الصليبيون في الشرق
يسعى كتاب "الصليبيون في الشرق" لميخائيل زابوروف إلى تفكيك الصورة الرومانسية والدينية التي أُحيطت بها الحروب الصليبية، مقدماً بدلاً منها تحليلاً مادياً وتاريخياً يركز على الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الكامنة وراء هذه الحركة. الموقف الذي يدافع عنه المؤلف هو أن الحروب الصليبية لم تكن "حروباً مقدسة" لتحرير الأراضي المقدسة، بل كانت نتاجاً لأزمة عميقة في أوروبا الإقطاعية، استغلتها الكنيسة الكاثوليكية بمهارة لتوجيه عدوانية الفرسان وتخفيف الضغط الاجتماعي، كما كانت أداة للتوسع السياسي والاقتصادي للبابوية والمدن التجارية الإيطالية. يرى زابوروف أن الدافع الديني لم يكن سوى غطاء أيديولوجي لمصالح مادية وسياسية عميقة، وأن الحروب الصليبية كانت مشروعاً استعمارياً مبكراً جلب الدمار والخراب للشرق.
تبدأ حجة الكتاب بتحليل البيئة الأوروبية التي أنتجت الحركة الصليبية. يوضح الفصل الأول أن أوروبا الغربية في القرن الحادي عشر كانت تعاني من أزمة حادة، حيث أدى تطور التجارة وانتشار الاقتصاد النقدي إلى شح النقود وازدياد فقر الفلاحين، الذين كانوا يطالبون بضرائب باهظة. ويذكر الكتاب شهادات تاريخية عن مجاعات قاسية، مثل سنة 1018 التي سُميت "عام الطاعون"، وسنة 1095 التي مات فيها الآلاف بسبب الأوبئة. في هذه الأجواء اليائسة، وجد الفلاحون في الدين ملجأً، بينما كان الفرسان، لا سيما الأبناء الأصغر سناً المحرومون من الميراث، يشكلون عصابات لصوصية تهدد استقرار المجتمع. هنا ظهرت الحاجة لدى الطبقة الحاكمة والكنيسة لإيجاد مخرج يوجه عدوانية الفرسان نحو الخارج. كانت الحملات في إسبانيا نموذجاً أولياً لهذه الحرب المقدسة، حيث باركها الباباوات ووعدوا المشاركين بغفران الخطايا. كما أن حركة الحج الجماهيري إلى القدس مهّدت الطريق للحروب الصليبية، حيث عرفت الأوروبيين بطرق الشرق وألهبت مطامعهم. يرفض الكتاب بشكل قاطع فكرة اضطهاد السلاجقة للمسيحيين، معتبراً أن الروايات عن ذلك كانت مجرد شائعات دعائية أطلقتها روما، مستنداً إلى مؤرخين مثل غليوم الصوري وميخائيل السرياني اللذين أكدا أن السلاجقة طبقوا سياسة التسامح الديني.
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى عرض تفصيلي للحملة الصليبية الأولى، مبرزاً دور البابا أوربان الثاني الذي استغل الوضع المتردي للإمبراطورية البيزنطية وضعف السلاجقة وانقسامهم. يصف المؤلف خطاب البابا في مجمع كليرمون في 27 نوفمبر 1095 بأنه لم يكن خطاباً روحانياً، بل جمع بين الوعود الدينية والحوافز المادية، حيث وعد الصليبيين بغفران الخطايا والثواب السماوي، وفي الوقت نفسه أغراهم بالأراضي الخصبة في الشرق التي "تسيل عسلاً ولبناً". يصف الفصل الحملة الشعبية التي سبقت حملة الفرسان، بقيادة واعظين مثل بطرس الناسك، حيث سار الفلاحون الفقراء نحو الشرق وسلكوا سلوك النهابين، وانتهت بهزيمة ساحقة على يد السلاجقة في 21 أكتوبر 1096. أما حملة الفرسان المنظمة، فقادها قادة مثل غودفروا دي بويون وبوهيموند من تارانتو وريمون دى سان جيل، الذين كانت دوافعهم تحقيق مكاسب دنيوية. يصف الفصل وصولهم إلى القسطنطينية وإجبارهم على أداء يمين الولاء للإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول مقابل الدعم المادي واللوجستي، ليتم نقلهم بعد ذلك إلى آسيا الصغرى.
ينتقل الكتاب إلى تحليل الدول الصليبية التي أقامها الغزاة في الشرق، وهي مملكة القدس، وكونتية الرها، وكونتية طرابلس، وإمارة أنطاكية. يصف زابوروف هذه الدول بأنها أنظمة إقطاعية مستقرة نسبياً، استطاعت البقاء لعقود بفضل ضعف العالم الإسلامي وانقسامه، لكن بذور ضعفها كانت واضحة منذ البداية. يوضح الفصل أن النجاح الأولي للصليبيين كان بسبب انقسام القوى الإسلامية إلى كيانات سلجوقية وعربية وشيعية متناحرة. أما البنية الداخلية لهذه الدول، فكانت مزيجاً من النظم الإقطاعية الأوروبية والنظم المحلية السابقة، حيث تحول السكان المحليون من مسلمين ومسيحيين إلى أقنان يدفعون ضرائب باهظة تصل إلى نصف المحصول، ويعانون من ضريبة الرأس والحرمان من الحقوق. يورد الفصل شهادات من أسامة بن منقذ وابن جبير تؤكد ثقل الأعباء على السكان، ويشير إلى نضال الأقنان من خلال انتفاضات مثل هجوم فلاحي السامرة على نابلس سنة 1113، وانتفاضة بيروت وصيدا سنة 1131. كما يحلل الفصل النظام السياسي الإقطاعي الهرمي، حيث كانت السلطة الملكية اسمية والبارونات يتمتعون بسلطة واسعة، مما أدى إلى ضعف الدولة المركزية. كانت التجارة، رغم ازدهارها، في أيدي الإيطاليين من جنوه وبيزا والبندقية، مما جعلها موجهة للخارج وحال دون وجود أساس اقتصادي متين للدولة. ويختتم الفصل بذكر أسباب الضعف الأخرى، مثل صغر مساحة الدول الصليبية، وقلة عدد المستعمرين الذين لم يتجاوزوا 1200 فارس تحت راية الملك، والاعتماد على الحجاج القادمين من أوروبا، والتوترات الداخلية بين الفرسان القدماء والوافدين الجدد، ودور الجمعيات العسكرية الرهبانية مثل الهيكليين والإسبتاليين التي كانت بمثابة دولة داخل دولة.
يركز القسم التالي على تطور الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر، متتبعاً تحولها من مشروع ديني جماهيري إلى أداة للصراع السياسي. يصف الفصل كيف فقدت الحملات الصليبية زخمها الديني الأصلي، لتكشف عن الطابع الإقطاعي والتنافسي للمشاركين، مما أدى إلى إخفاقاتها المتكررة في مواجهة القوى الإسلامية المتماسكة بقيادة عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي. يوضح أن استيلاء زنكي على الرها في ديسمبر 1144 شكل صدمة هائلة للوجود الصليبي، وكان الشرارة للحملة الصليبية الثانية، التي قادها البابا أوجينيوس الثالث وأشهر واعظيها برنار من كليرفو. يصف الفصل الإخفاقات المتتالية لهذه الحملة، وأبرزها خلافات القادة وانهيار الانضباط، وكشف الفصل عن انقسام العالم المسيحي الغربي، حيث هاجم ملك صقلية روجر الثاني بيزنطة المسيحية وتحالف مع مصر الإسلامية. وانتهت الحملة بفشل ذريع بعد حصار فاشل لدمشق. ثم ينتقل الفصل إلى عصر النهضة الإسلامية بقيادة صلاح الدين الأيوبي، الذي وحد مصر وسوريا، وقاد معركة حطين في 4 يوليو 1187 التي حطم فيها الجيش الصليبي وأسر ملكه، ثم استولى على القدس في أكتوبر 1187 دون إراقة دماء، متعاطفاً مع سكانها المسيحيين بشكل فاق وحشية الصليبيين قبل مئة عام. هذا الحدث دفع أوروبا للحملة الصليبية الثالثة، لكن الحماس الشعبي تضاءل بشكل كبير.
يخصص الكتاب فصلاً مفصلاً للحملة الصليبية الرابعة، التي تعتبر ذروة انحراف الحركة الصليبية عن أهدافها المزعومة. يصف الفصل كيف حوّل الصليبيون، بتحالف مع جمهورية البندقية، مسار حملتهم من تحرير القدس إلى الاستيلاء على القسطنطينية المسيحية في أبريل 1204. يكشف المؤلف عن الدوافع الحقيقية وراء هذا الاستيلاء، حيث كان البابا إينوشنتيوس الثالث يسعى سراً لإخضاع الكنيسة الشرقية، بينما كان البندقيون يطمحون للسيطرة على التجارة البيزنطية. يصف الفصل ضعف الإمبراطورية البيزنطية الذي جعلها فريسة سهلة، حيث تدهورت التجارة وهزلت خزينة الدولة. ويصف بالتفصيل فظائع الصليبيين خلال ثلاثة أيام من النهب والسلب والحرق والاغتصاب، وتدمير كنائس مثل آجيا صوفيا، وتحطيم المدافن والتماثيل البرونزية مثل تمثال هرقل للفنان ليسيپوس، وإحراق المكتبات الثرية بالمخطوطات. يُقارن المؤلف هذا السلوك الهمجي بمسلك الفاتحين المسلمين المتمالك نسبياً تجاه المقدسات المسيحية. أسفرت الحملة عن تأسيس الإمبراطورية اللاتينية التي دامت أكثر من خمسين سنة، وانتهت في سنة 1261 عندما استولى إمبراطور نيقية ميخائيل الثالث باليولوغ على القسطنطينية. يصف الفصل أيضاً الحملات الشعبية اليائسة مثل "حملتي الأطفال" في سنة 1212، حيث تحركت جموع الفلاحين الفقراء بقيادة صبيان لتحرير القدس، لكنهم هلكوا في الطريق من الجوع والقيظ أو وقعوا في أيدي القراصنة.
وأخيراً، يقدم الكتاب تحليلاً شاملاً لنتائج الحروب الصليبية، مجادلاً بأنها فشلت في تحقيق أهدافها السيطرة الدائمة على الشرق، تاركة إرثاً معقداً من الآثار السلبية في الغالب. يبين المؤلف أن الفكرة المقدسة للحملة أصبحت أداة بيد البابوية لتحقيق أهداف سياسية داخل أوروبا، مما أضعف مصداقيتها وأدى إلى انتشار الشكوك. يصف الفصل الحملات التي قادها الملك لويس التاسع ملك فرنسا، فالسبعة التي انطلقت عام 1248 واستهدفت مصر، وانتهت بكارثة في معركة المنصورة عام 1250 حيث أُسر الملك وأُجبر على دفع فدية ضخمة قدرها 800 ألف بيزنطة. ثم الحملة الثامنة عام 1270 التي استهدفت تونس بهدف تنصير أميرها، وانتهت بموت الملك نفسه بسبب وباء. يصف الفصل بعد ذلك صعود قوة المماليك بقيادة السلطان بيبرس، الذي استولى على مدن الصليبيين واحدة تلو الأخرى حتى سقوط عكا، آخر معاقل مملكة القدس، عام 1291. يختتم الكتاب بإرث الحروب الصليبية، معترفاً ببعض الآثار الإيجابية في أوروبا مثل تعزيز التجارة الإيطالية والتبادل الثقافي، لكنه يؤكد أن دورها كان سلبياً بشكل عام. يرى المؤلف أن الخسائر والأضرار التي سببتها تجاوزت بكثير أي فوائد، حيث دمرت الإمبراطورية البيزنطية عام 1204، وأضعفتها بشكل دائم، وجلبت الخراب والدمار لبلاد الشام وفلسطين ومصر، وخلفت ذكرى أليمة من الكراهية والتعصب استمرت لقرون.
من بين الحجج القابلة للنقاش بوضوح في هذا الكتاب هو التفسير المادي للتاريخ الذي يتبناه الكاتب، والذي يركز بشكل شبه حصري على العوامل الاقتصادية والطبقية كمحرك للأحداث، متجاهلاً إلى حد كبير دور المعتقدات الدينية الصادقة والحماسة الروحية التي ربما كانت دافعاً حقيقياً للعديد من المشاركين العاديين في هذه الحروب. كما أن وصف الصليبيين كمجرد مغامرين جشعين وقطاع طرق، مقابل تصوير القوى الإسلامية في صورة متسامحة ومتحضرة، قد يكون تبسيطاً مفرطاً للواقع التاريخي المعقد. لكن على الرغم من ذلك، يظل كتاب "الصليبيون في الشرق" عملاً مهماً يقدم رؤية نقدية جذرية ومضادة للخطاب الأوروبي التقليدي حول الحروب الصليبية، مسلطاً الضوء على أبعادها الاقتصادية والسياسية والإمبريالية التي غالباً ما تُهمل في السرديات الدينية المقدسة.
Chapitres(7)
1.نشوب الحروب الصليبية13–40▼ résumé
يُحلّل هذا الفصلُ الأسبابَ الحقيقيةَ لنشوب الحروب الصليبية، مُقدّماً إجابةً واضحةً: هذه الحروب لم تكن مجردَ حملةٍ دينيةٍ لتحرير "الأرض المقدسة"، بل كانت نتاجاً لظروفٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ وسياسيةٍ معقدةٍ في أوروبا الغربية، استغَلّتها الكنيسة الكاثوليكية بمهارةٍ لتوجيه عدوانية الفرسان نحو الشرق.
يبدأ الفصلُ بتأكيد أن الحروب الصليبية، التي استمرت من أواخر القرن الحادي عشر حتى الثلث الأخير من القرن الثالث عشر، ليس لها علاقة بالمفهوم المعاصر للحملات الصليبية. ففي العصور الوسطى، لم تكن تُعرف إلا بمصطلحات مثل "الترحال" أو "الطريق إلى الأرض المقدسة". مصطلح "الحرب الصليبية" نفسه ظهر متأخراً، في القرن السابع عشر على يد المؤرخ الفرنسي لويس ميمبور، وفي ألمانيا يُنسب إلى الشاعر ليسينغ.
ثم ينتقل الفصل إلى لب الموضوع، وهو تفنيد الفكرة القائلة بأن الدافع كان دينياً محضاً. يوضح الكاتب أن أوروبا الغربية في القرن الحادي عشر كانت تعاني من أزمةٍ حادة. فقد كان النظام الإقطاعي قد تَوطّد، لكن ظهور المدن وتطور التجارة أدى إلى شُحّ النقود. الأسيادُ الإقطاعيون، الذين اعتادوا على الاقتصاد الطبيعي، أصبحوا يطالبون الفلاحين بضرائب نقدية باهظة، فازداد فقرُ الفلاحين وفاقمته الحروب الداخلية المستمرة والكوارث الطبيعية. يذكر الفصلُ شهاداتٍ تاريخيةً عن سنوات المجاعة القاسية، مثل سنة 1018 التي سُميت "عام الطاعون"، وشهادة المؤرخ رادولف غلابر عن أكل لحم البشر، وسنة 1095 التي مات فيها الآلاف بسبب الأوبئة في مدن مثل ريغنسبورغ وفرنسا وبورغونيا.
في هذه الأجواء اليائسة، وجد الفلاحون في الدين ملجأً. فقد تحولت رغبتهم في الخلاص من العوز والقهر إلى بحثٍ عن "مأثرة دينية" تُكفّر عن خطاياهم. في الوقت نفسه، كان الفرسان، لا سيما "الأبناء الأصغر سناً" الذين حرمهم نظام البكورة من وراثة الأرض، يعانون من البطالة والفقر، ويشكلون عصابات لصوصية تهدد ممتلكات الكنيسة والأسياد الكبار. هنا ظهرت الحاجة المُلحّة لدى الطبقة الحاكمة لإيجاد مخرجٍ يُشبع رغبة الفرسان في الأرض والثراء، ويُخلّص المجتمع من عنفهم، ويُثبّت دعائم النظام الإقطاعي.
يتولى الفصل شرح الدور المحوري للكنيسة الكاثوليكية، التي كانت هي نفسها أكبر مالكٍ إقطاعي. قادت الحركة الإصلاحية الكلونية التي حاولت تهدئة الأوضاع بقوانين مثل "السلام الربائي" و"الهدنة الربائية"، لكنها فشلت. ثم بدأت الكنيسة في توجيه عدوانية الفرسان نحو الخارج. يُبين الفصل أن الحملات في إسبانيا (الريكوكيستا) كانت نموذجاً أوليّاً للحروب الصليبية، حيث باركها الباباوات مثل الإسكندر الثاني وغريغوريوس السابع، ووعدوا المشاركين فيها بغفران الخطايا.
يتناول القسم التالي ظاهرةً بالغة الأهمية: الحج إلى القدس. ففي القرن الحادي عشر، تحول الحج من طقسٍ فرديٍ نادر إلى حركة جماهيرية، وصفها رادولف غلابر بأنها "جموع لا تُحصى". كان الحج بمثابة مأثرة دينية للتكفير عن الذنوب، لكنه كان أيضاً فرصةً للفلاحين للهروب من واقعهم المرير، وللفرسان والأسياد لاكتساب الشهرة والثراء والتعرف على ثروات الشرق. بهذا المعنى، مهدت حركة الحج للحروب الصليبية عقلياً وعملياً، وعرفت الأوروبيين بالطرق إلى الشرق وألهبت مطامعهم.
ينتقل الفصل إلى الحديث عن بيزنطة والسلاجقة. فبعد الهزيمة الكارثية التي مني بها البيزنطيون في معركة مانزكرت عام 1071 على يد السلطان السلجوقي ألب أرسلان، بدأت الإمبراطورية البيزنطية تنهار وتفقد ممتلكاتها في آسيا الصغرى. استغل البابا غريغوريوس السابع هذا الضعف ليحقق حلمه في إخضاع الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية للكنيسة الرومانية. لقد وضع خطةً لحملة عسكرية بذريعة "حماية المسيحية"، ووعد المشاركين "بالغبطة الأبدية بعمل طفيف". لكن صراعه مع الإمبراطور الألماني حال دون تنفيذها.
يُصحّح الفصل هنا الأفكارَ الشائعة حول اضطهاد السلاجقة للمسيحيين. يؤكد الكاتب، مستنداً إلى مؤرخين مثل غليوم الصوري ومتى الزهاوي وميخائيل السرياني، أن السلاجقة لم يكونوا متعصبين دينياً. لقد طبّقوا سياسة التسامح الديني المتوارثة عن الحكم العربي، وسمحوا للمسيحيين بممارسة شعائرهم وزيارة الأماكن المقدسة. بل إن بعض المسيحيين الشرقيين رأوا في الحكم السلجوقي خلاصاً من ظلم الكنيسة البيزنطية. حوادث الاضطهاد التي روجتها الكنيسة الغربية كانت، بحسب الفصل، مجرد "اختلاقات باطلة" و"شائعات دعائية" أطلقتها روما لتبرير العدوان ودفع المزيد من الفرسان إلى الشرق.
كان خليفة غريغوريوس السابع، البابا أوربان الثاني، أكثر حنكةً وتفصيلاً في تنفيذ هذه الخطط. لقد استغل الوضع المتردي لبيزنطة التي كانت محاصرة بين هجمات السلاجقة وغارات قبائل البتشينغ من الشمال، بالإضافة إلى هجمات النورمانديين من الغرب. الإمبراطور البيزنطي المذعور، ألكسيوس كومنينوس الأول، أرسل رسائل يائسة إلى الغرب يطلب المساعدة العسكرية، وبدا مستعداً لتقديم تنازلات حول اتحاد الكنيستين. لكن بيزنطة، وبعد أن نجحت في دحر البتشينغ والتخلص من الأمير السلجوقي تشاخا، توقفِت عن مغازلة روما وأوقفت المفاوضات، مما أثار حفيظة البابا أوربان الثاني.
يخلص الفصل إلى أن غريغوريوس السابع وأوربان الثاني قد مهّدا الطريق بشكلٍ كامل. فالمشروع الذي بقي غريغوريوس عن تحقيقه، استكمله أوربان الثاني بذكاء، معيداً إحياء شعارات الحرب المقدسة. لقد هيأت الظروف الاجتماعية والاقتصادية في الغرب (فقر الفلاحين وجشع الفرسان وأزمة الإقطاع)، ونجاح الكنيسة في توجيه العدوان نحو الخارج، ومشاريع البابوية التوسعية تجاه الشرق، ودور حركة الحج، بالإضافة إلى ضعف بيزنطة وانتشار السلاجقة، كل ذلك كان بمثابة اللبنات الأساسية التي أعدت للانفجار الكبير الذي سيُعرف بالحملة الصليبية الأولى. يبدو أن الكاتب يرى أن الدافع الديني كان مجرد غطاء أيديولوجي لمصالح مادية وسياسية عميقة، وأن كل الأطراف (البابوية، الفرسان، المدن التجارية الإيطالية) كانت تسعى لتحقيق أهدافها الدنيوية تحت ستار "تحرير القبر المقدس".
2.الحملة الصليبية الأولى41–130▼ résumé
الموضوع المحوري والإجابة التي يقدمها المؤلف
يدور هذا الفصل حول نشأة وتطور ما يُعرف بـ "الحملة الصليبية الأولى"، ويقدم تحليلاً مادياً وتاريخياً للأسباب التي أدت إلى انطلاقها، متجاوزاً التفسيرات الدينية السطحية. يرى المؤلف أن الحملة لم تكن نتاج حماسة دينية عفوية، بل كانت نتاج تقاطع مصالح معقد بين ثلاث قوى رئيسية: الباباوية التي سعت لتوسيع نفوذها السياسي وتوحيد الكنيسة تحت قيادتها، والفرسان والإقطاعيين الغربيين الذين كانوا يعانون من الضيق الاقتصادي ويسعون إلى ثروات وأراضٍ جديدة، والإمبراطورية البيزنطية التي طلبت العون ضد السلاجقة، مما شكل الذريعة المثالية للتدخل.
خط سير الفصل والأدلة والحجج
يبدأ الفصل برسم صورة متكاملة للظروف في كل من الغرب والشرق قبل الحملة. في الغرب، كان هناك فائض من الفرسان "المعدمين" الذين ينهبون ويسلبون، وفلاحون يعانون من مجاعات وأوضاع قاسية جعلتهم على استعداد لترك أراضيهم. في الشرق، كانت الدولة السلجوقية تعاني من التشرذم والصراعات الداخلية، مما جعل فكرة الاستيلاء على أراضيها تبدو سهلة المنال في القصور الإقطاعية. ويشير المؤلف إلى أن البابا أوربان الثاني استغل هذا المناخ المتفجر، فجاء طلب العون البيزنطي ليضغط على الزناد.
يركز الفصل بعد ذلك على دور البابا أوربان الثاني ومجمع كليرمون. يبين المؤلف كيف أن البابا لم يكتفِ بالوعظ، بل قام بتحركات دبلوماسية مسبقة لكسب تأييد كبار الإقطاعيين مثل أديمار من مونتييل وريمون الرابع كونت تولوز. الخطاب الحاسم الذي ألقاه البابا في 27 نوفمبر 1095 هو محور التحليل، ويكشف الفصل عن أنه لم يكن خطاباً روحانياً بحتاً، بل جمع بين الحوافز الدينية والأرضية. يشرح المؤلف كيف وعد البابا بغفران الخطايا والثواب السماوي، لكنه في الوقت نفسه أغراهم بالثروات الأرضية قائلاً إن الأرض في الشرق "تسيل عسلاً ولبناً" وأن القدس هي "محور الكون، منطقة فائقة الخصب". ويؤكد الفصل أن هذا المزيج من "الغبطة السماوية" و"الغنيمة الأرضية" هو جوهر الأيديولوجية الصليبية.
يتطرق الفصل بالتفصيل إلى الحملة الشعبية التي سبقت حملة الفرسان، والمعروفة بـ "حملة الفقراء". يقودها واعظون متعصبون مثل بطرس الناسك، وشرح كيف أن الفلاحين الفقراء، مدفوعين بالجوع والأمل في الخلاص من نير الإقطاع، بدأوا بالزحف نحو الشرق. يصف الفصل كيف كانت هذه الجموع غير مسلحة بشكل جيد، وكيف سلكوا سلوك النهابين في الطريق عبر المجر وبلغاريا، مما أدى إلى صراعات عنيفة مع السكان المحليين. يصلون إلى القسطنطينية ويبدأون في تدمير ضواحيها، مما يدفع الإمبراطور ألكسيوس الأول إلى نقلهم بسرعة إلى آسيا الصغرى، حيث يلقون هزيمة ساحقة على يد السلاجقة في 21 أكتوبر 1096، ويُقتل معظمهم أو يُؤسرون.
ثم ينتقل الفصل إلى حرب الفرسان المنظمة. يصف قوة كل من القادة الرئيسيين: غودفروا دي بويون دوق اللورين السفلى، وبوهيموند من تارانتو أمير النورمان الإيطاليين، وريمون دى سان جيل كونت تولوز. يوضح أن دوافعهم كانت تحقيق مكاسب دنيوية كاملة، فغودفروا كان يأمل في الحصول على إقطاعية مستقرة في الشرق، وبوهيموند كان يتوق للانتقام من البيزنطيين واقتطاع إمارة لنفسه، وريمون كان قد فشل في إسبانيا وكان يبحث عن مجد جديد. كما يظهر دور شخصيات أخرى مثل هوغ من فرماندوا شقيق ملك فرنسا، وروبرت دوق نورماندي وستيفن كونت بلوا. يصف الفصل الاستعدادات التي قاموا بها، مثل بيع ورهن ممتلكاتهم لتأمين النقود والسلاح، وهو ما استغلته الكنيسة ورهبان كلوني لشراء أراضيهم بأسعار زهيدة.
يختتم الفصل بالجزء الخاص بوصول هذه الجيوش إلى القسطنطينية وموقف الإمبراطور ألكسيوس الأول. يوضح المؤلف القلق البيزنطي من هذه الجيوش الغازية، وكيف تعامل الإمبراطور معها بحذر وحنكة. أدرك ألكسيوس أن قوات الصليبيين ذات جيش ضخم وقادة معادين، فقرر استخدامهم لاستعادة الأراضي البيزنطية المفقودة في آسيا الصغرى، لكن بشرط أن يقسم زعماؤهم يمين الولاء له كأتباع إقطاعيين، متعهدين بإعادة أي أراضٍ كانت تابعة للإمبراطورية. يصف الفصل كيف تم إجبار معظم القادة، مثل غودفروا دي بويون (بعد هزيمته في اشتباك مسلح) وبوهيموند من تارانتو (بعد وعوده بمساحات شاسعة من الأراضي)، على أداء هذا القسم مقابل الحصول على دعم مادي ولوجستي، ثم سرعان ما تم نقلهم عبر البوسفور إلى آسيا الصغرى لتخفيف الضغط على العاصمة.
التحفظات والأسئلة المفتوحة والآراء القابلة للنقاش
يعترف الفصل ضمنياً بأن دوافع الصليبيين كانت معقدة ومتشابكة، خاصة فيما يتعلق بالفلاحين الذين تداخلت لديهم العقائد المسيحية مع بقايا المعتقدات الوثنية، مثل سير الأوزة والعنزة على رأس الفصيلة. هذه الإشارة لا تقدم تفسيراً كاملاً، بل تترك المجال مفتوحاً لتأمل كيف فهمت الجماهير الشعبية الرسالة الدينية بشكل يختلف عن النخبة. كما أن الفصل لا يناقش بشكل موسع صدى الدعوة الصليبية في المناطق غير الفرنسية من أوروبا، بل يركز على فرنسا والمناطق المجاورة.
من بين الحجج القابلة للنقاش، التركيز الشديد على الطابع المادي والاستعماري للحملة، ربما على حساب دور المعتقدات الدينية الصادقة لدى بعض المشاركين. فوصف الأيديولوجية الصليبية بأنها "نصل ذو حدين" يجمع بين "الخلاص والنقود" هو تحليل قوي، لكنه قد لا ينطبق على كل فرد في هذه الجيوش، خاصة بعض الفقراء الذين آمنوا حقاً أنهم في "حج مقدس".
3.دول الصليبيين في الشرق131–169▼ résumé
ملخص الفصل: "دول الصليبيين في الشرق"
يتناول هذا الفصل من كتاب "الصليبيون في الشرق" بالتفصيل طبيعة الدول التي أقامها الصليبيون في الشرق الأدنى بعد الحملة الصليبية الأولى، ويبين كيف تحولت هذه الدول من كيانات عسكرية مؤقتة إلى نظم إقطاعية مستقرة نسبياً. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن هذه الدول، رغم ضعفها واعتمادها على التناقضات في العالم الإسلامي، استطاعت البقاء لعقود بفضل هيكلها الإقطاعي المركب والمدعوم من مؤسسات دينية وعسكرية مثل الكنيسة والجمعيات العسكرية الرهبانية، إلا أن بذور ضعفها الداخلي كانت واضحة منذ البداية.
يسير الفصل بخطوات منهجية، حيث يبدأ بعرض الحملات الصليبية المتأخرة، مثل حملة غليوم فيكونتك نيشير التي انتهت بهزيمته أمام السلجوقيين قرب هرقلة في أغسطس 1111، وكذلك حملة غليوم دوق أكيتين التي لقيت المصير نفسه بعد أسابيع. ويشير إلى أن هذه الإخفاقات قوضت القوة البشرية للصليبيين، لكنهم واصلوا توسعهم على الساحل، مستغلين الأساطيل الإيطالية من البندقية وجنوه التي قطعت المواصلات البحرية مع مصر. وهكذا سقطت المدن الساحلية تباعاً: حيفا وأرسوف وقيسارية سنة 1101، ثم عكا سنة 1104، وطرابلس وصيدا وبيروت بعد حصار دام سبع سنوات، وأخيراً صور سنة 1124. وتأسست دولة رابعة هي كونتية طرابلس، لتصبح الدول الأربع: مملكة القدس، كونتية الرها، كونتية طرابلس، وإمارة أنطاكية، والتي تُعرف مجتمعة باسم مملكة القدس اللاتينية. وانتقلت القيادة فيها إلى سلالات مثل آل أردين-أنجو، حيث صهر بودوان الثاني، فولك دأنجو، أصبح ملكاً للقدس سنة 1131.
يوضح الفصل أن نجاح الصليبيين الأولي لم يكن فقط بسبب قوتهم بل بسبب انقسام العالم الإسلامي، حيث واجهوا خليطاً من الكيانات السلجوقية والعربية والشيعية المتناحرة، مما وفر لهم فرصة التوطد رغم الخسائر. بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى تحليل البنية الداخلية لدول الصليبيين في الشرق، مركزاً على أنها كانت مزيجاً بين النظم الإقطاعية الأوروبية (خصوصاً الفرنسية) والنظم المحلية السابقة. فبينما سادت المؤسسات الغربية، بقيت عناصر شرقية مثل وظيفة القاضي في إمارة أنطاكية، أو نظام الاقطاع العسكري القائم على حيازة الأرض مقابل الخدمة والضرائب.
وفيما يخص وضع الفلاحين، يصف الفصل بواقعية قاسية حالهم حيث كانت الأغلبية من السكان المحليين (سوريين، لبنانيين، عرب، أرمن، يونانيين) وقد تحولوا إلى أقنان، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين. كانوا يدفعون ضرائب باهظة تصل إلى نصف المحصول، ويعانون من ضريبة الرأس، ومحرومين من الحقوق. ويشير إلى أن بعض المؤرخين البرجوازيين يزعمون أن الجزاء خُفضت، لكن الفصل يؤكد عدم وجود أدلة على ذلك، وأن العلاقة كانت علاقة غالب ومغلوب. ويورد شهادات من أسامة بن منقذ وابن جبير (الذي زار القدس في 1185) تؤكد ثقل الأعباء.
يتناول الفصل أيضاً نضال الأقنان، حيث يحفل التاريخ بانتفاضات مثل هجوم فلاحي السامرة على نابلس سنة 1113، وانتفاضة بيروت وصيدا سنة 1131، وفتنة طرابلس سنة 1207، حيث كان الأقنان يقتلون الفرسان ويقطعون الطرق. ويشير إلى أن قوانين بودوان الثاني نصت على إجراءات لقمع هذه الفتن، مما يدل على خطورتها. ويخلص إلى أن الحقد كان متبادلاً، حيث كان السكان المحليون يخفون المسلمين ويساعدونهم ضد الصليبيين، كما وثق بورخارد الصهيوني وجاك دي فيتري، أسقف عكا.
ينتقل الفصل بعد ذلك لتحليل النظام السياسي، الذي كان تسلسلاً إقطاعياً هرمياً، حيث كان ملوك القدس يتمتعون بسلطة اسمية على حكام طرابلس وأنطاكية والرها الذين كانوا مستقلين فعلياً. كانت المملكة تنقسم إلى بارونيات، أصغرها كان الإقطاعة (فيود) التي قد تكون قرية واحدة أو جزءاً منها. ومع الوقت، تحولت الإقطاعات العقارية إلى إقطاعات نقدية، خاصة في المدن. كانت السلطة الملكية هي الأكبر، لكنها تراجعت تدريجياً لصالح البارونات، حيث تم توزيع أكثر من ثلثي أراضي المملكة عليهم. كما يشرح الفصل دور الكورية أو الأسين، المجلس الإقطاعي الأعلى، الذي كان يحد من سلطة الملك ويحافظ على العادات الإقطاعية، وأشهرها أسين دي جيروزالم، وهي مجموعة من القوانين والأعراف التي تنظم العلاقات بين الإقطاعيين. ويذكر أن محاولات تعزيز السلطة المركزية، مثل "أسين دورية الخدمة العسكرية" سنة 1162، حاولت جعل جميع الإقطاعيين تابعين للملك مباشرة، لكنها فشلت في نهاية المطاف لصالح النزعة الانفصالية الإقطاعية.
يتناول الفصل أيضاً دور التجارة، التي كانت عماد الاقتصاد لكنها كانت موجهة للخارج، مما حال دون وجود أساس اقتصادي متين للدولة. كانت التجارة في أيدي الإيطاليين (جنوه، بيزا، أمالفي، البندقية)، والذين نالوا امتيازات واسعة مثل الأحياء الخاصة والإعفاءات الضريبية وحقوق القضاء الذاتي. وعلى الرغم من أن هذه التجارة جلبت أرباحاً كبيرة، إلا أنها كانت تجارة وساطة، وأدت المنافسة بين المدن الإيطالية إلى صراعات دامية مثل تدمير نصف عكا في منتصف القرن الثالث عشر. ويشير إلى أن هذه التجارة لم تخلق وحدة سياسية، بل زادت من التفكك.
أخيراً، يركز الفصل على أسباب ضعف هذه الدول، والتي يعزوها إلى عوامل متعددة: صغر مساحتها وامتدادها كشريط ضيق، قلة عدد المستعمرين الافرنج (لم يتجاوز 1200 فارس تحت راية الملك)، والاعتماد المستمر على الحجاج القادمين من أوروبا والذين كانوا غالباً مغامرين أو مجرمين. ويذكر أن التوترات الداخلية بين الفرسان القدماء والوافدين الجدد كانت عائقاً أمام الدفاع الفعال. كما ينتهي الفصل بالتطرق إلى دور الجمعيات العسكرية الرهبانية مثل الهيكليين والإسبتاليين (الذين تأسسوا في 1118-1119) والتوتونيين، وكيف كانت هذه الجمعيات، رغم نذرها الرهباني، بمثابة أداة عسكرية وسياسية تابعة للبابوية، لكنها عجزت عن تعويض الضعف البنيوي للدولة. يقر الفصل بأن وضع الصليبيين كان هشاً، وأن العداء الداخلي والخارجي جعل بقاءهم مرهوناً بضعف من حولهم أكثر من قوتهم الذاتية.
ملاحظة قابلة للنقاش: يتبنى الفصل بوضوح منظوراً ماركسياً في تحليله، حيث يركز على الصراع الطبقي (الإقطاعيون ضد الأقنان) والاستغلال الاقتصادي كقوة دافعة أساسية للأحداث، مع إيلاء اهتمام أقل للدوافع الدينية البحتة. هذا التفسير المادي للتاريخ، رغم دقته التحليلية في جوانب عديدة، قد لا يقدم تفسيراً شاملاً للتعقيدات الاجتماعية والثقافية واللاهوتية للحروب الصليبية. كما أن التمييز الحاد بين "الغزاة الأشرار" و"السكان المظلومين" قد يبسّط الواقع أكثر من اللازم، متجاهلاً حالات التعاون والاندماج الجزئي بين المجموعات المختلفة.
4.الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر170–213▼ résumé
يركز هذا الفصل على تطور الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر، متتبعاً تحولها من مشروع ديني جماهيري إلى أداة للصراع السياسي والاقتصادي بين القوى الأوروبية. الإجابة التي يقدمها المؤلف ميخائيل زابوروف هي أن هذه الحملات فقدت تدريجياً زخمها الديني الأصلي، لتكشف عن الطابع الإقطاعي والتنافسي للمشاركين فيها، مما أدى إلى إخفاقاتها المتكررة في مواجهة قوة إسلامية آخذة في التماسك بقيادة شخصيات مثل عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي.
يسير الفصل عبر عدة مراحل رئيسية. يبدأ بوصف واقع المستوطنات الصليبية في الشرق، الذي اتسم بالانقسام الداخلي وصراعات النفوذ، خاصة بين جماعتي الفرسان الرهبان الرئيسيتين: فرسان الهيكل وفرسان الإسبتارية. يوضح الكاتب كيف أن جشع هاتين الجمعيتين وطموحهما، وخوضهما في نزاعات عنيفة حول ممتلكات تافهة، جعلهما بمثابة «دولة داخل دولة» تتعارض مصالحهما مع مصالح الإدارة المحلية وحتى الكنيسة، مما أضعف الكيان الصليبي من الداخل.
بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى الحديث عن صحوة القوى الإسلامية في المنطقة. يشير المؤلف إلى أن الحروب الصليبية حفزت عملية توحيد تدريجية للإمارات الإسلامية. ويبرز دور عماد الدين زنكي، حاكم الموصل، الذي بدأ أولى الضربات الجادة باستيلائه على الرها في ديسمبر ١١٤٤، مما شكل صدمة هائلة للوجود الصليبي وهدد بوجوده ذاته. هذا الحدث كان الشرارة المباشرة للحملة الصليبية الثانية.
يصف الفصل بالتفصيل الدعوة للحملة الصليبية الثانية التي قادها البابا أوجينيوس الثالث، لكنه يسلط الضوء بشكل خاص على الدور المحوري للواعظ المتعصب برنار من كليرفو، الذي ألهب المشاعر الدينية في أوروبا داعياً لـ "حرب مقدسة". يظهر الكاتب هنا دوافع خفية، حيث كانت الكنيسة تسعى لاستغلال الحماسة الصليبية لإخماد حركات التمرد الاجتماعية والهرطقات التي انتشرت في أوروبا في ذلك الوقت، وتحويل غضب الفقراء والفلاحين ضد "الكفار" بدلاً من أسيادهم الإقطاعيين.
يتناول الفصل بعد ذلك تفاصيل الحملة الصليبية الثانية (١١٤٧-١١٤٨)، التي شارك فيها لأول مرة ملوك: الملك الفرنسي لويس السابع والملك الألماني كونراد الثالث. ويسرد المؤلف الإخفاقات المتتالية للحملة، بدءاً من تهور القوات الألمانية التي هُزمت أمام السلاجقة في ضورليوم، إلى خلافات القادة وانهيار الانضباط بين الصليبيين أنفسهم. ويبرز الكاتب نقطة حاسمة: كيف كشفت الحملة عن انقسام العالم المسيحي الغربي، حيث قام ملك صقلية روجر الثاني بمهاجمة بيزنطة المسيحية بدلاً من المسلمين، بل وتحالف مع مصر الإسلامية لتحقيق أطماعه التوسعية. وبلغت ذروة الانقسام عندما واجه الصليبيون فكرة احتلال القسطنطينية المسيحية نفسها، مما أظهر أن الدوافع الدينية لم تعد سوى غطاء واهٍ للمصالح السياسية والاقتصادية. انتهت الحملة بفشل ذريع بعد حصار فاشل لدمشق، مما قوض مكانة البابوية وأدى إلى تبادل الاتهامات بين قادتها.
أخيراً، ينتقل الفصل إلى عصر النهضة الإسلامية بقيادة صلاح الدين الأيوبي، الذي استطاع توحيد مصر وسوريا وبلاد ما بين النهرين تحت قيادته. يصف الكاتب قدرة صلاح الدين العسكرية والسياسية الفائقة، مما مكنه من توجيه ضربات قاسية لمملكة القدس. وصولاً إلى معركة حطين في ٤ يوليو ١١٨٧ التي كانت نقطة تحول حاسمة، حيث حطم صلاح الدين الجيش الصليبي وأسر ملكه. وفي أكتوبر ١١٨٧، استولى صلاح الدين على القدس دون إراقة دماء، متعاطفاً مع سكانها المسيحيين بشكل يفوق بكثير وحشية الصليبيين قبل مئة عام. يختتم الفصل بوصف آثار سقوط القدس، الذي دفع أوروبا للحملة الصليبية الثالثة، لكنه يلاحظ أن الحماس الشعبي قد تضاءل بشكل كبير، وأن الهدف الديني أصبح تابعاً بشكل مكشوف للتنافس الإمبريالي بين ممالك أوروبا على السيطرة في البحر المتوسط.
يقرّ المؤلف في ثنايا الفصل بأن العديد من القرارات، خاصة أثناء الحملة الصليبية الثانية، كانت مدفوعة بالطمع والجهل وسوء التقدير، كما أن المصادر التاريخية التي يعتمد عليها تعكس أحياناً تحيزات كتابها، مثل اعتراف برنار من كليرفو الذي ألقى باللوم على خطايا الصليبيين أنفسهم لفشل الحملة، متجنباً تحمل المسؤولية. يُظهر الفصل بوضوح الجدل القابل للنقاش حول "الوحدة المسيحية" في مواجهة الإسلام، حيث يؤكد المؤلف، استناداً إلى النص نفسه، أن هذه الوحدة كانت وهماً منذ البداية، لأن الصراع على النفوذ الاقتصادي والسياسي كان أعمق من أي شعور ديني مشترك.
5.الصليبيون في القسطنطينية214–279▼ résumé
يُحلّل هذا الفصل الدوافع الحقيقية للحملة الصليبية الثالثة (1189-1192)، مُظهراً أنها كانت حملة فتوحات بقيادة ملوك أوروبا، وليست انتفاضة دينية عفوية. يُقدّم المؤلف الأدلة على أن الحماسة الدينية كانت مجرد غطاء لأطماع سياسية واقتصادية، حيث سعى كل من هنري الثاني ملك إنجلترا، وفريدريك الأول بربروسا إمبراطور ألمانيا، وفيليب الثاني أوغست ملك فرنسا، إلى توسيع نفوذهم في البحر الأبيض المتوسط.
يسير الفصل زمنياً، فيبدأ بعرض دوافع كل ملك. أما هنري الثاني فكان يهدف لتأمين طرق التجارة مع الشرق التي تمر عبر دوقية أكيتين، واستخدم زواجات أبنائه الديبلوماسية لذلك. أما فريدريك بربروسا، فكان يطمح لاستعادة أمجاد الإمبراطورية الرومانية والسيطرة على صقلية، وزوّج ابنه من وريثتها. أما فيليب الثاني، الذي كانت مملكته ضعيفة أمام نفوذ ملوك إنجلترا في فرنسا، فرأى في الحملة وسيلة لرفع مكانته وتوحيد أراضيه. يتطرق الفصل إلى أن الحملة توقفت مؤقتاً بسبب نزاع بين هنري الثاني وابنه ريتشارد، والذي أصبح ملكاً بعد وفاة والده في يوليو 1189.
يصف الفصل بعد ذلك مسار القوات الألمانية بقيادة بربروسا، التي غادرت في مايو 1189. وعلى الرغم من المفاوضات الديبلوماسية التي ضمنت عبوراً آمناً عبر أراضي المجر، إلا أن الأمور تعقدت وصولاً إلى الإمبراطورية البيزنطية. يكشف الفصل عن خيانة الإمبراطور البيزنطي إسحاق الثاني أنجيلوس الذي لم يثق بوعود بربروسا، وتحالف سراً مع صلاح الدين. أدى ذلك إلى اشتباكات عنيفة في البلقان، وخطط ألمانية للاستيلاء على القسطنطينية أحبطتها الكنيسة. ويختتم مسار الألمان بموت بربروسا غرقاً في يونيو 1190، مما أدى إلى تفرق جيشه وموت الكثيرين منهم.
ينتقل الفصل بعدها إلى القوات الإنجليزية والفرنسية. يصف سوء سلوك ريتشارد قلب الأسد وجشعه، حيث كان يبيع كل شيء لتمويل الحملة. توقف الجيشان في صقلية، حيث أظهر ريتشارد وحشيته باحتلال مدينة مسينا. كما خاض صراعاً مع فيليب الثاني حول الغنائم، مما أدى إلى تدهور العلاقات بينهما. بعد ذلك، استولى ريتشارد على جزيرة قبرص، وهو إنجاز وصفه المؤلف بأنه أهم نجاح للحملة. واستمر حصار عكا طويلاً بسبب الخلافات على عرش القدس الفارغ بين غي دي لوزينيان وكونراد مونتفيرات، حيث دعم كل ملك مرشحاً مختلفاً. بعد سقوط عكا، عاد فيليب الثاني إلى فرنسا ليستغل غياب ريتشارد ويهاجم ممتلكاته. أما ريتشارد فاستمر في القتال، وأقدم على مذبحة بحق أكثر من ألفي أسير مسلم، وفشل في ثلاث محاولات للوصول إلى القدس، قبل أن يعقد صلحاً مع صلاح الدين في سبتمبر 1192، يُبقي للصليبيين شريطاً ساحلياً ضيقاً من صور إلى يافا.
يختتم الفصل بوصف حالة التناقض التي آلت إليها الحملة، حيث حلت المصالح السياسية والصراعات بين القوى المسيحية محل الهدف الديني المعلن، مما أدى إلى نتائج محدودة. ويُلمّح إلى أن هذه التناقضات ستتفاقم في الحملة الصليبية الرابعة، حيث سيهاجم الصليبيون القسطنطينية المسيحية بدلاً من المسلمين، ويكشف الفصل عن أن البابا إنوسنت الثالث كان يسعى من وراء دعوته للحملة إلى إخضاع الكنيسة الشرقية وفرض السيطرة الباباوية، وليس فقط تحرير القدس.
6.انحطاط الحركة الصليبية280–326▼ résumé
بدأ الفصل بوصف الاستيلاء على القسطنطينية نتيجة مباشرة لانحراف الحملة الصليبية الرابعة عن هدفها المعلن وهو تحرير القدس. يوضح المؤلف أن البابا إينوشنتيوس الثالث سعى سراً للاستيلاء على المدينة "بدون إهراق الدماء"، بينما كشف شاعر فرنسي عن حقيقة أن البابا سمح بالحملة ضد المسيحيين الأرثوذكس. في أبريل 1203، وصل الصليبيون من زادار إلى جزيرة كورفو حيث انضم إليهم الأمير الشاب ألكسيوس وريث العرش البيزنطي، الذي وقع على معاهدة معهم وبدأ برشوة البارونات بالوعود المالية، مثل وعده لـكونت الفلاندر بـ 105000 مارك.
أثار هذا التحول استياءً في صفوف الصليبيين، حيث رفض الفرسان العاديون أن تعود ثمار الحملة لقلة من القادة والبندقيين فقط. نشأت معارضة قادها سيمون دى مونفور الذي غادر في زادار، وفي كورفو هدد كثيرون بالبقاء لمخاطرتهم الطويلة. يرفض المؤلف الادعاء بأن المعارضة كانت لأسباب دينية، ويؤكد مع العالم بوريسلاف بريهدوف أنها كانت بسبب مخاوف مادية من استيلاء القادة والبندقيين على الخيرات. تدخل ممثل البابا ورئيس الدير دى لوتشيديو لإجبار المعارضة على القسم بالالتزام بالمعاهدة، وتم التوصل لحل وسط بالبقاء معاً حتى انتهاء مدة المعاهدة مع البندقية في 8 سبتمبر 1203. في 4 مايو 1203، غادر الأسطول كورفو متجهاً نحو القسطنطينية.
وصف المؤلف ضعف الإمبراطورية البيزنطية الذي جعلها فريسة سهلة للصليبيين، حيث كان الخراب قد حل بالسكان من الضرائب المتصاعدة والحروب. تدهورت التجارة بسبب تحكم التجار الإيطاليين، وهزلت خزينة الدولة مع ضعف الجيش والأسطول، حتى أن ميخائيل ستريفنا قائد الأسطول حول المراسي والدفات إلى ذهب. في يونيو 1203، وصل أسطول البندقية أمام القسطنطينية التي ذهل الصليبيون بمنظرها وغنائها، بينما فشلت محاولات الإمبراطور ألكسيوس الثالث الدبلوماسية لصرفهم بالوعود. في يوليو 1203، اخترقت قوادس البندقية السلسلة التي تسد القرن الذهبي واحتلت برج غلطة، ليقسم الصليبيون إلى سبع فصائل للهجوم من البر والبحر. في 17 يوليو، دار الاشتباك الحاسم حيث احتل الصليبيون نحو عشرين برجاً وأحرقوا أحياء بأكملها، ليفر الإمبراطور ألكسيوس الثالث من المدينة تاركاً عاصمته التي يبلغ عدد سكانها 100 ألف أمام "عصابة من اللصوص".
في 19 يوليو 1203، أُخرج إسحق الثاني من السجن ونودي به إمبراطوراً على أمل تجنب فظائع "البرابرة"، لكنه لم يستطع الدفع للصليبيين لخزينة الدولة الفارغة. في أغسطس، انضم إليه ابنه ألكسيوس الرابع كشريك في الحكم، واستطاعا جمع نصف المكافأة الموعودة 100000 مارك عن طريق المصادرات والضرائب التي استثارت استياءً شعبياً وخاصة من رجال الدين الأرثوذكس. بدأ الصليبيون بنهب الكنائس، وفي أواخر أغسطس أحرقت عصابة من الفرسان جامعاً لتنتشر النار وتقضي على نصف المدينة. مع تزايد المصادمات، رفض ألكسيوس الرابع تنفيذ شروط اتفاقية زادار وتوقف عن تزويدهم بالمؤن، فأعلن الدوج دندولو الحرب عليه بشكل فعلي.
في أواخر يناير 1204، نشبت انتفاضة شعبية ضد ألكسيوس الرابع بسبب حرق المدينة ونهب الأديرة، ليتم خلعه بمساعدة أحد مستشاريه وهو ألكسيوس دوكا الملقب مورسوفل، وتوج الأخير إمبراطوراً باسم ألكسيوس الخامس. انقسمت المدينة بين معسكر للأعيان المؤيدين لمورسوفل ومعسكر للشعب الداعم للبسيط نيقولا كاناف الذي توّج في آجيا صوفيا. قام ألكسيوس الخامس باعتقال وقتل منافسيه بما فيهم نيقولا كاناف والإمبراطور السابق، بينما مات إسحق الثاني جزعاً. رغم محاولاته ترميم التحصينات وإنشاء قوات مدنية، بقيت الدولة ضعيفة بسبب الخلافات في الأوساط العليا وعدم رغبة الشعب والمرتزقة بالقتال.
قبل الهجوم الأخير بأسابيع، وقع القادة في مارس 1204 معاهدة لتقاسم التركة البيزنطية، حيث نصت على انتخاب إمبراطور من لجنة من 12 شخصاً (ستة بندقيين وستة فرسان)، على أن يحصل البابا على منصب البطريرك إذا لم ينتخب إمبراطور من البندقيين. قُسّمت الأراضي بحيث يحصل الإمبراطور على ربعها، بينما يتقاسم البندقيون والفرسان الثلاثة أرباع الباقية (ثلاثة أثمان لكل فريق)، مما أبقى للصليبيين اللقب الفارغ وللبندقيين المنافع الفعلية. في 5 أبريل 1204، فشلت محاولة الاقتحام الأولى وخسر الصليبيون نحو مئة مقاتل، لكن في 9 أبريل نجحوا في اقتحام المدينة عبر سلم وثغرة في السور، ليفر مورسوفل تحت جنح الليل. في 10 أبريل 1204، سقطت القسطنطينية بسهولة مذهلة دون مقاومة تذكر، بسبب عدم رغبة العامة في الدفاع عن دولة تمثل الظلم الاجتماعي، وانشغال الأرستقراطيين بالصراعات الداخلية، كما ذهل الصليبيون أنفسهم بهذا النجاح الذي وصفه فيلاردوان بأنه عمل عظيم بعدد قليل من الرجال، بينما وصفه روبس دى كلارى بالمعجزة التي فسرها المؤلف بتفاقم الصراع الاجتماعي والسياسي.
انطلق الصليبيون في ثلاثة أيام من النهب والسلب والحرق والاغتصاب، قاتلين آلاف السكان، بينما حاول بعض المؤرخين التخفيف من هذه الوحشية. يصف المؤلف الفظائع بالتفصيل من خلال شهود عيان مثل نيقيتاس الخونياتي وفيلاردوان وروايات روسية، حيث تعرضت الكنائس بما فيها آجيا صوفيا للنهب، وحُطمت المدافن والتماثيل البرونزية العظيمة مثل تمثال الإلهة هيرا وتمثال هرقل للفنان ليسيپوس، وحُوّلت المكتبات الثرية بمخطوطات الفلاسفة إلى رماد. في المقابل، أشاد المؤلف بمسلك الفاتحين المسلمين المتمالك نسبياً تجاه المقدسات المسيحية، معتبراً أن تدمير القيم الثقافية ألحق ضرراً فادحاً بالحضارة الأوروبية، وأن الحملة الرابعة أظهرت الصليبيين كمغامرين جشعين وليسوا حماة للدين، مما أدى إلى انحطاط الحركة الصليبية ككل.
أسفرت الحملة عن تأسيس الإمبراطورية اللاتينية التي دامت قرابة أكثر من خمسين سنة، حيث حصل البندقيون على القسم الأكبر من الأراضي والجزر ليصبح الدوج "ربع وثمن الإمبراطورية البيزنطية". واجه الصليبيون مقاومة عنيدة من اليونانيين والدول التي نشأت على أنقاض بيزنطية، وفي ربيع 1205 هزم البلغار الفرسان في معركة أدريانوبول وأسروا الإمبراطور اللاتيني بودوان الأول. استمرت نضالات السكان ضد البارونات الغربيين حتى انتهت الإمبراطورية اللاتينية في سنة 1261 عندما استولى إمبراطور نيقية ميخائيل الثالث باليولوغ على القسطنطينية بمساعدة الجئويين. بعد ذلك، أصبحت الحملات الصليبية عقيمة تماماً.
في فلسطين، هدأت الأوضاع مؤقتاً حيث كان الطرفان منشغلين بمشاكلهما السياسية، وتم توقيع معاهدات صلح متتالية، ففي 18 يوليو 1198 تم توقيع معاهدة صلح مدتها خمس سنوات وثمانية أشهر اعترفت بالوضع القائم بعد رحيل الصليبيين الألمان الذين حاولوا مهاجمة جبلة ولاودقية. تبعتها معاهدة جديدة في سبتمبر 1204 تنازل فيها السلطان العادل للصليبيين عن يافا والرملة واللد ونصف صيدا. استغلت الجمهوريات الإيطالية التجارية هذا الهدوء لتوسيع امتيازاتها في مملكة القدس ومصر، متجاهلة الاعتبارات الدينية.
في خضم كل هذا، انبعثت موجة صليبية جديدة من الفقراء الذين رأوا في استيلاء الفرسان على بيزنطية دليلاً على فشل الحملات بسبب طمع الأسياد. تغذت هذه الموجة من مواعظ رجال دين مثل بيار من بلوا وآلان من ليل الذين نددوا بطمع الفرسان ورجال الدين، وأكدوا أن النصر لن يتحقق إلا بواسطة الفقراء الأتقياء. في سنة 1212، تحولت هذه الدعوات إلى ما يُسمى بـ"حملتي الأطفال" في ألمانيا وفرنسا الشمالية. انطلقت الآلاف من الفلاحين بقيادة صبي يدعى نيكلاس من كولونيا متجهين نحو إيطاليا لتحرير القدس، معتقدين أن الله سيفتح لهم البحر، لكنهم هلكوا في الطريق من القيظ والجوع أو وقعوا في أيدي القراصنة. في المقابل، تحركت جموع بقيادة الراعي إيتيان من فرنسا نحو باريس، لكن الجوع وحده أجبرهم على التفرق.
يؤكد المؤلف أن هذه الحملات لم تكن طفولية فعلياً، بل كانت حركات لفقراء الأرياف في غلاف ديني ومظهر معادٍ للإقطاع، وإن ضلّت طريقها نحو حلم تحرير القدس، لتكون صفحة مأساوية أخرى في تاريخ الحملات الصليبية. في هذا السياق، بدأ البابا إينوشنتيوس الثالث بتحويل الحملات الصليبية إلى مؤسسة دائمة عبر قرارات المجمع اللاتراني الرابع في سنة 1216، حيث فرضت ضريبة خاصة على رجال الدين وأُسست قواعد للوعظ وجمع الأموال. انطلقت الحملة الصليبية الخامسة من هذه المؤسسة الجديدة، حيث انطلق الملك إندراش المجري في سنة 1217 مع قواته إلى عكا واشترك فيها فرسان من سوريا وفلسطين وليبيا، لكن معظمهم استقبل ببرودة من الأسياد اللاتين المحليين الذين كانوا يعيشون في سلام مع مصر وتجارتها، مما أظهر بوضوح انحطاط الفكرة الصليبية وضياع أهدافها الحقيقية في صراعات المصالح الضيقة.
7.نتائج الحملات الصليبية327–372▼ résumé
يُحلل هذا الفصل النتائج البعيدة المدى للحملات الصليبية، مجادلاً بأنها فشلت في تحقيق أهدافها المباشرة والمتمثلة في السيطرة الدائمة على الشرق ونشر المسيحية، تاركةً إرثاً معقداً من الآثار السلبية في الغالب، خاصة على المناطق التي اجتاحتها. يبين المؤلف أن الفكرة المقدسة للحملة أصبحت أداة بيد البابوية لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية داخل أوروبا نفسها، مما أضعف مصداقيتها وأدى إلى انتشار الشكوك بين الفرسان حول شرعية قتل غير المسيحيين. يشير الفصل إلى أن الباباوية أساءت استخدام فكرة الحملة، فحولتها إلى أداة لشن حروب ضد مسيحيين آخرين، مثل الحملة الصليبية الألبيجية، مما أثار نقداً واسعاً ودفع اللاهوتيين للدفاع عن أسسها.
يأخذنا الفصل في رحلة تفصيلية عبر حملتين صليبيتين كبيرتين قادهما الملك لويس التاسع ملك فرنسا. الأولى، الحملة الصليبية السابعة التي انطلقت عام 1248 واستهدفت مصر. يصف المؤلف التخطيط الدقيق لها، حيث جمع لويس التاسع أسطولاً كبيراً وأموالاً طائلة من رجال الدين، وضم جيشاً قوامه حوالي 15-18 ألف مقاتل. ورغم النجاح الأولي باحتلال دمياط، إلا أن الحملة انتهت بكارثة في معركة المنصورة عام 1250، حيث أُسر الملك نفسه وأُجبر على دفع فدية ضخمة قدرها 800 ألف بيزنطة مقابل إطلاق سراحه. ويكشف المؤلف عن جهل الملك بواقع الشرق، إذ حاول التفاهم مع المغول وشن حرب على جبهتين، مما أظهر عدم إدراكه للتوازنات السياسية المعقدة.
يخصص الفصل جزءاً كبيراً لتحليل الحملة الصليبية الثانية للويس التاسع، وهي الحملة الصليبية الثامنة عام 1270، والتي استهدفت تونس. يقدم المؤلف دوافع متعددة لهذا الاختيار الغريب، منها أمل الملك في تنصير أمير تونس، والرغبة في السيطرة على ثروات تونس لاستخدامها في تحرير القدس، وتأمين نقطة انطلاق جديدة. يوضح الفصل مدى تردد الفرسان واعتراضهم على هذه الحملة التي بدت لهم عديمة الجدوى. وتنتهي الحملة بكارثة أخرى بموت لويس التاسع نفسه بسبب وباء ضرب الجيش في صيف 1270، ليكون بذلك آخر قائد صليبي كبير، وتنهي الحملة سريعاً بعقد صلح تجاري مع أمير تونس.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى وصف العوامل التي أدت إلى توقف الحركة الصليبية بشكل كامل. يذكر أن الملوك والأمراء الأوروبيين، مثل شارل الأول ملك صقلية، كانوا منشغلين بمشاريعهم التوسعية الشخصية في القسطنطينية وإيطاليا، ولم يعودوا يهتمون بدعم الحملات. كما أن صعود قوة جديدة في الشرق، وهي دولة المماليك بقيادة السلطان بيبرس، أنهى عملياً وجود الصليبيين في المنطقة. يصف الفصل كيف استولى بيبرس على مدنهم واحدة تلو الأخرى، بدءاً من قيصرية وأرسوف عام 1265، ثم يافا، وأخيراً أنطاكية عام 1268، قبل أن تسقط عكا، آخر معاقل مملكة القدس، عام 1291، إيذاناً بنهاية حقبة كاملة.
في القسم الختامي، يقدم المؤلف تقييماً شاملاً ومتزناً لإرث الحملات الصليبية. يعترف ببعض الآثار الإيجابية في أوروبا، مثل تعزيز التجارة الإيطالية وتحفيز بعض التغييرات الاجتماعية الاقتصادية، لكنه يقلل من أهميتها الجوهرية. يشير إلى أن الازدهار التجاري كان مدفوعاً بالتطور الداخلي لأوروبا وليس بالحملات نفسها. كما يناقش التبادل الثقافي، مقراً بأن الغرب استفاد من الشرق في مجالات كالهندسة المعمارية والزراعة، لكنه يؤكد أن هذا التبادل كان جارياً عبر إسبانيا وصقلية قبل الحملات الصليبية بزمن طويل.
يختم بطرح سؤال محوري: ما هو التقييم الموضوعي للحملات الصليبية على الصعيد التاريخي العالمي؟ يجيب المؤلف بحسم أن دورها كان سلبياً بشكل عام. يرى أن الخسائر والأضرار التي سببتها تجاوزت بكثير أي فوائد. فمن ناحية، دمرت الإمبراطورية البيزنطية عام 1204، مما أضعفها بشكل دائم وجعلها فريسة سهلة للأتراك العثمانيين لاحقاً. ومن ناحية أخرى، جلبت الخراب والدمار لبلاد الشام وفلسطين ومصر، وخلفت ذكرى أليمة من الكراهية والدماء. يخلص الفصل إلى أن الحملات الصليبية، رغم كونها مأساة تاريخية ضخمة، أنتجت نظاماً أيديولوجياً متكاملاً من الكراهية والتعصب استمر لقرون، متجاوزاً أهدافها الزمنية المباشرة.