Almawred
قسطنطين بازيلي - سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني
عربي

قسطنطين بازيلي - سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني

قسطنطين بازيلي1 janvier 1862arدار التقدم، موسكو

قسطنطين بازيلي، دبلوماسي ومؤرخ روسي عاش في القرن التاسع عشر، يقدم في كتابه "سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني" دراسة تاريخية وسياسية متعمقة لمنطقة الشام خلال الفترة الحرجة الممتدة من أواخر القرن السابع عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر. الموضوع المحوري للكتاب هو تحليل البنية الاجتماعية والسياسية في سورية وفلسطين، وتفسير أسباب الضعف والتفكك اللذين جعلا المنطقة فريسة سهلة للصراعات بين الحكام المحليين والطموحات الخارجية. يدافع بازيلي عن فكرة أن المجتمع السوري لم يستطع تشكيل كيان سياسي موحد بسبب الانقسامات القبلية والطائفية العميقة التي ورثها من الماضي، والتي استغلها الحكم العثماني بمهارة عبر سياسة "فرق تسد" التي طبقها ولاة الأقاليم.

يسير الكتاب وفق تسلسل زمني وتاريخي دقيق، حيث يبدأ بازيلي بتحليل جذور النظام الإقطاعي العربي في سورية، الذي أرساه الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي. يوضح المؤلف أن هذا النظام، القائم على هيمنة العائلات الحاكمة والإمارات القبلية، ظل صامداً رغم تعاقب الغزاة، بما في ذلك العثمانيون الذين استولوا على سورية عام 1517. فبدلاً من إلغاء هذا النظام، قام السلاطين العثمانيون بتثبيت الأمراء المحليين في مناصبهم مقابل دفع الجزية والولاء، مما خلق نظاماً هجيناً جمع بين المركزية العثمانية الاسمية والإقطاعية المحلية الفعلية. ينتقل الكتاب بعدها إلى سرد تاريخ العائلات الحاكمة في لبنان وجواره، وأبرزها عائلتا المعنيين والشهابيين، ويحلل الصراعات الداخلية بين الحزبين الرئيسيين، اليمنيين والقيسيين، اللذين شكل انقسامهما أساساً للصراع السياسي لقرون طويلة. ثم يتناول بازيلي سيرة شخصيات محورية مثل فخر الدين المعني الثاني وظاهر العمر، اللذين حاول كل منهما تأسيس كيان عربي مستقل، لكنهما فشلا بسبب افتقارهما إلى قاعدة شعبية موحدة وتعرضهما لدسائس الباب العالي وأطماعه.

بعد ذلك، يركز الكتاب على الفترة المضطربة التي أعقبت وفاة الجزار باشا عام 1804، والتي شهدت صعود نجم الأمير بشير الثاني الشهابي في لبنان، وتدخل محمد علي باشا حاكم مصر في الشؤون السورية، وصولاً إلى ذروة الصراع بين السلطان العثماني محمود الثاني وواليه المصري المتمرد. يخصص بازيلي مساحة كبيرة للحملة المصرية على سورية بقيادة إبراهيم باشا ابن محمد علي، والتي بدأت عام 1831 وانتهت بالسيطرة على المنطقة بعد معركة قونية الحاسمة عام 1832، ثم معاهدة كوتاهية عام 1833 التي منحت محمد علي حكم سورية وأضنة. لكن بازيلي لا يقدم هذه الحملة كقصة انتصار، بل كدراسة في سوء الإدارة والاستبداد، حيث يوضح كيف أن سياسات إبراهيم القاسية، وعلى رأسها التجنيد الإجباري ونزع السلاح والضرائب الباهظة، أثارت موجة من التمردات الشعبية، أبرزها ثورة دروز حوران عام 1837 وثورة الجبليين اللبنانيين عام 1840. هذه السياسات، بالإضافة إلى التمييز الواضح في الجيش المصري ضد العنصر العربي (حيث لم يكن بإمكان العرب الوصول لرتب أعلى من ملازم)، جعلت الحكم المصري مكروهاً من الغالبية السنية، وحولت تعاطف الكثيرين نحو السلطان العثماني بصفته الخليفة الشرعي.

يتوج الكتاب بوصف الأحداث الدرامية التي أدت إلى انهيار الحكم المصري في سورية: وفاة السلطان محمود الثاني في حزيران (يونيو) 1839، ثم هزيمة الجيش العثماني في نصيبين بعد أيام، وخيانة الأسطول العثماني الذي سلم نفسه لمحمد علي. لكن هذا الانتصار المصري كان قصير الأجل، إذ تدخلت القوى الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها بريطانيا وروسيا والنمسا، التي رأت في تمدد محمد علي تهديداً لتوازن القوى في أوروبا. توج هذا التدخل بتوقيع معاهدة لندن في تموز (يوليو) 1840 دون مشاركة فرنسا، التي كانت داعمة لمحمد علي. اشترطت المعاهدة على محمد علي إخلاء سورية مقابل حكم وراثي لمصر وفلسطين، لكنه رفض متعصباً لفرنسا. بدأت العمليات العسكرية في آب (أغسطس) 1840 بإنزال القوات الحليفة (بريطانية، نمساوية، عثمانية) في شواطئ لبنان، وانضم إليهم الجبليون المتمردون. سرعان ما انهارت المقاومة المصرية، وانسحب إبراهيم باشا من سورية في شباط (فبراير) 1841، وأنهى محمد علي طموحاته التوسعية بقبول حكم مصر بالوراثة فقط.

يحتوي الكتاب على وقائع وأرقام وشهادات لافتة يصعب نسيانها، يدمجها بازيلي في سرده التاريخي بمهارة. من أبرزها حادثة إجبار العرب للأمهات الأسيرات على قطع الرضاعة الطبيعية لأطفالهن أثناء الفتح العربي، لئلا يشب الجيل الجديد متأثراً باللغة اليونانية، مما يوضح شمولية الغزو الثقافي والديني. كذلك نجد وصفاً مفصلاً لكهف في جبال لبنان اعتصم فيه الأمير فخر الدين المعني الثاني قبل أسره، وإعدامه في القسطنطينية عام 1635. يذكر بازيلي أن الأمير بشير الشهابي ظل تحت جثة عمه المشنوق أمام الجزار ليحافظ على سلطته، في مشهد يكشف قسوة الصراع العائلي. أما في معركة قونية، فيروي المؤلف أن ضباباً كثيفاً غطى الميدان فوقع الوزير الأعظم في الأسر، محولاً نصراً عثمانياً مؤكداً إلى هزيمة. وفي وصفه لتمرد الدروز، يورد أن إبراهيم باشا قاد جيشاً تعداده 55 ألف جندي ضد بضع مئات من الدروز المتحصنين في منطقة اللجاة البازلتية، فقتل منهم 15 ألف جندي قبل أن يضطر لاستخدام السم الزئبقي في مياه الآبار لإنهاء التمرد. يقدم بازيلي أيضاً إفصاحاً نادراً عن عدد الفارين من التجنيد الإجباري، حيث فر أكثر من 50 ألف سوري إلى الصحراء والأناضول، بينما لم يتمكن إبراهيم على مدى خمس سنوات من تجنيد أكثر من 55 ألف مجند من أصل مليون مسلم. أما على الصعيد المالي، فيذكر أن كنوز الجزار باشا بعد وفاته تجاوزت 10 ملايين روبل فضة، وأن واردات سورية خلال الحكم المصري كانت تقارب 5 ملايين روبل، لكنها كانت تلتهمها النفقات العسكرية التي تتطلب دعماً سنوياً من مصر يتراوح بين 6 و8 ملايين قرش.

يقر بازيلي في مواضع متعددة بحدود معرفته وتحفظاته، ويترك أسئلة مفتوحة دون إجابة قاطعة. فهو يعترف بأن إقامته في سورية لم تكن كافية لفهمها دون العودة للأحداث السابقة، ويمتدح المصادر القديمة كـسترابون ويوليبيوس وفلافيوس، بينما يهاجم بشدة الكتابات الغربية المعاصرة ككتاب لامارتين في ربوع الشرق، معتبراً أنها هراء وليس وصفاً حقيقياً للمنطقة. كما يطرح سؤالاً حاسماً ويتركه مفتوحاً: هل كانت سورية قادرة على حكم نفسها والاستغناء عن الأتراك؟ ويجيب ضمناً بأن مصير فخر الدين وضاهر العمر وفشل محاولات الاستقلال الأخرى تجعل الإجابة سلبية، معترفاً بوهن العناصر المحلية أمام آلة الدولة العثمانية ودسائسها. أما حول اعتناق الشهابيين للمسيحية، فيطرح روايتين متعارضتين دون حسم: القناعة الإيمانية مقابل السياسة المحضة، معترفاً بسرية هذا الاعتناق واستمرار الأمراء في إظهار الشعائر الإسلامية. وفي السياق نفسه، يقر بازيلي بأن تحليله لنية السلطان محمود الثاني اعتناق المسيحية يستند إلى شهادة "شخص مقرب جداً" فقط، مما يجعل هذا الادعاء مثيراً للجدل وضعيف السند. كذلك يفتح باب النقاش حول فشل بونابرت في عكا، مؤكداً أن اللبنانيين كان بإمكانهم تغيير مسار الحملة لو اتحدوا، لكن انقسامهم هو الذي أنقذ الجزار، وليس براعته أو مساعدة الإنجليز.

يحفل الكتاب بحجج قابلة للنقاش بوضوح، تعكس انحيازات المؤلف وموقفه السياسي. أبرزها موقفه الحاد من الكتابات الغربية عن الشرق، التي يعتبرها سطحية ومضللة، لكنه في الوقت نفسه يتبنى نظرة استشراقية واضحة تمجد الحضارة الأوروبية المتقدمة مقابل التخلف الآسيوي. كما أن تحليله للفشل المصري في سورية يلقي باللوم على السياسات القاسية لإبراهيم باشا واستهتاره بالمشاعر الدينية، بينما يتجاهل إلى حد كبير دور التدخل الأوروبي العسكري في إسقاط الحكم المصري. أما ادعاؤه الأكثر إثارة للجدل فهو أن السلطان محمود الثاني كان يخطط لاعتناق المسيحية، وهو ادعاء لا يستند إلى دليل تاريخي قوي بخلاف شهادة غير موثقة، ويعكس بوضوح انحياز بازيلي الروسي ورغبته في تصوير الدولة العثمانية على أنها كيان هش ومحتضر. وفي تحليله لخط غولخانة الإصلاحي، يصفه بازيلي بـ"الخزعبلات الدستورية" التي صممت لحماية فساد الوزراء بدلاً من إصلاح الدولة، وهو رأي متشائم يختزل الإصلاح العثماني في مجرد قناع للفساد. أخيراً، تأكيده على أن انقسام اللبنانيين هو من أنقذ الجزار في حملة نابليون، يحمل نقداً قاسياً للمجتمع المحلي ويتجاهل العوامل الأخرى كحجم الجيش الفرنسي وقدراته اللوجستية.

Chapitres(20)

1.مقدمة المؤلف للطبعة الأولى17–23▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل التمهيدي للطبعة الأولى من كتاب «قسطنطين بازيلي – سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني» مدخلاً يشرح فيه المؤلف دوافعه لكتابة هذا العمل، والسياق التاريخي المضطرب الذي كُتب فيه، ومنهجه في معالجة الموضوع. يقدّم بازيلي كتابه كدراسة تاريخية وعملية محايدة لمنطقة سورية، محاولاً تقديم صورة أمينة لقبائلها وحكومتها، بعيداً عن الانطباعات الشخصية أو الأوصاف الرومانسية السائدة.

يسير الفصل بتتبع الأحداث الكبرى التي هزّت الإمبراطورية العثمانية قبل وقت قصير من الكتابة. يشير بازيلي إلى وفاة السلطان محمود في غضون أسبوعين من حزيران (يونيو) عام ١٨٣٩، وتدمير جيشه في نصيبين على تخوم سورية، وخيانة الأسطول العثماني، مما وضع الإمبراطورية على حافة الانهيار. ويذكر أن ثلاث دول عظمى سبق وأن أرست أساس التدخل في الشرق بمعاهدة لندن عام ١٨٢٧ ومعركة نافارين. ويستعرض محاولات السلطان محمود الإصلاحية في عام ١٨٣٩ التي تمثلت في قانون غولخانة الدستوري، والتي رآها البعض محاولة لتحرير الدولة من عسف السلاطين، بينما رآها آخرون انحرافاً عن طريق الإصلاح الحقيقي. ثم يصف الأزمة الداخلية الثالثة في الشرق خلال اثنتي عشرة سنة، والتي تطورت إلى حرب في خريف عام ١٨٣٩ في سورية بعد رفض فرنسا المشاركة، وتكاد تؤدي إلى حرب أوربية كبرى.

أما منهج بازيلي في قوله، فيقوم على الملاحظة المباشرة والدراسة التاريخية المتعمقة. يقرّ بأن إقامته في سورية منذ عام ١٨٣٩ ومتابعته لأحداث معركة نصيبين لم تكن كافية لفهم ما يجري دون العودة إلى الأحداث السابقة والوقائع التاريخية. ويؤكد أن الحكايات القديمة، رغم أنها قد لا تبدو ذات صلة مباشرة، إلا أنها تفسر الظواهر الغامضة وربما تحل المسألة الشرقية الكبرى. ينتقد بازيلي المصادر المعاصرة لرحلات الشرق بشدة، وعلى رأسها كتاب رحلة لامارتين في ربوع الشرق، الذي يراه وصفاً للاحساسيس المسبقة للمؤلف وليس للمنطقة نفسها، ويصفه بأنه أغرق أوربا بالهراء. كما ينتقد الوثائق الإحصائية التي وضعها الدكتور بورينغ للحكومة الإنكليزية لكونها سطحية وركزت على الجوانب التجارية فقط. ويشيد بدلاً من ذلك بمؤلفات القدماء مثل سترابون ويوليبيوس وفلافيوس، ويرى فيها معلومات أصدق. ويخص بالذكر كتابَي الرحالة نيبور وفولني، معتبراً أن كتاب فولني الذي ألّف في الثمانينات من القرن الثامن عشر هو أروع ما صدر عن المنطقة لصدقه ونفاذ بصيرته إلى الحياة السياسية للقبائل.

يصف بازيلي عمله الخاص قائلاً إنه اعتمد، بالإضافة إلى الحكايات المحلية، على مدونات بسترس العربية التي ترجمها له حفيد المؤلف. ويوضح أنه تجنب بعناية الأوصاف الزاهية والطبيعة الجنوبية الخلابة التي قد تسحر القارئ، وأبعد عن كتابه ذكريات الماضي التي رافقته في جولاته، بما فيها شعور التبجيل في فلسطين. هدفه الوحيد هو تقديم مادة مفيدة للبحث في مصير الشرق من خلال التركيز على حياة القبائل السورية وحكومتها.

يتضمن الفصل بعض الحجج القابلة للنقاش، أبرزها موقف المؤلف الحاد من الكتابات الغربية عن الشرق، والتي يعتبرها سطحية ومضللة، مما يعكس رؤية استشراقية نقدية من داخلها. كما يطرح بازيلي سؤالاً محورياً حول مدى فائدة تدخلات الدول الكبرى في المنطقة، مشيراً إلى أن الحلول السهلة قد تكلف أوروبا الكثير من دماء شعبها وأموالها.

1.الفصل الأول24–38▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل التمهيدي من كتاب قسطنطين بازيلي دراسةً تأسيسية للبنية السياسية والاجتماعية في سورية تحت الحكم العثماني، مركزاً على السبب الجذري لاستمرار النظام الإقطاعي العربي رغم تعاقب الغزاة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن المجتمع السوري المعاصر هو نتاج مباشر للفتح العربي في النصف الثاني من القرن السابع، الذي أسس بنية إقطاعية قبلية لم تستطع الغزوات اللاحقة، ولا سيما العثمانية، اقتلاعها.

يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تتبع جذور هذا النظام وتطوره. يبدأ ببيان أن سيطرة اليونانيين والرومان لعشرة قرون لم تترك أثراً عميقاً في الحياة الخلقية والمدنية للبلاد، بينما نجح الفتح العربي في إسباغ بناء داخلي وأخلاق سياسية لا تزال باقية. يستشهد المؤلف بمثال صارم على نجاح هذا التغلغل: اجبار العرب الأمهات الأسيرات على قطع الرضاعة الطبيعية لأطفالهن لئلا يشب الجيل الجديد متأثراً باللغة اليونانية السائدة في المدن، مما يدل على أن الغزو المقترن بالوعظ الديني كان شاملاً وقاسياً. ويقارن ذلك باستخدام الأتراك في القرن الخامس عشر للأساليب نفسها في آسيا الصغرى، حيث استؤصلت اللغة اليونانية بينما صمدت المسيحية.

يشرح الفصل بعدها كيف أدخل الفتح العربي النظام الإقطاعي. إذ قام زعماء القبائل الذين خرجوا من شبه الجزيرة تحت رايتي أبي بكر وعمر بن الخطاب بتأسيس إمارات تدفع الجزية للخلفاء وتحكم داخلياً وفق العادات المحلية. يوضح المؤلف أن هذه المركزية الدينية لم تكن ذات مطامع إدارية، بل تركت الحقوق المحلية والقبلية سليمة، مستفيدة من الطبيعة الجبلية التي تلائم التجزئة الإقطاعية. ونتيجة لذلك، حافظت القبائل الريفية على مظهرها الشعبي ولغاتها وعاداتها، بينما تغلبت الحضارة الهلينية على سكان المدن فقط. يخلص إلى أن الفتح العربي أنعش العنصر العربي وأسبغ عليه وحدة جديدة، حيث أزاحت اللغة العربية وسرعان ما حلت محل اليونانية والكلدانية والسريانية والعبرية.

لتأكيد استمرارية هذا النظام، يقدم المؤلف أمثلة تاريخية مفصلة لأبرز العائلات الحاكمة. يذكر أن عائلة الشهابيين تحكم منطقة حوران منذ زمن الخليفة عمر، حين اقتطعت لابن الأمير الحارث من قبيلة مخزوم الذي استشهد في فتح دمشق. استمر حكم الشهابيين لخمسة قرون تقريباً، حتى أُرغموا في عام 1115م بقيادة 65 ألف شخص على النزوح إلى وادي التيم في جبال لبنان الشرقية، حيث حطموا الصليبيين وأقاموا عاصمتهم حاصبيا. ويقارنهم بعائلات أخرى مثل تنوخ وجمال الدين وعلم الدين ومعن. ويكشف عن وجود انقسام قديم بين الحزبين اليمنيين والقيسيين، موروث عن التنافس بين سكان اليمن والحجاز، حيث كانت عائلتا تنوخ وجمال الدين يمنيتين بينما أمراء معن كانوا قيسيين. وقد شكل هذا الانقسام أساساً للصراع السياسي اللاحق، خاصة مع قدوم الشهابيين كحلفاء قيسيين للمعنيين، ليخلفوهم في النهاية في الحكم بعد انقراض عائلة المعنيين في أواخر القرن السابع عشر.

ينتقل الفصل إلى شرح النظام الإداري والمالي العثماني بعد الاستيلاء على سورية عام 1517م. يوضح أن السلطان سليم ثبت الأمراء المحليين في أقطاعاتهم بعد أن ساعدوه بفضل أسلحتهم، بينما فر الأمراء المخلصون للحكم المصري. ونتيجة لذلك، لم يخضع للحكم التركي المباشر سوى عدد قليل من المدن وضواحيها، بينما بقيت بقية البلاد، وخاصة الجبلية، تحت حكم أمرائها المتوارثين. يصف المؤلف النظام المالي بأنه بسيط ويقوم على قانوني التوازن والمقاومة، حيث كان الباشا يدفع مبلغاً ثابتاً من الاتاوة للباب العالي مقابل تحصيل ما يشاء من أبناء منطقته. هذا النظام جعل حياة المواطن تحت رحمة السلطة المحلية، وكانت المحكمة الوحيدة بين المحكومين والحاكمين هي السلاح والتمرد. ويخلص إلى أن نتيجة هذه الإدارة كانت تحلل العائلات الحاكمة، حيث دخلت المكائد وقتل الإخوة في الأخلاق الاجتماعية.

يُركز باقي الفصل على مسار الأمير فخر الدين المعني الثاني الذي أصبح تجسيداً للصراع بين العنصرين العربي والتركي. بدأ حكمه مطلع القرن السادس عشر وامتد نفوذه من نهر الكلب إلى جبال الكرمل، وشمل صيدا وبيروت. بعد معاهدة تجارية مع دوق توسكانا فرديناند الأول عام 1504م، وإعداده جيشاً نظامياً، استثار حفيظة أحمد حافظ باشا الدمشقي الذي حاربه بأمر السلطان في عام 1535م، مما أجبر فخر الدين على الفرار إلى إيطاليا لخمس سنوات. بعد عودته عام 1548م، وصلت إمارته ذروتها، ممتدة من جبال بشرّي وعكار ونهر العاصي إلى نهر الأردن وصفد وطبرية، معترفاً بسلطته باشوات حلب وطرابلس ودمشق. لكن الباب العالي قرر خلعه في عهد السلطان مراد، فحاصره جيش بري بقيادة خليل باشا وأسطول بحري بقيادة جعفر باشا، وأسره من كهف في جبال لبنان، ثم أُعدم في القسطنطينية عام 1635م.

يختتم الفصل بعرض ما تلا سقوط فخر الدين من صراعات متكررة بين الحزبين اليمنيين والقيسيين، واستغلال الباشوات لهذا الانقسام لتوطيد حكمهم من خلال تأجيج الخصومات. ورغم ذلك، يقر المؤلف أن متانة العناصر المحلية جعلت نفوذ الأمراء يعود كلما هدأت العاصفة التركية. ويطرح في النهاية سؤالاً حاسماً يظل مفتوحاً طوال الفصل: هل كانت سورية قادرة على أن تحكم نفسها وتستغني عن الأتراك؟ يجيب الفصل ضمناً بأن مصير فخر الدين، الذي كان يمكنه أن يصبح رئيساً لفيدرالية القبائل ويطيح بالحكم العثماني، يجعله يشك في ذلك، مما يدل على وهن وتفكك العنصر العربي تدريجياً مقابل النجاحات المستمرة للنظام التركي، معترفاً بحدود القوة المحلية أمام آلة الدولة العثمانية بمركزيتها ودسائسها.

2.الفصل الثاني39–70▼ résumé

بعد انتهاء سلالة المعنيين بموت الأمير أحمد في سنة 1697م، انتخب شيوخ الدروز الأمير بشيراً من عائلة الشهابيين حاكماً على لبنان، وذلك رغم وجود حفيد لأحمد المعني هو الأمير حيدر، لكن قاعدة الوراثة السياسية في القبائل الآسيوية كانت تقوم على اختيار الأجدر وليس الأقرب. وافق باشا صيدا على هذا الانتخاب بشرط أن يتعهد الحاكم الجديد بدفع ديون سلفه، لكن الباب العالي أمر بأن يكون الأمير حيدر هو الخلف مع تعيين بشير وصياً عليه بسبب صغر سنه. وهكذا ورث الشهابيون عن المعنيين عاداتهم القديمة، بما فيها الفتن العائلية ودسائسهم للتقرب من الباشوات، مما ضمن نجاحات كبيرة للجبروت التركي في سورية.

بدأ أول الشهابيين، سعياً لرضا الباشوات، بحملة مدمرة على قبائل المتاولة في جنوب لبنان، وسلم شيوخهم إلى باشا صيدا الذي كافأه بإدارة جبل صفد. ثم استغل الشقاق بين باشا طرابلس والمتاولة ليضع منطقتي جبيل والبترون تحت حكمه، موسعاً ممتلكاته إلى الحدود التي وصل إليها فخر الدين المعني. لكن هذه السياسة التملقية قادت لتدخل الباشوات في شؤون لبنان الداخلي. حكم الأمير بشير عشر سنوات ثم مات مسموماً في وليمة بتحريض من ابن أخيه حيدر، الذي أصبح بالغاً واستلم الحكم.

شهد عهد الأمير حيدر انفصال صفد عن إمارة لبنان، وتولي ظاهر العمر حكمها، والأهم كان الصراع الأخير بين الحزبين: اليمنيين والقيسيين. ثار الشيخ محمود أبو هرموش من اليمنيين، وعينه الباب العالي باشا على جبل لبنان بدعم من باشا صيدا. فرّ الأمير حيدر إلى كسروان واختبأ في كهف بجبل صنين لمدة عام. حين نضجت النقمة ضد الباشا الجديد، خرج حيدر مع القيسيين وهاجم قوات الباشا في عين داره وهزمه هزيمة منكرة، قتل فيها ثلاثة أمراء من بيت علم الدين، آخر أمراء اليمنيين، وقطع رأس الأمير محمود باشا. أدت هذه المعركة إلى القضاء على حزب اليمنيين وتثبيت حكم الشهابيين، لكنها أوجدت الحاجة لدى الأمراء لشق صفوف أنصارهم على غرار السياسة التركية، فبدأ بذلك نشوء حزبي اليز بكيين والجنبلاطيين بين الدروز، اللذين ظلا يتنافسان لاحقاً.

كافأ الأمير حيدر أنصاره بمنح الأراضي: أعطى ناحية جزين للشيخ قبلان القاضي، ثم انتقلت أرضه بعد وفاته إلى أسرة جنبلاط. كما انتزع نصف أراضي آل أرسلان لفائد آل تلحوق، وجعل شيوخ آل أبي اللمع أمراء متوارثين زوجهم من عائلته. ويشير الفصل إلى صرامة العادات الطبقية في الزواج بين النبلاء اللبنانيين، وهي عادات نجد جذورها في الكتاب المقدس.

تولى الأمير ملحم الحكم عام 1745م، فعاقب المتاولة وأطاع السياسة التركية، فكافأه باشا دمشق بمدينة بيروت. لكن شعبيته كانت منعدمة لدرجة أن مرضه أثار أفراحاً بين الناس، فتنازل لشقيقيه منصور وأحمد. لكنه دبر المؤامرات ضدهما من القسطنطينية، مما زرع الشقاق الذي استمر خلال مجاعة ضربت البلاد. في النهاية، نجح الشيخ عبد السلام عماد في التوفيق بين الأخوين، ثم تزوج الأمير قاسم بابنة الأمير منصور والتي أنجبت الأمير بشير المشهور لاحقاً. سرعان ما عاد الصراع بين منصور وأحمد، فانتصر منصور بدعم من الجنبلاطيين وتفرد بالحكم سنة 1750م.

ظهر هنا الأمير يوسف بن ملحم ذو المواهب، والذي كفل تربيته سعد الخوري، وهو ماروني الأصل. يشير الفصل إلى أن الموارنة بدأوا بصعودهم السياسي من خلال هذه النقطة، وصاروا بالتدريج تابعين موثوقين لدى الأمراء والباشوات، بعد أن كانوا سابقاً خاضعين للدروز. عندما صادر الأمير منصور أراضي ابن أخيه يوسف، شكّل يوسف حزبه بمساعدة وليه واكتسب صداقة الجنبلاطيين. وعينه باشا دمشق حاكماً على جبيل ذات الغالبية المسيحية، حيث كسب ولاءهم بكبح شيوخ المتاولة المكروهين.

بعد هذه الأحداث، ينتقل الفصل إلى ساحة أوسع تشمل شبه جزيرة العرب ومصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. ففي شبه الجزيرة، ظهرت طائفة الوهابيين بقيادة محمد بن عبد الوهاب داعية التوحيد الخالص، والتي تبناها الأمير ابن سعود. اجتاحت الحرب شبه الجزيرة، ونهب الوهابيون مقدسات المسلمين في مكة والمدينة ومشهد الحسين في كربلاء عام 1801م، وأغلقوا طرق الحج مما أثار الرعب في القسطنطينية وأضعف هيبة السلاطين. في مصر، كان المماليك لا يزالون القوة الفعلية تحت الحكم العثماني، يتراوح عددهم بين 10 و 25 ألفاً ويقودهم 24 بيكاً، لكنهم لم يخلفوا ذرية في مصر، وهي ظاهرة نادرة استمرت ثمانية قرون.

في هذه الأثناء، برز نجم الشيخ ضاهر العمر من آل أبي زيدان. بعد وفاة والده، بنى ضاهر نفوذه بصمود في وجه الدسائس وأصبح شيخاً على صفد. حوالي عام 1750م استولى على عكا التي كانت قرية صغيرة وحولها إلى نقطة عسكرية وتجارية مزدهرة، بسط الأمن وجذب المزارعين حتى من قبرص، وتمتع بالتسامح الديني. قوّى علاقاته مع قبائل المتاولة بقيادة الشيخ ناصيف نصار، وأرسى تحالفاً معهم، وسعى لتنظيم مدني للمنطقة. رغم أن الباب العالي راقبه بغريزته، إلا أنه منحه الوقت ريثما يتمكن، وأرسل إليه باشا دمشق عثمان باشا لقتله. لكن ضاهر هاجمه أولا عند نابلس، بدأً لسلسلة من الأعمال العدائية.

وجد ضاهر نفسه بحاجة لحلفاء، فتوجه إلى علي بيك المصري الذي أرسل له جيشاً بقيادة إسماعيل بيك احتل غزة والرملة. ثم أرسل علي بيك في العام التالي قوة بقيادة محمد بيك أبو الدهب، فاتحدا ودمروا جيش عثمان باشا أمام دمشق وأحتلوها عام 1771م، وخضعت فلسطين وجنوب سورية للمصريين. لكن سرعان ما انسحب البيكان المصريان من دمشق فجأة بتحريض من موظف عثماني، خوفاً من غضب السلطان وخيانة منهما لعلي بيك. سقطت خطة ضاهر، في حين لجأ الأمير يوسف اللبناني إلى جانب الباشا ضد عمه منصور الذي تحالف مع ضاهر، مما مكن يوسف من استلام حكم لبنان.

لم يلبث أن خان محمد بيك واسماعيل بيك سيدهما علي بيك في مصر، فهرب علي بيك إلى ضاهر في سورية. في هذه الفترة، ظهر الأسطول الروسي قبالة الشواطئ السورية لدعم علي بيك وضاهر ضد الأتراك، فقصفوا بيروت وحاصروها. في نفس الوقت، أصبح السوريون منهمكين في صراعهم مع الجزار الذي أوكله الاتراك للدفاع عن بيروت. بعد مفاوضات، استسلم الجزار وغادربيروت على متن سفينة روسية. توجه ضاهر وعلي بيك إلى فلسطين ثم إلى مصر، لكن المصريين خانوا علي بيك مرة أخرى وقتلوه عام 1773م.

بعد أن هدأت الحرب مع روسيا، سعى الباب العالي لعقد صلح مع ضاهر، وعرض عليه الحكم الوراثي على فلسطين ونصف سورية، مع وضعه تحت إشراف أمير لبنان لزرع الشقاق بينهما. لكن ابناء ضاهر نصحوه برفض العرض، وتباطأت المفاوضات بسبب جشع خازنه المسيحي. ثم دخل محمد بيك أبو الدهب سورية بجيش كثيف عام 1775م، واحتل يافا وعكا، فاختفى ضاهر في حوران. لكن محمد بيك مات فجأة قبل أن يكمل حملته، فعاد ضاهر إلى عكا. في السنة التالية، أرسل الباب العالي القبودان باشا حسن لإنهاء الأمر، فطلب ضرائب متأخرة. اختلف ضاهر مع ابنائه، وخان قائده المغربي د. نغيزلى بقية أمره، وأطلق عليه رصاصة من المغاربة قتلته وهو في التسعين من عمره. انتهت بذلك حياة ضاهر العمر الذي كاد يؤسس مملكة عربية، وانهارت عائلته بعد أن قتل أكثر أبنائه أو سجنوا، باستثناء علي الذي استمر في المقاومة إلى أن قتل بالخيانة هو الآخر.

يختم الفصل بأن هذه الأحداث لم تكن سوى حوادث داخلية بين الباشوات والقبائل، وليست انتفاضات وطنية. فالجمهور العربي في سورية ومصر حافظ على تقاليده ولغته، لكن النواة القومية العربية قد غابت تماماً بعد مقتل آخر رجالها، وأهمها الشيخ علي ضاهر، بعد أن لجأت القبائل العربية إلى البادية لتحتفظ بحكايات الحرية.

3.الفصل الثالث71–82▼ résumé

الموضوع المحوري لهذا الفصل هو تدهور الأوضاع في إمارة جبل لبنان تحت حكم الأمراء الشهابيين خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وكيف استغل أحمد الجزار باشا، والي عكا وعاصفة البلاد، هذا التدهور لبسط نفوذه وسلب البلاد. يقدم المؤلف قسطنطين بازيلي إجابة واضحة: لقد تحول لبنان إلى ساحة صراع دامٍ بين أفراد الأسرة الشهابية الواحدة، حيث أطاح كل أمير بمنافسيه من أخوته وأقاربه بدم بارد، مما جعل الجبل فريسة سهلة لطموحات الجزار ووحشيته.

يسير الفصل خطوة خطوة بتسلسل زمني تقريباً، شارحاً كيف تحولت سياسة الأمراء إلى دوامة من العنف والخيانة. يبدأ الفصل بظهور الجزار الذي لم ينس تعاونه السابق مع الأمير يوسف الشهابي ضد ظاهر العمر، بل استخدمه ذريعة للانتقام وإذلال الأمير. يوضح المؤلف كيف كان الجزار، بعد أن زار الأمير يوسف في دير القمر بحجة التكريم من قبل القبودان باشا، بدأ بفرض ضرائب باهظة على الجبليين، مما أثار سخطهم. ثم يجبر الأمير يوسف على التنازل عن الحكم لأخويه سعد الدين وأفندي، ليعود بعد أن يدبر تمرداً، مما يزيد من الاتاوة للجزار.

تتوالى الفظائع: يقطع الأمير يوسف رأس أحد أخويه بيده في قصره، ويشتري حماية الجزار بأموال طائلة، ويستمر في إشعال الفتن بين الحزبين الرئيسيين، اليزبكيين والجنبلاطيين. يذكر المؤلف أمثلة صارخة على وحشية الجزار، مثل إرسال مصطفى أغا الكردي مع 500 جندي لنهب المناطق اللبنانية لعدة أشهر، وصولاً إلى حملته على قبائل المتاولة في عام 1185 بجيش قوامه 15 ألف جندي، حيث قُتل شيخهم ناصيف نصار. يشرح الفصل الاستراتيجية المزدوجة للجزار: إلهاء الجبليين بالصراعات الداخلية لتقوية سلطته ومضاعفة الضرائب، ثم يورد تفصيلاً لمأساة قبائل المتاولة التي سلمها الأمير يوسف غدراً للجزار بعد صلحه معه، وهو انتهاك صارخ لحقوق الضيافة.

يتطور الصراع داخل الأسرة الشهابية لتصل ذروته بالمزايدة العلنية على رأس الأمير يوسف. الأمير بشير، ابن أخ يوسف، يعرض على الجزار ضعف ما يعرضه يوسف ليكون حاكماً، بشرط أن يشنق عمه. يوافق الجزار، ويشنق الأمير يوسف في عام 1790. يصف المؤلف هذا المشهد بقسوته: "صار بشير تحت جثة عمه المشنوق ليحافظ على سلطته". ينتقل الفصل إلى وصف حكم الأمير بشير الذي لم يختلف عن أسلافه، إذ أثار تمرداً عاماً ضده في عام 1791، مما اضطره للفرار، لكن الجزار يعيده إلى الحكم عام 1793 ليجبي أموالاً طائلة ويقضي على خصومه، مثل عائلة أبي نكد الدرزية التي لم ينج منها سوى طفلين صغيرين.

يتحول مسار الفصل بعد ذلك بشكل درامي إلى الحملة الفرنسية على سورية في عام 1799 بقيادة بونابرت. هنا يظهر الفشل الذريع للسياسة العثمانية. فرغم نداء السلطان للجهاد ضد الفرنسيين، كان الشعب السوري لا مبالياً بسبب ظلم الباشوات كالجزار. يصف المؤلف كيف انشغل الجزار بخصوماته مع باشا دمشق حتى أنه كان ينهب نفس المناطق التي يفترض أن يدافع عنها. عندما حوصرت عكا بمساعدة الأميرال الإنجليزي سيدني سميث، بقي الجبليون اللبنانيون متفرجين، في حين أن الأمير بشير تردد في الانحياز لأي طرف، منتظراً نتيجة الحصار. يشرح المؤلف أن الموارنة الذين كانوا يميلون لفرنسا قد صورهم رجال دينهم بصورة بشعة خوفاً من الثورة، وأن الدروز كانوا مستعدين للانسحاب إلى الجبال، مما شلّ أي عمل جماعي من شأنه أن يغير مسار الحملة.

يعترف المؤلف بشكل واضح بحدود هذه القبائل التي أصبحت مشلولة سياسياً. ويطرح سؤالاً مفتوحاً جوهرياً: "لو أن القبائل اللبنانية... استطاعت أن تعمل بروح واحدة... لاستولى بونابرت في غضون عدة أسابيع على كل المنطقة". يقر المؤلف بأن الفكرة الشائعة في أوروبا، والتي تقول أن فشل بونابرت أمام عكا أنقذ تركيا وأسيا، هي مبالغ فيها. ويرفض بازيلي بشدة فكرة أن نابليون كان يخطط لغزو الهند أو تغيير دين العرب، ويصف هذه الأحلام بأنها مجرد دعاية أطلقها نابليون لإلهاء الإنجليز وإبهار الغرب. بدلاً من ذلك، يرى المؤلف أن التأثير الحقيقي الوحيد للحملة كان بصرياً: إظهار تفوق الجيوش الأوروبية المنضبطة على الجيوش الآسيوية.

في الفقرة الأخيرة من التحليل، نجد أن حجة بازيلي الرئيسية في هذا الفصل قابلة للنقاش بشكل واضح. هو يرى أن عجز اللبنانيين عن الاتحاد هو الذي أنقذ الجزار والسلطنة، وليس براعة الجزار الدفاعية أو مساعدة الإنجليز. هذه قراءة تحمّل المجتمع المحلي مسؤولية فشل حملة قوة أوروبية عظمى، وهو منظور ينطلق من إيمان المؤلف بتفوق الحضارة الأوروبية في ذلك الزمن، لكنه يظل تحليلاً مثيراً للجدل حول طبيعة القيادة المحلية وتأثير الإرث الثقيل من الفتن والصراعات. الخلاصة أن هذا الفصل هو لوحة مأساوية متقنة عن كيف يمكن للصراع الداخلي المستمر أن يجعل أمة بأكملها، مهما كانت شجاعة أفرادها، ضعيفة وعاجزة أمام طاغية أو طموحات إمبراطورية.

4.الفصل الرابع83–99▼ résumé

يتركز الفصل الرابع من كتاب قسطنطين بازيلي على فترة الاضطراب والفوضى في سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني، مسلطاً الضوء على الصراع على السلطة بين الحكام المحليين، وأبرزهم أحمد الجزار باشا عكا، وصعود نجم الأمير بشير الثاني الشهابي حاكم جبل لبنان. يبين المؤلف أن سورية كانت "فريسة طيّعة" لأي فاتح، وأن الحفاظ على السيطرة فيها كان أصعب من احتلالها، حيث كان الولاة العثمانيون يكتفون بالجزية ويتغاضون عن التمردات.

يسير الفصل بتسلسل زمني، مبتدئاً بعد فشل حملة نابليون بونابرت على عكا، حيث أطلق الجزار حملة انتقامية ضد المتعاونين مع الفرنسيين، مستهدفاً بشكل خاص الأمير بشير لوقوفه موقف المتفرج. وفي الوقت نفسه، وصل الوزير الأعظم يوسف ضياء باشا على رأس جيش قوامه 100 ألف مقاتل، ومنح الأمير بشير لقب "الحاكم بالوراثة" لمناطق واسعة من لبنان والبقاع، لكن هذا القرار ظل حبراً على ورق أمام سيطرة الجزار الفعلية.

يفصل الكتاب مراحل الصراع بين الأمير بشير وأبناء عمه الذين أرسلهم الجزار ضده، مما اضطر بشير للفرار والالتجاء إلى الكومودور الإنجليزي سيدني سميث، ثم إلى الوزير الأعظم في غزة. رفض الأمير عرضاً بالاستيلاء على لبنان بقوة عسكرية، مفضلاً انتظار وعد بإزاحة الجزار. وفي غيابه، أشعل الجزار الفتن في الجبال، وجبى الأتاوات قسراً، وامتد نفوذه ليشمل مناطق من دمشق وطرابلس ونابلس، مقدماً رشاوى لوجهاء العاصمة لمنع أي نجاح للوزير الأعظم في مصر.

يصف بازيلي حالة الفوضى التي سادت بعد فشل حملة مصر، حيث قام الباب العالي بتعيين باشوات جدد في حماة وحمص، لكنهم طردوا من قبل شيوخ محليين. كانت قافلة الحجاج تتعرض لهجمات البدو والوهابيين، مما دفع الديوان للتفكير في تعيين الوزير الأعظم حاكماً مطلقاً على سورية، لكن قضايا أوروبا والحرب مع روسيا حالت دون التنفيذ. وفي هذه الأثناء، عاد الأمير بشير ليجد الجبليين قد سئموا من حكم أبناء عمه الفاسد، فبايعوه مجدداً، وانتهت الفتنة بتسوية قبل عام من وفاة الجزار، اعترف بموجبها حاييم الصيرفي اليهودي، نيابة عن الجزار، بالأمير بشير أميراً على لبنان نظير دفع مبالغ طائلة.

مع وفاة الجزار في نيسان (أبريل) عام 1804، يتسارع السباق على خلافته. يوضح المؤلف كيف أن الباب العالي، رغم رغبته في التخلص من الجزار، كان عاجزاً عن ذلك، بل واضطر لانتظار موته الطبيعي. خلفه اسماعيل باشا الذي اشترى ولاء الجيش، لكن سرعان ما حاصره متنافسان هما ابراهيم باشا الحلبي وسليمان باشا قائد جيش الجزار. انتهى الأمر باستسلام اسماعيل بعد خيانة حرسه، وانتقال كنوز الجزار الضخمة (أكثر من 10 ملايين روبل فضة أرسلت للعاصمة) إلى خليفته سليمان بمساعدة الصيرفي حاييم.

ينتقل الفصل إلى فترة حكم سليمان باشا التي شهدت هدوءاً نسبياً، مما أتاح للأمير بشير ترسيخ حكمه. قام بقمع الأتباع المتمردين، وتخلص من وزيره الماروني جرجس باز وحليفه الآخر عبر مؤامرة دفع ثمنها بعض أقاربه بالقتل أو الإعماء. ويخلص بازيلي إلى أن هذه الفترة شهدت بدء ارتقاء نجم الأمير بشير، حيث ضم إليه مناطق جديدة مثل جبيل ووادي البقاع الخصيب، وتفرغ لبناء قصره الفخم في بيت الدين وجلب المياه إليه من مسافة عشرين كيلومتراً، معتمداً على نظام ضريبي أكثر اعتدالاً أكسبه امتنان الشعب.

في القسم الأخير، يخصص الفصل مساحة كبيرة لتحليل "اعتناق الشهابيين المسيحية"، معتبراً إياه تطوراً سياسياً ودينياً مفصلياً. يطرح المؤلف روايتين: الإيمان القناعي مقابل الاعتبارات السياسية لضمان البقاء وسط الأغلبية المسيحية في لبنان. يصف كيف كان الأمير بشير أول حاكم يعتنق المسيحية ضمناً، لكنه أبقى دينه سراً حتى في عهد الحكم المصري المتسامح، مراعياً شعائر الإسلام العلنية كالصيام والصلاة. يشير بازيلي إلى أن هذه السرية كانت ضرورية لتفادي "الصاعقة المسلطة على ذرية محمد التي تخون الإسلام"، ويقدم أمثلة على غرابة الوضع حيث كان القس الكاثوليكي يقيم القداس في القصر بحجة أن زوجة الأمير مسيحية، بينما يمتنع الأمير عن شرب الماء في حر الصيف احتراماً لشهر رمضان.

يناقش الكاتب الحجج القابلة للنقاش حول هذا الموضوع، متبعاً أسلوباً تحليلياً. ينتقد وجهة نظر الشاعر لامارتين الذي اعتبر الأمير بلا قناعة داخلية، ويدافع عن صدق إيمان بشير مستشهداً بأمثلة مثل امتناعه عن الزواج ثانية أثناء مرض زوجته الأولى. في الوقت نفسه، يعترف بازيلي بأن أعمال الأمير القاسية (كالقتل والإعماء) لا تتفق مع روح المسيحية، لكنه يعلل ذلك بتسامح الكنيسة الكاثوليكية مع الإجراءات السياسية. ويختتم الفصل بالتأكيد على أن اعتناق الأمراء للمسيحية فتح عهداً جديداً للموارنة، وجذب إليهم انتباه أوروبا، لكنه كان أيضاً بذرة للصراعات الطائفية التي هزت لبنان لاحقاً بالدماء.

5.الفصل الخامس100–122▼ résumé

بدأ الفصل الخامس من كتاب قسطنطين بازيلي بتأكيد فكرة أن الصراع في جبل لبنان لم يكن مجرد تنافس بين حزبين أرستقراطيين، بل كان صراعاً شعبياً بين قبائل مختلفة المعتقدات الدينية. يشير المؤلف إلى أن اعتناق الأمراء الشهابيين للمسيحية لم يكن راسخاً، فبعد عزل الأمير بشير الشهابي ونفيه إلى القسطنطينية وآسيا الصغرى، عاد معظم أبنائه وأحفاده إلى الإسلام في عامي 1853 و1855. ورغم ذلك، حافظت فروع عائلة الشهابيين في شرق لبنان على علاقاتها بالأمير بشير واعترفت بسيادته. يصف بازيلي حكم الأمير بشير الذي استمر 55 عاماً، مشيراً إلى أن فترتي السلام فيه (من 1805 إلى 1819 ومن 1835 إلى 1848) تزامنتا مع حكم سليمان باشا العادل في عكا والحكم المصري، بينما تخللت فترات حكمه الأخرى اضطرابات تحت حكم باشوات آخرين.

يركز الفصل بعد ذلك على شخصية عبد الله باشا، خليفة سليمان باشا في عكا. يوضح بازيلي كيف تآمر عبد الله الشاب مع الصيرفي اليهودي حاييم لوراثة الباشوية، مستفيداً من خبرة حاييم المالية وعلاقاته في العاصمة. بعد أن حصل عبد الله على فرمان التعيين، انقلب على حاييم وأمر بخنقه والاستيلاء على أمواله. يصف الكاتب عبد الله بأنه شاب متقلب، متعصب، وطموح، حذا حذو الجزار باشا في القسوة. يشرح الفصل كيف تسبب طمع عبد الله في إثارة اضطرابات في جبل لبنان، حيث دفع الأمير بشير لجمع غرامات باهظة من القرويين، مما أدى إلى انتفاضة فلاحية كبرى في شمال لبنان عام 1825، قادها فلاحو كسروان وجبيل وجبة بشرى، وكادت تقضي على الأمير لولا تدخل حليفه الشيخ بشير جنبلاط على رأس ثلاثة آلاف درزي. سحق الأمير والشيخ جنبلاط التمرد بوحشية.

يتطرق بازيلي إلى طموحات عبد الله التوسعية، حيث كان يطمع في ضم دمشق والقدس إلى باشويته، مستهدفاً ثروات المقدسات المسيحية هناك. يصف الفصل محاولة عبد الله الفاشلة للاستيلاء على دمشق عام 1821 بإيعاز من الأمير بشير، والتي أحبطها باشا دمشق درويش باشا بحكمة وصرامة. يتابع الكاتب أحداث تمرد عبد الله على السلطان العثماني محمود الثاني مرتين، وكيف فشلت الحملات العثمانية ضده بسبب تحصينات عكا القوية. في هذه الأثناء، يظهر محمد علي باشا، حاكم مصر، كوسيط لحل النزاع، وكان يخفي أطماعه في السيطرة على سورية خلف قناع المساعدة.

يصف الفصل بعد ذلك المؤامرات السياسية في جبل لبنان، حيث بدأ الأمير بشير، بعد عودته من مصر، في التخلص من حلفائه القدامى واحداً تلو الآخر لتعزيز سلطته المطلقة. يوضح كيف استغل الأمير الخلاف التاريخي بين الحزبين الدرزيين، اليز بكيين والجنبلاطيين، فأباد اليز بكيين أولاً بمساعدة حليفه الشيخ بشير جنبلاط، ثم انقلب على الشيخ بشير نفسه. فرض الأمير غرامة طائلة على الشيخ، ثم حرضه على التمرد وسحقه بجيش من اليز بكيين وجنود عبد الله باشا. قام الأمير بتدمير قصر الجنبلاطيين في المختارة، وتم القبض على الشيخ بشير في حوران وخنق في سجن عكا بإصرار من محمد علي باشا. كما قام الأمير بتصفية عائلة أمراء ارسلان، مما أشعل حروباً لاحقة بعد سقوط حكمه.

يركز النصف الثاني من الفصل على الحملة المصرية على سورية بقيادة إبراهيم باشا ابن محمد علي. يشرح بازيلي الأسباب التي دعت محمد علي لغزو سورية، ومنها رفض عبد الله تسليم الفلاحين المصريين الهاربين من التجنيد ورفضه دفع دين قديم. في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 1831، عبرت القوات المصرية صحراء السويس وتقدمت بسرعة عبر فلسطين، مستقبلة بحفاوة من السكان المحليين. يحلل الكاتب أهداف محمد علي الطموحة تجاه سورية، والتي كانت تهدف لإنشاء حكم مركزي قوي على حساب الفوضى التي أحدثها الباشوات المتمردون.

يصف الفصل بالتفصيل حصار عكا الذي استمر سبعة أشهر (من تشرين الثاني/نوفمبر 1831 إلى أيار/مايو 1832). يوضح صعوبات الحصار بسبب مناعة المدينة، وأخطاء المصريين الأولية، والأمطار الغزيرة، وهجمات الحامية الألبانية الجريئة. في غضون ذلك، قام إبراهيم باشا بتوسيع سيطرته على المدن الساحلية مثل صور وصيدا وبيروت وطرابلس، وأظهر حزماً وتسامحاً دينياً أكسبه تأييد السكان المسيحيين والمسلمين على حد سواء. كما تمكن إبراهيم من ضمان ولاء الأمير بشير بعد أن تبين له أن الباب العالي لن يساعد عبد الله.

يبرز الفصل أهمية قرار إبراهيم باشا التاريخي بإلغاء جميع الضرائب والكفارات التي كانت تثقل كاهل المسيحيين واليهود في القدس. يصف بازيلي الاضطهاد المالي الممنهج الذي كان يمارسه الباشوات الأتراك ضد الأديرة المسيحية، وخاصة دير القبر المقدس، حيث كانت تفرض عليه ضرائب سنوية باهظة وكفارات على الحجاج وغرامات تعسفية، مما أدى إلى إفلاسه ووقوعه في ديون طائلة. يؤكد الكاتب أن إلغاء هذه الابتزازات لم يكن مجرد كلام، بل نفذه إبراهيم بصرامة، فقطع أيدي المخالفين وضمن سلامة الحجاج، مما زاد أعدادهم بشكل كبير.

يتناول الفصل رد فعل الباب العالي العثماني الذي تأخر في التحرك ضد محمد علي. في النهاية، قرر السلطان محمود الثاني إعلان الحرب على محمد علي، وأرسل جيشاً بقيادة الآغا باشا حسين، حاملًا فرماناً لعن محمد علي وابنه وأمر بتطهير سورية. يصف بازيلي المعارك بين الجيشين، وينتهي الفصل بسقوط عكا في 15 أيار (مايو) 1832 بعد هجوم أخير يقوده إبراهيم بنفسه. تم أسر عبد الله باشا وإرساله إلى مصر ثم إلى القسطنطينية. يختتم الكاتب الفصل بإحصاء الخسائر المصرية في الحصار (خمسة آلاف قتيل)، ويشير إلى الثروات التي غنمها الجيش المصري في عكا، واصفاً الحكم المصري في سورية الذي بدأ بهذا الانتصار. يقدم الكاتب تحليلاً لـ "التمرد الشرقي" موضحاً تناقضاً غريباً: رحبت المناطق الخاضعة للحكم العثماني المباشر بالمصريين كمنقذين، بينما تعلقت المناطق تحت السيطرة المصرية أكثر بالسلطان الشرعي.

6.الفصل السادس123–142▼ résumé

بدأت أحداث هذا الفصل بزحف إبراهيم باشا من عكا نحو دمشق، عابراً نهر الأردن عبر جسر يعقوب. تخلى علي باشا الدمشقي عن فكرة الدفاع عن المدينة، واكتفى بوضع فصائل صغيرة أمام المصريين تراجعت فور ظهورهم، ثم انسحب هو إلى حمص. دخل إبراهيم دمشق دون مقاومة ولقي استقبالاً حافلاً من السكان الذين كانوا يخشون غضب السلطان. أوضح المؤلف هنا طبيعة هذا التمرد الخاص في الشرق، حيث لا يتمرد الباشوات على السلطان كخليفة، بل على الحكومة التي عينها. وأكد إبراهيم ولاءه الظاهري للسلطان بإصراره على أن تُتلى صلاة الجمعة باسمه، وعاقب بشدة من شكك في إخلاصه.

ثم انتقل المؤلف لتحليل الإطار السياسي الأوسع، ملقياً الضوء على الأسباب التي أوهنت الإمبراطورية العثمانية. يرى بازيلي أن الباب العالي تسبب عمداً في سقوط عكا، معتقداً أنها أداة لعقاب عبدالله باشا، لكنه أخطأ في حساب العواقب. كانت عكا حصناً لسورية، وسقوطها دعم سلطة إبراهيم على القبائل السورية. يرى المؤلف أن المشكلة الجوهرية تكمن في الصلاحية الواسعة التي منحها السلاطين لولاتهم في المناطق، مما شكل كونفيدرالية من الطغاة المسلحين الذين يعترفون بالسلطان كزعيم روحي لكنهم لا يخضعون لحكومته إلا لمصالحهم. يقارن المؤلف الإمبراطورية العثمانية بـروما، فالأخيرة استطاعت استيعاب الشعوب المقهورة بقوانينها المدنية، بينما أقام العثمانيون حاجزاً لا يمكن تجاوزه بين المنتصرين والمنهزمين، معتمدين على النظام الإقطاعي ليديروا قبائلهم من موقع الغريب المسلح، مما أدى إلى فوضى مطلقة تحت حكم استبدادي اسمي.

بعد تلك الخلفية، عاد السرد لوصف العمليات العسكرية. أقام السردار أكرم (القائد العام) مقره في خليج إسكندرون، ثم انتقل إلى أنطاكية بسبب الطقس، وأرسل محمد باشا مع جيش نظامي قوامه ١٠ آلاف مقاتل و١٠٠ مدفع إلى حماة. تجاهل محمد باشا المتغطرس تعليمات القائد واندفع إلى حمص، فالتقى بالجيش المصري في ٢٥ حزيران (يونيو). كانت القوات التركية تبلغ نحو ١٠ آلاف نظامي ومثلهم من غير النظاميين، لكنها لم تصمد أمام المشاة المصريين. استولى إبراهيم على حمص، وتكبد الأتراك خسائر فادحة: نصف مدفعيتهم، و٢٠٠٠ قتيل، و٣٠٠٠ أسير. أثار هذا الانتصار السهل الذعر في صفوف القوات التركية، حيث نهب فرسان الباشي بوزوق (غير النظاميين) النظاميين وأذلوهم.

أوقف السردار أكرم بنفسه تيار الهاربين عند جسر الحديد على نهر العاصي باستخدام سيفه، ثم تحرك نحو حلب حيث وجد عداءً من سكانها المنقسمين بين حزبي الإنكشارية والأميرية. تخلى عن حلب خوفاً من تمرد داخلي، وانسحب إلى ممرات سلسلة طوروس للدفاع عن آسيا الصغرى. أصيب جيشه بأمراض الحمى والكوليرا. احتل حسين باشا مرتفعات بيلان بين بحيرة أنطاكية وخليج إسكندرون. هاجمهم إبراهيم بعد ثلاثة أسابيع من معركة حمص، واستخدم مناورات ذكية لاجتياح المرتفعات. تكاد معركة بيلان أن تكون أفضل مأثرة استراتيجية للمصريين، فهزموا الأتراك وأجبروهم على الفرار عبر جبال طوروس دون حماية ممر غولق بوغاز الاستراتيجي، مما فتح الطريق أمام الحملة المصرية إلى قلب الإمبراطورية. عثر المصريون في إسكندرون على كميات ضخمة من المؤونة التركية التي أمر القائد بعدم إتلافها "رحمة بالجوعى".

انتقل المؤلف بعدها للحديث عن الجبهة البحرية. لم يسهم الأسطول العثماني بقيادة خليل باشا في أي معارك حربية، وتجنب مواجهة الأسطول المصري على الرغم من تفوقه العددي، بل لجأ إلى خليج مرمريس. يصف بازيلي الأسطولين، ويذكر أن خليل باشا، وهو من أصل قفقاسي وكان عبداً سابقاً، لم تكن له خبرة بحرية، وقد تعاطف مع محمد علي لإنقاذ أسطول السلطان من الدمار. كان خليل باشا ينتظر المفاوضات بين الطرفين.

في هذه الأثناء، أصيب محمد علي بدوار النجاح، وأكد له إبراهيم قدرته على مواجهة جيش تركي قوامه ١٠٠ ألف رجل. أمر السلطان محمود باستدعاء جيشه من الروملتي (أوروبا العثمانية) تحت قيادة الوزير الأعظم محمد رشيد باشا، أفضل قائد تركي، الذي أخضع قبائل البوسنة والألبان. كان الجيش يضم ٢٠ ألفاً من الألبانيين والبوسنيين إضافة إلى ٢٠ كتيبة نظامية. بينما بقي إبراهيم شهرين في باشاليك أضنة، يستقطب غير النظاميين ويغذي روح التذمر ضد إصلاحات السلطان. تعاطف السكان في آسيا الصغرى معه بسبب انضباط جيشه وعدله، بعد أن عانوا من فظاعة الجيش التركي ومن إصلاحات الحكومة التي قوضت سلطة الدريبهوات ولم تحقق الاستقرار.

انسحب القائد التركي أمين رؤوف باشا من قونية عشية وصول إبراهيم، ثم تولى الوزير الأعظم رشيد محمد باشا القيادة بنفسه على رأس جيش قوامه ٥٠ ألف مقاتل مع ١١٢ مدفعاً، مع احتياطي قوامه ١٠ آلاف في العاصمة. حذر المؤلف من أن هذا الصراع تحول إلى مسألة وجودية للإمبراطورية، إذ كانت الروح الانكشارية كامنة في العاصمة نفسها، وكان وصول إبراهيم إليها قد يشعل انتفاضة.

وصل المؤلف إلى معركة قونية الحاسمة في ١ كانون الأول (ديسمبر). كان النصر في البداية في يد الوزير الأعظم الذي طوق الجيش المصري، لكن ضباباً كثيفاً غطى الميدان، فاندفع الوزير وسط فصيلة مصرية ولم يتمكن من تمييزها، فوقع في الأسر. بوقوعه في الأسر، اختلت قيادة الجيش التركي وتوقفت الميليشيات الروملية عن القتال وانسحبت، فتحول النصر المؤكد إلى هزيمة نكراء. أثار هذا الانتصار مخيلة قبائل آسيا الصغرى، التي رأت في إبراهيم مختاراً من القدر، فبدأت بالخضوع له.

مع تقدم إبراهيم نحو العاصمة، التمس السلطان محمود المساعدة من روسيا بعد أن خاب أمله من فرنسا وإنكلترا. أشار المؤلف إلى أن روسيا كانت قد حذرت الدول الأخرى مسبقاً من ضرورة كبح محمد علي، لكنها لم تحرك ساكناً. استجابت روسيا لطلب السلطان، وأرسلت الجنرال مورافيوف إلى مصر لتهدئة محمد علي، وأوعزت إلى عقيدها بمعسكر إبراهيم أن يتوقف. دخلت أول فصيلة من الأسطول الروسي من البحر الأسود إلى البوسفور في ٨ شباط (فبراير) عام ١٨٣٣، مما أوقف تقدم إبراهيم في كوتاهية على بعد نحو ٥٠٠ كيلومتر عن القسطنطينية. تدخلت فرنسا بشدة مطالبة بعودة الأسطول الروسي، لكن السلطان كان يعلم أن القنصل الفرنسي في الإسكندرية كان يشجع محمد علي. بفضل الحضور الروسي، الذي بلغ ٢٠ ألف جندي في النهاية، لم ينقذ السلطان وسلالته فحسب، بل أنقذ أيضاً السكان المسيحيين من مجزرة كانت وشيكة، ووضع حداً للخلافات العائلية بين المسلمين التي كانت تهدد بحرب شاملة.

انتهت المفاوضات بين الباب العالي ومحمد علي بتوقيع معاهدة كوتاهية في ٤ آذار (مارس) ١٨٣٣، والتي تنازل بموجبها السلطان عن سورية كلها إضافة إلى باشاليك أضنة لحكم محمد علي وابنه إبراهيم، على أن تجمع الاتاوات في أضنة لحساب الحكومة. خرج الجيش والأسطول الروسيان من القسطنطينية بعد أن أنقذاها، وتركا انطباعاً مهيباً لدى السلطان.

في القسم الأخير من الفصل، ناقش بازيلي مشاعر السلطان محمود تجاه المسلمين في فترة التسامح الديني. يرى المؤلف أن محمود أدرك أن القبيلة الحاكمة قد أنهت دورها، وأن القرآن لم يعد كافياً لإنعاش الإمبراطورية. فاعتمد على القبائل المسيحية، معتقداً أن تفوقهم العددي والنشاطي في أوروبا العثمانية سيمنحهم الغلبة إذا مُنحوا المساواة، وأن المسلمين سيثورون مما سيسهل سحقهم بالجيش المسيحي، وبالتالي سيضطر السلطان لاختيار إما المسيحية والحفاظ على العرش، أو العودة إلى آسيا وبعث المملكة الإسلامية القديمة. يزعم المؤلف أن محمود أبدى احتقاراً واضحاً للأتراك، وأبلغه شخص مقرب منه أن السلطان شعر منذ ١٨٣٠ أن وقته سيحين لاعتناق المسيحية، لكنه يتحفظ عن ذكر التفاصيل.

ختاماً، عقد بازيلي معاهدة أونكيار إسكيليسى مع روسيا، التي تعهدت بالدفاع عن الإمبراطورية العثمانية مقابل إغلاق الدردنيل في وجه السفن الحربية لجميع الأمم. يبرر المؤلف هذا الاتفاق، معتبراً أن روسيا وضعت في المعاهدة شكلاً دبلوماسياً لقاعدة كانت موجودة منذ قرون (إغلاق المضيق)، وأن هذا المبدأ نفسه دخل لاحقاً في القانون الأوروبي عام ١٨٤١.

تقدم حجج المؤلف حول نية محمود الثاني اعتناق المسيحية اعتماداً على "شخص مقرب جداً" فقط، ونظرته المتعالية الواضحة تجاه الأتراك والتي تظهر في السرد التاريخي نفسه، ما يجعل هذا الجانب من التحليل مثيراً للجدل ويعكس بوضوح انحيازه الروسي وموقفه السياسي أكثر من كونه تحليلاً تاريخياً محايداً.

7.الفصل السابع143–155▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل محاولةً لتفكيك الصورة الرومانسية التي شاعت في أوروبا عن محمد علي باشا بصفته "باعث الأمة العربية"، ويُقدّم المؤلف بدلاً من ذلك قراءةً واقعيةً تقوم على تحليل أسس حكمه وسياساته. الموضوع المحوري هو التأكيد على أن محمد علي كان باشا تركياً يحقق طموحه الشخصي والأسري على حساب القبائل العربية، وليس قائداً لبعث قومي عربي، وأن حكمه لسورية كان مجرّد حل مؤقت فرضته ظروف الإمبراطورية العثمانية، ولم يكن مشروعاً سياسياً راسخاً.

يسير الفصل خطوةً خطوةً، فيبدأ بعرض النتائج المترتبة على معاهدة أوتكيار إسكيليسى (التي تهدف لضمان أمن السواحل الروسية) وتداعيات معاهدة كوتاهية، لينتقل بعدها إلى وصف المشهد في عام 1838 حيث كان كل من محمد علي والسلطان محمود غير راضٍ عن الوضع القائم. ثم ينتقل لتحليل أسباب تعلق قبائل آسيا الصغرى بمحمد علي، مقابل خيبة أمل القبائل السورية التي سرعان ما حنّت إلى الحكم التركي السابق بعد أن واجهت وطأة نظامه الإداري والمالي الصارم.

يستخدم المؤلف حجّة رئيسية لدحض فكرة "البعث العربي"، وهي الممارسة الفعلية داخل الجيش المصري. يوضح أن العرب لا يستطيعون الوصول في الجيش المصري إلى رتبة أعلى من ملازم، وأن جميع الرتب العليا في الجيش والأسطول مخصصة حصراً للأتراك. يذكر المؤلف حادثةً دالة حين التمس إبراهيم باشا من والده محمد علي رفع رتبة عدة ضباط عرب برزوا في حملة سورية، فأجابه والده: "تذكر يا بني، أننا (الأتراك) لا نبلغ حتى عشرة آلاف نفر وسط هؤلاء الملايين من العرب". هذه الحادثة وظيفتها إظهار ازدراء محمد علي للعنصر العربي، وتأكيد أن جيشه كان أداة لسلطته لا تعبيراً عن هوية قومية.

بعد ذلك، يقدّم المؤلف دليلاً آخر على غربة محمد علي عن العرب: فقد حلّ محل آلاف المماليك الذين أبادهم عشرة آلاف عثماني جلبهم معه من موطنه. هذا الاستبدال يؤكد أن النخبة الحاكمة بقيت تركية، وأن القبيلة العربية لم تتبدّل مكانتها، بل دفعت ثمناً باهظاً من الدم والعرق في الحروب والأشغال القسرية. يخلص الفصل إلى أن القبائل العربية لم تستطع عبر التاريخ تشكيل دولة واحدة، وأن الخلافات الداخلية والضغائن الموروثة بينها هي التي تجعلها تحت وصاية تركية، مستشهداً بمحاولات تاريخية مثل فخر الدين وظاهر العمر التي لم تؤدِ إلا لتعزيز النفوذ التركي.

ينتقل الفصل بعدها إلى وصف الأنظمة الحكومية والمالية التي طبقها محمد علي في سورية. كان النظام مركزياً صارماً، حيث خضعت الباشالكات الأربعة (حلب، دمشق، طرابلس، صيدا) وباشالك أضنة لسلطة حاكم مدني واحد في دمشق، وهو شريف باشا. أُنشئت مجالس بلدية استشارية، لكن السلطة القضائية في الجرائم السياسية بقيت بيد إبراهيم باشا الذي كان يعدم المتهمين تعسفياً دون محاكمة. أما في المجال المالي، فقد أُلغيت الابتزازات والغرامات التعسفية، واستُعيض عنها بضريبة نفس ثابتة تُفرض على الجميع من مسلمين ومسيحيين بالتساوي، وهو ما جرح كبرياء المسلمين الدينية. يورد الفصل أرقاماً: كانت الضريبة الجديدة تتراوح بين 15 قرشاً لأفقر الناس و500 قرش لأغنيائهم، مما جعل دفع الضريبة محدوداً ومضموناً بدلاً من الابتزاز غير المحدود.

في الجانب الاقتصادي، لم يطبّق محمد علي نظام الاحتكار المصري في سورية، بل منح التجارة تسهيلات وفرض ضرائب معتدلة. ويصف الفصل إنجازات إبراهيم باشا الزراعية: زرع قرابة 100 ألف فدان في البادية بين دمشق وحلب، وزراعة ما يقارب 4 آلاف فدان في حوران خلال سنتين فقط (مقابل ألفي فدان قبل حكمه). كما أقام حملة ضد الجراد بين حلب وحماة في عام 1841 بمساعدة أربعة أفواج مشاة، وقدّم مكافآت للقرويين والجنود مقابل كل مكيال من الجراد يُقتل. لكن الفصل لا يغفل ذكر الإفلاس الذي أعقب سقوط حكمه، فلم يعد في حوران سوى ألف فدان مزروعة، وخلت 140 قرية في باشالك دمشق وحده، وخسرت الخزينة نصف مليون روبل من ضرائب الأرض. كانت واردات سورية حينها تقارب 4 ملايين قرش (أي 5 ملايين روبل فضة)، لكن نفقات الجيش والحصون كانت تلتهم كل الدخل وتستدعي دعماً سنوياً إضافياً من خزينة مصر يتراوح بين 6 و8 ملايين قرش.

أخيراً، يتناول الفصل مسألة الحجر الصحي والبريد كمستحدثات مدنية هامة، لكنه يوضح أن الحجر الصحي غالباً ما كان أداة سياسية لعزل سورية عن بقية تركيا بحجة وقاية صحية، لمنع وصول تأثيرات غضب السلطان التي كانت تشجع الانتفاضات ضد الحكم المصري. ينتهي الفصل بمقارنة بين حكم محمد علي وحكم السلطان محمود، مشيراً إلى أن محمد علي كان يستطيع العمل بحزم غير محدود في مصر، بينما كان السلطان مقيداً بالضغوط السياسية واللاهوتية لشعبه. يقرّ المؤلف بأن كل دعوات محمد علي للإستقلال كانت تهدف فقط للحصول على حقوق الوراثة لأسرته، مستشهداً بعرضه الغريب عام 1838 على النمسا وانكلترا وفرنسا بفصل المناطق العربية عن الدولة العثمانية وشن حرب على روسيا، وهو العرض الذي قوبل بالرفض والسخرية.

في الختام، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، وهي أن نجاح محمد علي العسكري والاقتصادي رغم قسوته لا ينفي كونه باشا تركياً غريباً عن شعبه، وأن التصوير الأوروبي له كباعث للقومية العربية كان مجرد وهم تغذيه المنافسات السياسية والدبلوماسية في ذلك الوقت.

8.الفصل الثامن156–168▼ résumé

يتركز هذا الفصل على التحديات التي واجهها الحكم المصري في سورية تحت قيادة إبراهيم باشا، ولا سيما الصعوبات الناتجة عن تطبيق سياسات إصلاحية قسرية، وفي مقدمتها التجنيد الإجباري، وما ترتب عليها من تمردات عنيفة واضطراب اجتماعي. يقدم المؤلف قسطنطين بازيلي إجابة واضحة مفادها أن الإصلاحات التي فرضتها الإدارة المصرية، رغم فائدتها النظرية، اصطدمت برفض شعبي واسع لأنها جاءت عبر إجراءات قاسية تجاهلت التقاليد والمشاعر الدينية والقبلية لسكان سورية، مما أدى إلى نتائج عكسية وأضعف شرعية الحكم المصري.

يسير الفصل بتسلسل منطقي، فيبدأ بالإشارة إلى أن التأسيس الفعلي لـ"البريد" في سورية كان خدمة لوجستية ضرورية للنظام العسكري والإداري، حيث أمن الحكم المصري المواصلات وسهل حركة التجار والمسافرين. ثم ينتقل مباشرة إلى صلب الموضوع، وهو أن فرض التجنيد الإجباري على السكان المسلمين كان السبب الرئيسي للاضطرابات. يصف الفصل الانتفاضات الأولى التي نشبت في اليهودية والسامرة (نابلس) منذ البداية، حيث لجأ الفلاحون والقبائل الجبلية إلى السلاح وتم إخماد ثورتهم بالقوة والغدر، تلا ذلك عمليات إعدام بلا هوادة. يذكر الفصل على وجه التحديد انتفاضة شملت كل فلسطين في ربيع عام 1834، أسفرت عن تجنيد آلاف المجندين بالقوة وإرسالهم إلى مصر لتفادي فرارهم في سورية.

ثم يتعمق الفصل في تفصيل أبرز التمردات، وهي ثورة دروز حوران التي شكلت هاجساً كبيراً للحكم المصري. يوضح المؤلف أن الدروز أُعفوا من التجنيد لمدة خمس سنوات نظراً لقلتهم ودورهم كحاجز ضد البدو، لكن بعد انقضاء فترة الإعفاء في عام 1837، طالبت الحكومة بـ 400 مجند. تسبب إهانة شيخهم المسن عنتش في دمشق في إعلان التمرد، حيث لجأ الدروز إلى منطقة اللجاة، وهي هضبة بازلتية وعرة وصفها الكاتب بتفصيل دقيق وكأنها قلعة طبيعية منيعة. يصف بازيلي طبيعة الحرب هناك بأنها من أشرس الحروب وأكثرها دموية؛ حيث تحولت اللجاة إلى متاهة من الصخور والشعاب والكهوف، مما جعل الجيش المصري عاجزاً عن اختراقها. يورد تفاصيل مذهلة عن المناوشات، منها أن فصيلاً مصرياً قوامه 5000 رجل لم ينجُ منه سوى حوالي 450، وأن إبراهيم باشا نفسه قاد حملة بقوات تزايدت إلى 55 ألف جندي، لكنه فشل في اقتحام المنطقة، وخسر العديد من الجنرالات والضباط، حيث قتل 15 ألف جندي نظامي وباشا واحد و 4 من رتبة لواء و 16 من قادة الأفواج. ولجأ إبراهيم إلى حصار المنطقة وطمر النبع الوحيد للماء وتسميم البرك بـكلوريد الزئبق (السم الزئبقي) لإجبار الدروز على الاستسلام، مما أدى إلى ارتدادهم ووفاة من شربوا الماء المسموم. ويبرز الفصل شخصية شبلي العريان، ذلك الشيخ الدروزي الشاب والشجاع، الذي أصبح "بعبعاً" للمصريين بفضل مآثره الفروسية، وكيف استطاع إبراهيم كسبه بدهاء عندما وعد بمكافأة لمن يسلمه حياً، مما أدى إلى إنهاء الحرب.

يجادل المؤلف بأن التجنيد الإجباري كان عقوبة لا تطاق، أجبرت آلاف السوريين على الفرار إلى الصحراء والأناضول وقبرص، حيث فر ما يزيد على 50 ألف شخص. ويقدم إحصائية دقيقة: لم يتمكن إبراهيم على مدى خمس سنوات ( من 1835 إلى 1840) من تجنيد أكثر من 55 ألف شخص من أصل مليون من السكان المسلمين، أي ما نسبته حوالي 5.5% فقط. لكن هذا الرقم، رغم صغره ظاهرياً، كان مدمراً نفسياً واقتصادياً. ثم يتناول الفصل سياسة ابراهيم تجاه المسيحيين، معتبراً أن صرامته العسكرية كانت "منقذة" لهم من التعصب الإسلامي. فقد منحهم حرية بناء الكنائس وارتداء الملابس الزاهية كالبيضاء وامتطاء الخيول في دمشق نفسها، مما أثار حفيظة المسلمين وعلماء الدين. يذكر بازيلي مثالاً على ذلك حين سأل علماء دمشق إبراهيم عن كيفية التميز بين المسلم والكافر لتحية "السلام عليكم"؛ فردّ بأنه لا فرق بينهم خارج المسجد والكنيسة، وهو رد أظهر تحدياً صريحاً للمشاعر الدينية.

يصرح الفصل بأن التسامح الديني، الذي يُعد من أفضل خصائص الحكم المصري، أثار غضب الأغلبية المسلمة. لكنه في الوقت نفسه يوجه انتقاداً حاداً لخطأ إبراهيم في التطبيق؛ إذ يقر المؤلف أن هذا التسامح صاحبه سلوك مستهتر وماجن من إبراهيم نفسه، كشربه الشمبانيا علانية وتجاهله للصلاة والصوم، وتعيينه مسيحياً سريانياً (هو كرم بيه) لإدارة الشؤون الاقتصادية لسورية. يرى بازيلي أن هذا المزيج من القسوة والتغريب الديني حوّل إبراهيم من "حامي الأماكن المقدسة" في نظر العامة إلى "مارق وكافر"، مما جعل المشاعر الدينية المهانة تتحول إلى كراهية سياسية شديدة، وأوجد تبايناً غريباً حيث تعاطفت قبائل آسيا الصغرى مع محمد علي بينما كرهته القبائل السورية التي تعلقت أكثر بالسلطان العثماني بصفته الخليفة الشرعي.

في الجزء الأخير، يعالج المؤلف البعد العسكري الاستراتيجي، معبراً عن رأي نقدي واضح يخرج عن مجرد السرد. يجادل بأن تحصين عكا وشعاب طوروس كان وهماً وتكلفة باهظة غير مجدية. فقد أنفق ما يقرب من 15 مليون قرش على تحصين عكا وتزويدها بـ 230 مدفعاً، لكنه يؤكد أن عكا بموقعها تكون مكشوفة بسهولة للهجوم البحري. أما أهمية عكا فكانت "وهماً تاريخياً" يعود للصليبيين. وخلص إلى أن الحكم المصري ظل هشاً منذ البداية، معتمداً على القوة المادية والترهيب بدلاً من كسب تعاطف الشعب، مما جعل انهيار السلطة المصرية في عام 1841 سريعاً ومفاجئاً رغم وجود جيش إبراهيم البالغ 90 ألف جندي.

في فقرة نقدية ختامية مبنية على النص، يمكن القول إن الفصل يحمل نقداً جوهرياً لطريقة الحكم المصرية. يرى بازيلي أن الإصلاحات كانت تُطبق بقسوة وعنف وبتجاهل تام للبنية الاجتماعية والدينية السورية، مما أضاع أي فرصة لكسب القلوب. كما أن الاستهانة بالمشاعر الدينية عند إبراهيم ووالده محمد علي لم تكن مجرد خطأ، بل كانت السبب الرئيسي في تحويل الشعب ضدهم وتقوية ارتباطهم بالسلطان العثماني، وهو ما أدى إلى زوال حكمهم السريع. وهكذا، يسقط مؤلفنا حكم التاريخ بأن القيود القسرية دون توفير شرعية سياسية أو دينية تؤدي حتماً إلى الفشل.

10.الفصل العاشر174–187▼ résumé

يتركز هذا الفصل على الفترة الحاسمة التي سبقت المواجهة العسكرية بين السلطان العثماني محمود الثاني وواليه المصري محمد علي باشا، والتي انتهت بسقوط الحكم المصري في سورية. يوضح المؤلف أن السؤال المحوري هو: كيف انتقلت العلاقة من محادثات دبلوماسية ومناورات خفية إلى حرب مكشوفة على الحدود السورية؟ الإجابة التي يقدمها هي أن كلاً من السلطان ومحمد علي توصلا إلى قناعة بعدم إمكانية التسوية السلمية، فبدأ السلطان بإعداد جيشه لاستعادة سورية بقوة السلاح، بينما أعد محمد علي العدة للدفاع والاستقلال.

يسير الفصل خطوة بخطوة في عرض هذه الديناميكية، مبتدئاً بإظهار حالة التوتر في سورية تحت الحكم المصري. يصف الكاتب كيف تمكن محمد علي وابنه إبراهيم باشا من فرض النظام بالقوة، حيث تم نزع سلاح القبائل وفرض التجنيد الإجباري، وجفت منابع التمرد العلني. في المقابل، تتصاعد العاصفة في الشمال، حيث يعمل السلطان محمود على بناء جيشه الذي بلغ قوامه حوالي 80 ألف جندي بقيادة حافظ باشا، الذي تمركز في ملاطية (خريف 1838) ليكون جاهزاً للتقدم نحو الحدود الشمالية الشرقية لسورية بمحاذاة نهر الفرات.

ينتقل الفصل بعدها إلى تفاصيل العلاقات الدبلوماسية المعقدة. نرى محمد علي يحاول مراراً الحصول على اعتراف دولي بحكمه الوراثي، مقدماً في عام 1838 مقترحاً استقلالياً للنمسا وإنجلترا وفرنسا، لكنه يتلقى رداً حازماً. كما يمارس لعبة مزدوجة مع السلطان: يرفض دفع الاتاوة السنوية بدعوى الحاجة إليها لمواجهة التهديدات، ويرسل أحياناً هدايا بدلاً منها. من جهته، يرفض السلطان أي تنازل عن سورية، ويصر على إعادتها مع شبه جزيرة العرب وجزيرة كاندي. حتى فرنسا، التي كانت تدعم محمد علي، لم تنجح في إقناع الباب العالي بمنحه سورية.

في محاولة للتأثير على القرار في العاصمة، يرسل محمد علي كُنه زهرة خانم (ابنة عارف بيه، أحد كبار العلماء) إلى القسطنطينية للتأثير عبر حريم السلطان. في المقابل، يقوم السلطان بإقالة الوزراء المسالمين ويشكل حكومة حربية بقيادة بيرتيف باشا، ويرسل إلى القاهرة في بداية عام 1839 المبعوث صارم أفندي لعرض اتفاق نهائي. يعرض صارم على محمد علي الحكم الوراثي لمصر وشبه جزيرة العرب، بالإضافة إلى حكم مدى الحياة لباشاليكي عكا وطرابلس في سورية، لكن محمد علي يرفض رفضاً قاطعاً، مصراً على حكم وراثي لكل سورية، لتنتهي المحادثات بالفشل.

مع انهيار القنوات الدبلوماسية، يتخلى محمد علي عن دفع الاتاوة ويعلن في ربيع عام 1839 عن عزمه على إعلان استقلاله، متلقياً تهديدات صارمة من الدول الكبرى. ثم يقوم برحلته الاستكشافية الشهيرة إلى أعالي النيل بحثاً عن الذهب لدعم خزينته، ليبدأ في خريف 1839 تسليح أسطوله بشكل مكثف. في نفس الوقت، يبدأ جيش السلطان تحت قيادة حافظ باشا بالتقدم التدريجي، متذرعاً بأسباب لوجستية، حتى وصلت طلائعه في أيار (مايو) 1839 إلى نصيبين، على بعد بضعة كيلومترات من الحدود السورية.

يختتم الفصل بوصف لحظة الانهيار الوشيك. يوضح الكاتب خطة السلطان محمود المُحكمة، والتي كانت تهدف إلى إثارة انتفاضة شعبية في سورية ضد الحكم المصري بمجرد ظهور قواته على الحدود. كانت دمشق، حلب، ونابلس على أهبة الاستعداد للثورة، وكان المخطط يهدف إلى تطويق إبراهيم باشا من كل الجهات. لكن حافظ باشا المتسرع بدأ العمليات العدائية قبل الأوان باحتلال عينتاب، مما أشعل انتفاضات في القرى اللبنانية مثل عكار والضنية، وبدأت مناوشات في البادية. يختم الفصل بسؤال بلاغي عن من هو البادئ الحقيقي بالحرب، تاركاً القارئ عند لحظة التوتر الأعلى حيث أصبحت الحرب حتمية على الرغم من الجهود الأوروبية لصيانة السلام.

11.الفصل الحادي عشر188–202▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل من كتاب قسطنطين بازيلي نقطة تحول حاسمة في الصراع بين السلطان محمود الثاني وواليه المصري محمد علي باشا، حيث ينتقل من مرحلة التهديد والترقب إلى المواجهة العسكرية المفتوحة التي بلغت ذروتها في معركة نصيبين. الموضوع المحوري للفصل هو الإجابة عن سؤال مصيري: هل يستطيع السلطان محمود، بجيشه المُصلَح، إخضاع محمد علي المتمرّد وطموحاته التوسعية؟ الإجابة التي يقدّمها المؤلف هي "لا" مدوية، ليس فقط بسبب تفوق الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنسي، بل أيضاً بسبب مزيج من الأخطاء القاتلة للقادة العثمانيين، والظروف السياسية المعقدة التي أحاطت بالحملة، والتي بلغت ذروتها بموت السلطان محمود نفسه في لحظة حرجة.

يسير الفصل خطوة متقنة، ناقلاً القارئ من قاعات صنع القرار في القسطنطينية إلى ساحات القتال في شمال سورية. يبدأ الفصل بتردّد الباب العالي، المتمثل في الصراع بين رغبة السلطان في الحرب ومخاوف أنصار السلام. لكن مع عودة المبعوثين طيار باشا وعمر بيه، اللذين أكدا على جاهزية جيش حافظ باشا وحماسة الناس، تم حسم الأمر. في أواخر أيار (مايو) 1839، انعقد مجلس عام حضره الباديشاه وأعلى الوجهاء، وأفتى شيخ الإسلام بشرعية الحرب. لكن لم يُنشر القرار كإعلان حرب رسمي، بل كعقوبة تأديبية من السلطان لواليه العاصي، وذلك تجنباً لإزعاج السفارات الأوروبية. وفي الوقت نفسه، أبحر الأسطول التركي، حاملاً قوات إنزال قوامها 4 آلاف جندي، متجهاً إلى الدردنيل في انتظار الأوامر النهائية. هنا يقدّم المؤلف مشهداً مؤثّراً لتفقّد السلطان لأسطوره، ووداعه العاطفي لأميراله فوزي أحمد باشا، حيث برزت على محمود علامات المرض والوهن التي كان يخفيها بالمساحيق عن شعبه.

يأخذنا الفصل بعد ذلك إلى تفاصيل حياة السلطان محمود وأيامه الأخيرة، كاشفاً عن التناقض بين قوته الوهمية وإدمانه الذي قاده إلى حتفه. كان محمود مدمن كحول، يتحمل أعباء الحكم المضنية، لكن صحة جسدمبدأ بالانهيار في ربيع عام 1839 مع ظهور بوادر مرض السل. وصفه الأطباء، بمن فيهم الدكتور ملينجين، بأنه يعاني من مرض التسمم الكحولي المزمن. على الرغم من محاولاته لإخفاء مرضه والاستمرار في العمل، إلا أنه في 2 حزيران (يونيو) سقط في الفراش، وأعلن الأطباء أن حالته ميؤوس منها. في مشهد درامي، ينقل المؤلف آخر لقاء له مع السلطان عند بيته في جامليجا، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في 5 حزيران (يونيو) 1839. هنا، يسلط الضوء على دهاء خسرو باشا الذي أدار الأزمة ببراعة: أبقى السلطان حياً بجرعات الأفيون لكسب الوقت، وأخفى مرضه عن الشعب، ثم تمكّن من تنصيب ولي العهد عبد المجيد الشاب البالغ من العمر 17 عاماً بسلاسة، وعيّن نفسه وزيراً أعظم وخليل باشا وزيراً للحربية، ناشراً شائعات عن وصية السلطان المتوفي لابنه بتعيينهما. يبرز المؤلف هنا كيف أن موت محمود في هذه اللحظة الفاصلة كان بمثابة ضربة قاضية للجيش العثماني، إذ أنهاه معنوياً قبل أن تبدأ المعركة فعلياً.

على الجبهة العسكرية، يصف الفصل ببراعة الأحداث التي سبقت معركة نصيبين والقتال نفسه. قبل ثلاثة أيام من موت محمود، وتحت تأثير خسرو، صدر أمر لـحافظ باشا بوقف العمليات، لكن فات الأوان. من جهة أخرى، وجد إبراهيم باشا نفسه محاصراً بين تمرد داخلي في سورية وتهديد الجيش التركي، فلم يبق أمامه سوى المعركة الحاسمة. في 28 أيار (مايو)، أصدر محمد علي الأمر لابنه بالهجوم. يصف المؤلف المناورات التكتيكية ببراعة: تقدم إبراهيم، ثم تراجع بنصيحة من سليمان باشا، ناوياً تطويق الجيش التركي من الخلف، وهو ما حذر منه الضباط البروسيون الملحقون بالجيش العثماني. لكن حافظ باشا، الذي كان يخشى تهمة الجبن وفضل رأي الأئمة على النصيحة العسكرية، رفض الانسحاب إلى موقع محصن عند نهر الفرات. سمح هذا القرار القاتل للمصريين بتنفيذ مناورة التفافية استمرت أياماً في حر قائظ، حيث اعتمد جيش إبراهيم على المدفعية والانضباط الصارم، مقابل ترف وتدليل الجندي التركي وتردّد قادته. يصف بازيلي الليلة التي سبقت المعركة، حيث كادت المدفعية التركية التي أطلقت النار في الظلام أن تمزق الجيش المصري لولا مبادرة رجال المدفعية المصريين بالرد. ثم يتوقف عند لحظة تاريخية: رفض حافظ باشا شن هجوم ليلي حاسم بناءً على فتوى الأئمة بأن "المحاربين بين المؤمنين لا ينطلقون إلى المعركة في ظلام الليل كاللصوص". كان هذا التردد هو القشة التي قصمت ظهر الجيش العثماني.

في 21 حزيران (يونيو) 1839، دارت معركة نصيبين الحاسمة. يقدّم المؤلف تحليلاً مفصلاً لقوة الطرفين: جيش السلطان كان يضم 48 ألف مشاة و11 ألف فرسان و150 مدفعاً، بينما بلغ الجيش المصري حوالي 50 ألف مقاتل مع 171 مدفعاً. كانت القوى متقاربة، لكن الميزة كانت للانضباط المصري الصارم ولدهاء القيادة. وقعت المعركة حين استولى المصريون على مرتفع يطل على الجناح الأيسر للجيش التركي. حوّل إبراهيم قوته إلى هذا الجناح، محاولاً تطويقه. لكن هجوم الفرسان المصري المندفع فشل بسبب نيران المدفعية التركية، مما كاد يتسبب في انهيار الجيش المصري لولا تدخل سليمان باشا الذي صوّب مدفعيته نحو الجنود الفارين وأرغمهم على العودة إلى القتال. وفي هذه اللحظة الحرجة، تردد حافظ باشا مرة أخرى في شن هجوم مضاد حاسم، فضيّع فرصة ذهبية. سرعان ما تمكن المصريون من إعادة تنظيم صفوفهم، ومع نضوب ذخيرة المشاة، انهار الجيش العثماني تماماً. خسر الأتراك كل شيء: المعسكر، المدفعية، 10 آلاف أسير، و21 ألف بندقية، وحتى خزينة الجيش ورتب السلطان. كانت خسائر القتلى والجرحى 7 آلاف من كل جانب.

بعد النصر، يطرح المؤلف سؤالاً مصيرياً: لماذا لم يواصل إبراهيم تقدمه نحو القسطنطينية لإنهاء الإمبراطورية؟ الإجابة التي يقدمها معقدة. من ناحية، يُرجعها بازيلي إلى خوف إبراهيم من تدخل روسيا بناءً على معاهدة أونكيار إسكيليسى، ومنعه من عبور طوروس. ومن ناحية أخرى، يكشف بازيلي عن حيلة دبلوماسية معقدة قام بها كل من محمد علي وابنهابراهيم مع المبعوث الفرنسي النقيب كالييه. ففي الوقت الذي كان فيه الباشا يتباهى أمام المبعوث بأن جيشه سيحتل آسيا الصغرى، كان قد أصدر الأمر الفعلي لابنه بالهجوم مع نهي صارم عن عبور طوروس. ثم أبقى محمد علي المبعوث في مصر لأيام ليترك المجال للجيش للتقدم، وبعد المعركة، تظاهر إبراهيم بأنه امتثل لطلب فرنسا بالتوقف، بينما كان متجهاً بالفعل إلى مرعش وفق خطته الأصلية. بهذا، يدّعي بازيلي أن فرنسا نسبت لنفسها فضلاً في درء كارثة عن الإمبراطورية العثمانية لم يكن لها يد فيه، متهماً المؤرخين الفرنسيين بالتباهي الطفولي والتزييف.

في ختام الفصل، يقدّم بازيلي ملاحظة شخصية لافتة، معترفاً بأنه يرى في هزيمة الجيش التركي "إرادة الله التي صانت كل السكان المسيحيين في سورية وفلسطين من مصائب كبرى". يبرر ذلك بأن انتصار العثمانيين كان سيعني إطلاق يد التمرد الشعبي السني الحانق ضد المسيحيين، مما كان سيؤدي إلى مجازر واسعة. هذه الحجة القابلة للنقاش - والتي تتجاهل طبيعة الحرب بين دولتين مسلمتين وتختزل الصراع في سياق طائفي - تظل واحدة من الآراء الشخصية التي يتبناها المؤلف في هذا النص التاريخي الغني بالتفاصيل والتحليلات العسكرية والسياسية.

12.الفصل الثاني عشر203–220▼ résumé

هذا الفصل يروي فترة الاضطراب الشديد التي أعقبت وفاة السلطان محمود الثاني، ويركز على لحظة الذروة التي كاد فيها محمد علي باشا أن يطيح بالدولة العثمانية. الموضوع المحوري هو انهيار القوة العثمانية المفاجئ بعد خسارتها لجيشها وأسطولها، والكيفية التي أغرى بها هذا الفراغ القاتل طموح محمد علي، ثم كيف تدخلت القوى الأوروبية في اللحظة الأخيرة ليس لإنقاذ السلطان بل لمنع انهيار الإمبراطورية بالكامل. يقدم المؤلف هذه الفترة ليس فقط كنزاع بين سيد وتابع، بل كمشهد درامي يفضح هشاشة السلطة وهشاشة السلام في أوروبا ذاتها.

يسير الفصل بترتيب زمني وموضوعي في آن. يبدأ مباشرةً بالحدث الصادم: خيانة فوزي أحمد باشا، قائد الأسطول العثماني، الذي كان عليه أن يعيد الأسطول إلى العاصمة بعد وفاة السلطان محمود، لكنه أبحر به بدلاً من ذلك إلى الإسكندرية ليقدمه هدية لمحمد علي. يصور المؤلف هذه الخيانة كمؤامرة محبوكة، حيث أخفى القبودان باشا أوامر الحكومة المتكررة، واعتقل مبعوث السلطان، وأذاع أخبار سلام كاذبة للجنود ليضمن ولاءهم. وظيفة هذا المشهد في البداية هي توضيح كيف انهارت الدولة بين عشية وضحاها: السلطان الجديد عبد المجيد لا يملك جيشاً ولا أسطولاً، والوزير الأعظم خسرو باشا يحاول يائساً احتواء الكارثة.

يتحول الفصل بعدها إلى تحليل رد فعل محمد علي، الذي يصل إليه خبر النصر في نصيبين ثم خيانة الأسطول في أيام متتالية. يصف المؤلف طموحه بأنه أصبح بلا حدود، حيث حلم بتوحيد أسطوليه والإبحار إلى القسطنطينية بحجة "حماية العرش"، ويوضح أن روسيا فقط كانت العقبة التي منعته من تحقيق هذا الحلم، بسبب قوتها العسكرية وموقعها. هنا يقدم المؤلف دليلاً مهماً: رسائل محمد علي الخاصة ومراسلاته اللاذعة مع خسرو باشا، التي فضحت جشعه. لم يكتفِ محمد علي بمطالبة الباب العالي بالحكم الوراثي لكل من مصر وسورية وشبه جزيرة العرب، بل تعدى ذلك إلى المطالبة بإقالة الوزير الأعظم كشرط مسبق، وهو ما يعتبره المؤلف تطاولاً صارخاً على حقوق السلطان. مثال إضافي يوضح تطاوله: عزله لحارسي الكعبة وقبر النبي محمد وتعيين حراس جدد دون استشارة السلطان، مما كان يشكل انتهاكاً للسلطة الدينية للخليفة.

في منتصف الفصل تقريباً، ينتقل التركيز من الميدان العسكري إلى الساحة الدبلوماسية، موضحاً كيف أن الوزارات الأوروبية الخمس (روسيا، بريطانيا، فرنسا، النمسا، بروسيا) تدخلت بوساطة جماعية. يصف المؤلف "مذكرة تموز (يوليو)" التي سلمها سفراء الدول للباب العالي، والتي ألزمت السلطان بعدم اتخاذ قرار دون مساعدتهم. يقدم هذا كدليل على أن الدولة العثمانية أصبحت قاصراً تحت وصاية أوروبا. لكنه يوضح أيضاً التناقض داخل هذه الجبهة الأوروبية، خاصة بين بريطانيا التي أرادت تدمير محمد علي وطرده من سورية للحفاظ على طرق الهند، وفرنسا التي وقفت مع الباشا بدافع الرأي العام والتعاطف الشعبي. هذا الخلاف، كما يوضح الفصل، شجع محمد علي على التصلب ورفض التنازلات، لعبة على أمل أن يتشقق الوسطاء.

يأخذ الفصل لاحقاً منعطفاً سردياً عندما يروي المؤلف زيارته الشخصية لمحمد علي في الإسكندرية. هذه القطعة ليست مجرد استطراد، بل تؤدي وظيفة تحليلية عميقة. من خلال وصف ملبس محمد علي (الطربوش البسيط والسترة الزرقاء بدلاً من الزي العثماني الرسمي) وحديثه الفلسفي حول السعي وراء الرغبات، يكشف المؤلف عن شخصية معقدة: رجل تجاوز طموحه حدوده، وأصبح مثقلاً بالخوف من ملل النجاح والشيخوخة. حواره حول "سعادة الإنسان" يظهره كحاكم عبقري لكنه أناني، يبحث عن المجد الشخصي بينما يهمل رفاهية ملايين الفلاحين. هذه المقابلة هي الدليل الأهم على أن طموح محمد علي أصبح وجودياً، وليس سياسياً فقط.

الجزء الأخير من الفصل، والأكثر نقداً وتحليلاً، مخصص بالكامل لمناقشة "خط شريف غولخانة" الصادر في 3 نوفمبر 1839، وهو الإعلان الإصلاحي للسلطان عبد المجيد. هنا يتحول الفصل من السرد التاريخي إلى التحليل السياسي القاسي. يقر المؤلف بأنه لو كان البيان مجرد خطاب، لكان وعداً بعصر جديد. لكنه يفكك الغرض الحقيقي منه، واصفاً إياه بأنه "خزعبلات دستورية" صممها الوزير رشيد باشا لتقييد سلطة السلطان الاستبدادية، وجعلها تحت سيطرة الوزارة، مع ضمان حماية الثروات التي ينهبها الوزراء أنفسهم من المصادرة. يقدم الفصل حجة قابلة للنقاش بوضوح: أن الإصلاحات، رغم خطابها الليبرالي والمساواة بين المسلمين والمسيحيين، كانت مستحيلة التطبيق في ظل القانون الإسلامي، وأنها عملياً أدت إلى فساد إداري أكبر وإضعاف الدولة.

في خاتمته، يقر الفصل بحدوده الخاصة عبر التساؤل عن جدوى الإصلاح. يظهر خيبة أمل المؤلف العميقة، حيث يرى أن خط غولخانة، بدلاً من أن ينهض بالدولة مثلما حاول محمود الثاني أن يفعل بإصلاحاته العملية القاسية، كان مجرد قناع أخفى العجز الحقيقي للحكومة وجعل الفساد أكثر تنظيماً. يترك المؤلف القارئ مع صورة قاتمة: دولة فقدت جيشها وأسطولها، وسلطانها شاب ضعيف، وأوروبا منقسمة على نفسها، ومحمد علي يترقب في شيخوخته، ووثيقة إصلاحية عظيمة تتحول إلى أداة لترسيخ فساد الأوليغاركية الحاكمة. الجدل الأكبر هنا هو أن الخلاص الوحيد كان يمكن أن يأتي من استبداد عادل مثل عهد محمود، وليس من إصلاحات ليبرالية زائفة.

13.الفصل الثالث عشر221–235▼ résumé

ملخص الفصل الثالث عشر

يدور هذا الفصل حول ذروة الأزمة بين محمد علي باشا والباب العالي، وكيف أدى تمرد الجبليين اللبنانيين في أيار (مايو) عام 1840 إلى كسر الجمود في المفاوضات الدولية. يجيب المؤلف على سؤال كيف انقلب الوضع من قوة محمد علي بعد انتصاراته إلى بداية انهيار حكمه في سورية، وذلك بفعل مزيج من الضغط العسكري الدولي والانتفاضات الداخلية التي استغلها خصومه.

يسير الفصل بتسلسل زمني متقارب، ويبين كيف أن محمد علي، بعد أن طالب بالحكم الوراثي لكل سورية حتى حلب، بدأ الاستعدادات الحربية، فعزز جيشه في سورية وجند الألبانيين وشكل قوات شعبية في مصر، محاولاً تصوير نفسه كمدافع عن الإسلام. في المقابل، افتُتح مؤتمر لندن في ربيع عام 1840 بين روسيا والنمسا وإنكلترا وفرنسا وبروسيا، وشارك فيه ممثلو الباب العالي، لكنه كان عاجزاً عن اتخاذ قرار بسبب تعنت فرنسا في دعم محمد علي.

كان تمرد لبنان العامل الحاسم. يشرح الفصل الأسباب العميقة لهذا التمرد، والتي لم تكن مجرد شائعات عن نية محمد علي تجنيد المسيحيين، بل كانت نتيجة مباشرة لسياساته القاسية: الضرائب المرهقة، وسوء إدارة المشاريع كاستخراج الفحم الحجري في بيروت، والتجنيد الإجباري، ومصادرة الأسلحة التي سبق أن وزعت على الجبليين. يُظهر الفصل دور الأمير بشير الشهابي الحاكم المزدوج، الذي كان يخشى سقوط سلطته الاقطاعية سواء ببقاء المصريين أو بعودة الأتراك، ولذلك لعب دوراً مزدوجاً: ظاهرياً مع المصريين، وسراً كان يؤجج التمرد ليبقى هو الوسيط الوحيد، ثم انقلب على المتمردين في اللحظة المناسبة.

ويتناول الفصل بالتفصيل شخصية الكونت أونفروا الفرنسي الشاب الذي قدم نفسه كقائد صليبي للمتمردين، جمع حوله بضعة آلاف ودفع لهم رواتب، لكن سرعان ما تبدد جيشه الخيالي مع تبدد نقوده. ويبدي المؤلف تحفظه على تفسير التمرد بأنه من عملاء الباب العالي أو الإنكليز، مشيراً إلى أن فرنسا نفسها، رغم دعم حكومتها لمحمد علي، كانت قنصليتها تشجع التمرد آمله في توسيع نفوذها الكاثوليكي في لبنان.

بعد فشل وساطة سامي بيه السرية، تحرك الاسطول الإنكليزي بقيادة الكومودور نيبير. يصف الفصل فشل نيبير الذريع؛ فقد وصل متأخراً بعد أن حاصر سليمان باشا الجبال، وأخطأ في تعامله مع الموقف، واعتمد على مناشير ترجمتها العربية السيئة جعلته يتهم بالتجديف بصفات الله، مما أثار تعصب المسلمين ضده. رفض القادة العثمانيون التعاون معه، وتمكن سليمان باشا من سحق التمرد بسرعة بمساعدة الأمير بشير، الذي قبض على خصومه ونفاهم إلى سنجار في صيف 1840.

يخلص الفصل إلى أن هذا الانتصار المصري الظاهري كان نصراً باهظ الثمن. فرغم كبت التمرد، ملأت الكراهية قلوب السوريين، وانتظر الجميع تحريراً من الدول الكبرى. في هذه الأثناء، وُقّعت معاهدة لندن الشهيرة في تموز (يوليو) 1840 بين روسيا والنمسا وإنكلترا وبروسيا والباب العالي، دون فرنسا. نصت المعاهدة على إمهال محمد علي عشرة أيام لقبول حكم مصر وراثياً وإدارة جنوب سورية (فلسطين) مدى الحياة، مقابل إخلاء باقي سورية وشبه جزيرة العرب وتسليم الأسطول. وإذا رفض، يُمنح عشرة أيام أخرى لقبول حكم مصر فقط. ظهر الاميرال ستو بفورد لقيادة الحملة، وبدأت العمليات الحربية فعلياً بقطع المواصلات البحرية بين سورية ومصر. انتهى الفصل بمناقشة الاستراتيجية العسكرية، مشيراً إلى أن خطأ محمد علي الرئيسي كان تمسكه بتوزيع قواته على الساحل الطويل بدلاً من الانسحاب إلى الداخل، مما جعله عرضة للأسطول المتحالف.

هناك حجة واضحة قابلة للنقاش في الفصل، وهي تقييم بازيلي الأولي للتمدد اللبناني كظاهرة سطحية وبسيطة، متناقضاً مع تقاريره السرية السابقة التي كانت ترى في التمرد خطراً جدياً هزم القوات المصرية مراراً. كما أن تأكيده على أن المسيحيين فقط هم من تمردوا، يناقضه المحرر بأدلة تُظهر مشاركة الدروز والسنة والمتاولة أيضاً في انتفاضة موحدة.

14.الفصل الرابع عشر236–243▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على العلاقات الدولية المعقدة التي أحاطت بالأزمة الشرقية في عام ١٨٤٠، ويُقدّم تحليلاً للصراع الدبلوماسي الذي سبق الحملة العسكرية في سورية، ويشرح أسباب توقيع معاهدة لندن في ١٥ تموز (يوليو) ١٨٤٠ وكيف أدى رفض محمد علي لشروطها إلى عزله نهائياً عن القوى الأوروبية.

يسير الفصل خطوة بخطوة من أوروبا إلى الشرق، فيبدأ بوصف التقارب الذي حدث خلال العقد السابق بين انكلترا وفرنسا تحت حكومة الويغيين وتأثير تيير، ثم ينتقل إلى نقطة التحول الحاسمة: توقيع معاهدة لندن التي جمعت روسيا والنمسا وانكلترا وبروسيا مع الباب العالي، وقيامها باستبعاد فرنسا من التسوية النهائية للقضية الشرقية. يُبيّن المؤلف أن السبب الجذري لهذا الاستبعاد هو تردد الحكومة الفرنسية وسياساتها المتناقضة. فبدلاً من الالتزام بتعهداتها في المذكرة الجماعية لعام ١٨٣٩، أخضعت الوزارة الفرنسية حل القضية لنزوة محمد علي وحاولت منحه الحكم الوراثي لسورية سراً، متجاهلةً كرامة الدول الكبرى وضمانات السلام الأوروبي.

يستخدم المؤلف حججاً قوية لفضح تناقض الموقف الفرنسي، مُستشهداً بأفعال محمد علي العدائية: رفضه مساعدة السلطان ضد روسيا، حملات ١٨٣٢ و١٨٣٩، تهديداته المستمرة بغزو آسيا الصغرى، خيانته للأسطول في الإسكندرية، ورسائله الغادرة. ويرى أن هذه الأفعال تُفنّد الفرضية الفرنسية القائلة بأن محمد علي هو "حارس العرش" للسلطان. كما يُقارن المؤلف بين حالة محمد علي واستقلال اليونان وإمارات الدانوب، مؤكداً أن الأخيرة حصلت على حقوقها بناءً على تطور داخلي حقيقي للعنصر المسيحي، وهو ما يفتقر إليه العنصر العربي بزعامة أسرة تركية الأصل.

ينتقل الفصل بعدها إلى وصف رد الفعل الفرنسي الغاضب، حيث أشعلت الصحف الحربَ ضد روسيا وانكلترا، ووصفت الأخيرة بـ"ألبيون الغادرة"، ثم حوّلت هجماتها نحو ألمانيا المجاورة مطالبة بالحدود على الراين وبلجيكا. في مقابل ذلك، هتفت ألمانيا بأغانٍ وطنية وحشدت جيشاً قوامه المليون، بينما ردّت الحكومة الفرنسية على معاهدة لندن بأوامر ملكية لتجنيد الاحتياط وتقوية الأسطول. ويُشير المؤلف إلى أن الدول المتحالفة، حرصاً على السلام، وقّعت في ١ أيلول (سبتمبر) بروتوكولاً تعهدت فيه بعدم السعي لأي نفوذ استثنائي أو مكاسب من تنفيذ المعاهدة.

في الجزء الشرقي من الفصل، يُقدّم النص بكامله المذكرة التي سلمها القناصل العامون إلى محمد علي، والتي تُعتبر جوهر المنطق السياسي للفصل. تُحذّره المذكرة بأنه بعد المعاهدة، لم يعد في قطيعة مع السلطان وحده، بل مع جميع الدول الكبرى. وتدعوه إلى قبول عرض تأسيس عائلة مالكة جديدة معترف بها، متذرعة بأمثلة ممالك صغيرة تحظى بحماية أوروبا، ومُحذّرة من أن رفضه سيؤدي إلى حرب محتومة، وأن أي حماية خارجية ستُعجّل بسقوطه. وتختم المذكرة بعبارات تهديدية مقنّعة، متوقعة له مصير جنكيز خان وتيمور ونابليون إذا أصرّ على التمرد.

يختم الفصل بوصف رفض محمد علي القاطع، الذي اعتمد اتصالاً أعمى على فرنسا، زاعماً قدرته على الصمود خمس سنوات في سورية، وكتب إلى أمير لبنان بأن فرنسا سترسل جيشاً وأسطولاً، وهو ما لم يحدث. ويوثق الفصل شكوى الباشا إلى الباب العالي متهمًا الدول الأوروبية بالتطاول، معلناً تمسكه بالدفاع عن الإسلام. يُقرّ المؤلف هنا أن كل الحجج المنطقية والاعتبارات السياسية فشلت في ردع الشيخ المتعصب، تاركاً السؤال عن مدى صدقه أو تمنّيه للمساعدة كمسألة مفتوحة للنقاش حول مسؤوليته عن سوء تقدير الموقف.

15.الفصل الخامس عشر244–259▼ résumé

بدأت العمليات الحربية قرب الشواطئ السورية في مساء 29 آب (أغسطس) 1840، حيث أنزلت قوات الحلفاء أعلام قنصلياتها في بيروت. في صباح اليوم التالي، نزلت قوات الإنزال في خليج جونية، على بعد حوالي 5 كيلومترات عن بيروت، بعد أن قامت السفن بقصف المواقع المصرية. تمكنت القوات من احتلال الموقع وتحصينه بسرعة، بينما فشل إبراهيم باشا، الذي كان يقود جيشاً قوامه 60 ألف جندي في سورية، في مهاجمة هذه القوة الصغيرة قبل أن تتحصن، مما مهد الطريق لنجاح الحلفاء. أتاح هذا التباطؤ غير المبرر من إبراهيم للمتحالفين فرصة تأمين معسكرهم، وشجع سكان الجبال على الانتفاض.

انضم الجبليون اللبنانيون، بمن فيهم الذين فروا سابقاً إلى قبرص بعد تمرد الربيع، تدريجياً إلى الحلفاء. شكل الحلفاء معسكرهم من لواء تركي قوامه 5,000 جندي، وفوج إنكليزي، وسرية نمساوية واحدة، تحت القيادة العامة للأميرال ستو بفورد، بينما قاد العمليات في الميدان الكومودور نيبير. على الرغم من كراهية الجبليين العميقة للحكم المصري، إلا أن خوفهم من انتقام إبراهيم جعلهم يترددون في البداية في النزول إلى معسكر الحلفاء. نفذ إبراهيم تهديده بحرق ونهب بلدة بيت شباب كعقاب على تعاون سكانها.

استخدم الحلفاء تفوقهم البحري لشن هجمات سريعة ومفاجئة على النقاط الساحلية. تم تدمير حصون بيروت، واحتُلت جبيل (بيبلوس) بعد قصف من الباخرة «سيكلوب»، حيث قُتل وجُرح من المهاجمين شخص واحد. كما استولى الجبليون على البترون بمساعدة السفن، بينما صمدت طرابلس بسبب بعد قلعتها عن الشاطئ. تولى الكومودور نيبير بنفسه قيادة الحملة على صيدا، واستولى عليها في 15 أيلول (سبتمبر)، وتبعه سقوط صور وحيفا. وهكذا، اعترف الساحل السوري بحكم السلطان باستثناء نقاط قليلة، وبدأت القبائل الداخلية تتوافد على الساحل لتسلم السلاح.

ظل الأمير بشير، حاكم لبنان، مخلصاً لإبراهيم باشا في البداية، معتمداً على وعود الفرنسيين بدعم عسكري، بينما كان شيوخ الدروز يذعنون له. في المقابل، كان المسيحيون اللبنانيون الأكثر حماسة للعصيان ضد الحكم المصري، بدافع من مشاعر فوضوية وهشاشة النظام الإقطاعي. أرسلت فرنسا جينرال رهبان إلى الساحل السوري محولة حماية الكنيسة الكاثوليكية إلى أداة سياسية، لكن مهمته فشلت في التأثير على الجماهير. تزايدت حالات الفرار من الجيش المصري، حيث كان يأتي إلى معسكر الحلفاء يومياً المئات من الفارين السوريين والأتراك، بل وتم اكتشاف خيانة بين كبار الضباط المصريين.

بقي إبراهيم في مرتفعات بكفيا ينتظر فصل الخريف ليطرد الأسطول بعاصفة، معتمداً على وعد فرنسي بالدفاع عن سورية لخمسة أشهر. ومع ذلك، هاجم الحلفاء بجرأة بقيادة الكومودور نيبير، واستولوا على مرتفعات مقابل موقع إبراهيم. فرت الميليشيا الدرزية، وأرغم إبراهيم على الانسحاب على عجل تحت نيران المدفعية التركية، وبلغت هزيمته أن توقف عند نبع وسأل قرويين ساخرين عن أخبار هزيمته. تبعثر نصف جيشه، وألقى النصف الآخر سلاحه، وانسحب سليمان باشا من بيروت. مع احتلال بيروت، زُعت حوالي 10,000 بندقية من معسكر الحلفاء، وشُكلت قوات شعبية تحت إمرة أمير لبنان الجديد.

لكن الحلفاء ارتكبوا خطأ كبيراً بتوزيع الأسلحة بشكل عشوائي دون ضوابط، الأمر الذي أثلج صدر إبراهيم الذي رأى أن السلطان يزع سلاح القبائل. أُمرت الفصائل المصرية المتفرقة بالتحشد في زحلة، حيث تشكل معسكر ضم 11,000 شخص و8 مدافع. في غضون أسابيع، أصبح لدى معسكر الحلفاء 10,000 أسير وفار مصري، ودخل نصف لواء الأسطول التركي تحت رايات السلطان. جرى اعتقال الأمير بشير ونقله إلى مالطا، وتم تعيين الأمين بشير القاسم مكانه، مما اعتبره المؤلف إجراء سياسياً متسرعاً أسس لشرور لاحقة، وأعطى فرنسا ذريعة لتبرير تدخلها.

كان الهدف الأخير هو الاستيلاء على عكا، آخر حصن مصري في سورية. في 3 تشرين الأول (أكتوبر)، ظهر أسطول الحلفاء أمام القلعة، التي كانت مسلحة بـ 229 مدفعاً، لكن قلة منها فقط كانت موجهة صوب البحر. أطلق الأسطول المزود بـ 1,000 مدفع النار بنيران كثيفة، وأمطر المدينة بـ 15,000 قذيفة وبندقية في ثلاث ساعات. بعد انفجار مستودع بارود داخل القلبة، قُتل حوالي 1,000 جندي من الحامية، وسقطت عكا بخسائر بلغت 1,100 جندي مصري مقابل أقل من 100 في صفوف الحلفاء. لكن انفجاراً تالياً في اليوم التالي أدى لمقتل ما يربو على 100 من جنود الحلفاء.

كان لسقوط عكا وقع الصاعقة. انتفضت قبائل نابلس والجليل ولبنان الشرقي، واحتل الشيخ سعيد تبد إلله الناصرة وطبرية وصفد، بينما انتفض الشيوخ في كل مكان. شكل الشيخ عبد الرحمن عمرو قوات في الخليل. خلت فلسطين كلها من السلطة المصرية، وسادتها الفوضى، حيث نهب الفلاحون كل ما وجدوه بعد انسحاب القوات المصرية، وظلت يافا والقدس على شفير الانهيار قبل أن تنقذهما سلطة القضاة ونواب القناصل في انتظار وصول السلطات التركية. جرى تعيين باشا وقائد جديدين للجيش التركي الذي دخل سورية بقوة 15,000 جندي.

انسحب إبراهيم باشا من سهل البقاع إلى دمشق في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر)، وأعاد تشكيل جيشه الذي ظل يضم حتى 15,000 جندي. عامل الشعب في دمشق بحسنى ومنع جنوده من مبيت البيوت، وكان شديد القسوة مع الخونة. قسّم جيشه إلى ثلاثة أرتال، تحرك أولها في مطلع كانون الأول (ديسمبر)، وأخذ الطريق إلى مكة ثم السويس، عائداً إلى مصر، لتنتهي بذلك الحملة بطرد القوات المصرية من سورية.

16.الفصل السادس عشر260–269▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل خاتمة النزاع الطويل بين السلطان العثماني و محمد علي باشا مصر، ويُظهر كيف تحوّلت معاهدة لندن (تموز/يوليو ١٨٤٠) من أداة لوضع حدود لطموحات الباشا إلى فرصة سعى الباب العالي لاستغلالها للقضاء عليه نهائياً. يبين بازيلي أن الدول الكبرى لم تقصد تدمير محمد علي، بل وضع قيود عليه، لكن العثمانيين فهموا المعاهدة بشكل مختلف ورأوا فيها لحظة مناسبة لإنهاء صرحه السياسي في مصر وسورية.

يسير الفصل بتتبع التطورات السياسية والعسكرية، بدءاً من رد فعل الباب العالي برفضه لإنذار محمد علي وإصداره فرمان عزله عن مصر، ثم شروعه في غزو سورية. ويُشير المؤلف إلى أن هذا الإجراء لم يستند إلى مصالح الإمبراطورية الحقيقية ولا إلى رأي الحلفاء، بل إلى نزوات مؤقتة تغاضى عنها الدبلوماسي البريطاني آنذاك. كانت فرنسا الجهة الوحيدة التي استعدت بقوة للحرب وأعلنت أن تنفيذ تهديد الباب العالي سيكون بمثابة إعلان حرب ضدها.

يتناول الفصل بوضوح دور شخصيتين رئيسيتين في اللعبة السياسية: وزارة تيير في فرنسا التي سعت لتملق المشاعر الشعبية وصوّرت نفسها نصيراً للحرب، بينما كانت تعلم أن الملك لا يؤيد الحرب، وذلك بهدف ضمان تعاطف الجمهور والعودة إلى السلطة. في المقابل، جاءت وزارة غيزو الأكثر اعتدالاً لحلحلة الأزمة. ومع نجاح الحملة الحليفة وسقوط عكا، تبددت أحلام محمد علي بإطالة أمد الصراع، وأدرك أن عبء الحرب يقع عليه وحده، فبدأ بتحصين الإسكندرية وتحضير جيش للدفاع عن مصر، وأمر ابنه إبراهيم بالانسحاب من سورية.

يُخصص الفصل مساحة لحدث دبلوماسي شاذ هو معاهدة الكومودور نيبير (تشرين الثاني/نوفمبر ١٨٤٠)، التي وقعها القبطان البريطاني مع وزير خارجية محمد علي من دون تفويض من حكومته. تضمنت المعاهدة استدعاء القوات من سورية مقابل ضمان الدول الكبرى لحكم مصر الوراثي. ويحكم عليها بازيلي بأنها خاطئة في أساسها وشكلها، لأنها انتهكت حقوق السلطان العليا بضمان الدول لحقوق تابع دون اعتبار له، مما قد يخلق مضايقات قانونية خطيرة حتى لأوروبا نفسها.

وعلى الرغم من الخضوع الظاهري لمحمد علي وإرساله أسطول السلطان، يُظهر الفصل صعوبة إقناع الباب العالي بقبول هذا الخضوع وفقاً لمعاهدة لندن. كان الوزير الأعظم رؤوف باشا يماطل ويصر على أن المسألة بين عاهل وتابع متمرد، وليس بين حكومتين. ويصف الكاتب الحيرة العثمانية، التي بدت ضعيفة أمام كل شائعة عن إبراهيم قبل أشهر، ثم إذا بها لا تريد حتى الحديث عن الصلح بعد تحرير الساحل السوري، رغم أن جيشاً عثمانياً قوامه عشرة آلاف يواجه جيشاً مصرياً قوامه ثلاثين ألفاً لا يزال يحتل دمشق.

لم تنتهِ المحادثات إلا في أيار (مايو) ١٨٤١، بعد ضغط من الدول الكبرى، بتنازل الباب العالي عن الحق الوراثي في الحكم لمصر والنوبة ودارفور وكردوفان وسنار، وفق شروط مفصلة: وراثة لأكبر الذكور من الابن البكر فقط، ومحافظة على سيادة السلطان في السياسة الخارجية والجيش (قوامه ١٨ ألف جندياً) والمالية (جزية سنوية قدرها ثمانون ألف كيس) والمعاهدات التجارية التي ألغت الاحتكارات. ويخلص الفصل إلى أن النزاع انتهى بتأثير الدول الكبرى التي استبعدت مساعي فرنسا، واضطرت الأخيرة للاعتراف بالواقع الجديد في الشرق وتعلم درساً سياسياً كبيراً.

ينتهي الفصل بمناقشة معاهدة المضائق التي وُقعت في لندن في ١٣ تموز (يوليو) ١٨٤١ بين الدول الكبرى والباب العالي، والتي أقرّت قانون إغلاق الدردنيل والبوسفور أمام السفن الحربية في زمن السلم. يمتدح بازيلي هذه المعاهدة ويعدّها أفضل النتائج الإيجابية للأزمة بأكملها، حيث حوّلت الأساس الذي وضعته روسيا في معاهدة أونكيار أسكيليسى (١٨٣٣) إلى قانون أوروبي عام، مما ساعد على تهدئة الخواطر ووضع حد للاضطرابات التي كادت تقذف بأوروبا كلها في حرب واسعة.

أما عن الحجج القابلة للنقاش، فيمكن الإشارة إلى ميل بازيلي الواضح لتبرير دور روسيا وتصوير سياساتها كحكيمة ومنزهة، مقابل اتهام فرنسا بالخداع الدستوري واللعب على المشاعر الشعبية. كما يبدو قاسياً في حكمه على سلوك الباب العالي الذي يصفه بالماكر والمنتهز للفرص، مع تحيز واضح لصالح "الشيخ العنيد" (محمد علي). ومع ذلك، يحافظ الكاتب على نبرة وصفية دقيقة للمسار الدبلوماسي المتشعب، مُقراً بأن تفاصيل المحادثات التي أثرت فيها الانفعالات الشخصية للوزراء والدبلوماسيين لا تندرج ضمن موضوعه الرئيسي.

18.الفصل الثامن عشر275–283▼ résumé

يطرح هذا الفصل من كتاب قسطنطين بازيلي سؤالاً محورياً: لماذا انهار الجيش المصري في سورية أمام حفنة من الأعداء رغم قوته التنظيمية وتفوق قادته، ولماذا تكرر ذلك النمط من الفتح والانهيار في تاريخ سورية الطويل. الإجابة التي يقدمها المؤلف لا تتعلق بالفن العسكري، بل بعداوة الشعب السوري نفسه وطبيعته السياسية والاجتماعية، وهي طبيعة تجعل سورية "غنيمة عاجزة" في أيدي الفاتحين، لكنها في الوقت نفسه مستعدة دوماً للتمرد على من يحكمها.

يبدأ الفصل بمشهد انهيار إبراهيم باشا، الذي اضطر بعد هزيمته إلى الفرار عبر الصحراء إلى غزة. وصل إبراهيم إلى غزة بعد مسيرة استمرت 4 أيام، ووقع طريح الفراش. استقبل عمر باشا، مبعوث الحكومة التركية، باستخفاف، متنبئاً بأنهم سيدمرون كل ما بناه من نظام داخلي بعد "اختلاط حابلها بنابلها". يوضح المؤلف أن الجيش المصري الذي دخل سورية بـ 17 ألف جندي، تقلص إلى النصف بفرار المجندين السوريين؛ ودخل مصر بـ 9 آلاف جندي فقط. ويؤكد أن عدد قتلى الحملة كلها، بما في ذلك سقوط عكا والمدن الساحلية، لم يتجاوز 500 شخص، وهي إحصائية يوردها ليبين أن الانهيار النفسي والسياسي كان أشد فتكاً من المعارك. هذه الظاهرة، يخلص الكاتب، تفسرها "عداوة الشعب وحدها".

ثم ينتقل الفصل إلى تحليل تاريخي أوسع، قائلاً إن مصير سورية يخضع لقوانين سياسية ثابتة. العنصران الجذريان فيها هما "عادة الفوضى والتحزئة الإقطاعية"، وقد ترسخا تحت حكم السلاطين العثمانيين الفاسد على مدى ثلاثة قرون. يراجع المؤلف أمثلة تاريخية سريعة: مرور القبائل السورية لتقديم الولاء للملك المصري بطليموس بعد انتصاره على أنطيوخوس، وفي عهد العثمانيين عام 1516، وفي عهد المصريين عام 1831، مستشهداً بـ بوليبيوس الذي قال إنه "لا يوجد بلد واحد يخضع من حيث ميوله الفطرية وسرعة انفعالاته للمنتصر بتلك الرغبة التي تخضع بها سورية". وبالمثل، واجه السلطان العثماني سليم الأول تمرد الباشوات المعينين في سورية منذ البداية. يجادل المؤلف بأن أي فتح عظيم في التاريخ العثماني (من عثمان إلى عبد المجيد) كان يتطلب جهداً لصيانته يعادل الجهد المبذول لتحقيقه، وسورية هي المثال الأوضح على هذا الفشل في الصيانة.

يبني الكاتب حجته الأساسية على أن السبب الحقيقي لانهيار سورية ليس الحكم التركي وحده، وإن كان هو المسؤول الأول عن "التدمير السياسي للمنطقة". بل هناك عامل أقدَمُ وأعمقُ: تحول طرق التجارة العالمية بفعل اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح. يصرح بازيلي بوضوح: "ليس سيف سليم بل بوصلة فاسكو دى غاما هي التي وضعت حدا لرخاء سورية القديم". لقد انتزع الغرب احتكار التجارة من الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وحين حُرمت سورية من تلك الثروات التي كانت تصب في شرايينها، صارت تذوى وتتوحش منذ ثلاثة قرون. ويضيف أن صناعتها تعرضت لضربة قاضية أخيرة بسبب المنافسة الغربية المسلحة بالماكينات البخارية، في إشارة إلى انهيار صناعة النسيج التي خلفتها صيدا وصور القديمتين.

ولكن، يؤكد الكاتب، أنه يمكن التعويض عن هذه المصائب كلها إذا عادت التجارة إلى طريقها القديم عبر سورية، بفضل موقعها الجغرافي الفريد. هنا يقدم الفصل دراسة حالة عن محاولات إحياء هذا الطريق، متتبعاً تجربة الملازم الإنجليزي تشيسنيه في عشرينات القرن التاسع عشر. بنى تشيسنيه في بئر يجيك، على نهر الفرات، معبراً من أزقاق منفوخة من جلد الماعز، وأبحر به إلى بغداد متغلباً على جنوح المركب وهجمات البدو. أثبت تشيسنيه جدوى الملاحة، وأبلغ الحكومة البريطانية بالفوائد المرجوة، مقترحاً شق طريق أو مد خط حديدي بين نهر الفرات وخليج إسكندرون (شمالي حلب) لمسافة لا تتجاوز 109 كيلومترات، مما سيجعل البضائع تصل من لندن إلى الهند عبر بواخر مسطحة القعر. لكن المؤلف يسجل تحفظاته: مجرى النهر غير دائم ويتغير بالطمي، وعمقه لا يتجاوز خمسة أقدام في مواقع كثيرة حتى في موسم الفيضان، مما يجعله غير صالح للملاحة في أشهر الخريف، كما أن تعرجاته تضاعف طول المسافة.

في القسم الفلسفي من الفصل، يقدم بازيلي رؤيته لدور سورية التاريخي والروحي. يصفها بأنها "ماثرة التأثير المعنوي والمادي للشرق" و"بكر الجنس البشري"، وملتقى طرق لكل الأديان. يمر بسرعة على سلسلة الحضارات التي تعاقبت عليها: من الفينيقيين (صور وصيدا) الذين تفوقوا على مصر واليونان بفضل موقعهم، مروراً بالصراع الديني لقبيلة إسرائيل التي حافظت على التوحيد وسط الوثنية المحيطة، وصولاً إلى المسيحية التي انطلقت من صخرة الجلجلة في سورية لتغير العالم القديم، حيث "اغمرت اشعة ضوء اورشليم الغرب والشمال". ثم يصف كيف أن الإسلام، بقيادة "داعية مكة العبقري"، اختار سورية مجالاً لمآثره و"السيف رمزاً وأداة لدعوته"، فجعلها معسكراً للقوات المتعصبة. لكنه يقر بأن سورية سرعان ما حولت فاتحيها العرب إلى مركز للحضارة والفكر في القرنين الثامن والتاسع، قبل أن تنهال عليها غزوات السلاجقة والمغول والصليبيين لتنتهي تحت حكم سليم الأول.

يختتم الفصل بصورة كئيبة عن وضع سورية المعاصر للمؤلف: مليون ونصف المليون نسمة فقط (مقابل 10 ملايين في الماضي)، يعيشون في خمول، وتفتتهم التقاليد والطوائف، وتقتصر تجارتهم على تصريف المنتجات الأوروبية. يطرح الكاتب سؤالاً مفتوحاً عن مستقبل المنطقة، مشيراً إلى أنها رغم موقعها الجغرافي المتميز، لا تزال بعيدة عن استعادته بسبب ضعف المواصلات الداخلية وخطورتها. ويؤكد أن كل هذه التحليلات تفسر "النجاح السريع والسهل لأي غزو في سورية"، لكنها في المقابل تفسر أيضاً فشل أي غزو في تثبيت حكم دائم ورخاء حقيقي، ما لم يراعَ الطابع السياسي والروحي الفريد لهذه الأرض التي كانت دائماً مسرحاً لتنافس الشرق والغرب.

19.الفصل التاسع عشر284–296▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على عودة الحكم العثماني إلى سورية بعد انسحاب المصريين، ويُحلّل الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها السلطات العثمانية الجديدة، والتي أدت إلى فوضى سياسية واقتصادية واجتماعية. يُقدّم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن العثمانيين، بدلاً من البناء على التطورات الإيجابية التي حققها الحكم المصري، سارعوا إلى هدم كل شيء، مما أطلق العنان للتعصب الديني والاضطرابات، وأضعف سلطة الدولة، وجعل سورية ساحة للتدخل الأجنبي.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر سلسلة من الأحداث والقضايا. يبدأ بوصف حالة الفوضى التي أعقبت رحيل إبراهيم باشا، حيث انفجرت المشاعر المكبوتة، وخاصة التعصب ضد المسيحيين، الذين لجأوا إلى القنصليات الأجنبية، وخاصة الروسية. يُظهر تحرك القنصليات، بضغط من البعثة الروسية في القسطنطينية، والذي أسفر عن فرمانات في كانون الثاني 1841 تحمي المسيحيين، كدليل على ضعف السلطة العثمانية ونفوذ الدول الأجنبية المتزايد في الشؤون الداخلية لسورية.

ثم ينتقل الفصل إلى المسار الإداري الخاطئ الذي اتبعه الباب العالي، الذي قسّم سورية إلى باشاليكات (ولايات) على النمط القديم، وألغى نظام الإدارة المصري الملائم. يصف الفصل شخصيات الحكام الجدد، مثل نجيب باشا في دمشق، الذي بدأ بالرياء والنفاق لإرضاء الرعاع، لكنه سرعان ما أدرك خطأه عندما انفجرت الفتنة في خريف 1841، وفهم أخيراً حقيقة أدركها إبراهيم قبله: أن التسامح الديني هو أفضل ضمان لسلطة الحكم. يقدم المؤلف مثالاً حياً على تحول نجيب باشا، حيث يروي كيف أمر مسيحياً تعرّض للضرب بسبب ارتداء عمامة بيضاء بأن يرفع المنديل الأسود عن رأسه الجريح ويرتدي العمامة البيضاء، وعاقب المعتدين، وأرسل أحد المعترضين إلى مستشفى المجانين، مما كان له أثر منقذ في المدينة.

بعد ذلك، يُفصّل الفصل الكارثة الاقتصادية التي حلت بسورية نتيجة للأخطاء العثمانية. تم إلغاء النظام الاقتصادي المصري قبل أن يكون لدى العثمانيين أي بديل، مما أدى إلى نهب المستودعات وخراب المشاريع الاقتصادية. رفع الشعب يده عن دفع الضرائب، وعندما نفدت أموال العثمانيين، عادوا لنظام الضرائب المصري نفسه، مما أثار سخط الشعب. تؤكد الأرقام التي يقدمها الفصل هذه الكارثة: ففي سبع سنوات، التهمت سورية 700 ألف كيس من خزينة الدولة، وبلغ متأخر المستحقات في العام 1851 حوالي 150 مليون كيس. الجمارك فقط هي التي ازدادت، لكن ليس بسبب نشاط تجاري، بل بسبب تطبيق التعريفة الجديدة القائمة على المعاهدة التجارية لعام 1838.

يكرس الفصل قسماً طويلاً لشرح هذه المعاهدة وتأثيرها المدمر. هذه المعاهدة، التي ألغت كل الاحتكارات والرسوم الداخلية وفرضت رسماً جمركياً بنسبة 5% على الواردات و12% على الصادرات، كانت تجسيداً لنظرية التجارة الحرة. لكن المؤلف يهاجم هذه النظرية بشدة، معتبراً إياها غير مناسبة لظروف المنطقة. الحجة الأقوى التي يقدمها هي تدمير صناعة النسيج السورية: فبينما كان في المدن السورية 60 ألف نول للحرير والديباج قبل أربعين سنة، لم يبق منها الآن سوى 2,500 نول. يستخدم المؤلف هذا المثال ليدلل على الفرق بين النظريات المجردة والواقع الملموس، محسوباً الخسارة اليومية من الدخل الصافي، ومقارناً بين قيمة القطن الخام الذي يبيعه الفلاحون وقيمة المصنوعات القطنية المستوردة التي تبلغ 3 ملايين روبل سنوياً.

يعود الفصل في ختامه إلى تقييم نظام الإدارة العثماني الجديد، الذي يصفه بأنه خليط من التناقضات. فمن ناحية، ألغى العثمانيون نظام الالتزامات وفرضوا نظاماً مركزياً للموظفين الحكوميين، لكن من ناحية أخرى، ما زال الفساد متفشياً حيث يتقاسم الحكام أرباح الالتزامات مع الملتزمين. سورية وحدها كانت معفاة من التجنيد، ولا تزال فيها قاعدة غريبة تسمح لكل باشا بتعيين حاشيته الخاصة مما يسبب فوضى إدارية دائمة مع كل تغيير في الحكم. يعترف المؤلف بأن هذه الإصلاحات، رغم فشلها وعدم ملاءمتها لواقع المنطقة، تحمل جانباً إيجابياً: وهو إضعاف السلطة المطلقة للحكام وتطوير مفهوم الحقوق الإنسانية لدى القبائل السورية، وهو جوهر أي نجاح مدني. يخلص المؤلف إلى نقطة جدلية مفادها أن اتجاه الإصلاح هذا، رغم كونه ضاراً للدولة العثمانية، إلا أنه قد يقود القبائل الشرقية إلى مستقبل أفضل، لأن مصلحة الدولة تتعارض في تركيا مع المصلحة الاجتماعية، خاصة في ظل استمرار اضطهاد القبائل التابعة.

20.الفصل العشرون297–306▼ résumé

بدأ الفصل بوصف التحول في موقف الباب العالي تجاه المسيحيين في سورية، حيث صدرت أوامر صارمة للباشوات بتجنب إعطاء فرنسا أي ذريعة للشكوى. في المقابل، أصبحت مواقف القنصلية الروسية أكثر ودية مع السلطات المحلية. ومع ذلك، كان المسيحيون يلجأون بأعداد كبيرة إلى حماية العلم الروسي، مما فرض رقابة على الباشوات وأضعف سلطتهم. وزعت القنصلية الروسية أوامر السرعسكر التي تهدد بمعاقبة من يسيء إلى المسيحيين والكنائس. استخدم الباشا هذه التهديدات لتبرير مقاومته لتعصب رعاياه المسلمين، لكنه غفل عن أنه بذلك أضفى شرعية على تدخل الدولة المسيحية. كانت أوامر الباشا مليئة بالاستشهادات من القرآن لصالح التسامح الديني، مشيراً إلى أن القرآن يحتوي على كل شيء في السياسة والقضاء.

في عهد عبد المجيد، أصر الوزراء والعلماء على استحالة إلغاء حكم الإعدام على المرتد المسيحي الذي يشهد عليه بالكذب، أو قبول شهادة مسيحي بحضور مسلم، رغم أن القرآن لا يشير إلى هذين الحكمين. أدى تهديد الدول المسيحية بالحرب إلى تخفيف قانون المرتدين، لكن القانون الآخر المتعلق بعدم قبول شهادة المسيحي بقي سارياً بقوة. منذ سيطرة الحكم التركي، ساهمت هفوات السلطة وعجزها، والتحالف مع الدول الأوروبية، وتأثير وثيقة غلخانة، وتعصب المسلمين السوريين، في تطور أفكار جديدة أدت إلى أزمات دامية كشفت عنها الأحداث اللاحقة وعرضت المسيحيين السوريين لمحن مريرة، محذراً من استئناف هذه الأزمات قريباً.

انتقل الفصل إلى سرد تاريخي مفصل لقصة عائلة كوجوك علي أوغلو في منطقة بياس، الواقعة في موقع تاريخي استراتيجي هو ممر طوروس الذي يربط الأناضول بسورية. بدأ القصة مع خليل بيه، الملقب بكوجوك علي أوغلو، الذي قضى شبابه في النصف الثاني من القرن الثامن عشر كقاطع طريق في جبال بياس. مارس النهب على القوافل والمدينة حتى كوّن عصابة وأقدم على احتلال المدينة بقتل سكانها ذوي العقل والثروة غدراً، ليصبح حاكماً مطلقاً. تحولت حقوقه الأولى من السلطان لحماية الممرات إلى طغيان جامح، معتمداً على السيف ومناعة المنطقة. ظل الحاكم الوحيد الذي لا يحد سلطته سوى الحفاظ على الفلاحين كمصدر للدخل.

بقي كوجوك علي أوغلو حوالي نصف قرن يرتكب الفظائع، يبث الذعر في القوافل ويتنقل بين غضب الباب العالي وعفوه، معتمداً على المصالح المشتركة بينهما. كان جيشه لا يتجاوز 500 مقاتل، لكنه كان يضلل القوافل بجعل رجاله يسيرون ذهاباً وإياباً ويبني تحصينات وهمية من الطين والقش. كما كان يعلق ضحاياه على المشنقة عند مرور القوافل الكبيرة، خاصة قوافل الحجاج، ليثير الخوف ويجبرهم على دفع الضرائب. روى الفصل قصة إعدامه لصيرفي مسيحي مريض ليستخدم جسده كديكور رهيب. عندما نال لقب باشا، لم يغير من حياته البسيطة، فرفض لبس الزي الرسمي لعدم وجود مقاس لرأسه الضخم، واكتفى بزوجتين ولم يحتفظ بحريم.

سرد الفصل حادثة احتجازه لسفينة إنكليزية في عام 1789، حيث قبض على القبطان وطاقمه وطالب بفدية، مما دفع القبطان للانتحار. ثم حادثة أخرى لسفينة فرنسية غنية في عام 1796، حيث استولى على حمولتها وأغرقها بعد استقبال القبطان بترحاب، ثم سمح له بالذهاب مع طاقمه لتقديم شكوى. بعد وساطة فاشلة من القنصل الهولندي ماسيه، جهز الباب العالي حملة بحرية، لكن خليل هرب إلى الجبال وزود السفن بالمؤن وأهدى القادة الهدايا، فحصل على عفو جديد وفرمان برتبة أعلى. تكررت هذه الحملات بنفس النتيجة.

في عام 1801، عاد القنصل ماسيه من القسطنطينية حاملاً فرماناً، لكنه اعتقل بأمر من خليل وطالب بفدية قدرها 50 ألف قرش، أي ما يعادل أكثر من 10 آلاف ريال فضة. باع ماسيه ممتلكاته ودفع ثلث الفدية، وأشهدوه على عمليات إعدام لأسرى آخرين عجزوا عن الدفع، حتى أفرج عنه بعد دفع الثلثين الباقيين من القافلة المارة. مات خليل في عام 1808 برتبة وزير، مخلفاً مملكته لابنه دده بيك، الذي رفض رد الأموال إلى القنصل ماسيه بحجة عدم جواز اتهام والده المتوفى، وإلا لطالب جميع المتضررين.

لم يستمر حكم دده بيك طويلاً، وامتد نهبه إلى الطرق والبحر، فهاجم السفن في ميناء مرسين واغتصب السفن في إسكندرون. في عام 1815، هاجمه جيش من قبائل طوروس قوامه 15 أو 16 ألفاً بقيادة تشابان أوغلو بأمر من الباب العالي، لكنه صده. ثم في عام 1820، هزمه مصطفى باشا الأضني بمساعدة القبائل المجاورة، وأرسل رأسه إلى إسطنبول. كان مصطفى نفسه قاتل أخيه، واشترى باشاليك أضنة بعد فراره بالخزينة، ثم تنقل بين الباشاليك وكافأ على إخضاع بيلان وبياس، ثم نفي إلى بورصة بسبب شكوى القنصل الروسي.

بعد موت دده بيك في عام 1820، خلفه أخوه الأصغر مستيك بيك البالغ من العمر عشر سنوات، الذي حكم المنطقة بتوجيه من عمه. بعد صراعات مع أفاق آخرين، بما في ذلك الحاج علي بيك الذي استولى على أضنة، هزم مستيك بيك خصماً آخر وقتله. انتهز مستيك فرصة الحملة المصرية، وانضم إلى المصريين مع جيش إبراهيم وجنى من الغنيمة بعد هزيمة الجيش التركي في بيلان، فثبته إبراهيم في حكم بياس بدفع مرتب ثابت بدلاً من الابتزازات. بعد انسحاب المصريين في عام 1840، انحاز إلى العثمانيين ونال وسام الافتخار. استمر مستيك بيك في النزاع مع باشوات أضنة حتى عام 1851، حيث جهزت حملة ضده، فغادر بياس ودخل في خدمة باشا حلب، قائلاً إن منطقته ترسف في الفوضى حتى الوقت الحاضر.

21.الفصل الحادي والعشرون307–314▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على حالة الاضطراب والفوضى التي سادت جبل لبنان في أعقاب خروج المصريين وعودة الحكم العثماني المباشر، ليُظهر كيف أدى ضعف الحاكم الجديد وتضارب مصالح القوى الداخلية والخارجية إلى إشعال صراع كان مقدمة لاحقة لإراقة الدماء. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن المنطقة أصبحت مسرحاً لصراع مشوش بين النظام الإقطاعي القديم الذي يمثله الدروز والشيوخ، ومحاولات المركزة الجديدة، وسط أطماع متزايدة من الموارنة وتدخلات أوروبية، مما جعل أي استقرار مستحيلاً في ظل حاكم غير مؤهل.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر وصف دقيق للشخصيات والأحداث التي أوصلت لبنان إلى هذا المنعطف الخطير. يبدأ بتقديم الأمير بشير القاسم، الحاكم الجديد، كنقيض تام لسلفه القوي الأمير بشير الشهابي. لم يتمتع الأمير بشير القاسم بأي صفات قيادية تتناسب مع طبيعة الجبليين؛ فهو لم يكن يمتلك ذهناً ثاقباً، أو خلقاً مرناً، أو تجربة في الإدارة، بل كان رجلاً تقياً بسيطاً ولكنه ضعيف. وقد أظهر هذا الضعف باكراً بممارسة شعائره المسيحية علناً، مما أغضب الباب العالي الذي رأى في ذلك خسارة سياسية، لأنه أفقد الحكم حيلة التمويه الديني التي ميزت سلالة الشهابيين المنحدرة من نسل النبي، كما أغضب الدروز الذين نقموا على تزايد نفوذ الموارنة منذ أن اعتنقت العائلة الحاكمة المسيحية.

يشرح الكاتب كيف عاد شيوخ الدروز المنفيون، مثل آل جنبلاط وآل أرسلان، الواحد تلو الآخر إلى جبالهم بعد أن كانوا ضحايا ملاحقات بشير الشهابي طيلة خمسين سنة، ليجدوا أتباعهم الذين عانوا من التجنيد والضرائب في ظل الحكم المصري يشتاقون إليهم ويتطلعون لاستعادة زعامتهم وإقطاعاتهم. من ناحية أخرى، كان الموارنة، الذين شكلوا الأغلبية في هذه المناطق الإقطاعية الدرزية، قد استفادوا من فترة حكم بشير الشهابي التي كانت تميل لهم، وشاركوا في حملة عام ١٨٤٠ ضد إبراهيم باشا، مما بعث فيهم نشاطاً جديداً جعلهم يرفضون الخضوع للأسياد الدروز القدامى.

ثم ينتقل الفصل ليصف حالة التخمر العقائدي في النواحي الشمالية ذات الغلبة الكاثوليكية، حيث لعب رجال الدين الموارنة دوراً محورياً في تأجيج المشاعر. يُظهر المؤلف أن شعور الامتنان للسلطان التركي بعد التحرير من المصريين سرعان ما تحول إلى سخط، إذ بدأ الجبليون المسيحيون ينسبون لأنفسهم الفضل في هزيمة المصريين، ويتطلعون إلى امتيازات جديدة. ويوضح كيف أن البطريرك الماروني نفسه، الذي كوفئ من السلطان بهدية ووكيل لدى الباب العالي، أضحى أكثر جرأة في مطامعه، واندفع في مناقشات عقائدية حول أخذ السلاح من أيدي البروتستانت (الهراطقة)، متأثراً بمساعي المبشرين البروتستانت الأميركيين الذين استقروا في بيروت قبل خمسة عشر عاماً، والذين رأى فيهم الكاثوليك تهديداً مباشراً لنفوذهم، واتهموهم بإثارة الشقاق بدلاً من دعوة الكفار.

يُدخل المؤلف التدخل الأوروبي كعامل حاسم. فمنذ رحيل الأسطول الإنكليزي، بقيت سرية من جيش الإنزال في بيروت تضم ضباطاً تنقلوا في سورية، وتدخلوا في شؤون الإدارة. وفي الوقت نفسه، تتبع ممثلو فرنسا هذه الممارسات، وزادوا من حدة التعصب لدى الكاثوليك لمواجهة المد البروتستانتي. ونتيجة لذلك، نجد الجميع يترقب: الأهالي الجائعون الذين فقدوا خبزهم في الشتاء القاسي، يموتون جوعاً ويتلقون مساعدات من القنصلية الفرنسية التي استعادت عطفهم. وبينما ينتظر الموارنة ظهور أسطول فرنسي لتحريرهم، كانت لكل حزب أهدافه الخاصة: الشيوخ الدروز يريدون إعادة الإقطاع، وأنصار الأمير القديم يريدون عودته، ورجال الدين الموارنة يحلمون بإقامة إدارة ثيوقراطية على أنقاض السلطات العلمانية.

في قلب هذه الفوضى، كان الوالي سليم باشا يجسد عداء السلطات التركية للحاكم الجديد. كان سليم باشا، الذي منح لقب سرعسكر سورية بعد حملته الناجحة، رجلاً أمياً حاقداً، يؤمن بقوته الوهمية ويتهم الأمير بشير القاسم بالخيانة. استخدم هذا الباشا كل أدوات السياسة التركية المألوفة من اضطهاد سري ضد الأمير التعيس، ليدفعه نحو أزمة العام ١٨٤١. تصاعدت الأزمة في الربيع عندما أمر الباب العالي بجباية ضريبة سنوية من لبنان قدرها ٥,٠٠٠ كيس من إنتاج الحرير، وهو مبلغ معتدل جداً مقارنة بأيام المصريين، ليدخل كدخل للحكومة بعد أن خصص الأمير ثلثيه لنفقات الإدارة.

الحدث الأبرز في الفصل كان انعقاد مجلس عين عنوب، على بعد ١٠ كيلومترات من بيروت، حيث تمت دعوة مندوبين من كل النواحي. هنا تحول الحوار إلى انفجار. لم يكتف الأسقف الماروني طوبي، المفوض من البطريرك والمدعوم فرنسياً، باقتراح رفض دفع الضرائب، بل طالب بمكافآت وتعويضات عن خدمات الجبليين في الحرب، وألغاء الرسوم الجمركية الجديدة. وتحت تأثير هذا التطرف، انفصل الأرثوذكس والدروز عن الموارنة. حيث أدرك الأرثوذكس خطورة المطالب الكاثوليكية، بينما حرض الدروز من جهتهم خصومهم الموارنة السذج سراً، على أمل إشعال فتنة تسمح لهم بإعادة قوانينهم الإقطاعية القديمة. وقدم الموارنة طلباً قالوا فيه إنهم لا يحتاجون إلى حماية الحكومة بل هم من يستطيعون حماية الآخرين، وهي ذرائع كما يوضح المؤلف، أوصى بها المحسنون الأوروبيون أنفسهم.

أما عن دور الحاكم نفسه، فلم يفلح الأمير بشير القاسم في كبح هذا المجلس الفوضوي وأظهر ضعفه للجميع. رفض الدروز مساعدته الغادرة إلا بشرط خضوعه لحماية أحد آل جنبلاط، في حين كانت الأرستقراطية المارونية تسعى لاستعادة نفوذها الفوضوي الذي قضى عليه سلفه. وحين حاول الأمير استمالة الجماهير الشعبية بوعود التسهيلات والمساواة وتخليصهم من النير الإقطاعي، لم يجد إلا السخرية، إذ فسر الشعب لطفه وعجزه لا أكثر.

ويختتم الفصل بتصعيد التوتر لدرجة الذروة. فبدعم من التبرعات النمساوية والمساعدات الفرنسية التي كانت تهدف لاستعادة النفوذ السياسي، استغل رجال الدين الموارنة هذه الأموال لتأجيج المشاعر بدلاً من تخفيف معاناة الشعب. كان اللبنانيون يقرؤون المقالات المترجمة من الصحف الفرنسية ويتحدثون عن سويسرا كمنطقة جبلية لا تدفع ضرائب، وانتظرت الجماهير ظهور الأسطول الفرنسي. في الوقت نفسه، كان الدروز يشترون الأسلحة الرخيصة التي خلفها الحلفاء والمصريون. وأخيراً، مع تأسيس إنكلترا وبروسيا لأسقفية بروتستانتية في القدس بهدف دعوة اليهود إلى المسيحية، تأكدت في أذهان القبائل اللبنانية المآرب الحقيقية لهذه القوى، فأصبح كل طرف يترقب إشارة البدء، والجميع ينتظرون ظهور سفينة فرنسية أو إنكليزية لتحريك المياه الراكدة نحو الدماء.