غيرترود لوثيان بيل - عرب العراق والجزيرة
الكتاب الذي بين أيدينا، "عرب العراق والجزيرة: بحوث عن العراق والجزيرة العربية"، هو حصاد لمجموعة من التقارير والمقالات التي كُتبت خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، بناءً على طلب وزارة الحرب البريطانية. كان الهدف الأساسي من هذه التقارير تزويد الضباط والجنود المشاركين في الحملة العسكرية على بلاد الرافدين بمعلومات دقيقة عن السكان والجغرافيا والإمكانيات المستقبلية للبلاد، لمساعدتهم على فهم المنطقة التي يقاتلون فيها. صدر الكتاب أصلاً عن مطبعة الحكومة في البصرة عام 1917 تحت عنوان "عرب بلاد ما بين النهرين"، وقد وضعته غيرترود لوثيان بيل وآخرون، مع إشارة واضحة إلى أن المقالات كتبها أشخاص لديهم معرفة خاصة بموضوعاتها. يتكون الكتاب من جزأين؛ الجزء الأول بعنوان "عرب بلاد ما بين النهرين" ويضم عشر مقالات كتبت في البصرة عام 1916، والجزء الثاني بعنوان "تركيا الآسيوية" ويضم سبع مقالات كتبتها غيرترود بيل في بغداد خلال حزيران وتموز عام 1917، أي بعد وصول القوات البريطانية إلى بغداد في آذار من ذلك العام.
يتمحور الموضوع الأساسي للكتاب حول رسم صورة شاملة للمجتمع العراقي والقبلي في بداية القرن العشرين، تحت وطأة الحكم العثماني المتدهور وخلال فترة الحرب. تدافع المؤلفة ضمنياً عن فكرة أن فهم الطبيعة القبلية للمجتمع، والعلاقات المعقدة بين البدو والحضر، والحكم العرفي القائم على سلطة الشيوخ، هو السبيل الوحيد لإدارة البلاد بنجاح. تقدم غيرترود بيل رؤية واضحة مفادها أن الإدارة العثمانية كانت فاشلة وهشة، وأن قوتها كانت وهمية على الورق فقط، بينما كانت السلطة الفعلية في يد الشيوخ والزعماء المحليين. ومن ثم، فإن الحكم البريطاني القادم، في نظرها، يجب أن يبني على هذه البنية القبلية بدلاً من محاولة فرض نظام مركزي صارم، مع العمل تدريجياً على تطويرها نحو مؤسسات أكثر حداثة.
تسير حجة الكتاب بشكل منطقي من خلال فصوله المترابطة. يبدأ الفصل الأول بتقديم القبائل العربية في بلاد ما بين النهرين، موضحاً أصولهم البدوية وهجراتهم المستمرة من شبه الجزيرة العربية شمالاً، مدفوعة بالجفاف والضغط السكاني. ثم ينتقل إلى وصف التحالفات القبلية الكبرى مثل المنتفق بزعامة آل السعدون، وقبائل بني لام و بني ربيعة، ويشرح طبيعة الحياة بين الاستقرار والترحال. بعد ذلك، يقدم فصلاً مفصلاً عن أسس الحكم التركي، مكشفاً عن الفجوة الهائلة بين النظرية الإدارية المزخرفة على الورق والواقع الميداني القاسي، حيث لا وجود للسلطة الفعلية خارج المدن الكبرى. وينتقل بعدها إلى وصف مراكز الحضارة مثل الزبير و الخميسية، بوصفها حواضر حدودية تربط بين عالم البدو وعالم الحضر. ثم يتوسع الكتاب في رسم صورة الشيوخ المستقلين في شرق الجزيرة العربية، متوقفاً بالتفصيل عند شخصية عبد العزيز بن سعود الذي يمثل نموذج الحاكم المحارب. ويختتم الجزء الأول بوصف زيارة ابن سعود التاريخية إلى البصرة عام 1916، وما حملته من دلالات سياسية. ثم ينتقل الجزء الثاني، "تركيا الآسيوية"، ليشمل نظرة أوسع على الجغرافيا والسكان والأهمية الاقتصادية للولايات العربية في العراق وسوريا، والولايات التركية في آسيا الصغرى والأناضول.
حافلة المادة المقدمة بالأرقام والوقائع والشهادات اللافتة، نذكر منها أن عدد قبائل المنتفق يقدر بنحو مئتي ألف شخص، وهي مساحة تعادل ما يزيد قليلاً عن عدد قبيلة عنزة البدوية الكبيرة التي تنتشر على مساحة شاسعة من حلب إلى صحراء وسط الجزيرة العربية. كما تشير الملخصات إلى أن سعر الكتاب الأصلي كان آنة واحدة للنسخة الورقية و روبية واحدة للغلاف المقوى، مما يعكس هدفه كـ"كتاب جيب" يسهل حمله ومراجعته. ومن الوقائع المهمة وصف قصة استعادة ابن سعود للرياض في جوف الليل مع ثمانين محارباً فقط، مما جعلها ملحمة على شفاه رواة القصص البدوية. كما يذكر الكتاب مقتل النقيب شكسبير، الوكيل السياسي البريطاني في الكويت، خلال اشتباك غير حاسم بين ابن سعود و ابن الرشيد في شتاء 1914-1915. ومن الصور المذهلة تلك التي ترسم فهد بك الهذال شيخ قبيلة عنزة، وهو يجلس على سجاد فخم في خيمة ضيوفه في قلب الصحراء، مع صقره وكلبه السلوقي، في مشهد يرمز لعزة وكرامة القبيلة التي لا تنافسها فيها القصور الحضرية.
يقر الكتاب بحدود وتحفظات واضحة، أهمها أن التقارير كُتبت في خضم الحرب، مما جعل الأحكام على القبائل والشيوخ متأرجحة وفقاً لموقفهم من الجانب البريطاني. فمن الطبيعي أن نصف قبيلة بأنها "مشاغبة" أو "لصوص" إذا كانت تقف ضد الحملة، بينما نصف أخرى بأنها "حليف قوي" إذا كانت معها. هذه النزعة العملية والظرفية في التحليل هي سمة بارزة. كما أن هناك اعترافاً ضمنياً بأن هذه النظرة هي من منظور بريطاني استعماري، يهدف إلى تسهيل السيطرة والإدارة، وليس فهماً محايداً للمجتمع العراقي. على سبيل المثال، تُوصف العادات القبلية مثل نظام التحكيم وإقامة العدل في مجلس الشيخ بأنها "مرحلة أولية من التطور"، مما يعكس رؤية تطورية خطية ترى المجتمعات الأوروبية في القمة.
الحجج القابلة للنقاش في الكتاب عديدة، وتتمحور حول الفرضية المركزية التي تبناها بري وهي أن الإدارة القبلية اللامركزية تحت الإشراف البريطاني هي أفضل طريق لتطوير العراق. هذا الرأي قد يناقشه من يرون أنه أبقى على الهياكل الإقطاعية وأعاق بناء دولة وطنية حديثة وموحدة. كما أن الإشادة المطلقة بالشخصية القيادية لـ ابن سعود ووصفه بـ"رجل الدولة" و"الحاكم والمحارب"، تتجاهل الأبعاد الاستبدادية في حكمه، وتقدمه كأداة مثالية لتحقيق الأهداف البريطانية في المنطقة. إن النظر إلى القبائل البدوية على أنها كيانات سياسية يمكن التلاعب بها بإغلاق أو فتح الأسواق، هو نظرة براغماتية تختزل العلاقات الإنسانية المعقدة في معادلات اقتصادية وسياسية بحتة، مما قد يعتبر تبسيطاً مبالغاً فيه. ورغم هذه النقاط، يبقى الكتاب وثيقة تاريخية غنية لا غنى عنها لفهم ذهنية صناع القرار البريطانيين في تلك الفترة الحرجة من تاريخ العراق الحديث.
Personnes
Analyse & mots-clés
Personnes
Lieux