Almawred
عربي

ندوات حمص ومقاهيها في خمسينيات القرن العشرين

أحمد الحاج يونسar

يتناول هذا المقال سرداً تاريخياً واجتماعياً وثقافياً لحمص خلال النصف الأول من القرن العشرين، مركزاً على المقاهي والندوات التي شكلت فضاءات للحوار والنقاش السياسي والأدبي والفكري. الموضوع المحوري للكتاب هو توثيق دور هذه المقاهي كمنتديات شعبية للتلاقي وتبادل الأفكار، بعيداً عن القاعات الرسمية، حيث كانت المقهى بمثابة "جامعة شعبية" أو "نادٍ مفتوح" يجمع مختلف الشرائح الاجتماعية من تجار ومفكرين وسياسيين وشعراء ومواطنين عاديين. يدافع المؤلف ضمنياً عن قيمة هذه الفضاءات كركيزة أساسية للحياة العامة في حمص، ويبدو أنه يأسى لاندثارها أمام تحولات العصر الحديث.

يسير المقال في حجته من خلال الانتقال من وصف عام للمشهد الحواري في حمص، إلى التوقف عند مقاهٍ بعينها، ثم التعمق في شخصيات روادها وأنماط حياتهم ونقاشاتهم. لا يتبع تسلسلاً زمنياً صارماً، بل يعتمد أسلوباً استعان بالذاكرة والوصف الانطباعي، فيبدو العمل أقرب إلى مذكرات ومشاهدات شخصية من أن يكون دراسة أكاديمية منتظمة. المنطق الذي يربط الأجزاء هو المنطق الجغرافي الطوبوغرافي: يبدأ بـحديقة الروضة التي كانت الواجهة البانورامية للمدينة، ثم ينتقل إلى مقاهٍ متفرقة مثل مقهى الفرح وجورة الشياح والمراجل، ثم مطعم المحطة ومقهى سورية والأمير والدروبي والدبلان والبلور وغيرها، ليختتم برحلة إلى مقهى في ديترويت يقارن بين الحاضر والماضي. هذا التنقل المكاني يخدم رؤية شاملة للنسيج الاجتماعي للمدينة.

من الأرقام والوقائع والشهادات اللافتة التي يصعب نسيانها، نجد أن حديقة الروضة بُنيت في عهد محمد الإبراهيم الأتاسي، وعُرض فيها أول فيلم صامت بالأبيض والأسود في عام 1908، واختار فيضي الأتاسي بعد توليه إدارة البلدية لنفسه حلقة انفرادية تضم نحو خمسة عشر جليساً. أما عن فيضي الأتاسي نفسه، فنقرأ أنه اشترى جريدة "التوفيق" من صاحبها توفيق الشامي وأسماها "السوري الجديد"، وركز في افتتاحياته على نقد سعد الله الجابري ووصف ربطات عنقه، كما أنجز عدة إصلاحات هامة للمدينة، منها تجفيف مستنقعات وادي السايح ووادي تدمر التي كان ينتشر فيها بعوض الملاريا، وتمديد مياه الشرب والكهرباء للمنازل، وتأليف لجنة لتسمية الشوارع الرئيسية. وفي مقهى المراجل، الذي كان ثاني أهم مقهى بعد الروضة، نجد شخصية أبو شام (أحمد مسعود) الذي تميز بشخصيته الفريدة، فقد كان كحمالاً ينقل الأسلحة للثوار إبان الانتداب الفرنسي، وتبرع في عام 1956 بعشرة آلاف ليرة لمساعدة مصر، وهو كل ما يملك، مما أثار دهشة المتبرعين فزادوا التبرعات. وفي مقهى الفرح، مثّلت مسرحيات تاريخية وطنية في الثلاثينيات، مثل عبد الرحمن الداخل وطارق بن زياد وأبي فراس الحمداني، ورغم أن نصوصها كانت مراقبة من دائرة المطبوعات والمشرقون الفرنسيون عليها، فإنها كانت مصدر نقد وهجوم ضد فرنسا حتى أغلقتها السلطات.

ويلفت الانتباه في سرد المؤلف وصفه لشخصية صبيح المعروف بـ"حكيم الحمقى"، الذي كان يمر مسرعاً فيلتقط فنجان القهوة من يد أحد الجالسين ليرشفه دفعة واحدة ثم يواصل سيره، ويتبعه يوسف ليفعل الشيء نفسه. وفي مقهى البلور، نقرأ حكاية طريفة عن أحمد الصافي النجفي وأحمد الجندي عندما تراهنا على صحة بيت من الشعر، وخسر النجفي، وبعد قليل نهض إلى الردهة الداخلية فسأله الجندي إلى أين هو ذاهب فرد عليه ببداهته: "ذاهب لأقيم لك تمثالاً!". وفي مقهى البلياردو، تروى حادثة غريبة قام بها صبيح نفسه حين رشق بالصحون الخزفية امرأة خادمة كانت تحمل علبة لبن. أما في مطعم المحطة، فنجد مشهداً أكثر حداثة حيث كان رواده من جيل جديد يتحدثون عن الأدباء الرحالة المستشرقين مثل لامارتين وشاتوبريان، ويتناقشون عن "العولمة" من خلال كتاب "عالم واحد" لـويندل ولكي، وعن والت ديزني الذي اعتبره أحد الحاضرين أول من نفذ العولمة من أربعينات القرن العشرين من خلال شخصياته الكرتونية التي تسيطر على عقول أطفال العالم.

يقر المؤلف بحدود ذاكرته الشخصية، فالمشاهد مسرودة من وجهة نظر شاهد عيان وناشئ في تلك الفترة، وليس من وثائق رسمية محفوظة. هناك تحفظ واضح على دقة التواريخ أو الأرقام في بعض المواضع، مثل عام عرض أول فيلم في حديقة الروضة. كما أن بعض الشهادات مفتوحة على تساؤلات، مثل علاقة محمد عابد الحراكي الفلكي بلقبه الذي ابتدعه لنفسه، أو أصول أبو شام وهل هو من مدينة أخرى غير حمص. ترك المؤلف أيضاً أسئلة مفتوحة حول مصير هذه المقاهي وتحولها، كما في مقهى الحميدية الذي كان له أغراض انتخابية واختلافات طائفية مؤقتة، أو مقهى سورية الذي انطوى عهد المطربات الجميلات بعد انتقاد من الجهات الدينية.

في المقال حجج قابلة للنقاش بوضوح، أبرزها نزعة الماضي الجميل الذي يبدو المؤلف حنوناً إليه. ربما تكون الصورة مثالية في كثير من الأحيان، حيث يصف رواد المقاهي بالشهامة والرجولة والصدق، على غرار "الزكرت" في مقهى المراجل. لكن هذه النزعة لا تخفي وجود تناقضات اجتماعية، مثل الفقر المدقع الذي يعيشه البعض مقابل ترف آخرين، أو في الوصف المتباين لأخلاق رواد المقاهي، إذ نرى أبا شام الذي تبرع بكل ما يملك في مقابل صبيح الذي يرشق النساء بالصحون. يظل المقال شهادة حية عن روح مدينة حمص وفضاءاتها العامة، وصراع الأفكار والمبادئ في زمن المخاض الوطني، قبل أن تبتلع العولمة والتكنولوجيا كل هذا التراث الإنساني الغني.