الشام في العصور القديمة (من عصور ما قبل التاريخ حتى الاسكندر المقدوني)
يُقدّم كتاب «الشام في العصور القديمة (من عصور ما قبل التاريخ حتى الاسكندر المقدوني)» لـزيدان كفافي رؤيةً شاملةً لتاريخ منطقة بلاد الشام الممتد لأكثر من مليون ونصف المليون سنة، مركزاً على التفاعل الجدلي بين الإنسان وبيئته، وكيف أن هذا التفاعل هو المحرك الأساسي للتطور الحضاري. يدافع المؤلّف عن فكرة مفادها أن بلاد الشام لم تكن مجرد ممر للحضارات أو ساحة للصراعات، بل كانت بوتقة حضارية مستقلة ذات هوية خاصة، تطورت من خلال تأثيرات متبادلة مع جيرانها، لكنها حافظت على خصوصيتها المحلية. يرفض كفافي بشكل صريح النظرة الاستشراقية والتوراتية التي تختزل تاريخ المنطقة في خدمة روايات دينية أو سياسية، ويسعى بدلاً من ذلك إلى بناء تاريخ يعتمد على الأدلة الأثرية والنصوص القديمة المجردة.
تتسلسل حجة الكتاب بشكل زمني منهجي، لكنها لا تخلو من تحليل موضوعي يعبر الفصول. يبدأ المؤلّف بوصف جغرافية بلاد الشام الطبيعية، موضحاً كيف أن تنوع التضاريس - من ساحل وجبال وصحارى - لم يحدد أنماط العيش فحسب، بل صاغ الأفكار والمعتقدات، وجعل المنطقة بؤرة للتفاعل الحضاري. ثم ينتقل إلى تاريخ البحث الأثري، معرّجاً على الانتقادات الحادة لمنهج «الآثار التوراتية» وتأثيره المشوّه على كتابة التاريخ. بعد ذلك، يغوص في تفاصيل العصور الحجرية القديمة، متتبعاً تطور الإنسان من مجتمعات الصيد والالتقاط إلى أولى بوادر الاستقرار في الثقافة الناطوفية. ويستمر السرد ليصف التحول الجذري في العصر الحجري الحديث، حيث ظهر الفلاحون الأوائل وقامت أولى القرى الزراعية. ثم يتابع تطور المجتمعات من القرية إلى المدينة في العصر البرونزي المبكر، مروراً بدور البدو والحضر في العصر البرونزي المتوسط، وصولاً إلى السيطرة الإمبراطورية المصرية والحثية في العصر البرونزي المتأخر. أخيراً، يغطي الكتاب العصر الحديدي الذي شهد نشوء ممالك محلية مثل الآراميين والفينيقيين والإسرائيليين، مختتماً بالحكم البابلي الجديد والفارسي قبل مجيء الإسكندر.
من الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها، تنوع الثروات الطبيعية في بلاد الشام التي كان من أبرزها غابات الأرز والصنوبر في المنطقة الوسطى، والتي كانت مصدراً مهماً للأخشاب. أما في المجال الأثري، فقد كشفت التنقيبات عن أرشيف تل مرديخ (إبلا) الذي يضم أكثر من 15,000 رقماً طينياً يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، مما أحدث ثورة في فهم تاريخ المنطقة. ومن الاكتشافات المثيرة أيضاً نقش بلعام من تل دير علا (القرن التاسع ق.م) ومسلة الملك المؤابي ميشع التي تؤرخ لأحداث مهمة. كما تبرز في العصر الحجري الحديث ظاهرة دفن الموتى تحت أرضيات المنازل مع فصل الجماجم، وهي ممارسة طقسية تكشف عن معتقدات معقدة. ومن الأدلة المذهلة على التقدم الهندسي القديم، نظام حصاد المياه المتطور في موقع جاوة (على الحدود الأردنية-السورية) الذي يعود للألف الرابع قبل الميلاد، بالإضافة إلى برج أريحا الحجري الذي يُعد من أقدم الأبراج في العالم.
يقرّ المؤلّف بصراحة بحدود المعرفة وتحفظات علمية عديدة. في العصور الحجرية القديمة، يشير إلى عدم إمكانية تعميم حالة موقع واحد على مرحلة بأكملها، ووجود جدل حول دقة النماذج المناخية المستخدمة لفهم تحولات الإنسان. في العصر البرونزي المبكر، يعترف بأن المعلومات لا تزال غير كافية لتكوين صورة شاملة عن الفترة بين 3500-2000 قبل الميلاد، وأن أسباب تدمير المدن في نهاية العصر البرونزي المبكر الثالث لا تزال محل نقاش بين نظريتين: هجرات الأموريين وتحولات مناخية. أما في العصر الحديدي، فيؤكد كفافي على أن «العصر المظلم» (بين 1200-1000 ق.م) يفتقر للشواهد المكتوبة، مما يجعل الدراسات التاريخية تعتمد على الكتاب المقدس بشكل إشكالي منهجياً. وفيما يخص الممالك المحلية، يترك أسئلة مفتوحة حول طبيعة العلاقة بين بابل ومملكتي مؤاب وأدوم، وهل كانتا مقاطعتين فارسيتين أم خاضعتين للقبائل العربية.
من الحجج القابلة للنقاش بوضوح، موقف المؤلّف النقدي الحاد من منهج «الآثار التوراتية»، سواء في شقه التقليدي (الذي يمثله وليم البرايت) أو المحدث (الذي يمثله إسرائيل فنكلشتاين). يصف كفافي هذا المنهج بأنه يهدف إلى خدمة الهدف الصهيوني، ويرى أن الإسرائيليين الأوائل هم فرع من سكان بلاد الشام المحليين مثل الآراميين، وليسوا شعباً غريباً. كما يرفض بشكل قاطع ربط الإسرائيليين القدماء بالصهاينة المعاصرين. هذا الموقف القوي، رغم كونه يعكس نزعة موضوعية لتحرير البحث من التوجيه السياسي، قد يُنظر إليه من قبل البعض على أنه تحيز معاكس، مما يترك الباب مفتوحاً لنقاش علمي حول مدى موضوعية تفسير المصادر التوراتية والأثرية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تركيز المؤلّف على العامل البيئي كمحرك أساسي للتطور الحضاري، معتبراً الجغرافيا صانعة للأفكار والمعتقدات، يظل إطاراً تحليلياً قوياً لكنه قد يُهمل دور الصدفة التاريخية والصراعات الاجتماعية في تشكيل المسارات الحضارية.
Personnes
Chapitres(9)
1.أرض بلاد الشام20–33▼ résumé
يُقدّم هذا الفصل عرضاً تفصيلياً للجغرافيا الطبيعية والبيئة في بلاد الشام، ويوضح كيف أن هذه العوامل كانت المحرك الأساسي لأنماط حياة السكان وتطورهم الحضاري عبر العصور. يرى المؤلف أن تنوع التضاريس، من ساحل وجبال وصحارى، لم يحدد فقط طرق المعيشة، بل صاغ أيضاً الأفكار والمعتقدات والتصورات عن الحياة والكون، مما جعل بلاد الشام منطقة غنية بالتفاعلات الحضارية على الرغم من وحدة هويتها.
يسير الفصل خطوة بخطوة بتقسيم بلاد الشام طولياً إلى مناطق متوازية من الغرب إلى الشرق، مفصلاً خصائص كل منها. يبدأ بـ السهل الساحلي المحاذي للبحر المتوسط، المشهور بموانئه التاريخية مثل راس شمرا (أوغاريت) وجبيل (بيبلوس) وصيدا وصور. ثم ينتقل إلى المرتفعات الجبلية المكونة من سلسلتين متوازيتين (غربية وشرقية)، تفصل بينهما حفرة الانهدام الآفرو-آسيوية ومنخفضات داخلية مثل سهل البقاع وغوطة دمشق وسهل حوران. وتبرز أهمية الأنهار التي تخترق هذه الجبال مثل الكلب والعاصي والليطاني والمقطع وبردى والأردن، حيث تسمح بنقل الهواء الرطب إلى الداخل وتشكل مصادر مائية حيوية.
يتناول الفصل بعد ذلك الجزيرة السورية في الشمال الشرقي، والتي ترتوي بنهري الخابور والبليخ، وصولاً إلى بادية الشام الشاسعة التي تشكل المساحة الأكبر. يصف الفصل البادية بأنها ليست متجانسة، فتوجد بها مناطق صالحة للزراعة حول الطفوح البازلتية (منطقة الحرة) وأخرى قاحلة، كما تحتوي على أحواض مائية قديمة مثل حوض الكوم في سورية وحوض الأزرق والجفر في الأردن. ويبرز الفصل أهمية وادي السرحان وغيره من الأودية التي كانت طرقاً للقوافل التجارية والحملات العسكرية. يختم القسم الجغرافي بوصف منطقة غور الأردن الواقعة في حفرة الانهدام، والتي تضم بحيرة طبرية (212م تحت مستوى سطح البحر) وصولاً إلى البحر الميت (الذي ينخفض حتى حوالي 400م وهو الأدنى على الأرض)، ويشير المؤلف إلى خطر جفاف البحر الميت خلال حوالي 40 عاماً بسبب تحويل مياه نهري الأردن واليرموك من قبل إسرائيل وإنشاء السدود، علماً أن مساحته كانت حوالي 907 كيلومترات مربعة عام 1968.
ينتقل الفصل لتحليل تأثير هذه الجغرافيا على السكان، مؤكداً أن التنوع البيئي لم يكن عائقاً للتفاعل بقدر ما كان أداة للاتصال الدائم مع الحضارات المجاورة. فبلاد الشام كانت بؤرة التقاء لـ بلاد الرافدين ومصر القديمة والأناضول والجزيرة العربية، حيث كانت الأنهار كالفرات والموانئ كالساحل الشرقي للمتوسط هي شرايين الربط. ويضرب مثالاً على أثر المناخ في الكثافة السكانية من سورية المعاصرة، حيث تبلغ الكثافة 100 شخص/كم² في المناطق الممطرة (هطل سنوي يتراوح بين 600-1000 ملم) وتنخفض إلى 40 شخصاً ثم 3 أشخاص في الصحراء الجنوبية الشرقية (هطل أقل من 200 ملم). ويستدرك الفصل بأن الصحراء لم تكن دائماً منطقة طرد، بل أثبتت الحفريات أنها كانت ملاذاً آمناً للسكان، مستشهداً بموقع جاوة على الحدود الأردنية-السورية الذي أقام نظاماً متطوراً لحصاد المياه وتخزينها في الألف الرابع قبل الميلاد.
يستعرض الفصل بعد ذلك المنطقة الوسطى من بلاد الشام، والتي تمتد بين الفرات شمالاً واليرموك جنوباً، وتضم السهول الخصبة كـ سهل البقاع (الذي عُرف بـ"سورية المجوفة") وغوطة دمشق ومجرى نهر بردى، وهي منطقة غنية بالغابات (أرز، صنوبر) وشهدت قيام مدن برونزية مهمة مثل كامد اللوز. ثم يخصص الفصل جزءاً مفصلاً لـ الجزء الجنوبي من بلاد الشام (الأردن وفلسطين حالياً)، مؤكداً على أن نهر الأردن كان شرياناً موحداً للضفتين وليس فاصلاً، بدليل التشابه الأثري للمكتشفات على جانبيه. ورغم قلة المصادر المائية الدائمة (باستثناء نهر الليطاني ونهر الزرقاء)، فقد شهدت هذه المنطقة استقراراً بشرياً منذ العصور الحجرية القديمة في مواقع مثل العبيدية ووادي فينان وأريحا وعين غزال، وتطورت فيها لاحقاً مدن في البوادي (جاوة، عراد) والسهول (خربة الزيرقون، تل المتسلم) والسواحل (تل أبو حوام). ومع نهاية الألف الثاني وبداية الألف الأول قبل الميلاد، نشأت في جنوب بلاد الشام ممالك مثل المملكة الإسرائيلية الفلسطينية، وممالك العمونيين والمؤابيين والأدوميين في الأردن.
يقرّ الفصل في سياقه بحدود معرفية واضحة، لا سيما فيما يتعلق بمستقبل البحر الميت الذي يعاني من تراجع منسوب المياه بفعل الأنشطة البشرية وتحويل المياه، مما يهدده بالجفاف. كما يشير إلى أن بعض الأحواض المائية الصحراوية في بادية الشام والتي تشكلت خلال عصر البلايستوسين (منذ حوالي ثلاثة ملايين عام) قد تعرضت للجفاف مع مرور الزمن. ويترك الفصل أيضاً أسئلة مفتوحة عن كيفية تفاعل سكان البوادي مع الحضارات، معترفاً بأن تفاعل أهل الحضر مع الحضارات الأخرى كان أكثر اتساعاً من أهل البادية، رغم أن البادية ذاتها كانت مسرحاً لاستقرار مؤقت ونشاط بشري مهم، كما تثبت المواقع الأثرية مثل خربة الأمباشي في سورية وجاوة في الأردن واللتين نشأتا في الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد.
من الحجج القابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، التركيز على دور البيئة كعامل حاسم ومُحدد في تشكيل الحضارة والمعتقدات. بينما يقدم الفصل هذه الفكرة كأمر مسلم به، فإنها تفتح باباً للتساؤل: إلى أي مدى يمكن إرجاع التطورات السياسية والثقافية المعقدة (قيام الممالك، التفاعل مع الحضارات الكبرى) إلى مجرد عوامل بيئية وجغرافية، وهل أهمل هذا التفسير دور الفرد، والصراعات الاجتماعية، والصدف التاريخية؟ مع ذلك، يظل هذا إطاراً تحليلياً قوياً يدعمه الفصل بكثافة من الأمثلة الجغرافية والأثرية.
2.تاريخ البحث الأثري في بلاد الشام34–81▼ résumé
يقدم هذا الفصل من كتاب زيدان كفافي بعنوان «تاريخ البحث الأثري في بلاد الشام» عرضاً شاملاً لتطور التنقيبات والدراسات الأثرية في منطقة بلاد الشام (سورية، لبنان، الأردن، فلسطين) منذ بداياتها وحتى العصر الحديث. يتمحور الموضوع المحوري حول تتبع مسيرة البحث الأثري في هذه المنطقة، وكيف تطورت أهدافه ومناهجه بأيدي باحثين غربيين وعرب، مع تسليط الضوء على التأثيرات السياسية والدينية الكبيرة التي شكلت مساره، وصولاً إلى النقاش الحاد حول منهج «الآثار التوراتية» وتأثيره على كتابة تاريخ المنطقة القديم. يُجيب الفصل بأن تاريخ البحث الأثري في بلاد الشام هو قصة تحول من البحث العشوائي المستند إلى النصوص الدينية إلى محاولات منهجية أكثر موضوعية، وإن ظلت بعض التحديات والانقسامات المنهجية قائمة حتى اليوم.
يبدأ الفصل بتأكيد الأهمية الخاصة لبلاد الشام، خاصة جزئها الجنوبي (فلسطين والأردن)، بوصفها «الأرض المقدسة» التي جذبت اهتمام الغربيين منذ منتصف الألف الأول الميلاد. ويشير إلى أن المعرفة المبكرة اعتمدت بشكل كامل على الكتاب المقدس وتقارير الرحالة والمستكشفين. ثم يتناول المرحلة التالية التي بدأت في منتصف القرن التاسع عشر، حيث أجرى الغربيون تنقيبات عشوائية، تبعها تأسيس معاهد ومدارس أثرية في أوروبا وأمريكا خلال النصف الثاني من القرن نفسه، بهدف البحث المنظم في المواقع المذكورة في العهد القديم، لكن دون منهجية صحيحة في البداية.
بعد الحرب العالمية الأولى، ومع تقسيم النفوذ في بلاد الشام بين الانتداب الفرنسي (سورية ولبنان) والبريطاني (فلسطين والأردن)، ازدادت التنقيبات الغربية بشكل كبير. كأمثلة على ذلك يذكر الفصل تنقيبات موريس دونان في جبيل (بيبلوس) عام 1926، وأعمال كلود شيفر في موقع رأس شمرا (أوغاريت) ابتداءً من عام 1929، وأعمال أندريه بارو في تل الحريري (ماري) منذ عام 1933. ويؤكد أن الكشف عن آلاف الرقم الطينية في هذين الموقعين الأخيرين وفر معلومات ثرية عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية في بلاد الشام، خاصة في الألف الثاني قبل الميلاد. في فلسطين، قامت بعثات أمريكية وبريطانية وفرنسية بالتنقيب في مواقع رئيسية مثل تل المتسلم، وأريحا، وتل بيت مرسيم، ويُعد تنقيب وليم فوكسويل البرايت في تل بيت مرسيم (بين 1926-1932) نموذجاً رائداً للتنقيب الأمريكي في العصور البرونزية والحديدية.
بعد احتلال فلسطين عام 1948 ثم احتلال بقيتها عام 1967، انفتحت البلاد أمام التنقيبات الإسرائيلية التي نشطت بشكل كبير بهدف إثبات «الحق التاريخي لإسرائيل» في المنطقة. ركزت جهودهم على العصور البرونزية والحديدية، ونقبوا في مواقع مثل القدس، وحاصور (تل القدح)، ودان (تل القاضي). وفي الأردن، تركزت الأعمال في البداية على المسوحات الأثرية، أشهرها ما قام به نيلسون جلوك في ثلاثينيات القرن الماضي. ومنذ استقلال الأردن عام 1946، جرت تنقيبات ومسوحات عديدة، من أبرزها مشروع «سهول مادبا» وأعمال في مواقع مثل طبقة فحل، وتل دير علا، وخربة الزيرقون. يذكر الفصل أن العديد من هذه المشاريع، خاصة في العقود الأخيرة، لم تعد تقتصر على دراسة الموقع نفسه بل توسعت لدراسة المنطقة المحيطة ضمن سياقها البيئي والتاريخي الأشمل.
فيما يخص عصور ما قبل التاريخ، يشير الفصل إلى تنامي الاهتمام بها خلال النصف الثاني من القرن العشرين. يذكر تنقيبات روبرت بريدوود في منطقة العَمُق شمال غرب سورية، وتنقيبات ديانا كيركبرايد في موقع البيضا قرب البتراء، وأعمال كاثلين كينيون التي كشفت عن ثقافات تعود للعصر الحجري الحديث في أريحا (بين 1952-1958). كما يذكر أن أولى المعلومات حول هذه العصور نشرها باحثون عملوا في جبال القلمون ومنطقة حمص وتليلات الغسول. منذ سبعينات القرن العشرين كُشفت مواقع مهمة في سورية حول بحيرة الأسد الاصطناعية (مثل أبو هريرة وجرف الأحمر) أثبتت استقرار البشر وقيام قرى زراعية منذ أواخر الألف التاسع قبل الميلاد. وفي فلسطين والأردن، برزت مواقع مهمة من العصر الحجري الحديث مثل عين غزال والبسطة ووادي قيان.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن منهجية البحث واختلافها بين عصور ما قبل التاريخ والعصور التاريخية. ففي عصور ما قبل التاريخ يعتمد الأمر كلياً على المخلفات الأثرية، بينما في العصور التاريخية أصبح الربط بين المخلفات المادية والوثائق المكتوبة (محلية كأرشيف تل مرديخ أو أجنبية كالنصوص المصرية والرافدية) أمراً ضرورياً لفهم التاريخ. ويشير إلى تنقيبات إرنست رينان في سورية عام 1860 وتنقيبات غيرمو غانو في فلسطين في الفترة نفسها كفاتحة للدراسات اللغوية والأثرية الجادة.
يتناول الفصل بعد ذلك بالتفصيل والنقد القاسي منهج «الآثار التوراتية» الذي شاع بين الباحثين الغربيين، خاصة في الفترة بين 1920-1960. ويصف كيف أن هذا المنهج، الذي أسسه فعلياً وليم البرايت (1890-1971)، يستند إلى تفسير المواقع والمكتشفات الأثرية من خلال الأحداث والقصص التوراتية، بهدف إثبات الحق التاريخي لإسرائيل. سار على دربه تلامذة مثل جورج إرنست رايت. ويؤكد الفصل أن هذا المنهج لم يخلُ من معارضة، وأن التوسع في التنقيبات الأثرية أدى إلى إعادة النظر به منذ ستينات القرن العشرين، بفضل باحثين من أمثال البولندي هنك فراكنكن. كما أن تأسيس الجامعات العربية لتدريس الآثار وازدياد عدد الباحثين العرب شكل مقدمة لتنحية التوراة عن مجال البحث العلمي في تلك العصور.
يذكر الفصل أن النقاش ما زال مستمراً، وأنه في مقابل التوراتيين التقليديين، ظهرت مدارس تدعو للفصل بين الآثار والروايات التوراتية، مثل مدرسة كوبنهاغن ومن أتباعها توماس طومسون، فانقسم علماء الدراسات التوراتية بين مؤيد ومعارض لهذا التوجه. وفي هذا السياق، يقر الفصل بأن الدراسات المتعلقة بتاريخ العصور البرونزية والحديدية لم تكن جميعها منحازة؛ فهناك دراسات موضوعية قام بها علماء مثل الألماني مارتن نوته وكاثلين كينيون التي تناولت آثار فلسطين والأردن بشكل متوازن. وأن تقدم العلوم البحتة ساهم في جعل الأبحاث المنشورة حديثاً أكثر وضوحاً وموضوعية.
بالانتقال إلى تاريخ البحث الأثري في سورية ولبنان بشكل خاص، يقدم الفصل لمحة عن التنقيبات المهمة التي جرت في سورية منذ بدايات القرن العشرين، مثل تنقيبات ماكس فون أوبنهايم في تل حلف (بين 1911-1920) الذي كشف عن حضارة «حلف» التي تعود للألف الخامس قبل الميلاد. ويذكر أن البعثة الألمانية بقيادة أنطون مورتيغار تابعت العمل هناك بعد الحرب العالمية الثانية. من بين المواقع السورية البارزة الأخرى التي نُقبت قبل الحرب العالمية الأولى، يذكر تل العطشانة (ألالاخ) وتل خلف. ويؤكد أنه بعد الحرب العالمية الأولى، زاد النشاط الأثري في سورية بانتظام أكبر تحت إشراف دوائر الآثار. ويبرز الفصل بشكل خاص أهمية التنقيبات الإيطالية بقيادة باولو ماتييه في تل مرديخ (إبلا) خلال سبعينات القرن العشرين، والتي كشفت عن أرشيف يضم أكثر من 15,000 رقماً طينياً يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، مما غير النظرة السائدة بأن أقدم كتابات عن سورية تعود للألف الثاني قبل الميلاد. ويذكر العديد من المواقع السورية الأخرى التي نُقبت مثل تل خويرة، وتل رفعت، وعين دارة، وحماة، وقطنا، وتل الشيخ حمد.
أما في لبنان، فيشير الفصل إلى صعوبات واجهت العمل الأثري مثل دفن التلال تحت المباني الحديثة، وقلة التمويل، وويلات الحروب التي عصفت بالبلاد. نتيجة لذلك، تركزت المشاريع حول المدن الكبرى، وكثير من الاكتشافات جاءت بالصدفة أو من خلال حفريات غير شرعية (مثل العثور على جرة تعود للقرن الثاني عشر قبل الميلاد بيعت للمتحف البريطاني في لندن، مما أفقدها أهميتها العلمية). ويستعرض الفصل العديد من المواقع المهمة في لبنان. ففي جبيل، بدأت التنقيبات عام 1926 بإشراف موريس دونان وكشفت عن مخلفات تعود إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار، وأظهرت ازدهار المدينة في العصور البرونزية وسيطرتها المصرية. في صور، ركزت الدراسات على الفترات الرومانية والبيزنطية، لكن عبثاً عام 1990 كشف عن مقبرة فينيقية مهمة تعود للألف الأول قبل الميلاد. أما في صيدا، فقد واجه المنقبون صعوبة لأن المدينة الأثرية مدفونة تحت الحديثة، واكتفوا بالتنقيب في محيطها، ومن أهم اكتشافاتهم توابيت حجرية، أقدمها لضابط مصري من عهد الملك تينيت (حوالي 500 ق.م). يذكر أيضاً تنقيبات في موقع صرافند (ساريبتا) وكاملة اللوز وتل البرك، إضافة إلى مسوحات شاملة في سهل عكار. ويختم عرضه للبنان بالإشارة إلى أن البعثات الأجنبية (أمريكية، ألمانية، بريطانية، فرنسية) لا تزال تعمل في لبنان، وأن نتائج التنقيبات في مواقع مثل بيروت وصيدا تنشر في مجلة «بعل» التي تصدرها المديرية العامة للآثار اللبنانية منذ عام 1996.
ينتقل الفصل إلى استعراض المصادر المكتوبة القديمة التي تعد أساساً لفهم تاريخ بلاد الشام في العصور البرونزية والحديدية. ويوضح أن أقدم الكتابات في بلاد الشام وجدت في جبل عرودة على نهر الفرات، وتعود لنهاية الألف الرابع قبل الميلاد، وتتعلق بنواحٍ اقتصادية فقط. كما يعترف بأن الفترة بين حوالي 1200-1000 ق.م تخلو تقريباً من الوثائق المكتوبة، مما دفع كثيراً من الباحثين، خاصة التوراتيين، إلى اللجوء إلى الكتاب المقدس. ثم يصنف المصادر المكتوية إلى: نصوص محلية (من تل مرديخ وجبيل ورأس شمرا وغيرها)، ونصوص وافدة (مصرية، رافدية، حثية، توراتية). ويفصل الحديث عن أهمية أرشيف تل مرديخ (إبلا) المؤرخ بين 2400-2250 ق.م والذي يضم أكثر من 15,000 رقماً، وأرشيف تل الحريري (ماري) الذي يضم حوالي 25,000 رقماً ويعود معظمها لأواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وأرشيف رأس شمرا (أوغاريت) الذي كُتب بالخط المسماري الأكادي والأبجدية الأوغاريتية. ويشير إلى أهمية النصوص المصرية مثل رسائل تل العمارنة (القرن الرابع عشر ق.م) والقوائم الطوبوغرافية. ويُبرز أن المصادر المحلية من الأردن وفلسطين للألف الثالث قبل الميلاد لا تزال نادرة، ولكنها تزداد في الألف الأول قبل الميلاد مع ظهور نقوش مهمة مثل نقش بلعام (القرن التاسع ق.م) من تل دير علا، ومسلة الملك المؤابي ميشع (القرن التاسع ق.م)، ونقش تل القاضي (القرنين التاسع والثامن ق.م) الذي يذكر «بيت داوود».
يختم الفصل بمناقشة إشكالية وضع جدول زمني موحد لبلاد الشام. ويوضح أن هذا الأمر صعب جداً بسبب تفاوت التطورات الحضارية من منطقة لأخرى وتأثر بلاد الشام بالحضارات المجاورة لها من كل اتجاه. ويضرب مثلاً على هذه الإشكالية بأنه حتى ضمن عصور ما قبل التاريخ، لم يعد من الممكن اعتبار «الثقافة النطوفية» فلسطينية محلية، إذ امتدادها الجغرافي أصبح معروفاً من مصر إلى أعالي الفرات بفضل التقنيات الحديثة. كما يوضح أنه في العصور التاريخية، كانت منطقة حوض الفرات أكثر ارتباطاً ببلاد الرافدين، بينما كان جنوب بلاد الشام أكثر ارتباطاً بمصر، مما خلق اختلافاً في الصبغة الحضارية بين الشمال والجنوب. مع ذلك، يقدم الفصل جداول زمنية تقريبية للعصور المختلفة، معترفاً بأن هذه الجداول، خاصة للعصر البرونزي المتأخر، غير كاملة وتعتمد على التطور العمراني وتتابع الطبقات في مواقع رئيسية مثل تل العطشانة وحماة، بالإضافة إلى الأحداث السياسية الكبرى التي سجلتها الإمبراطوريات المجاورة. ويختتم الفصل بجدول زمني شامل يمتد من العصر الحجري الحديث (القرن 66 ق.م) وحتى نهاية العصر البابلي المتأخر (القرن 539 ق.م)، محدداً أبرز التطورات والإنجازات الحضارية في كل فترة من فترات تاريخ بلاد الشام الشمالية والجنوبية.
3.العصور الحجرية القديمة: مجتمعات الصيد والالتقاط82–113▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل مدخلاً تأسيسياً لدراسة أقدم مرحلة من تاريخ البشرية في منطقة بلاد الشام، وهي مرحلة مجتمعات الصيد والالتقاط التي امتدت لأكثر من مليون ونصف المليون سنة. يجيب المؤلف بأن هذه الفترة الطويلة كانت مرحلة تنقل وجمع وصيد، وأن فهمها يعتمد على علوم مساعدة كالجيولوجيا وعلم الحيوان والنبات القديم لغياب الشواهد الكتابية. يوضح أن العصور الحجرية تبدأ باستخدام الحجر أداة، وتنتهي بمعرفة الكتابة، مشيراً إلى أن أقدم الأدوات الحجرية حتى الآن جاءت من قارة إفريقيا، وأن أقدم تاريخ في بلاد الشام هو موقع العبيدية في شمالي فلسطين ويعود لحوالي مليون ونصف سنة. أقدم من صنع الأدوات الحجرية كان إنسان هومو-هابيل، لكن المطور لشكلها كان إنسان هومو-إركتوس الذي عاش في زمن البلايستوسين، ووصل إلى بلاد الشام عبر مصر أو مضيق باب المندب.
يسير الفصل وفق بنية زمنية واضحة، مقسماً العصور الحجرية إلى أربعة أقسام رئيسية، مع التركيز على العصر الحجري القديم الذي يستمر من 1.5 مليون سنة إلى حوالي 19.000 سنة من الحاضر. يذكر أن هذا العصر الطويل قُسّم إلى ثلاث مراحل: الأولى من 1.5 مليون سنة إلى 250.000 سنة، والثانية من 250.000 إلى 40.000 سنة، والثالثة من 40.000 إلى 19.000 سنة من الحاضر. خلال المرحلة الأولى، تنقل الإنسان بين مواقع على نهر العاصي (اللطامنة)، ونهر الكبير الشمالي (ست مارخو وبير زين)، والبادية السورية (عين عسكر والبعل)، ونهر الأردن (جسر بنات يعقوب والعبيدية)، والأحواض المائية (العويند)، والمناطق الجبلية (الطابون والسخول). استخدم أدوات حجرية بسيطة كالقواطع والمفارم والفؤوس اليدوية، مع نوعين رئيسيين: الحصوية (الأبيفيلية) المصنعة من حصى الأنهار، والأشولية المصنوعة من الصوان. في موقع جسر بنات يعقوب (المؤرخ بين 500.000-600.000 سنة)، لوحظ أن تقنية التصنيع مماثلة لتلك المستخدمة في إفريقيا.
في المرحلة الثانية، ظهر إنسان نياندرتال الذي ابتكر طريقة صنع أدوات جديدة عرفت بالطريقة اللافالوائية، وسميت الأدوات الموستيرية، والتي اعتمدت على استخراج شظايا حجرية من نواة محضرة لتصبح أدوات بدلاً من الحجر نفسه. اختفت الأدوات الكبيرة وحل محلها المشاحف ورؤوس الرماح. كشفت المسوحات عن مواقع عديدة كـيبرود وكهف الدوارة وجرف العجلة في سورية، والطابون والقفزة والسخول في فلسطين، وعدلون وكسار عقيل في لبنان، والأزرق وراس النقب في الأردن. تميزت هذه المرحلة بظهور مدافن إنسانية تدل على الاهتمام بالموتى، مثل مدفن شخصين في موقع القفزة في فلسطين، ومدفن جماعي في السخول ضم عشرة هياكل عظمية ثلاثة منها لأطفال.
مع المرحلة الثالثة، تطور الإنسان إلى الإنسان العاقل. اختفت تدريجياً الأدوات الموستيرية الكبيرة، وظهرت النصال الطويلة المستخرجة من نوى منشورية الشكل، وسادت المقاحف العلوية المستخدمة لكشط الجلود. يمثل موقع كسار عقيل اللبناني مرحلة انتقالية بين المرحلتين الثانية والثالثة. حدد الباحثون ثلاثة أنماط للأدوات في هذه المرحلة: أدوات لافالوائية-موستيرية متأخرة، وأدوات الأورينياسية الشامية (المثاقب والمقاحف والنصلات)، وأدوات صغيرة جداً تمثل مرحلة انتقالية لاحقة. النمط الأول يسمى الأحمرية (نسبة لموقع عرق الأحمر في فلسطين) ويؤرخ بين 20.000/18.000-38.000 سنة، وانتشر في صحراء النقب وجنوب الأردن وسيناء، حيث صاد الناس الغزلان والوعول واستخدموا أدوات طحن للحبوب البرية، وهو مؤشر مهم على تغير النمط الغذائي. النمط الثاني الأورينياسية الشامية تركز في المناطق الوسطى والشمالية من بلاد الشام، واعتُبر ثقافة دخيلة دخلت بين 27.000-32.000 سنة من الحاضر. يختم المؤلف مراجعة العصر الحجري القديم بالإشارة إلى أن نهايته شهدت تقلبات مناخية حادة، كالارتفاع التدريجي في درجات الحرارة، مما مهّد للانتقال إلى مرحلة جديدة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى المرحلة الانتقالية بين الصيد والإنتاج الغذائي، والتي تمتد بين 19.000 و10.500 سنة من الحاضر، ويصفها بأنها محطة مهمة شهدت تحول الإنسان نحو الاستقرار الدائم في مواقع ثابتة، مما أدى إلى تحولات اقتصادية واجتماعية وتقنية. يُرجع العلماء هذا التحول إلى التغير المناخي الناتج عن انحسار الجليد، الذي أدى إلى تغير الغطاء النباتي والحيواني. ركز الناس سكنهم في منطقة المرتفعات الجبلية شمال غرب دمشق وبادية الشام، ثم مع تحسن الأحوال الجوية بدأوا بالتحرك إلى مناطق أخرى. من سمات هذه المرحلة طحن الحبوب البرية وأكلها، واختيار أنواع محددة من الحيوانات للصيد، وبدء بناء أكواخ بسيطة مثل موقع خربة العاشق على الضفة الشرقية لبحيرة طبرية، والتي أطلق عليها اسم "قرى الصيادين". يقدم الفصل أنموذجين لدراسة التغير البيئي في هذه المرحلة: سهل الغاب في شمال غرب سورية، وسهل الحولة في شمال فلسطين. في سهل الغاب، بلغت البرودة ذروتها بين 18.000-20.000 سنة، مع هبوط مستوى البحر المتوسط بين 100-120 متراً عن مستواها الحالي، ثم بدأت درجات الحرارة بالارتفاع حوالي 18.000 سنة، تلتها فترة جفاف حوالي 17.000 سنة، ثم عودة الغابات حوالي 13.000 سنة. في سهل الحولة، بين 12.500-13.500 سنة سادت سهوب وصحارٍ، وتحسنت الأحوال حوالي 12.000 سنة. يخلص بعض العلماء إلى أن أنموذج سهل الحولة أكثر دقة من أنموذج سهل الغاب.
في هذه المرحلة الانتقالية، تعرّف العلماء إلى ثقافتين رئيسيتين: أولاً الثقافة الكبارية (حوالي 19.000-14.000 سنة من الحاضر)، وسميت نسبة إلى مغارة وادي كبارا في فلسطين. انتشرت مواقعها في بيئات متنوعة من بلاد الشام، قرب مصادر المياه الدائمة. أهم مثال عليها موقع الخرانة (4) في الأردن، حيث كشفت بقايا أكواخ ومقابر وكميات كبيرة من الأدوات الصوانية وحجارة الطحن والعظام الحيوانية، كما عُثر على هيكلين عظميين يُعدان الأقدم في الأردن حتى الآن، ويؤرخان لحوالي 60.000 سنة من الحاضر. تنوعت الأنشطة الحياتية حسب البيئة، وصنع الناس أدوات صغيرة سهلة الحمل، بالإضافة إلى أدوات الطحن والأصداف البحرية المستخدمة كحلي. حوالي 14.000 سنة، ظهر نوع متطور هو الكبارية الهندسية، التي تميزت بكثرة الأدوات ذات الأشكال شبه المنحرفة والمستطيلة والمثلثة. تشير المخلفات إلى نمط اقتصادي يعتمد على الجمع والصيد، مع تنقل بين المناطق حسب المواسم، لكنها اختلفت عن سابقتها في التوزيع الجغرافي الأوسع وازدياد استخدام الأدوات الهندسية الصغيرة.
ثانياً الثقافة الناطوفية (حوالي 12.000-10.500 سنة من الحاضر)، والتي تشكل محوراً رئيسياً للفصل. اكتشفتها الباحثة البريطانية دوروتيا جارود عام 1928 في كهف شقبة في وادي الناطوف قرب القدس. تبرز أهميتها بكونها حلقة وصل بين مجتمعات الصيد والجمع والمجتمعات المنتجة للغذاء. بقى الناطوفيون يعتمدون على الجمع والصيد، لكنهم ركزوا على أنواع محددة من الحبوب والحيوانات، واستغلوا الثروة السمكية. لم يعرفوا تدجين الحيوان، لكنهم كانوا أول من استأنس الكلب، كما في موقع عين الملاحة في فلسطين حيث عثر على هيكل عظمي لكلب مدفون مع صاحبه. طحنوا الحبوب البرية بعد جمعها، مما تطلب إقامة طويلة في مكان واحد. يعود سبب النزوع نحو الاستقرار الدائم إلى تحسن الأحوال المناخية الذي وفّر النبات والحيوان طيلة العام، بالإضافة إلى معرفة خزن الحبوب في المكان نفسه.
تظهر سمات عامة مشتركة بين المجتمعات الناطوفية: تشابه في شكل الأدوات الصوانية وطرق تصنيعها، وشكل البناء المستدير، مع استخدام الكهوف والملاجئ أيضاً. استخدم الناس في جنوب بلاد الشام الحجر والطين للبناء، بينما استخدم ناطوفيو وادي الفرات الأخشاب. زُوّدت البيوت بمواقد للنار وحُفر لتخزين الحبوب، وقُدّر عدد سكان بعض القرى بين 200-300 شخص. استخدم الناطوفيون خامات متعددة، وأهم أدواتهم: الأدوات العظمية المزخرفة، وأدوات الطحن البازلتية، والمناجل (أدوات مركبة من قرون الحيوان وشفرات صوانية مثبتة بالقار)، ودمى بشرية وحيوانية منحوتة من الحجر أو العظم والمملصال. تميزت الأدوات الصوانية بالشكل الهلالي (البلالي)، واستخدمت الأدوات الصغيرة جداً كرؤوس سهام مثبتة بمقابض خشبية. أظهرت دراسة الأدوات من موقع وادي الحمة 27 في الأردن أن المناجل استخدمت لحصاد الحبوب البرية. مارس الناطوفيون فن النحت، وصنعوا الحلي من الحجر والعظم والأصداف البحرية، والتي عُثر عليها في مدافن، مما يشير إلى مكانة اجتماعية مرموقة لصاحبها. اعتمد صيدهم على الغزلان بشكل أساسي، وغالباً ما شكلت عظام الغزلان النسبة الأكبر في المواقع (مثل 82.6% في وادي الفلاح و97.1% في أهاتولا في فلسطين خلال المرحلة المتأخرة).
قسم العلماء الثقافة الناطوفية إلى مرحلتين: مبكرة (حوالي 12.000-11.000 قبل الميلاد) ومتأخرة (حوالي 11.000-10.500 قبل الميلاد). في المرحلة المبكرة، تركزت المواقع في جبال الجليل والكرمل وجبال لبنان وواحة الكوم ووادي الحمة ووادي الحسا. حوالي 11.500 سنة، هجرت بعض المناطق كواحة الكوم بسبب انخفاض الأمطار، وانتقل الناس إلى حوض الفرات حيث أقيمت مستقرات كـأبو هريرة والمريبط. تميز موقعا أبو هريرة والمريبط باستمرارية السكنى فيهما. في أبو هريرة، الذي يؤرخ بين 13.000-12.000 سنة من الحاضر، تطورت البيوت من حفر بسيطة إلى أكواخ مبنية فوق سطح الأرض في المرحلة المتأخرة، وتراوح عدد سكانه بين 100-300 شخص. يركز الفصل على أهمية موقعي عين الملاحة ووادي الحمة 27 وظهرة الذراع في جنوب بلاد الشام. في لبنان، أهم المواقع الناطوفية كهفا ناشريني وعين الجواب في الجبال، وموقع جبل سعيدة في سهل البقاع. يختم المؤلف بأن الألف التاسع قبل الميلاد شهد زوال الثقافة الناطوفية وحلول مجتمعات زراعية محلها، بينما بقيت جماعات صيادة في مناطق أخرى كصحراء النقب وسيناء.
بشكل عام، يقرّ الفصل بصعوبة تحديد التواريخ الدقيقة، ويشير إلى أنها أقرب إلى النسبية منها إلى المطلقة رغم استخدام تقنيات علمية متقدمة كالبوتاسيوم-أرغون والثوريوم-يورانيوم والكربون الإشعاعي. كما يعترف بعدم إمكانية تعميم حالة موقع واحد على مرحلة بأكملها. يُظهر الفصل أن هناك جدلاً حول دقة الأنموذجين المناخيين لسهل الغاب وسهل الحولة، وأن بعض الدراسات ترجح الثاني. كما أن الفصل يظهر بوضوح أن التفسيرات المتعلقة بأسباب التحول من الصيد إلى الإنتاج لا تزال محل نقاش، مع ترجيح العامل المناخي كسبب أساسي.
4.العصرالحجري الحديث: "الفلاحون الأوائل في بلاد الشام"114–173▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل دراسة معمّقة للعصر الحجري الحديث في بلاد الشام، وهي المرحلة التي شهدت تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية، حيث انتقل الإنسان من نمط الحياة القائم على الصيد وجمع القوت إلى نمط الإنتاج القائم على الزراعة وتدجين الحيوانات. يقدّم المؤلّف زيدان كفافي هذه المرحلة بوصفها عملية تطورية تدريجية ومعقدة، امتدت لآلاف السنين، ولم تكن مجرد اختراع فجائي، بل تبلورت من خلال تفاعل الإنسان مع التغيرات البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
يسير الفصل وفق ترتيب زمني دقيق، مبتدئاً بوضع الخلفية البيئية والمناخية التي هيّأت الظروف لهذا التحول. يشير المؤلّف إلى أن نهاية العصر الجليدي الأخير وما تلاه من تقلبات مناخية، خصوصاً فترة "الدراياس الأصغر" الباردة والجافة (حوالي 11,200 سنة من الحاضر)، ثم تحسن المناخ تدريجياً نحو الدفء والرطوبة، أدى إلى تنوع بيئي كبير في بلاد الشام. هذا التنوع شجع على انتشار النباتات البرية الصالحة للأكل، مثل الحبوب، وخلق بيئات مناسبة لاستقرار الجماعات البشرية لفترات أطول، مما مهد الطريق لظهور القرى الزراعية الأولى.
تتوالى الأدلة التي يقدمها المؤلّف لتأكيد هذا التطور، مستنداً إلى نتائج التنقيبات الأثرية في مواقع رئيسية. يبدأ الفصل بوصف قرى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار، مقسماً إياها إلى مرحلتين رئيسيتين: المرحلة (أ) (حوالي 9500-8700 ق.م) والمرحلة (ب) (حوالي 8700-7000 ق.م). في المرحلة (أ)، كانت الزراعة لا تزال ممارسة محدودة، واستمر الصيد بدور كبير، كما يتضح من تطوير أدوات الصيد مثل القوس والنشاب. كانت المنازل لا تزال دائرية الشكل كما في الفترة الناطوفية السابقة، لكنها اتسمت بالاستقرار. يُخصّص المؤلّف جزءاً مفصّلاً لوصف موقع أريحا (تل السلطان) الذي يُعدّ أقدم وأشهر مثال على هذه القرى، حيث يكشف عن برج حجري وجدار وخندق، مما يدل على تنظيم اجتماعي متقدم وجهد جماعي، وربما وجود سلطة مركزية.
أما المرحلة (ب) فتصفها الفصول بأنها مرحلة "السيطرة الكاملة على المقدرات الاقتصادية"، حيث أتقن الإنسان الزراعة وبدأ في تدجين الحيوانات بشكل منهجي. يوضح المؤلّف التطور الملحوظ في العمارة، مع ظهور البيوت المستطيلة وذات الزوايا القائمة، وتعدد الغرف، واستخدام مواد بناء متطورة كاللبن والحجر. تتنوع الأمثلة المقدمة من مواقع عديدة مثل عين غزال في الأردن، الذي اشتهر باكتشاف تماثيل بشرية من الجص بالحجم الطبيعي تقريباً، مما يشير إلى تطور فكري وديني معقد، وأبو هريرة والمريبط في حوض الفرات الأوسط، والتي أظهرت تنوعاً في العمارة والعادات. يبرز المؤلّف عادة دفن الموتى تحت أرضيات المنازل، وفصل الجمجمة عن الجسد، وهي ممارسة طقسية تعكس معتقدات حول الحياة والموت.
ينتقل الفصل بعدها إلى مناقشة "الاستمرارية والتحول" خلال الألفين السابع والسادس قبل الميلاد، أي ظهور العصر الحجري الحديث الفخاري. هنا يشير المؤلّف إلى تحولات جوهرية تمثلت في هجر بعض القرى الكبيرة مثل بسطة والصفية في جنوب الأردن حوالي 6500 ق.م، بينما استمرت أخرى، وظهرت قرى جديدة. والأهم هو ظهور صناعة الآنية الفخارية التي تعتبر علامة فارقة. يُرجع المؤلّف أقدم هذه الصناعات إلى مناطق شمال بلاد الشام (مثل سهل العمق) حوالي 6000 ق.م، لافتاً إلى أنها وصلت إلى المناطق الجنوبية في وقت متأخر (حوالي 6500 ق.م). يتناول بالتفصيل أنواع الفخار المختلفة، مثل الفخار الأسود المصقول واليرموكي وفخار أريحا 1، واصفاً أشكالها وزخارفها، ومشيراً إلى تعددها وتوزعها الجغرافي.
أما المرحلة الأخيرة التي يغطيها الفصل فهي العصر الحجري النحاسي (حوالي 4500-3500 ق.م) في كل من شمال وجنوب بلاد الشام. في الشمال، تميزت المرحلة بحضارة حلف والعبيد، والتي انتشر فيها الطراز المعماري للبيت المستدير المقبب، وتطورت صناعة الفخار بشكل كبير، وظهرت أدوات نحاسية بسيطة، وأصبحت المنطقة أكثر ارتباطاً بحضارة بلاد الرافدين (حضارة الوركاء). في الجنوب، كان التطور مغايراً، حيث تركزت القرى في مناطق صحراوية مثل صحراء النقب وغور الأردن، مما تطلب ابتكار تقنيات جديدة للري وتخزين المياه. يُشير المؤلّف إلى أن قرى هذه الفترة أصبحت أكبر مساحة، مما يُعزى إلى زيادة عدد السكان وظهور مجتمعات أكثر تنظيماً، ربما على شكل "مشيخات". كما يصف تطور صناعة الأدوات النحاسية، حيث استخدمت طريقتان للتصنيع، الصب في قوالب مفتوحة أو استخدام قوالب مغلقة، وكانت هذه الصناعة غالباً ما تتركز في مواقع محددة مثل بئر السبع، التي كانت تستورد خام النحاس من وادي عربة أو سيناء. في ختام حديثه عن الجنوب، يُقرّ المؤلّف بأن هذا العصر يُعتبر تمهيداً لظهور المدن الحقيقية في العصر البرونزي المبكر.
طوال الفصل، يُقرّ المؤلّف بوجود حدود في المعرفة وترك أسئلة مفتوحة. من أبرزها عدم الاتفاق بين العلماء حول التفسير الدقيق لسبب هجر بعض القرى الكبيرة فجأة، أو الوظيفة الحقيقية للتماثيل والدمى (هل هي آلهة، أجداد، لأغراض سحرية أم أطفال؟). كما يعترف بصعوبة تتبع المراحل الانتقالية بين الحضارات، خاصة بين العبيد والوركاء في الشمال، وبين العصر الحجري الحديث والنحاسي في الجنوب. كما يطرح سؤالاً حول طبيعة العلاقات الحضارية: هل كانت المنطقة ذات وحدة ثقافية أم أنها تنقسم إلى أقاليم ذات شخصيات مستقلة؟ ويبدو أن المؤلّف يميل إلى وجود إطار حضاري عام لبلاد الشام، لكنه يتخلله خصوصيات إقليمية واضحة.
من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، رفض المؤلّف للرأي القائل بأن "الاستقرار الدائم شرط أساسي للزراعة أو العكس"، مؤكداً على وجود مجتمعات مستقرة قبل معرفة الزراعة. كما يتحفظ على الرأي الذي يربط بين تشابه القطع الفخارية وانتقال الجماعات البشرية، مفضلاً تفسير الانتشار على أنه انتقال للمهارات والأفكار وليست بالضرورة للأشخاص.
5.آثار العصور البرونزية المبكرة وتاريخها: "من القرية إلى المدينة"174–243▼ résumé
يُعالج هذا الفصل من كتاب "الشام في العصور القديمة" لزيدان كفافي التحولات الكبرى التي شهدتها بلاد الشام خلال العصور البرونزية المبكرة (حوالي 3500-2000 قبل الميلاد)، مركزاً على الانتقال من الحياة في القرى الزراعية إلى نشوء المدن. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذا التحول لم يكن نتاج عامل واحد، بل كان حصيلة تطورات محلية متشابكة مع تأثيرات حضارية خارجية، خاصة من بلاد الرافدين ومصر، مما أدى إلى ظهور مجتمعات معقدة تحكمها سلطة سياسية ودينية.
يسير الفصل بتقسيم جغرافي زمني واضح، حيث يبدأ بمناقشة شمالي بلاد الشام، ثم ينتقل إلى جنوبها. في الشمال، يبرز تأثير "حضارة الوركاء" (الرافدينية) خلال النصف الثاني من الألف الرابع قبل الميلاد، ويناقش الجدل العلمي حول ما إذا كانت المواقع التي تحمل مخلفات هذه الحضارة، مثل تلك المكتشفة في منطقة سد الطبقة على الفرات، تمثل مستعمرات رافدينية أم تطوراً محلياً متأثراً بتلك الحضارة. يستشهد المؤلف بموقع "حبوبة كبيرة" كمثال على التأثير الرافديني، حيث أظهرت التنقيبات استقراراً طويلاً (من حوالي 3600 إلى 3000 قبل الميلاد) وتطوراً محلياً، مما يدعم فكرة التبادل الحضاري لا الاستعمار المحض. ويذكر أيضاً أدلة على التخصص الاقتصادي ووجود مخازن حبوب في مواقع مثل "تل ليلان" و"تل رقاعي" في حوض الخابور، مما يشير إلى وجود سلطة تدير فائض الإنتاج، وهي خطوة نحو المدينة. يوضح المؤلف أن نمط الاستقرار في هذه المرحلة كان قروياً في الغالب، لكنه يقر بوجود شواهد على التخصص الاقتصادي.
في الفترة اللاحقة (العصر البرونزي المبكر الثاني والثالث، حوالي 3100-2300 قبل الميلاد)، يركز الفصل على جنوبي بلاد الشام. يناقش هنا العلاقة الوثيقة مع مصر القديمة، مستشهداً بنقوش تحمل اسم الفرعون "نعرمر" (حوالي 3100 قبل الميلاد) في مواقع مثل "عراد". هذه النقوش، بالإضافة إلى اكتشاف جرار فخارية مصرية وأخشاب أرز لبنانية في مصر، تدل على شبكة تجارية نشطة. يطرح المؤلف جدلاً هاماً: هل كانت هذه العلاقة تعني سيطرة مصرية سياسية على جنوب بلاد الشام، أم أنها مجرد شراكة تجارية؟ الحجج المقدمة تدعم وجهة النظر الثانية، مع الإشارة إلى تراجع النفوذ المصري خلال العصر البرونزي المبكر الثاني، مما أتاح للمدن المحلية النمو والازدهار. ويضرب مثالاً بمدينة "عراد" التي تطورت من قرية صغيرة في العصر البرونزي المبكر الأول إلى مدينة مسورة ذات أسوار وأبراج ومعابد وقصر خلال العصر البرونزي المبكر الثاني. ويبين كيف أن تدمير بعض هذه المدن في نهاية العصر البرونزي المبكر الثاني قد يعود لحملات مصرية تهدف للسيطرة على مناجم النحاس في وادي عربة.
يخصص الفصل أقساماً موسعة لعرض نماذج من مواقع محددة، مما يمثل حجته الرئيسية لتوثيق التحول من القرية إلى المدينة. يقدم "حبوبة كبيرة" و"جاوة" (في الأردن) كموقعين استثنائيين من العصر البرونزي المبكر الأول (حوالي 3500-3100 قبل الميلاد)، مبيناً كيف أن "حبوبة كبيرة" كانت مدينة مخططاً لها بأسوار وشوارع ومباني دينية وإدارية، بينما تميزت "جاوة" بنظام متقن لحصاد مياه الأمطار. ثم ينتقل إلى العصر البرونزي المبكر الثاني (حوالي 2700/2650-3100 قبل الميلاد)، مفصلاً حالة "عراد" كمثال واضح للمدينة المتكاملة، ويصف أسوارها ومعابدها وقصرها وبيوتها المنتظمة. وفي العصر البرونزي المبكر الثالث (حوالي 2300-2700 قبل الميلاد)، يعرض أمثلة غنية من سوريا مثل "تل ليلان" و"تل خويرة" و"تل براك"، ومن لبنان "جبيل"، ومن الأردن "خربة الزيرقون". في هذه المواقع، تصف الأدلة الأثرية وجود قصور، ومجمعات دينية ومعابد، وأختام أسطوانية تدل على إدارة وتجارة، وصوامع حبوب ضخمة، وتماثيل، وأدوات معدنية (نحاسية). كل هذه العناصر مجتمعة تشكل دليلاً على وصول هذه المجتمعات إلى مرحلة التمدن، حيث ظهرت سلطة سياسية منظمة، وتخصص اقتصادي، وطبقات اجتماعية، وعلاقات تجارية وسياسية إقليمية.
يقر المؤلف بتحفظات وثغرات معرفية مهمة. يعترف بأن المعلومات لا تزال غير كافية حول الفترة بين 3500-2000 قبل الميلاد، خاصة فيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي الدقيق للمواقع وطبيعة العمارة في كثير منها، مما يمنع رسم صورة شاملة. كما يشير إلى الجدل المستمر حول أسباب دمار مدن العصر البرونزي المبكر الثالث وبداية الرابع (حوالي 2300 قبل الميلاد)، فيذكر نظريتين محتملتين: هجرات الأموريين، أو تحولات مناخية أدت إلى قطع الاتصالات التجارية، تاركاً السؤال مفتوحاً دون حسم. كذلك، يعترف بصعوبة تحديد وظيفة "النصب الحجرية" المنتشرة في مناطق حفرة الانهدام، حيث يختلف العلماء حول تاريخها واستخدامها.
6.بلاد الشام في العصر البرونزي المتوسط: "الحضر والبدو"244–317▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على بلاد الشام في العصر البرونزي المتوسط (حوالي 2000-1550 قبل الميلاد)، وهي الفترة التي تلت انهيار العصر البرونزي المبكر وشهدت عودة تدريجية للحياة المدنية. يطرح المؤلف سؤالاً محورياً: من هم سكان هذه المنطقة خلال هذه الحقبة؟ وما طبيعة العلاقة بين فئتي المجتمع الرئيسيتين: الحضر والبدو؟ الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن المجتمعات في بلاد الشام خلال هذه الفترة تشكلت من تفاعل مستمر بين جماعات مستقرة وأخرى رعوية متحركة، وأن هذه العلاقة كانت متداخلة ومعقدة، تقوم على التبادل الاقتصادي والصراع على الموارد والنفوذ السياسي في آن واحد.
يسير الفصل وفق بنية واضحة، فيبدأ بتحديد الإطار الزمني للعصر البرونزي المتوسط ويناقش بإيجاز النظريات المختلفة حول أسباب عودة الحياة المدنية، مثل دمج العناصر البشرية الجديدة والتطور الاقتصادي والتقني وتحسن المناخ. ثم ينتقل إلى طرح السؤال الأساسي حول هوية سكان الساحل والمناطق الداخلية في بلاد الشام، ليقرر أن العنصرين الرئيسيين هما الأموريون والكنعانيون، مع الإشارة إلى وجود عناصر أخرى مثل الحوريين والأرييين. يوضح الفصل أن الأموريين وردوا في نصوص تل الحريري (ماري) ووصفوا بأنهم جماعات بدوية أو شبه بدوية جاءت من بادية الشام، واستقروا تدريجياً وأسسوا ممالك في حوض الفرات وبلاد الرافدين، مثل الملكين شمشي-أدد وحمورابي. أما الكنعانيون، فقد ظهر اسمهم لأول مرة في نصوص ماري في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، ويشير إلى سكان منطقة سواحل البحر المتوسط الممتدة من وادي العريش جنوباً حتى شمال لبنان. يقدم الفصل وصفاً مفصلاً لأسلوب حياة الجماعات الرعوية، معتمداً على النصوص التاريخية والدراسات الإثنوغرافية. يوضح كيف كانت هذه الجماعات تعتمد على تربية الأغنام والماعز وتتنقل موسمياً بين المراعي الصيفية والشتوية، مما جعلها على اتصال دائم مع سكان القرى والمدن. يشير الفصل إلى التكامل الاقتصادي بين الطرفين، حيث يحتاج الحضر إلى المنتجات الحيوانية بينما يحتاج البدو إلى المنتجات الزراعية والصناعية، مما استلزم ترتيبات مشتركة لحماية المحاصيل. في الوقت نفسه، يسلط الضوء على الصراع على الموارد والسلطة، مستشهداً بأرشيف ماري الذي يصف بعض القبائل البدوية مثل السوتيون بصفات سلبية مثل السرقة واللصوصية، ويرى المؤلف أن هذه الصورة ناتجة عن الصراع حول التحكم بالسلطة والموارد الطبيعية.
يمضي الفصل في تحليل علاقة مصر ببلاد الشام خلال هذه الفترة. يوضح أن الاهتمام المصري في بداية العصر البرونزي المتوسط تركز في منطقة السهل الساحلي الفلسطيني وسهل مرج ابن عامر، حيث أقامت مصر حامية عسكرية في تل المتسلم لحماية طرق التجارة. ويؤكد الفصل أن العلاقة ظلت تجارية في الغالب، وأن جبيل (بيبلوس) بقيت المركز التجاري الفرعوني الرئيسي. لكن في زمن الفرعون سنوسرت الثالث، جرّدت مصر حملة عسكرية على جنوب بلاد الشام، وخصوصاً منطقة بلاطة بالقرب من نابلس، بهدف إضعاف دول المدن وحماية الطريق التجاري. ويشير الفصل إلى أن النصوص الأثرية تشهد على تدمير عدد من المدن خلال القرن الثامن عشر قبل الميلاد، ويتناول أيضاً حكم الهكسوس في الدلتا المصرية، ويذكر أن هناك اتفاقاً بين العلماء على أصلهم السامي، وأنهم دخلوا مصر سلمياً عن طريق التجارة قبل أن تقوى شوكتهم ويطردهم الملك أحمس الأول حوالي عام 1550 قبل الميلاد.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى دراسة تاريخية تحليلية لدول المدن والممالك التي قامت في بلاد الشام، مركزاً بشكل خاص على شمال البلاد. يذكر أن فترة العصر البرونزي المتوسط تميزت بوجود ممالك قوية مثل حلب (يمحاض) وتل الحريري (ماري) والمشرفة (قطنا) في الشمال، بينما سيطر نظام دولة المدينة في الجنوب، مثل تل القاضي وتل المتسلم وأريحا وطبقة فحل في الأردن. يخصص الفصل مساحة كبيرة لمناقشة مملكة ماري (تل الحريري)، مستنداً إلى الأرشيف الغني الذي تم اكتشافه فيها. يشرح كيف أن ملوك ماري، مثل زِمري-ليم، لعبوا دوراً محورياً في التجارة التي امتدت من الخليج العربي إلى الأناضول، وكيف شكلوا تحالفات وحاربوا ممالك أخرى مثل آشور ويمحاض. يستعرض الفصل أيضاً تاريخ مملكة إبلا (تل مرديخ) وعلاقاتها التجارية مع بلاد الرافدين، ويذكر أنها كانت تصدر الأخشاب والمعادن، وأن ازدهارها التجاري جعلها هدفاً للتدمير على يد الملك الأكادي نرام-سن. وينتقل بعدها إلى مملكة قطنا (المشرفة)، التي استفادت من موقعها الاستراتيجي كملتقى طرق تجارية بين الأناضول وفلسطين وبلاد الرافدين والبحر المتوسط. وأخيراً، يتناول الفصل بإيجاز مدينتي عرقة وجبيل في لبنان، مشيراً إلى أن علاقتهما بمصر كانت تجارية بالأساس خلال هذه الفترة، وأن المدن اللبنانية لم تخلف أرشيفاً مكتوباً مماثلاً لما وجد في سورية.
لا يخلو الفصل من إشارات إلى حدود المعرفة والتحفظات العلمية. يعترف المؤلف بأن الباحثين لم يتفقوا على الأسباب التي أدت إلى عودة الحياة المدنية بعد انهيار العصر البرونزي المبكر. كما يؤكد أنه لا يمكن الجزم بما إذا كانت تسمية “أموريون” تشير إلى أصل عرقي أم مجرد دلالة جغرافية على أنهم “الذين جاؤوا من الغرب”. ويشير إلى أن قيام الأموريين بتأسيس دولة الأمة بدلاً من دولة المدينة هو مجرد تفسير محتمل وليس حقيقة مسلمة. فيما يتعلق بالكنعانيين، يقر المؤلف بأن الكتابات التوراتية تعتبرهم العنصر الرئيسي في فلسطين، لكنه يذكر أن هذا الأمر لم يثبت علمياً بشكل قاطع بعد. أيضاً، فيما يخص تاريخ قناة الري التي تربط نهر الفرات بالخابور في منطقة ماري، يرفض المؤلف قبول التاريخ المذكور للقناة لأنه لم يُبْنَ على أسس واضحة.
في ختام الفصل، يمكن القول إن الحجج التي يقدمها المؤلف قابلة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بالدور المحدد للأموريين والكنعانيين في تشكيل هوية بلاد الشام. فبينما يعتبر الأموريين العنصر المسيطر في البداية، يعترف بصعود الكنعانيين لاحقاً. كما أن تفسير العلاقة بين الحضر والبدو كعلاقة تكامل وصراع في آن واحد يظل نموذجاً تحليلياً قابلاً للنقاش، إذ يعتمد الفصل بشكل كبير على منظور المدن الحضرية من خلال نصوص مثل أرشيف ماري، مما قد لا يعكس رؤية البدو أنفسهم. وبشكل عام، يقدم الفصل صورة شاملة ومعتمدة على المصادر التاريخية والأثرية لتطور بلاد الشام خلال فترة حاسمة من تاريخها، مسلطاً الضوء على تعقيدات المجتمعات القديمة وديناميكيات السلطة والاقتصاد فيها.
7.العصر البرونزي المتأخر: "دول المدن الشامية تحت السيطرة المصرية والحثية"318–361▼ résumé
يُشكّل العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1550 حتى 1200 قبل الميلاد) محور هذا الفصل، وهي الفترة التي أطلق عليها العلماء اسم "عصر الإمبراطوريات". يوضح المؤلف كيف تحولت بلاد الشام من كونها منطقة تتمتع بنوع من الحرية السياسية في العصر البرونزي المتوسط إلى ساحة للصراع بين القوى العظمى المجاورة، وفي مقدمتها مصر والحثيون، اللذين تقاسما النفوذ فيها. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أنه على الرغم من فقدان ممالك المدن الشامية لاستقلالها السياسي ووقوع ثرواتها الاقتصادية تحت سيطرة هذه الإمبراطوريات، إلا أنها ظلت مرتبطة بشبكة تجارية داخلية وخارجية قوية، وأن تراثها الأثري حافظ على طابع محلي واضح رغم التأثيرات الخارجية الكبيرة.
يسير الفصل بخطة منهجية واضحة، حيث يبدأ بوضع الإطار العام للفترة، ثم ينتقل إلى تحليل علاقات القوى الكبرى ببلاد الشام واحدة تلو الأخرى. يشرح المؤلف كيف أن طرد المصريين لـالهكسوس وتأسيس الدولة الحديثة بقيادة الأسرة الثامنة عشرة، قادهم إلى التدخل في شؤون بلاد الشام لأسباب اقتصادية بشكل أساسي. ويستخدم كأدلة على ذلك الحملات العسكرية المتكررة، مثل حملات تحتموس الثالث الذي جرد حوالي سبع عشرة حملة على بلاد الشام، وذكر غنائمه التي شملت أسرى مثل النهاشيشي والعابيرو في قوائمه الطوبوغرافية. ويشير إلى أن مصر لم تكن قادرة على الإدارة المباشرة، فاتبعت نظام المندوبين والحاميات المصرية في المدن الكنعانية، مع بقاء الحكام المحليين في مناصبهم شريطة الولاء لمصر، كما توضح ذلك رسائل تل العمارنة. مثال على ذلك استخدام معبد حاتحور في خربة المنيعة (تمناع) من قبل العمال المصريين في مناجم النحاس.
بعد ذلك، يتناول الفصل صعود المملكة الحثية في الأناضول وتوسعها نحو شمال بلاد الشام. يصف المؤلف الصراع الحثي مع مملكة ميتاني، وكيف أن الملك الحثي شبليوليوما تمكن من بسط نفوذه على شمال سوريا، متخذاً من نهر العاصي حداً جنوبياً له، وأجبر ممالك مثل أوغاريت (رأس شمرا) وحلب على توقيع معاهدات معه. بلغ هذا الصراع ذروته في معركة قادش الشهيرة بين رمسيس الثاني وموتاليس الثاني (حوالي 1260 قبل الميلاد)، والتي انتهت بتوقيع معاهدة سلام نتج عنها تقاسم واضح لبلاد الشام بين المصريين والحثيين. ويشير الكاتب إلى أن الحثيين والميتانيين والمصريين والآشوريين والكاشيين تناوبوا على السيطرة على أجزاء من بلاد الشام، مما جعل تاريخ هذه المنطقة جزءاً لا يتجزأ من تاريخ هذه الإمبراطوريات.
في القسم الثاني، ينتقل الفصل إلى دراسة الآثار المادية لشمال بلاد الشام، مؤكداً على أن التأثيرات المحلية بقيت سائدة بالرغم من الهيمنة السياسية الأجنبية. يقدم المؤلف أمثلة من مواقع أثرية رئيسية مثل رأس شمرا (أوغاريت)، حيث كشفت التنقيبات عن قصر ملكي تحفة معمارية ومعابد للإلهين بعل ودجن، بالإضافة إلى لقى آثارية متميزة مثل الأختام الأسطوانية والمنحوتات العاجية. ويذكر أيضاً موقع تل العطشانة (ألالاخ) بطبقاته السكنية المتعددة، والذي أظهر تأثراً بالعمارة والفخار القبرصي والمايسيني. وفي موقع مسكنة (إيمار)، تم العثور على نصوص تجارية ودينية قيمة. ويختم المؤلف بعرض موجز لدور جبيل (بيبلوس) كمركز اتصال حضاري. المهم في هذا السياق هو تأكيد المؤلف على أن تنوع الطرز المعمارية والفخارية (مثل فخار نوزي وفخار الخابور) واللقى الفنية يعكس مزيجاً من العناصر المحلية والمستوردة، مما يدل على ازدهار تجاري وتنوع ثقافي داخل مدن الشمال الخاضعة للسيطرة الحثية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى عرض آثار جنوبي بلاد الشام (فلسطين والأردن) خلال العصر البرونزي المتأخر. هنا أيضاً، يؤكد المؤلف على استمرارية العديد من السمات الحضارية من العصر البرونزي المتوسط، مع إدخال عناصر جديدة عن طريق التجارة، خاصة مع قبرص وبلاد الإغريق (المايسينية). ويضرب أمثلة على وحدات سكنية حملت تأثيرات مصرية واضحة، أطلق عليها الباحثون اسم "بيوت المندوبين المصريين"، مثل تلك المكتشفة في بيسان وطبقة فحل وتل السعيدية. ويذكر أيضاً اكتشاف معابد مصرية في مواقع مثل غزة وعسقلان ومعبد الإله حاتحور في خربة المنيعة. يعرض الفصل بالتفصيل آثار أربعة مواقع رئيسية في الجنوب: تل وقاص (حاصور)، التي كانت أهم المدن الكنعانية خلال العصر البرونزي المتوسط ووجدت فيها معابد ومذابح وأختام؛ وتل المتسلم (مجدو) التي اشتهرت بقصرها الملكي ومجموعته العاجية الضخمة التي تحمل تأثيرات مصرية وحثية وإيجية؛ وبيسان التي تحولت إلى مركز إداري مصري مهم وعثر فيها على ثلاث مسلات تعود للفرعونين سيتي الأول ورمسيس الثاني؛ وتل العميري بالقرب من عمان، حيث كشف التنقيب عن مبنى ربما كان قصراً أو معبداً يحتوي على نصب حجرية في حنية.
أما بالنسبة للتحفظات والأسئلة المفتوحة، فيقرّ المؤلف ببعضها صراحةً في ثنايا الفصل. فهو يشير إلى أن عدم وجود رد فعل واضح من مملكة ميتاني تجاه تغلغل مصر في شمال سوريا يبقى أمراً غير مفسر. كما يقرّ بأن غياب أسوار مدينية في موقع تل المتسلم (مجدو) خلال العصر البرونزي المتأخر حيّر الباحثين، وهم يرجحون أن البيوت المبنية على قمة التل شكلت خطاً دفاعياً بديلاً. في موقع تل العميري، لم يستطع المنقبون الحسم فيما إذا كان المبنى الذي عثروا عليه قصراً أم معبداً، مما يترك السؤال مفتوحاً.
في الخاتمة، يمكن القول إن الفصل ينجح في تقديم صورة معقدة ومتوازنة لبلاد الشام في العصر البرونزي المتأخر. فهو لا يقدمها فقط كضحية للصراعات الإمبراطورية، بل كمنطقة حضارية نشيطة حافظت على هويتها المحلية واستفادت من موقعها الجغرافي لتصبح مركزاً تجارياً وثقافياً حيوياً. النقاش حول مدى سلبية السكان المحليين أمام هيمنة القوى العظمى يظل قابلاً للنقاش بناءً على النص نفسه: فبينما يشير المؤلف إلى خضوعهم ودفعهم للجزية، تكشف الأدلة الأثرية عن ازدهار وتنوع يشير إلى قدرة هذه المجتمعات على التكيف والابتكار ضمن ظروف سياسية صعبة.
8.بلاد الشام في العصر الحديدي: ممالك ومشيخات في بلاد الشام362–437▼ résumé
يُشكّل العصر الحديدي في بلاد الشام (من حوالي 1200 قبل الميلاد حتى مجيء الإسكندر المقدوني حوالي 330 قبل الميلاد) مرحلة تحول جذري، تميّزت بانهيار الإمبراطوريات الكبرى في نهاية العصر البرونزي المتأخر، وظهور كيانات سياسية جديدة متنوعة: ممالك ومشيخات محلية. يُجيب المؤلف بأن هذه الفترة لم تعد محكومة بنظام المدينة-الدولة كما في السابق، بل ظهرت لأول مرة مملكات صغيرة، لكن استقلاليتها السياسية كانت محدودة وغالباً ما خضعت لأطماع القوى المجاورة، وخاصة من بلاد الرافدين وإيران.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عرض بانورامي لهذه الكيانات، بدءاً من وصف الحالة العامة بعد انهيار القوى العظمى (الحثية والمصرية) نتيجة غزوات شعوب البحر وما تبعها من "عصر مظلم" (حوالي 1200-1000 قبل الميلاد) لقلة المصادر المكتوبة. ثم ينتقل لتفصيل القوى الخارجية المسيطرة: آشور التي أصبحت القوة العظمى بقيادة ملوك مثل أشور-دان الثاني، شلمنصر الثالث (الذي خاض معركة قرقر عام 853 قبل الميلاد)، وتيجلات بلاصر الثالث الذي بدأ عهد الإمبراطورية الآشورية الثانية. يشرح كيف مارست آشور سيطرة صارمة على المنطقة، واتخذت من مدن مثل تل الشيخ حمد مركزاً إدارياً. ويشير إلى أن الفخار الأحمر ذا البطانة الحمراء كان شائعاً في غربي الفرات لكنه كان قليل الاستخدام في تل الشيخ حمد، كما وجدت أدلة على ممارسة حرق الموتى. بعد سقوط نينوى عام 612 قبل الميلاد على يد الميديين والكلدانيين، برزت المملكة البابلية الحديثة.
بعد ذلك، يتناول الفصل الوضع في مصر، موضحاً أن تأثيرها في بلاد الشام خلال العصر الحديدي كان ضعيفاً، رغم محاولات بعض الفراعنة مثل شيشنق الأول (مؤسس الأسرة الليبية) ونكاو الثاني. احتل الآشوريون مصر بقيادة أسرحدون (عام 670 قبل الميلاد)، وطردهم الفرعون بسماتيك (مؤسس الأسرة السادسة والعشرين) لاحقاً، قبل أن تخضع مصر للحكم الفارسي.
أما الجزء الأكبر من الفصل، فيُخصص لاستعراض الممالك والمشيخات المحلية في بلاد الشام، مقسماً إياها إلى:
- ممالك المدن الحثية المتأخرة في جنوب الأناضول وشمال بلاد الشام (مثل جرابلس/كركميش، حماة) التي حافظت على الطابع الحثي لكن بلغتها غلب الطابع اللّوفي.
- شعوب البحر، وأهمهم البلست الذين استقروا في جنوب الساحل الفلسطيني وأعطوه اسمهم.
- الآراميون، الذين هاجروا من الجزيرة العربية وأسسوا ممالك متعددة مثل بيت عديني، بيت بحياني (عاصمتها تل الفخيرية/حلف)، بيت أجوشي (أرفاد)، شمال (زنجرلي، ونقش ملكها كيلاموا)، ومملكة دمشق التي قاد ملكها هدد عزر تحالفاً ضد الآشوريين. يشير المؤلف إلى أن تسمية "آرام" أصبحت مألوفة بفضل الآشوريين، وأن اللغة الآرامية أصبحت اللغة الرسمية في معظم مناطق البلاد الخصيب خلال النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد.
- العبرانيون/الإسرائيليون، الذين يرى المؤلف أنهم فرع من سكان بلاد الشام المحليين مثل الآراميين، وليسوا شعباً غريباً عنها. يُفرد لهم الفصل حيزاً كبيراً لمناقشة النظريات حول أصلهم (النظرية التوراتية التقليدية، نظرية التسلل السلمي، نظرية الثورة الاجتماعية)، ويركز على أن النظريات التوراتية تفتقر للأدلة الأثرية ويعتمد معظمها على التوراة نفسها. ينتقد المؤلف بشدة المنهج التوراتي التقليدي الذي يهدف لربط الآثار بالروايات التوراتية، وكذلك المنهج التوراتي المحدث (الذي يمثله إسرائيل فنكلشتاين)، معتبراً أن كليهما يسعى لخدمة الهدف الصهيوني بالرغم من اختلاف منهجياتهما. تبرز في هذا القسم مسألة "بيت داوود" المذكورة في نقش تل القاضي (دان)، ويذكر المؤلف أن بعض الباحثين يشككون في أصالته. كما يناقش مسلة مرنيتاح المصرية التي تذكر إسرائيل كشعب وليس أرضاً، ويرى أن الوثائق الآشورية كانت تسمي مملكة إسرائيل بـ"بيت عمري" أو "السامرة"، وليس إسرائيل.
- الفينيقيون، الذين لم يسموا أنفسهم بهذا الاسم بل أطلقه عليهم الإغريق، وهم امتداد للكنعانيين. يُظهر الفصل أن فينيقيا لم تكن دولة موحدة، بل اتحاداً من المدن الساحلية (أرواد، جبيل، صيدا، صور) تميزت بالملاحة والتجارة واختراع الأبجدية. يصف الفصل تطور علاقات هذه المدن مع القوى المتعاقبة (مصر، آشور، بابل، فارس)، وكيف كانت محطات ازدهارها وتراجعها مرتبطة بالتغيرات السياسية في المنطقة.
يقرّ المؤلف صراحة بوجود حدود وتحفظات كبيرة، أبرزها ما يتعلق بـ"العصر المظلم" بين 1200 و1000 قبل الميلاد حيث تندر الشواهد المكتوبة، مما يدفع الباحثين نحو الكتاب المقدس للحصول على معلومات، وهي خطوة منهجية محل إشكال. كما يشير إلى أن الآراميين لم يجمعهم قط وحدد سياسية ولا عاصمة موحدة، مما يجعل دراستهم صعبة. وبخصوص الإسرائيليين، يعترف المؤلف أن معظم النظريات حول أصلهم تعتمد على النصوص التوراتية مع تحويرات وتستبعد الأدلة الأثرية، وأن الوثائق القديمة من مصر لا تقدم تفاصيل كثيرة، وأن النقوش المحلية مثل نقش تل القاضي تثير الجدل حول تاريخها وأصالتها.
في النهاية، يمكن القول إن الفصل يُظهِر توتراً واضحاً بين الرغبة في تقديم عرض تاريخي محايد يعتمد على المصادر الأثرية والوثائق القديمة، وبين الانتقاد الحاد للمنهج التوراتي بشقيه التقليدي والمحدث، والذي يُتهم بالانحياز للرواية الصهيونية. الملاحظ أن رأي المؤلف الشخصي يتسرب بقوة في أقسام العبرانيين/الإسرائيليين، حيث ينفي أي رابط بينهم وبين الصهاينة المعاصرين، ويصف المدرسة التوراتية بأنها تسعى لخدمة الهدف الصهيوني، ويؤكد في رأيه أن الإسرائيليين الأوائل هم من سكان بلاد الشام المحليين. هذا الموقف النقدي القوي يُعد من أبرز ملامح الفصل التي تثير جدلاً حول مدى موضوعيته التاريخية البحتة.
9.البابليون الجدد والفرس في بلاد الشام438–495▼ résumé
يُعالج هذا الفصل فترةً محوريةً في تاريخ بلاد الشام القديم، تمتد من حوالي 587 قبل الميلاد إلى 333 قبل الميلاد، والتي شهدت فيها المنطقة تحولاً في السيطرة من الإمبراطورية البابلية الحديثة إلى الإمبراطورية الفارسية الأخمينية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الفترة، رغم قصرها النسبي مقارنة بالعصور السابقة، كانت حاسمة في تشكيل الخريطة السياسية والديموغرافية للمنطقة، وتميزت بالصراع الدائم بين القوى الكبرى (بابل ومصر وبلاد فارس)، وبسياسة التدمير والترحيل التي اتبعها البابليون، والتي أعقبتها فترة من الاستقرار النسبي والإدارة المركزية تحت الحكم الفارسي، مع استمرار ازدهار بعض الممالك المحلية.
يسير الفصل بتسلسل زمني واضح، حيث يبدأ ببروز القوة البابلية الجديدة بقيادة الملك نيبو-بلاصر (تقريباً 625-605 قبل الميلاد). يحلل المؤلف كيف استغل البابليون انهيار الإمبراطورية الآشورية، وتحالفوا مع الميديين لاقتسام ممتلكاتها، ليعتبروا أنفسهم الورثة الشرعيين لبلاد الشام. في المقابل، يوضح أن المصريين بقيادة الفرعونين بسماتيك ونيكاو الثاني حاولوا إنقاذ الآشوريين ومد نفوذهم إلى بلاد الشام، مما أدى إلى مواجهة حاسمة. يصف الفصل المعركة الفاصلة التي وقعت عام 605 قبل الميلاد، حيث هاجمت القوات البابلية بقيادة نبوخذنصر مدينة كركميش ودمرت الحامية المصرية فيها، ليهزم الجيش المصري مرة أخرى في منطقة حماة. يُظهر المؤلف أن هذه الحملات كانت تهدف إلى طرد المصريين وتثبيت الهيمنة البابلية.
يواصل الفصل سرد السياسة البابلية، مركزاً على دور الملك نبوخذنصر (604-562 قبل الميلاد). يذكر حملاته المتعددة ضد مملكة يهوذا، التي كانت تميل للتحالف مع مصر. يوضح أن الدافع الأساسي لحملة عام 598 قبل الميلاد والحملة الثانية عام 587 قبل الميلاد كان تشجيع الفرعون المصري أبريس لملك يهوذا صدقيا على الثورة ضد بابل. وكانت نتيجة الحملة الثانية تدمير القدس وسبي سكانها إلى بابل، مما يبرز أداة الترهيب البابلية. بالإضافة إلى ذلك، يتناول الفصل علاقة بابل بمدن فينيقيا، وخاصة صور، مشيراً إلى أن بابل استخدمت خبراء عسكريين من المدن الفينيقية لحصارها. ويتطرق إلى فترة الضعف التي أعقبت موت نبوخذنصر، ثم فترة الإصلاح التي قام بها الملك نابونيد (555-539 قبل الميلاد)، الذي أعاد السيطرة على حران عام 552 قبل الميلاد ونشط في جنوبي بلاد الشام حتى مدينة تيماء، واضعاً حدوداً للمعرفة حول نشاطاته في تلك المنطقة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى المرحلة الفارسية، ويصف كيف تمكن الفرس بقيادة قورش الثاني من القضاء على مملكة ميديا ثم دخول بابل حوالي 539 قبل الميلاد، وبسط سيطرتهم على بلاد الشام حتى مجيء الإسكندر المقدوني عام 333 قبل الميلاد. يلاحظ المؤلف أن قورش هو من أعاد اليهود من منفاهم في بابل إلى فلسطين، ويشير إلى أن أول ملك فارسي يظهر على أرض بلاد الشام كان قمبيز الثاني (529-522 قبل الميلاد) أثناء حملته على مصر عام 526/525 قبل الميلاد. يذكر أن المدن الفينيقية والشامية أظهرت ولاءً للفرس في حملتهم على مصر، لكن هذا لم يمنع ثورة صيدا في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، والتي قادها ملكها تينيس بالتعاون مع الأخمينيين ضد رغبة شعبه. يصف الفصل القمع الوحشي للثورة من قبل الملك ارتحشستا الثالث (358-338 قبل الميلاد)، الذي أحرق المدينة بمن فيها وسبى الناجين إلى بابل عام 345 قبل الميلاد.
أما بالنسبة لجنوب بلاد الشام (الأردن وفلسطين)، فيشرح الفصل التغيرات بعد انسحاب الآشوريين والمصريين، حيث دخل البابليون فلسطين عام 604 قبل الميلاد ودمر مدناً مثل عسقلان. يحلل المؤلف الدور الذي لعبته بابل في تحريض ممالك عمون ومؤاب وأدوم لمهاجمة مملكة يهوذا، ثم سيطرة البابليين على هذه الممالك بعد تدمير القدس عام 582 قبل الميلاد. ثم ينتقل إلى الفترة الفارسية، فيناقش الجدل العلمي حول ما إذا كانت عمون وأدوم مقاطعتين فارسيتين أم لا. يذكر أن بعض الأدلة تشير إلى أن عمون كانت مقاطعة، بينما يرى آخرون أن أدوم كانت تحت سيطرة القبائل القيدارية العربية. ويشير الفصل إلى وجود نص من تل السلع يؤرخ للسنة الأولى من حكم داريوس الأول، مما يدعم فكرة الإدارة الفارسية. كما يؤكد على ازدهار مملكتي عمون ومؤاب خلال الحكم الفارسي، مدللاً على ذلك بوجود طريق تجاري رئيسي (طريق الملوك) واكتشاف لقى أثرية ثمينة مستوردة.
يخصص الفصل قسماً مهماً للمخلفات الأثرية في بلاد الشام للفترتين البابلية الحديثة والفارسية. في العمارة، يصف المؤلف نمط البيت الرئيسي المكون من غرف حول ساحة مركزية كانت تُستخدم للنشاطات المنزلية وتحتوي على حفر تخزين، مع أمثلة من مواقع مثل تل المزار وتل دير علا وتل العميري. ويذكر العثور على أبنية عامة في تل السعيدية وبصيرة والدريجات، والتي يعتقد أنها كانت مقرات إدارية أو قصوراً، وبعضها استمر استخدامه في العصر الهلنستي. كما يشير إلى بقايا أسوار وأبراج في تل حسبان. فيما يخص الفخار، يذكر الفصل اكتشاف فخار محلي الصنع متلازم مع فخار إغريقي مستورد من القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، مما يدل على التبادل التجاري، وأن بعض الأشكال الفخارية الحديدية استمرت في الاستخدام. وفي عادات الدفن، يصف التنوع الكبير في أشكال القبور، من غرف منحوتة في الصخر إلى جرار للأطفال وصناديق حجرية، مع التركيز على مقبرة تل المزار التي ضمت خمسة وثمانين قبراً وتوفر معلومات غنية عن المرفقات الجنائزية واتجاه الدفن. وفي الفنون، يذكر الفصل اكتشاف عدد قليل من اللقى الفنية، منها مجمرة برونزية على شكل أنثى من أم أذينة، ومرايا برونزية مستديرة، ودميتان صلصاليتان لفارسين من المقابلين.
يعترف المؤلف بصراحة بحدود المعرفة، خاصة فيما يتعلق بنشاطات الملك نابونيد في تيماء (فلا يعرف أحد لماذا انتقل إليها)، وبعدم كفاية المعلومات عن فخار الفترة البابلية الحديثة في فلسطين مقارنة بفترات سابقة. كما يطرح أسئلة مفتوحة حول الوضع الإداري لمملكتي مؤاب وأدوم في ظل الحكم الفارسي، مكتفياً بعرض آراء الباحثين المختلفة دون ترجيح أحدها بشكل قاطع. يختتم الفصل بإشارة صريحة إلى أن هذه الفترة تُنهي العصور "الاختصاصية" لبلاد الشام، لتبدأ حضارة جديدة (الهيلنستية) تمتزج فيها العناصر اليونانية والشرقية، مبقياً قوساً من الشك حول بعض التفسيرات الاقتصادية.
Analyse & mots-clés
Personnes
Lieux
Événements