الوحدويين، والحفاظ على غموض موقفه لحين سقوط الانفصال حتماً بفعل الغضب الشعبي، وإعادة بناء الحزب من الصفر عبر لجنة عراقية قادها نظام السعدي والرفيق العريف. وفي مؤتمر حمص في شباط (فبراير) 1963، تم إقصاء الحورانيين وإعادة تشكيل فرع الحزب في سوريا تحت القيادة العراقية، مع إصدار منشورات تدين الانفصال وتنتقد "أخطاء الوحدة". لكن الكاتب ينهي الفصل بتأكيد أن هذه الحيل الشعارية لم تخدع أحداً، وأن الشعب السوري تشبث بوحدته الأولى مع مصر باعتبارها الضامن الوحيد لأي وحدة مستقبلية أوسع.

في النهاية، يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش بوضوح: مفادها أن صراع القادة البعثيين التاريخيين على السلطة والنفوذ داخل الحزب، وخلافاتهم الشخصية (خاصة بين عفلق من جهة والحوراني من جهة أخرى)، كانت المحرك الأساسي وراء انهيار تجربة الوحدة وليس الأخطاء الموضوعية. النص يقرأ التاريخ البعثي بوصفه مسلسلاً من التآمر الداخلي والانتهازية واستخدام الشعارات الوطنية كغطاء لأهداف فئوية ضيقة.

1.حكم الحزب الواحد305–313▼ résumé

هذا ملخص أمين للفصل المعنون «حكم الحزب الواحد» من كتاب «حزب البعث، مأساة المولد.. مأساة النهاية» لـمطاع الصفدي، مع الالتزام التام بالتعليمات المذكورة.

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تحليل أحداث الثامن عشر من تموز عام 1963 في سوريا، والتي يصفها المؤلف بأنها «المجزرة الكبرى» و«أكبر محزرة في تاريخ سوريا الحديث». يقدم الفصل إجابة واضحة ومباشرة: هذا اليوم لم يكن مجرد انقلاب أو مؤامرة، بل كان لحظة سقوط حزب كامل (يقصد حزب البعث) في أوج انتصاره، وتحوله من حزب ثوري إلى عصابة نازية فاشية. الإجابة المحورية التي يقدمها النص هي أن هذا الحدث كان من تأليف وإعداد وتنفيذ الحزب نفسه، وأنه لم يكن مؤامرة بلغت ذروتها في ذلك اليوم فحسب، بل كانت بداية لسياسة إرهاب مطلق تهدف إلى تصفية كل القوى الوحدوية والوطنية، وتمهيد الطريق لقيام «امبراطورية بعثية» تمتد من دمشق إلى بغداد.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من وصف الحدث نفسه بتفاصيل دامية، حيث يتحدث عن مغاوير أطلقوا النار على المدينة كلها، وداهموا البيوت، وقتلوا الرجال والنساء العزل في الشوارع دون تمييز بين مريض وصحيح. ثم ينتقل المؤلف إلى طرح سلسلة من الأسئلة المفتوحة التي ظلت تدور في أذهان الناس حتى بعد عام: إلى أي حد شارك البعث نفسه في الإعداد للحدث؟ وهل ساعدت قوى من داخل البعث في اصطياد كل من هو في الخط الوحدوي بعد وقوعه؟ للإجابة عن ذلك، يقدم الفصل ستة أدلة رئيسية مستندة إلى وقائع وروايات المعتقلين. أولاً، يذكر أن الفروع العسكرية والمدنية للبعث، تحت إشراف الأمين العام للحزب، كانت قد أعدت لوائح عديدة بأسماء كل من كان له دور وحدوي علني أو سري، مما سمح باعتقالات فورية دون تحقيق. ثانياً، يصف كيف كانت الميليشيا الحزبية والمدربة على السلاح، تنتظر «اليوم الموعود» بتنفيذ مهامها في الأحياء. ثالثاً، يورد روايات الضباط الوحدويين الذين وجدوا أسلحة قطعاتهم مخزنة وهم معتقلون مساء اليوم السابق للانقلاب. رابعاً، يذكر نشاطاً غريباً لضباط المخابرات قبل أسبوع من الحادث، حيث كانوا يبحثون عن ضباط وحدويين ويدفعونهم للانضمام إلى عملية معينة، محددين لهم ساعة الصفر قبل أن يوافقوا عليها. خامساً، يصف محاكمة سياسية كانت أحكامها معدّة سلفاً حتى قبل وقوع الانقلاب الفاشل، مع أحكام بالإعدام لعدد من القادة وظفت وفق ضغوط أجنحة الحزب المستورة. سادساً، يخلص بوضوح إلى أن الحدث هو من تأليف وإعداد وتنفيذ الحزب نفسه، وأن الفئة القليلة من الوحدويين الذين شاركوا كانوا مدفوعين بقوى من وراء ظهرهم وضمن أسلوب مفروض، وأن زياد الحريري كان مسيطراً تقريباً على كل مراحل الإعداد والتنفيذ.

بالانتقال إلى تحليل الأسباب الكامنة وراء هذا السلوك، يقرأ المؤلف الأحداث في سياق أوسع. يصف ظروف الانفصال الرجعي الأول عن الجمهورية العربية المتحدة، قائلاً إنه لم يكن سوى عهد مزيف مفروض بقوة التآمر من قبل البورجوازية الرجعية الدمشقية والاستعمار الإنكليزي. ويرى أن فشل هذا الانفصال في إعادة «الحياة الطبيعية» أدى إلى تعاظم المد الوحدوي في الشعب، وجعله قضية الوجود اليومي لكل فرد. هنا، بحسب المؤلف، أدرك الاستعمار الإنكليزي أن الثورة الوحدوية وشيكة، فغير هدفه الاستراتيجي: لم يعد الهدف هو حماية الانفصال بقوى معادية للشعب، بل كان لابد من تغذية الانفصال بقوى الوحدة نفسها. كان الحل، وفقاً لهذا التحليل، هو اصطناع مؤامرة من قبل حزب البعث، تجرّ الضباط الوحدويين المسرّحين إليها، وتضمن شروطاً أشد قسوة، لتبرير تصفية كل القوى الوحدوية وتوحيد سوريا والعراق تحت إمبراطورية بعثية، ثم الالتفاف على جمال عبد الناصر.

يقرّ الفصل ضمناً بحدود ذلك التحليل، لكنه لا يترك مجالاً للشك في الاستنتاج النهائي. يذكر أن الحزب يمكن النظر إليه من زاويتين: إما كحزب ثوري تقدمي مدعوم بقواعد شعبية، أو كحزب إرهابي فاشي مدعوم بقوى التخلف والاستعمار. وفي حالة سوريا بعد الثامن من آذار، فإن الصورة التي تشكلت هي صورة التناقض بين الشعار والواقع. يتحدث عن عوامل التشرذم والتناقضات في القيادة، وصولاً إلى العقل الاستعماري المعبود الذي يوجه الحزب ضد نفسه وضد الشعب. الخلاصة القاتمة التي يقدمها النص هي أن حلم الإمبراطورية البعثية لم يقم، بل إنه انهار، والبعث «انتهى عند أخيه في حزيران والذي قيل إنه كان حزيران في مدريد». ويختم الفصل بصرخة علي صالح السعدي الشهيرة: «ماكو ثورة» كعنوان حقيقي للمأساة التي كانت ساعة الصفر لقيام إمبراطورية وهمية على بحر من الدماء.

من حيث الحجج القابلة للنقاش، يطرح الفصل نفسه كراوية سياسية حادة ومتحيزة ضد حزب البعث السوري، معتبراً إياه المسؤول الأول والأخير عن المجزرة. قد يجادل آخرون بأن الأوضاع كانت أكثر تعقيداً، وأن هناك قوى إقليمية ودولية متعددة لعبت أدواراً أخرى، أو أن ما جرى كان أقل تنظيماً وأكثر فوضوية مما يصوره الكاتب. لكن في حدود النص، فإن المؤلف لا يترك مجالاً لتفسيرات بديلة، ويقدم سرداً متماسكاً ومدعماً بأمثلة ملموسة تهدف إلى إثبات أن حكم الحزب الواحد، في حالة البعث، تحول إلى أداة للإرهاب وتصفية المعارضين لخدمة مشروع إمبراطوري وهمي.

1.الوحدة قبل ١٩٥٨233–250▼ résumé

يُعالج هذا الفصل تطور مفهوم "الوحدة العربية" لدى الشعوب العربية منذ بدايات اليقظة القومية وحتى قيام الجمهورية العربية المتحدة عام ١٩٥٨، ليكشف عن الانتقال من حلم مثالي طوباوي إلى أداة سياسية في الصراعات بين الفئات الحاكمة، وصولاً إلى التجربة الواقعية الأولى التي حملت بذور نجاحها وفشلها. يقدّم مطاع الصفدي فكرة مركزية مفادها أن دافع الوحدة الأولي كان دفاعاً غريزياً عن كيان المجتمع التقليدي ضد الاحتلال، وهو ما جعل تصورها غامضاً وخالياً من أي مضمون سياسي أو اجتماعي محدد، قبل أن تتحول إلى مطية بيد النخب لتثبيت مصالحها، لتنتهي بكارثة الانفصال.

يسير الفصل وفق خط زمني وتاريخي واضح. يبدأ بتأصيل فكرة الوحدة كرد فعل "طوبائي" لدى رواد اليقظة، الذين رأوا فيها الحل المثالي لكل مشاكل الأمة، دون أن يتمكنوا من تحديد شكلها السياسي. ينتقل بعدها إلى مرحلة "النضال ضد الاحتلال الأجنبي"، حيث تحولت الوحدة إلى "فكرة التجمع المادي" لتعزيز المقاومة، وكانت صورة الدولة المقترحة لا تخرج عن النمط التقليدي كالخلافة أو الإمارة، مما جعل الجماهير تتطلع إلى زعماء عرب كالملكين فيصل وغازي كرموز للوحدة.

ثم ينتقل الفصل ليُدخل تحليلاً اجتماعياً-اقتصادياً مهماً، فيصف التركيبة السكانية الفريدة للمدن العربية الكبرى (مثل دمشق، بيروت، حلب، بغداد) قبل الحرب العالمية الثانية. لم تكن هذه المدن مقسمة على أسس طبقية واضحة، بل كانت عبارة عن "أحياء مغلقة" ذات روابط عضوية تقوم على القرابة والطائفة. هنا، يرى الكاتب أن الصراع ضد الاحتلال لم يكن صراعاً من أجل التقدم، بل كان دفاعاً غريزياً عن هذا النموذج العضوي للمجتمع ضد الغزو الحضاري الغربي، وأن دعوة الوحدة كانت انعكاساً لهذه المحافظة.

يخصص المؤلف حيزاً مهماً لتحليل دور "البورجوازية العربية الناشئة" بعد حصول بعض الأقطار على استقلالها. هذه البورجوازية، التي فهمها الكاتب كطبقة وسيطة بين المحتل والشعب، لعبت دوراً مزدوجاً؛ فبينما تمسكت بفكرة الكيان القطري لضمان مصالحها، كانت تستخدم شعار الوحدة كغطاء سياسي وكمُخدر للجماهير. لكن تناقضاتها الداخلية (بين تجار وصناع وإقطاعيين) حالت دون تقديم أي مشروع وحدوي جاد. أما "القوى التقدمية" المثقفة، فقد أدركت ضرورة محاربة هذه الفئات الحاكمة ذاتها للوصول إلى وحدة حقيقية.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، انتقل الصراع إلى مرحلة جديدة بفعل قضية فلسطين، التي كشفت تآمر النخب مع الاستعمار مما نقل زمام المبادرة إلى الفئات الشعبية. هنا برزت محاولات غربية جديدة لسرقة الشعار الوحدوي عبر الأحلاف مثل حلف بغداد، مما عمّق الاستقطاب وأدى إلى التقاء طبيعي بين نضال الجماهير في المشرق العربي والثورة الناصرية في مصر برئاسة جمال عبد الناصر. هذا التقارب بلغ ذروته بقيام الوحدة بين مصر وسوريا في ١٩٥٨.

يكشف القسم الأخير من الفصل عن الوجه الآخر للتجربة. يصف الكاتب كيف أن قادة حزب البعث، وفي مقدمتهم ميشيل عفلق وأكرم الحوراني، تعاملا مع الوحدة كفرصة للاستئثار بالسلطة في الإقليم الشمالي (سوريا) بدلاً من الإخلاص للهدف القومي. يقدم الكاتب تفاصيل مسرحية الصراع على المناصب، وكيف أن كلاً من عفلق والحوراني "تبرعا" للرئيس عبد الناصر بحل الحزب كشرط للوحدة، ثم بدأ كل منهما بالدس على الآخر لدى الرئيس، سعياً وراء حظوة شخصية. بلغت الانتهازية ذروتها بحركة الوزراء البعثيين الاستقالية الجماعية محاولين ابتزاز الدولة والجماهير، وهي الحركة التي يعتبرها الكاتب "تمرداً انفصالياً".

في الختام، يعترف الفصل بأن التجربة الوحدوية، رغم فشلها، كانت فريدة وثرية، حيث وضعت لأول مرة مضموناً واقعياً للمفهوم الطوبائي، وأثارت أسئلة أساسية حول شكل الدولة ومضمونها الاجتماعي. كما يشير الكاتب بشكل نقدي إلى "تناقض كبير" في موقف قادة البعث، حيث كانوا في العراق يقودون معركة بطولية ضد حكم عبد الكريم قاسم (وقدمت فيها تضحيات جسيمة)، بينما كان قادتهم في سوريا وبيروت يذبحون التجربة الوحدوية بأيديهم من أجل مكاسب فئوية ضيقة، تاركين أسئلة مفتوحة عن مصير العمل القومي ستناقشها الفصول التالية.

1.موقف البعث من تجربة الوحدة251–260▼ résumé

يُحلّل هذا الفصل موقف حزب البعث من تجربة الوحدة بين سوريا ومصر (الجمهورية العربية المتحدة)، ويقدّم إجابة واضحة: لقد كان حزب البعث، بجميع أجنحته، شريكاً أساسياً في التآمر على الوحدة والانقلاب عليها، متحولاً من حزب طليعي ثوري إلى أداة رجعية انفصالية، ثم إلى أداة قمعية بعد عودة الحكم إليه.

يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بوصف كيف أن قيادة الحزب، وتحديداً جناح ميشيل عفلق، بدأت بعد قيام الوحدة بعزل نفسها عن الدولة وشن حملة دعائية سامة ضدها، واتهام كل بعثي قديم يؤمن بالوحدة بالعمالة. ومع توقف عجلة الوحدة وتأكّد حكم جمال عبد الناصر، بدأت هوّة تفتح بين الحزب والجماهير، مما سمح للعناصر الانفصالية من اليسار والشيوعيين والطائفيين بالتحضير لضربتها.

يبيّن الفصل أن الانفصال كان مشروعاً مشتركاً بين جناحي الحزب الرئيسيين: الحورانيين الذين سعوا إليه علناً واتصلوا بضباط الانقلاب، والعفالقة الذين أخفوه وراء شعار "تصحيح المسار من داخل الوحدة". مع صدور قوانين التأميم الاشتراكية في يوليو 1961، والتي مثّلت تحولاً جذرياً نحو التقدم، تساقطت حجج القيادة البعثية، لكن ذلك لم يمنعها من الإسراع بتنفيذ المؤامرة قبل أن تثبت هذه التغييرات جذورها الشعبية.

يوضح المؤلف أن الرأسمالية البورجوازية والاستعمار، خاصة بريطانيا، صُعِقا بهذا التحول الاشتراكي فدعما الانفصال بكل قواهما وأموالهما. ويخلص القسم الأول إلى نتيجة حاسمة: لا يمكن تبرئة أي طرف بعثي من المساهمة في الإعداد للانفصال، بغض النظر عن أخطاء نظام عبد الناصر.

ينتقل الفصل إلى مرحلة ما بعد الانفصال، ليُظهر كيف تحوّلت القيادات البعثية التقليدية إلى مواقع رجعية، مهمها الأول الحفاظ على نفوذها ومحاربة الناصرية وإبعادها عن سوريا والعراق. ويرى المؤلف أن شعارات "الوحدة المدروسة" أو "الثلاثية" أو "الاتحادية" التي رفعها البعث لاحقاً لم تكن سوى أقنعة وحدوية لروح انفصالية خالصة.

يصف الفصل فشل نظام الانفصال الأول ذريعاً، مستنداً إلى عدة أدلة: لم ينجح في استعادة رؤوس الأموال المهاجرة، وتحوّلت الحرية السياسية المزعومة إلى حرية لأعداء الشعب، ونتج عن الرخاء الاقتصادي استيراد مفرط وإفلاس الثورة القومية. الأهم من ذلك، كان رد الفعل الشعبي عنيفاً منذ الساعات الأولى، وبلغ ذروته في ثورة حلب في آذار 1962، حيث سجن الانفصاليون العسكريون حكومتهم وأغلبية أعضاء البرلمان، في مشهد استثنائي دليل إفلاس.

ثم يتناول الفصل مرحلة حكم د. بشير العظمة وفلسفة "الوحدة المدروسة"، التي يعتبرها المؤلف بذرة الانحراف الذي بلغ أوجه بعد ثورة الثامن من آذار 1963. يرى أن هذه الفلسفة كانت إقراراً بعجز الانفصال عن تبرير وجوده، وأنها مجرد محاولة لمنحه شرعية مؤقتة. ويؤكد أن الحزب الذي وصل إلى السلطة في 8 آذار ليس هو حزب البعث الذي ناضل ضد الاستعمار، بل كيان جديد من الشراذم والأشخاص الذين استخدمهم العسكر.

يختتم الفصل بنقد لاذع لدور البعث في ضرب فكرة الوحدة من خلال مشاريع بديلة مزيفة (كالصراع الموهوم بين الوحدة الثنائية والثلاثية)، وصولاً إلى هيمنة الحزب كـ "معبود" وفكرة "اشتراكية الوحدة" التي تعني توزيع المناصب حزبياً. يصف صعود البعث في سوريا والعراق بعد 1963 بأنه "انتصار للانتكاسات" وأداة دامية لتثبيت التخلف. وينهي الفصل بسؤال بلاغي عن التناقض بين حزب التحرر السابق والحزب القمعي الحالي، ليجيب أن الحزب الأول كان أداة لنضال الجماهير، لكنه حين انفصل عنها وسيطر عليه العسكر، تحوّل إلى شراذم متناحرة، وقاد جيلاً كاملاً من الشباب العربي في العراق إلى الفشل والتيه.

2.١٨ تموز: المجزرة الكبرى314–321▼ résumé

هذا الفصل، المعنون «١٨ تموز: المجزرة الكبرى»، هو إدانة شاملة ومركزة لحزب البعث في سورية، وليس مجرد سرد لتاريخه. الموضوع المحوري هو إثبات أن حزب البعث، ككيان ثوري حقيقي ذي قواعد شعبية وأيديولوجية واضحة، لم يكن موجوداً قط في اللحظات التاريخية الحاسمة. الإجابة التي يقدمها المؤلف، مطاع الصفدي، هي أن الحزب كان مجرد وهمٍ وغطاءٍ لطموحات شخصية وصراعات على السلطة، انتهت به إلى أن يصبح أداةً للانفصال والرجعية، متخلياً عن كل مبادئه المعلنة.

يسير الفصل خطوة بخطورة لكشف هذا الزيف. يبدأ المؤلف ببيان جذري: الحزب لم يكن موجوداً يوم الثامن من آذار [عام 1963م]، ولم يوجد حتى الثامن عشر من تموز، ثم زالت آثاره بالكامل بعد هذا التاريخ. ويعلّل ذلك بالقول أن ما بقي هو مجرد اسم استخدمته شرذمة طائفية ومتآمرة. السبب الجذري لهذا الموت المبكر، بحسب المؤلف، يعود إلى التناقضات الداخلية العميقة التي مزقت الحزب في الفترة بين سقوط حكومة أديب الشيشكلي (عام 1954) وقبل قيام الوحدة مع مصر. التناقض الأكبر هو «الانفصام الشنيع» بين القيادة والقواعد. فالقواعد كانت ثورية وتستمد حماسها من انتصارات جمال عبد الناصر في القاهرة، بينما القادة، وعلى رأسهم أكرم الحوراني وميشيل عفلق، كانوا منشغلين بالصراعات الشخصية والمناورات في ساحتين فقط: ساحة المناورات والمساومات السياسية في البرلمان، وساحة الدسائس العسكرية والتكتلات في الجيش. يعزل المؤلف عفلق كزعيم مثالي عاجز، يمارس صفة «المتنبي» في حلقة مغلقة من المريدين، بينما يسيطر الحوراني على الحزب لخدمة أهدافه الشخصية والانقلابية. هذه الصراعات هي التي قادت كلًا منهما إلى الموافقة على حل الحزب عند قيام الوحدة، كلّ لأسبابه التكتيكية الخاصة.

ثم ينتقل الفصل إلى سرد عواقب هذا الحل وهمية الحزب. يوضح المؤلف أنه بعد إعلان الحل، انطلقت القواعد الثورية الحقيقية لتعمل في إطار دولة الوحدة. أما الذين بقوا باسم البعث، فهم «شراذم» قادة ثانويون، مريضون بأمراض التزعم والحقد على عبد الناصر، الذين أعدوا لانقلاب الانفصال الأول. يصف المؤلف الانفصال الأول بأنه «ردة»، ويتهم عفلق نفسه بـ«الردة السافرة» أثناء فترة الانفصال. ويضرب أمثلة على عدم وجود الحزب: لم يكن موجوداً لمواجهة الحوراني أثناء انقلابه، فاكتسحته القوى الرجعية. ولم يكن موجوداً لضبط تصرفات «الشرذمة الطائفية العفلقية» التي حكمت في ظل انفصالي معادٍ لثورة آذار. والأدلة الأكثر واقعية هي التحدي الذي وجهه عفلق نفسه حين حاول إعادة تنظيم الحزب في شباط عام 1963، فلم يجد حتى بضعة أعضاء حقيقيين. من كانوا معه آنذاك هم مجرد مناضلين سابقين غائبين، أو طلاب جامعيين سابقين عادوا بعد أن وصل الحزب إلى السلطة، أو انتهازيين تنقلوا بين أجنحة الحزب. كل هؤلاء «المجاهيل والتكرات» هم «حزب البعث»، حسب قول المؤلف.

يصل الفصل إلى ذروته في اتهام الحزب بأنه تحول إلى أداة في مخططات أكبر. في الفقرة الأخيرة، يخلص المؤلف إلى أن القفزة العسكرية الطائفية المدبرة لعبت دور «ثورة مضادة مزيفة» في سورية، هدفها الحفاظ على المصالح التقليدية وحماية الأوضاع الانفصالية، وذلك تحت غطاء شعارات الوحدة والاشتراكية. ويصف إنجازات البعث في تلك الفترة بأنها كانت تهدف إلى قمع القوى الشعبية المناوئة. الفصل لا يترك أيّ مجال للشك من وجهة نظر الكاتب، فهو شديد الوضوح في حكمه الإدانوي. لا توجد حدود أو تحفظات أو أسئلة مفتوحة في نص الفصل؛ بل هو عرض لتحقيق تاريخي باتّ ونهائي كما يراه المؤلف. الحجة الأكثر قابلية للنقاش، انطلاقاً من النص نفسه، هي هذه الثنائية الحادة بين القيادة الفاسدة والقاعدة النقية، والتي قد يراها البعض تبسيطاً مبالغاً فيه، خاصة مع إطلاق الأحكام القطعية حول نوايا الأفراد و«المؤامرة» المدبرة منذ البداية.

4.بعث الطائفية323–341▼ résumé

ملخص الفصل: «بعث الطائفية»

المحور الأساسي لهذا الفصل هو الكشف عن كيفية تحول حزب البعث في سورية، تحت قيادة الجناح العسكري، من حزب قومي تقدمي يدعو إلى الوحدة العربية، إلى أداة رئيسية لتكريس الطائفية السياسية والاجتماعية. يرى المؤلف أن هذا التحول لم يكن عفوياً أو مجرد انزلاق، بل كان عملية مدروسة وواعية، تهدف إلى استخدام الانتماء الطائفي كسلاح لتصفية الحسابات القديمة، وكسر المقاومة الشعبية، وإعادة إنتاج النظام الرجعي تحت غطاء ثوري مزيف. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن «بعث الطائفية» هو الوجه الحقيقي لحزب البعث بعد انفصاله عن قواعده الشعبية والتحامه مع البورجوازية العسكرية، ليصبح أداة للمخططين الذين يستغلون التناقضات الطائفية القديمة لخدمة أغراضهم في البقاء بالسلطة.

يسير الفصل عبر عدة مراحل مترابطة. يبدأ بإعلان أن الطائفية أصبحت السلاح الأقوى والأكثر فتكاً في مواجهة أي حركة تقدمية أو وحدوية، متجاوزة حتى القوى التقليدية كالرجعية والاستعمار. يوضح المؤلف أن الطائفية ليست مجرد انتماء ديني أو عقائدي عابر، بل هي ظاهرة قديمة أعيد إحياؤها وتطويرها، وتحولت في المراحل الحادة إلى أداة تدمير تستهدف كل شيء: الوحدة العربية أصبحت معركة بين فكرة الوحدة الإسلامية أو فكرة حماية الأقليات، والتقدمية صورَت كعدو للعقائد والتقاليد. هذه هي الوظيفة الأولى للطائفية: تحويل الصراع الطبقي والسياسي إلى صراع هوياتي أصمّ.

ثم يوجه الفصل سؤالاً محورياً يكرره مراراً: هل الطوائف غير السنية في سورية هي التي تمثل البعث اليوم، أم أن البعث العفلقي العسكري هو الذي أصبح طائفياً؟ الغرض من هذا السؤال هو تفكيك الخدعة التي يروجها النظام، والتي تخلط بين انتماء قادته وأجهزته القمعية وبين كل أبناء الطوائف الأخرى. يوضح المؤلف أن تحليل مصطلح «الطائفية» يكشف أنها لم تكن في المجتمع التقليدي صراع مصالح حادة، بل كانت إطاراً دائرياً مغلقاً. لكن مع دخول الحداثة والصراعات الجديدة، أصبحت الطائفة هي الاحتياطي الأخير الذي تلجأ إليه القوى الرجعية والاستعمار (خاصة البريطاني) لتعويض خسائرها أمام التيار الثوري. وهنا، يقدم البعث العفلقي كأحدث وأخطر وسيلة لتسليح هذه الطائفية وبثها بوعي في المجتمع.

لإثبات أطروحته، يقدم الفصل سلسلة من الوقائع المحددة التي تبدأ بتجارب شخصية وروايات مباشرة. يشير إلى أن مئات المساجين في سجن المزة بعد 18 تموز تعرضوا للتعذيب على يد أفراد من طوائف العلويين والمسيحيين والدروز، وكان الجلادون يظهرون انتماءهم الطائفي علناً، مما يدل على توجيه الكراهية ضد المعتقلين على أساس عقائدي وطائفي مدروس، وليس كردة فعل عشوائية. مثال آخر هو فاجعة حماه، حيث يورد الفصل تأكيد البعثيين أنفسهم بأن الذي قاد الضرب كان «حمد عبيد» بدافع الثأر للدروز من السنة، مما يظهر التخطيط الواعي لإحداث حرب طائفية.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى التفاصيل المؤسسية لسياسة التطهير الطائفي. يصف كيف تم توزيع رؤساء الفروع الأمنية في المحافظات وفق استراتيجية طائفية، فيكون المشرفون على المحافظات ذات الأغلبية السنية من العلويين والدروز. ثم يأتي الحديث عن التطهير العسكري الواسع، حيث تم تسريح آلاف الضباط من أبناء المدن السنية منذ عام 1963، وإغلاق باب الكليات العسكرية في وجههم، بينما تم تكوين «ضباط عقائديون» من حملة الشهادات الثانوية (من الطوائف) ومنحهم رتباً متقدمة بسرعة، ليحلوا محل الضباط الحقيقيين المسرحين. ويضرب أمثلة على ألوية كاملة أصبحت حكراً على طائفة معينة، مثل اللواء السبعين والخامس. أما بالنسبة للأجهزة المدنية، فكان الحل هو وضع الوزارات الحساسة (مثل الإعلام والتربية والداخلية) تحت سيطرة السلطة العسكرية والأمنية مباشرة، مما جعلها قلاعاً طائفية.

ومع كل هذا التوصيف المظلم، لا يخلو الفصل من إشارات إلى الحدود والتحفظات. فالمؤلف يعترف بأن هذه الممارسات لم تخلق انقساماً كاملاً. فمن جهة، يؤكد أن العديد من المثقفين والمناضلين من الطوائف نفسها (مثل الدروز والعلويين) كانوا ضد هذا النهج، وكانوا في سجون البعث يتعرضون للتعذيب على أيدي أبناء طوائفهم، مما يدل على أن الوعي الوحدوي ما زال حياً. ويذكر أن زعماء ووجهاء الطوائف مثل سلطان الأطرش ومحمد الحمران وفهد الشاعر حذروا من مغبة هذا التسييس الطائفي الذي يهدد وجودهم في سورية. هذه الفقرات تعمل كموازن للمنطق العام، وتظهر أن الفصل لا يقدم قراءة جاهزة، بل يعترف بوجود مقاومة داخل تلك الطوائف.

الجزء الأخير من الفصل هو أشبه باستطراد لتحليل شخصية أكرم الحوراني، الذي يُقدم كعنصر حاسم ومحوري في هذه اللعبة السياسية المعقدة. يصفه الفصل بأنه كان يمثل «حزباً كاملاً» بنفسه، رجل ذكي ودهاء، يتقن فن المناورة بين الأطراف الثلاثة: الشعب الثائر (الذي يعوزه القادة الحقيقيون)، والقادة العسكريون الطموحون، والسياسيون المحترفون العاجزون. كان الحوراني، وفقاً للمؤلف، العامل الأول خلف كل انقلاب وضد انقلاب منذ 1954، وكان يستعمل هذه المهارة للبقاء في مركز القوى. لكن نقطة تحوله كانت بعد الوحدة، حيث انكشف تردده وانتهازيته، فلم يعد يتخفى وراء الشعارات الثورية، وتحول إلى رائد للانفصال، ليصبح أخيراً مع أعدائه القدامى من اليمين والرجعية. بعد الانفصال، فشل الحوراني في السيطرة على مقاليد الأمور بسبب ظهور ضباط جدد من طوائف أخرى، وأعداء جدد مثل الإخوان المسلمين.

في نهاية المطاف، كان تجمع الضباط الطائفيين (من العلويين والدروز والإسماعيليين) بقيادة غير مباشرة من ميشيل عفلق (عبر صلاح جديد) هو الذي انتصر. يذكر الفصل أن الضباط الدروز كانوا أقرب لعفلق، بينما العلويون كانوا مقسمين بين تبعية للحوراني (مثل عبد الكريم الهندي) وتبعية لـوهب الغانم (الحوراني النزعة)، وأن محمد عمران هو الأذكى والأكثر طموحاً بينهم وأبعدهم عن الحوراني. ومع خوض هذه الجماعة لمعارك دموية ضد الشعب منذ 18 تموز، وبروز فراغ سياسي، تحرك أمين الحافظ (الذي لم يخف عداوته للشيوعية وتبعته للاستعمار) من حصنه في اللواء السبعين ليطرح حلولاً وهمية لعودة الحزب، لكن خططه كانت تتصدى لمخططات الحوراني المضادة، مما جعل الوضع أكثر تعقيداً وصولاً إلى أزمة حماه وإغلاق الأسواق.

أخيراً، يبقي الفصل سؤالاً مفتوحاً حول حقيقة ما يسمى بـ«الانفتاح السياسي» وميثاق 17 من تشرين، ويترك للقارئ استنتاج أن هذه التحركات ما هي إلا مناورات ضمن الصراع الطائفي الداخلي على السلطة، وليس حلاً حقيقياً لأزمة المجتمع السوري. الملاحظ أن الحجج المطروحة في الفصل قابلة للنقاش بطبيعة الحال؛ فهي تعتمد بشكل كبير على السرد الشخصي والتحليل السياسي الاستباقي، وتتخذ موقفاً معادياً تماماً ليس فقط لقيادة البعث، بل لأيديولوجية الحزب ككل بعد انقلابه إلى طائفية. لكنها تقدم قراءة متكاملة، وإن كانت أحادية الجانب، لهذه الفترة الحرجة.

8.بين الضياع والالتزام216–223▼ résumé

ملخص الفصل: «بين الضياع والالتزام»

هذا الفصل هو تأمل نظري معمق في طبيعة العلاقة بين الفرد الثوري والتنظيم الحزبي، وبين الأصالة الثورية والانتهازية. الموضوع المحوري هو البحث عن المعيار الذي يفصل بين «الالتزام» الثوري الحقيقي القائم على موقف أصيل، وبين «الضياع» داخل التنظيم، والذي قد يتحول إلى أداة لقمع الطليعية الحقيقية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الحزب الثوري لا يكون شرعياً إلا بقدر ما يكون وعاءً لانبثاق المواقف الطليعية الأصيلة، فإذا كبت هذه المواقف باسم الانضباط التنظيمي، تحول الحزب إلى جماعة انتهازية تفقد سبب وجودها.

يسير الفصل خطوة خطوة بتحليل هذه المعضلة. يبدأ المؤلف بوصف وضع الفرد المنضوي في حركة ثورية. هو يرى نفسه مرتبطاً أولاً بلحظة الانبعاث (أي الحالة الوجودية لنهضة الأمة) قبل أن يكون مرتبطاً بالتنظيم الحزبي الذي يدعي تمثيل هذه اللحظة. هنا يظهر توتر أساسي: بين أصالة الموقف الفردي المستمد من الواقع الثوري، وبين قوالب التنظيم. يصر المؤلف على أن الطليعة ليست كياناً جامداً، بل هي انبثاق مستمر من المواقف الأصيلة التي ينتجها أفراد يعانون وجودياً مع قضية أمتهم.

ثم يناقش المؤلف التحول الخطير الذي يحدث عندما تُمنع هذه التناقضات الداخلية من الانبثاق إلى مواقف. إذا قام التنظيم بقمع هذه التلقائية باسم «العلاقات الموضوعية» الجاهزة، فإنه يفقد شخصيته الطليعية. ونتيجة لذلك، يتحول الحزب من أداة لتغيير الواقع إلى جزء منه، بل يصبح «أعقد وأقسى عقبات الواقع الفاسد». لم يعد يجذب الثوريين الأصيلين، بل أصبح مرتعاً للعناصر الانتهازية التي تسعى للسلطة والوظائف، متنكراً بذلك لمهمته الأساسية.

في القسم الخاص بـ«العلاقات الموضوعية والتقويم الموقفي»، يتعمق المؤلف في هذه الفكرة. يرى أن جو الحياة الثورية هو «المعاناة»، وهي ليست حالة انتظار سلبي، بل هي صراع فردي وجماعي. الفرد الثوري لا يسعى فقط لتحقيق شخصية حرة لأمته، بل لتحقيق ذاته هو أيضاً. العلاقات التنظيمية (الهيكل واللوائح) ليست أطراً خارجية جامدة، بل يجب أن تكون نتاجاً لجدلية المواقف الداخلية بين الأفراد. إذا أصبحت هذه الأطر مفروضة من الأعلى ومنفصلة عن المعاناة الحقيقية، فإنها تقضي على المضمون الثوري وتجعل الحزب مجرد تنظيم منفصل عن الواقع.

يتناول الفصل بعد ذلك مفهوماً مركزياً وهو «الموقف». الموقف ليس هو الفردية المغلقة القائمة على النزوات، بل هو انفتاح حي على الآخرين. الموقف هو «الحد الفاصل بين عزلة الفرد والجماعة»، وهو الأداة التي تخرج الفرد من عزلته وتربطه بالجماعة، وتجعل وجود الجماعة واقعياً وملموساً من خلال هذه المواقف الفردية. لذلك، فإن الفرد الذي ينضوي في العمل الثوري لا يتنازل عن حريته، بل يجد فيها المجال الطبيعي لتحقيقها.

أخيراً، يخلص الفصل إلى مناقشة أعمق للصراع النفسي الداخلي الذي يعيشه الفرد («الصراع التعويضي داخل التنظيم»). هنا، يقرر المؤلف أن الجيل الجديد ينضم إلى الحركة حاملاً ترسبات من تربيته الأولى في الواقع الفاسد. هذا يخلق صراعاً بين دعوة البطولة التي تقدمها الطليعية، وبين إخفاقات الفرد الشخصية وعقده. الأفراد الذين لا يستطيعون استيعاب هذه الدعوة العميقة يلجؤون إلى «سلوك تعويضي»، فيدّعون امتلاك الحقيقة كاملة ويطلقون شعارات جوفاء لتعويض نقصهم الداخلي. هؤلاء يشكلون طبقة وسطى تعيق التواصل بين القيادة والقاعدة، وقد يتسربون إلى مناصب قيادية، ليصبحوا هم أنفسهم أداة للواقع الفاسد الذي يفترض أن الثورة جاءت لتدميره.

الحجج القابلة للنقاش في هذا الفصل: الفصل بأكمله مبني على فرضية أن «الأصالة الفردية» و«التلقائية» هما مصدر الشرعية الثورية. هذا يجعل الفصل نقداً لاذعاً لأي شكل من أشكال التنظيم الحزبي الصارم أو المركزية، حتى لو كان ذلك التنظيم بحاجة إلى هيكل لضمان فعاليته. القارئ قد يتساءل: كيف يمكن التوفيق بين «التلقائية» و«الانضباط» الضروري لأي عمل جماعي؟ وهل يمكن لنظام سياسي ثوري أن يعمل دون حد أدنى من القواعد والإجراءات، أم أن هذه القواعد تؤدي حتماً إلى الانتهازية التي يصفها المؤلف؟ هذا النص يترك هذا السؤال مفتوحاً، لكنه يرجح كفة الأصالة الفردية والموقف الداخلي على حساب النظام التنظيمي الخارجي.