Almawred
صحافة وسياسة (سورية في القرن العشرين)
عربي

صحافة وسياسة (سورية في القرن العشرين)

نصوح بابيلar

كتاب "صحافة وسياسة (سورية في القرن العشرين)" للمؤلف نصوح بابيل هو عمل يمزج بين المذكرات الشخصية والتاريخ السياسي، يدور محوره حول العلاقة الجدلية بين الصحافة والنضال السياسي في سورية خلال القرن العشرين، وتحديداً منذ انهيار الحكم العثماني حتى الاستقلال. الحجة المركزية التي يدافع عنها المؤلف هي أن الصحافة لم تكن مجرد ناقل للأخبار، بل كانت سلاحاً فعالاً وأداة مقاومة في وجه الاستعمار والأنظمة التابعة له، وأن استقلال سورية لم يتحقق إلا بفضل تضحيات جسيمة وتكاتف بين المقاومة المسلحة والكفاح السلمي والصحافة الحرة. يقدّم المؤلف نفسه نموذجاً عملياً لهذه الفكرة، حيث يروي مسيرته الصحفية التي بدأت بمواجهته للحكام وتضحيته بمناصبه الحكومية من أجل حرية الرأي.

يسير الكتاب وفق تسلسل زمني محكم، تربطه فكرة النضال المستمر بأشكاله المختلفة. يبدأ الفصل الأول، "الخطى الأولى"، بتأريخ نهاية الحكم العثماني، مركزاً على وحشية سياسات جمال باشا السفاح التي أدت إلى إعدام شخصيات وطنية في ساحة المرجة بدمشق وساحة البرج في بيروت عامي 1915 و1916. يرى المؤلف أن هذه الوحشية هي التي فجرت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين بن علي عام 1916، والتي انتهت بدخول الأمير فيصل بن الحسين إلى دمشق في 30 أيلول 1918. لكن الفرحة سرعان ما تحولت إلى خيبة أمل، إذ يكشف الفصل عن الخديعة الاستعمارية المتمثلة في اتفاقية سايكس بيكو (1916) ومؤتمر سان ريمو (1920)، والتي أدت إلى معركة ميسلون في تموز/يوليو 1920 واستشهاد يوسف العظمة، ثم دخول القوات الفرنسية إلى دمشق. هنا ينتقل المؤلف فجأة إلى سيرته الذاتية كصحافي ناشئ، موضحاً كيف تشكل وعيه السياسي من خلال صراعه مع أصحاب الصحف ورجال السلطة، وكيف استخدم أسماء مستعارة مثل "السياسي الصغير" لمواصلة كتاباته الوطنية، رافضاً الانصياع لضغوط حكام مثل حقي العظم.

أما الفصل الثاني، "ثورة على المحتل"، فيوسع نطاق السرد ليشمل أشكال المقاومة المتعددة التي واجهت الاحتلال الفرنسي. يبدأ بثورة حوران في 15 آب/أغسطس 1920 التي هاجم فيها المناضلون وفداً حكومياً، ثم ينتقل إلى محاولة اغتيال الجنرال غورو في القنيطرة في 7 حزيران/يونيو، حيث ألقى حقي العظم بنفسه فوق الجنرال لإنقاذه وأصيب بثلاث رصاصات. يخصص الفصل مساحة واسعة لثورة إبراهيم هنانو في الشمال، ويصف محاكمته الدرامية في حلب حيث تدخل الشاب سعد الله الجابري ليصرخ في وجه المحكمة: "أنا والألوف معي كلفنا إبراهيم هنانو مقاتلة فرنسا التي دخلت بلادنا بدون حق"، وانتهت بإعلان براءته بعد أن وجد القضاة كرتين خضراوين للبراءة وكرة حمراء واحدة للإدانة. يكرّم الفصل أيضاً الشيخ صالح العلي قائد ثورة جبال العلويين، وسلطان باشا الأطرش الذي قاد الثورة السورية الكبرى بعد اعتقال زعماء الدروز، وهاجم الحملة الفرنسية بقيادة الجنرال ميشو في المزرعة يوم 1 آب/أغسطس 1925، وألحق بهم هزيمة ساحقة قُتل فيها ألف وخمسمائة جندي. يروي الفصل بطولات خارقة مثل قصة حسن الخراط، الحارس الليلي الأمي الذي أصبح أسطورة قتالية، وكيف أسقطت مجموعته طائرة فرنسية بالسلاح الخفيف، ثم دخل الثوار دمشق نفسها في تشرين الأول/أكتوبر، ليرد الفرنسيون بقصف همجي استمر ثلاثة أيام وأتى على حي سيدي عامود الذي تحول اسمه إلى "الحريقة". ينقل المؤلف أرقاماً مذهلة عن خسائر الفرنسيين، إذ قال الجنرال ويغان إن عدد قتلاه بلغ تسعة آلاف جندي ومائتين وخمسين ضابطاً، بينما قال الجنرال ساراي إن في سورية سنة 1925 قامت خمس وثلاثون ثورة ودُفن فيها من جيشه خمسة آلاف جندي. لكن الفصل يختتم باعتراف مرير: كل هذه التضحيات ذهبت "أدراج الرياح" أمام الاتفاق المسبق بين القوى الكبرى الذي أضفى الشرعية على الانتداب.

مع الفصل الثالث، "الكفاح السلمي"، يتحول النضال من المسلح إلى السياسي. يبدأ الفصل بإعلان المفوض السامي بونسو في أيار/ مايو 1930 عن دساتير منفصلة لسورية ولبنان وجبل الدروز ولواء إسكندرونة، مع إضافة المادة 113 التي قيدت السيادة الوطنية. بعد انتخابات مزورة، دخلت "الكتلة الوطنية" البرلمان رغم النقاش الحاد حول مقاطعته. يصف الفصل "التفاهم النزيه" بين جميل مردم بك والسلطات الفرنسية، والذي قاد لانتخاب محمد علي العابد رئيساً للجمهورية بأغلبية 51 صوتاً. يصل الكفاح السلمي ذروته في 1937-1938 بإضراب عام ستيني عم سورية، وصفته الصحافة العالمية بأنه "أروع عمل سلبي ضد الاحتلال". هذا الإضراب أرغم المفوض السامي دي مارتيل على التراجع، ودعوة الزعماء الوطنيين للسفر إلى باريس للتفاوض، حيث تألف الوفد برئاسة هاشم الأتاسي. يختتم الفصل بتأبين الزعيم إبراهيم هنانو الذي توفي في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935، ثم بتأكيد أن الصحافة كانت سلاحاً فعالاً في هذا الكفاح.

ينتقل الفصل الرابع، "معركة الخلاص الطويلة"، إلى الأربعينيات، حيث تتداخل السياسة الدولية بالصراعات الداخلية. يبدأ بوصف كيف استحوذ الداماد أحمد نامي على السلطة في ظل الحكم الفيشي، ثم تعاقبت الحكومات: وزارة خالد العظم في 5 نيسان/أبريل 1941 التي لم تعمر طويلاً، ثم عودة الشيخ تاج الدين الحسني الذي لعب دوراً محورياً. يصف الفصل كيف اعترف الجنرال ديغول باستقلال سورية ولبنان، وصدر قرار بإعادة اللاذقية والسويداء إلى سورية في 11 كانون الثاني/يناير 1942، واحتفل به في 20 منه تحت اسم "يوم الوحدة". بعد وفاة الشيخ تاج في 1 كانون الثاني/يناير 1943 نتيجة تسمم (بقي الجاني مجهولاً)، أعاد الجنرال كاترو الحياة الدستورية، وعُيّن عطا الأيوبي رئيساً للدولة. يوثق الفصل أزمة الخبز الحادة، حيث وصل استهلاك دمشق اليومي من الحبوب إلى 117 طناً عام 1943 مقارنة بـ 40 طناً في 1942، ولجأت الحكومة إلى سلطان باشا الأطرش الذي دعا زعماء حوران لإخراج الحبوب المحتكرة. يختتم الفصل بصعود شكري القوتلي الذي فازت قائمته في انتخابات 1943 واختير رئيساً للجمهورية.

أما الفصل الخامس، "ثمن الاستقلال"، فهو الأكثر دموية، حيث يصف القصف الفرنسي الوحشي لدمشق بين 29 أيار/ مايو و1 حزيران/ يونيو 1945. يروي الفصل كيف قصفت القوات الفرنسية دار البرلمان، وكيف تحصن جنود الدرك السوري داخله، ويبرز بطولة محمد طيب شريك الذي دافع حتى نفدت ذخيرته، وعُثر على جثته المشوهة بين خمس وعشرين جثة في حفرة كبيرة. سقط ثلاثمائة قتيل في قلعة دمشق وحدها، وبلغ العدد الإجمالي للضحايا ثمانين قتيلاً من الدرك، وأربعمائة من المدنيين، وخمسمائة مصاب بجراح خطيرة، وألف مصاب بجراح بسيطة. يتدخل الرئيس تشرشل ويأمر بوقف إطلاق النار، وتدخل القوات البريطانية، لترفع العلم السوري على البرلمان. يوثق الفصل أول دورة لـمجلس جامعة الدول العربية في القاهرة مساء 4 حزيران/ يونيو، والتي حملت مسؤولية ما جرى لفرنسا وطالبت بإجلاء قواتها. يتناول الفصل أيضاً الجلاء التدريجي الذي بدأ في 4 تموز/ يوليو بجلاء القوات عن جزيرة أرواد، ثم ثكنة الحميدية، حتى آب/ أغسطس، مع حوادث طفيفة في اللاذقية أسفرت عن سقوط ثلاثين قتيلاً. يختتم الفصل بمشاركة سورية في مؤتمر سان فرنسيسكو لتأسيس الأمم المتحدة، وانتهاء الحرب العالمية الثانية في 8 أيار/ مايو 1945.

يقر المؤلف ببعض التحفظات والحدود، فيعترف في الفصل الأول بأن بعض الولاة الأتراك مثل مدحت باشا كانوا منصفين، مما يمنع تعميم اللوم. ويترك سؤالاً مفتوحاً حول جدوى معركة ميسلون العسكرية التي كان الجميع يعلم أنها لن تصمد أكثر من دقائق. كما يقر في الفصل الثالث بأن كل الجهود السياسية والمسلحة ذهبت "أدراج الرياح" أمام القرارات الدولية المسبقة. الحجج القابلة للنقاش تتعلق بتأكيده المتكرر على تورط اليهود من أصل "الدومة" في سياسات الاتحاديين، وهو ما يحتاج إلى تحقق، وبالطابع الذاتي القوي للسرد الذي يقدم فيه المؤلف نفسه كبطل وصحفي حر دائماً، مما قد يثير تساؤلات حول موضوعية بعض الوقائع. كما أن الرواية تفتقر أحياناً إلى تقديم وجهات نظر متعددة، خاصة فيما يتعلق بمواقف بعض الشخصيات السياسية التي ينتقدها.

Chapitres(5)

1.الفصل الأول، الخطى الأولى12–33▼ résumé

في هذا الفصل الأول من كتاب "صحافة وسياسة (سورية في القرن العشرين)"، يقدم المؤلف نصوح بابيل سرداً تاريخياً ذاتياً يمزج بين مذكراته الشخصية كطفل وصحافي ناشئ، وبين وقائع السياسة السورية منذ نهاية الحكم العثماني حتى بدايات الانتداب الفرنسي. الموضوع المحوري هو تتبع "الخطى الأولى" لتكوين الدولة السورية المستقلة، ويقدم المؤلف إجابة واضحة ومفادها أن تدمير الدولة العثمانية لم يكن بفعل العرب، بل بفعل سياسات "جمعية الاتحاد والترقي" وتحالفاتها الخفية مع الحركة الصهيونية، ثم بخيانة الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) لوعودهم للعرب.

يسير الفصل على خطين متوازيين: الأول هو التأريخ للأحداث الكبرى، والثاني هو تجربة المؤلف الشخصية التي تشرح كيف تشكل وعيه السياسي والصحافي. يبدأ الفصل بوصف مرارة الحكم العثماني المتأخر، مركزاً على سياسات جمال باشا السفاح في سورية ولبنان، والتي تضمنت التجويع والقمع، بدليل إعدامه لشخصيات وطنية في ساحة المرجة بدمشق وساحة البرج في بيروت عام 1915 و1916. هذه الوحشية، كما يراها المؤلف، هي التي فجرت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين بن علي عام 1916، والتي انتهت بدخول الأمير فيصل بن الحسين إلى دمشق في 30 أيلول 1918 وتأسيس أول حكومة عربية.

لكن الفرحة لم تدم طويلاً، إذ ينتقل الفصل إلى كشف الخديعة الاستعمارية، فيشرح كيف أن بريطانيا وفرنسا اتفقتا سراً على اقتسام المنطقة عبر اتفاقية سايكس بيكو (1916) ثم مؤتمر *سان ريمو (1920)***. يصف المؤلف بعاطفة جياشة كيف تخلى الحلفاء عن وعودهم، مما أجبر الملك فيصل على مواجهة إنذار الجنرال غورو، وانتهى الأمر بمعركة ميسلون (تموز/يوليو 1920) التي استشهد فيها وزير الحربية يوسف العظمة. يصف المؤلف مشهد دخول القوات الفرنسية إلى دمشق بكل أسى، معتبراً إياه نكبة أولى تلتها سياسة التقسيم والتجزئة، حيث أعلن الفرنسيون "دولة لبنان الكبير" و"دولة حلب" و"دولة العلويين" و"دولة جبل الدروز" لتفتيت الوحدة السورية.

بعد هذا السرد التاريخي المكثف، ينتقل الفصل فجأة إلى سيرة ذاتية طويلة، توضح مشوار نصوح بابيل مع الصحافة. يصف كيف بدأ بالطباعة ثم كافح ضد أنانية أصحاب الصحف، مستخدماً أساليب ذكية مثل الكتابة بأسماء مستعارة (مثل "السياسي الصغير") وخوض مغامرات مع رجال السلطة، مثل مواجهته للحاكم حقي العظم وتهديده برفض الانصياع لضغوطهم. هذه السيرة هي حجة المؤلف الدامغة على أن الهدف الأسمى للصحافة هو خدمة الوطن، وأنه كان مستعداً للتضحية بوظيفته الحكومية في سبيل حرية الرأي.

في التحفظات، يقرّ المؤلف بأن بعض الولاة الأتراك (مثل مدحت باشا وحسين ناظم باشا) كانوا منصفين وأحبوا العرب، مما يمنع التعميم باللوم على كل الأتراك، ويوجب توجيه المسؤولية نحو جماعة "الاتحاد والترقي" وحدها. كما يترك سؤالاً مفتوحاً حول جدوى المقاومة العسكرية في معركة ميسلون، حيث يظهر أن الملك فيصل والمجلس العسكري كانا يعلمان سلفاً أن الجيش لا يستطيع الصمود أكثر من بضع ساعات أو دقائق ضد القوات الفرنسية. من الحجج القابلة للنقاش، التأكيد المتكرر على أن اليهود من أصل "الدومة" كانوا المحرك الخفي لسياسة الاتحاديين، وهو ما يحتاج إلى تحقق من المصادر التاريخية الأخرى، لكنه جزء من سردية المؤلف التي تفسر انهيار الدولة العثمانية بمؤامرة خارجية.

2.الفصل الثاني: ثورة على المحتل34–73▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل، المعنون "ثورة على المحتل"، سجلاً حافلاً لأشكال المقاومة السورية المتعددة ضد الاحتلال الفرنسي في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، تاركاً بعد معركة ميسلون واحتلال دمشق. يقدّم المؤلف، نصوح بابيل، إجابة واضحة مفادها أن الاحتلال الفرنسي واجه منذ لحظاته الأولى رفضاً شعبياً جارفاً تجلى في ثورات مسلحة في الأرياف وانتفاضات شعبية في المدن، مما يؤكد أن السوريين لم يقبلوا بالانتداب الفرنسي بأي شكل من الأشكال، وسعوا إلى تقويضه بكل الوسائل المتاحة.

يسير الفصل عبر سرد متوازٍ للثورات المسلحة والحراك السياسي والشعبي. يبدأ بثورة حوران التي اشتعلت شرارتها في 15 آب/أغسطس 1920 عندما هاجم المناضلون القطار الذي كان يقل وفداً حكومياً برئاسة علاء الدين الدروبي لجباية غرامة حربية فرنسية. قُتل الدروبي وعبد الرحمن اليوسف وآخرون، لترسل فرنسا حملة عسكرية كبيرة قادها الجنرال غورو لم تقمع الثورة إلا بعد أربعين يوماً من المعارك، وفرضت غرامات باهظة بلغت عشرة آلاف ليرة ذهبية عن كل وزير قُتل. ثم تنتقل السردية إلى محاولة اغتيال الجنرال غورو نفسه في القنيطرة في 7 حزيران/يونيو من قبل مجموعة من أربعة عشر مسلحاً، كادت تنجح لولا تدخل حقي العظم حاكم دمشق الذي ألقى بنفسه فوق الجنرال وأصيب بثلاث رصاصات. ردت فرنسا بتدمير سبع عشرة مزرعة وقرى بأكملها وفرض غرامات ذهبية عليها.

في الشمال، يُسلّط الفصل الضوء على ثورة إبراهيم هنانو في منطقة حارم وجبل الزاوية، مقدماً لمحة عن شخصيته كقائد عسكري منظم يتفاوض مع العدو ويتبادل الأسرى، ويمتد نفوذه من معرة النعمان حتى البحر. يذكر الفصل كيف أن تعاون الأتراك مع الفرنسيين بحجب الذخائر عن الثوار دفعهم لاستخدام الكمائن، وفي النهاية أُرغم هنانو على الانسحاب إلى عمان في 11 تموز/يوليو حيث اعتقلته السلطات البريطانية بتنسيق مع الفرنسيين وسُلّم لمحاكمته في حلب. يُفصّل الفصل أحداث المحاكمة الدرامية، كيف تقدم المحامي فتح الله صقال بالدفاع عنه بطلاقة فرنسية، مستنداً إلى صفته كقائد جيش، وكيف قاطعه الشاب سعد الله الجابري قائلاً: "أنا والألوف معي كلفنا إبراهيم هنانو مقاتلة فرنسا التي دخلت بلادنا بدون حق". انتهت المحاكمة بإعلان براءة هنانو بعد أن وجدت في صندوق التصويت كرتان خضراوان (براءة) وكرة حمراء واحدة (إدانة)، وهو ما شكل انتصاراً معنوياً كبيراً وزاد من هيبته كزعيم وطني.

إلى جانب الكفاح المسلح، يعرض الفصل بدايات العمل السياسي المنظم، فيتحدث عن زيارة رئيس اللجنة الأمريكية كراين الثانية لسورية في نيسان/أبريل 1922 ولقاءاته بوجهاء دمشق في حديقة حسن الحكيم، التي أعقبتها اعتقالات واسعة طالت عبد الرحمن شهبندر وحسن الحكيم وسعيد حيدر وغيرهم بتهمة التحريض. حُكم على شهبندر بالسجن عشرين سنة وآخرين بمدد تتراوح بين العشر سنوات والخمس سنوات، ونُقلوا لاحقاً إلى جزيرة أرواد. كان رد فعل دمشق وكل المدن السورية إضراباً عاماً شاملاً استمر أسبوعاً ومظاهرات حاشدة، مما يدل على تحول الغضب الشعبي إلى حركة سياسية منظمة.

يتناول الفصل أيضاً تأسيس حزب الشعب برئاسة عبد الرحمن شهبندر كأول حزب سياسي بعد الاحتلال، كإطار لضبط النشاط السياسي. ويجسد رفض الشعب السوري القاطع للانتداب من خلال الحادثة البارزة لزيارة اللورد بلفور صاحب الوعد المشؤوم إلى دمشق في نيسان/أبريل حيث خرجت المظاهرات الحاشدة تهتف بسقوطه، مما اضطر السلطات الفرنسية إلى إخراجه سراً من باب خلفي للفندق تحت حراسة مشددة خوفاً على حياته.

أما الثورة السورية الكبرى فتُشكّل محوراً رئيسياً في الفصل. يوضح المؤلف كيف كانت شرارتها سوء معاملة المستشار الفرنسي الكابتن كاربيه لأبناء جبل الدروز، حيث فرض الغرامات بالذهب لعدم الخروج لاستقباله وأهان زعماءهم. عندما توجه وفد درزي برئاسة الأمير حمد الأطرش إلى الجنرال ساراي في نيسان/أبريل 1925 مطالبين بتنفيذ الاتفاق الموقع، رفض ساراي بشدة وهددهم بالنفي. تلت ذلك اعتقالات لزعماء الدروز، مما دفع سلطان باشا الأطرش للثورة وقيادة هجوم مباغت على الحملة الفرنسية بقيادة الجنرال ميشو في المزرعة يوم 1 آب/أغسطس 1925، والتي انتهت بهزيمة ساحقة للفرنسيين ومقتل ألف وخمسمائة جندي منهم وفرار القائد في دبابة. تحوّل هذا النصر إلى شرارة انتشرت في كل سورية.

يتفصّل الفصل بعدها في كيفية تمدد الثورة من جبل الدروز إلى غوطة دمشق بدفع من اجتماع سري في دمشق قاده عبد الرحمن شهبندر وجميل مردم بك واللواء يحيى حياتي. يصف الفصل البطولات الفردية والجماعية الخارقة، وعلى رأسها قصة حسن الخراط، الحارس الليلي الأمي الذي تحول إلى أسطورة قتالية لا تُقهَر. يُسرد كيف قاد هجوماً على قرية المليحة، وكيف أسقطت مجموعته طائرة فرنسية فوق نهر الزور بالسلاح الخفيف، وكيف كانوا يهاجمون الحملات العسكرية الفرنسية في الليل ويأسرون قادتها، وصولاً إلى تمكن الثوار من دخول دمشق نفسها من ثلاثة محاور في أحد أيام تشرين الأول/أكتوبر واحتلال أحياء الميدان والشاغور. رد الفرنسيون بقصف مدفعي همجي على المدينة استمر ثلاثة أيام بلياليها دون تمييز، مما تسبب بحرائق هائلة أتت على حي سيدي عامود التاريخي الذي تحول اسمه بعدها إلى "الحريقة". بعد مفاوضات مع وفد من وجهاء المدينة ترأسه الأمير سعيد الجزائري، انسحب الثوار من دمشق لتجنيب المدينة المزيد من الدمار، لكن القصف الفرنسي استمر وانتقلت المعارك إلى وادي التيم ومرجعيون وقلعة راشيا، حيث خاض الثوار معارك بطولية معروفة بتضحية أربعة عشر مجاهداً على التوالي لتسلق نافذة القلعة.

في خضم كل ذلك، يورد المؤلف اعترافاً صريحاً من المسؤولين الفرنسيين بحجم خسائرهم. فينقل عن الجنرال ويغان قوله إن عدد القتلى من جيشه بلغ تسعة آلاف جندي ومائتين وخمسين ضابطاً، وعن الجنرال ساراي رده على كاتب فرنسي بأن في سورية وحدها سنة 1925 قامت خمس وثلاثون ثورة ودُفن فيها من جيشه خمسة آلاف جندي. هذه الأرقام، بحسب المؤلف، تدحض الزعم الفرنسي بأن سورية كانت هادئة. كما يكرّم الفصل دور الشيخ صالح العلي قائد ثورة جبال العلويين، الذي تعاهد مع يوسف العظمة واستمر في نضاله حتى فرض العفو عنه بعد أن عجز الفرنسيون عن القبض عليه.

أما خارج سورية، فيؤرخ الفصل للجهود السياسية التي بذلها الأمير ميشال لطف الله من القاهرة ولندن وجنيف، حيث ترأس حزب الاستقلال السوري وعقد مؤتمراً للأحزاب المستقلة في جنيف عام 1922 بمشاركة وجوه بارزة من فلسطين وسورية والمهجر، رافعاً مطالب واضحة بالاستقلال وإلغاء الانتداب وإلغاء وعد بلفور. ورغم أن كل هذه الجهود ذهبت "أدراج الرياح" بقرار من عصبة الأمم في لندن، إلا أنها تظل دليلاً على الوعي السياسي الناشئ الذي تجاوز الحدود محاولاً إيصال صوت سورية للعالم.

في الصفحات الأخيرة من الفصل، ينتقل المؤلف من التأريخ للثورة الجماعية إلى سيرته الذاتية كصحفي. يحكي كيف استغل ثغرة في القانون بتزوير سنة ميلاده ليصدر جريدته الخاصة ويصبح رئيساً لتحرير جريدة "المقتبس". ويسرد بالتفصيل معركته الصحفية الشجاعة ضد حكومة الشيخ تاج الدين الحسني التي اعتبرها من صنع الاحتلال. يصف الفصل كيف رفض جميع الإغراءات المادية التي أرسلها رئيس الحكومة لثنيه عن هجومه، حتى أن صديقاً قديماً جاءه حاملاً عرضاً مالياً فردّ عليه: "حرام عليك أن تشوه صفحتك النقية بحملك إليّ مثل هذا العرض". انتهت القصة بتوجه محمد كردعلي، صاحب الجريدة ووزير المعارف، إلى مقر الحكومة وطلب توقيف جريدته بنفسه بعد أن عجز عن إقناع رئيس تحريره بالاعتدال، لتكون هذه الواقعة شاهداً على صعوبة التوفيق بين العمل الصحفي الحر والمناصب الحكومية في زمن الاحتلال.

يختتم الفصل بالاعتراف الصريح بأن كل هذه الجهود العسكرية والسياسية والشعبية، رغم قوتها وتضحياتها الجسام، ذهبت "أدراج الرياح" أمام الاتفاق المسبق بين القوى الكبرى الذي أضفى الشرعية على الانتداب الفرنسي. يقرّ المؤلف بهذه الحقيقة المرة دون تجميل، مما يضفي على الفصل مصداقية تاريخية عالية، ويترك القارئ مع سؤال مفتوح حول جدوى كل تلك التضحيات في مواجهة آلة الإمبريالية الدولية التي كانت تسير وفق مصالحها الخاصة متجاهلة تطلعات الشعوب.

3.الفصل الثالث: الكفاح السلمي74–167▼ résumé

ملخص الفصل الثالث: الكفاح السلمي

يتناول هذا الفصل من كتاب "صحافة وسياسة (سورية في القرن العشرين)" لنصوح بابيل مرحلة جديدة من النضال السوري ضد الانتداب الفرنسي، مرحلة الكفاح السلمي عبر المشاركة في المؤسسات السياسية التي أوجدها الفرنسيون، والمناورة بين المقاطعة والمشاركة، وصولاً إلى المعاهدة التي رفضها الشعب والمجلس النيابي. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن الكفاح السلمي، على الرغم من قسوته وتعقيداته، كان الوسيلة الأنجع لتحقيق المكاسب الوطنية في تلك المرحلة، وأن «الكتلة الوطنية» كانت القاطرة التي قادت هذا الكفاح بنجاح.

يبدأ الفصل بإصدار المفوض السامي بونسو قراراً في أيار/ مايو 1930 أعلن فيه عن خمسة دساتير منفصلة لسورية ولبنان وجبل الدروز ولواء إسكندرونة. الدستور السوري خضع لتعديلات جائرة، أبرزها إضافة المادة 113 التي قيدت السيادة الوطنية لصالح التعهدات الفرنسية وجمعية الأمم. تزامن ذلك مع عزل تاج الدين الحسني من رئاسة الحكومة، في محاولة لكسب رضا الشعب، وتحديد موعد للانتخابات العامة. شكل المفوض السامي مجلساً استشارياً من رؤساء الحكومات السابقين، لكن هاشم الأتاسي رفض العضوية لعدم استشارته ولعدم وضوح صلاحيات المجلس، مما أدى إلى إلغائه بعد أول جلسة.

أجريت الانتخابات في جو من الإرهاب، خاصة في حلب حيث فرض الجنود السنغاليون سيطرهم. فازت قائمة صبحي بركات، ولم ينجح الوطنيون البارزون مثل إبراهيم هنانو وسعد الله الجابري والدكتور عبد الرحمن الكيالي. في دمشق، حطمت الجماهير صناديق الاقتراع المزورة، وتأجل الانتخاب ثلاثة أشهر. في النهاية، فاز بعض مرشحي «الكتلة الوطنية»، ودخل نقاش حاد داخل الكتلة حول مقاطعة المجلس أو المشاركة فيه. يذكر المؤلف دور جريدتي «الأيام» و«القبس» في الضغط لاتخاذ قرار المشاركة، بدعم من فائز الخوري، الذي اشترط الحصول على دعم الصحيفتين. انتهى النقاش بقرار الكتلة السماح لنوابها السبعة عشر بدخول المجلس.

شهد افتتاح المجلس في حزيران/ يونيو 1932 إجراءات أمنية فرنسية مشددة. سبقه «التفاهم النزيه» بين جميل مردم بك ومندوب المفوض السامي في دمشق المسيو سولومياك، والذي نص على دخول مردم ومظهر رسلان الوزارة مقابل انتخاب محمد علي العابد رئيساً للجمهورية بدلاً من صبحي بركات. انتخب العابد رئيساً بأغلبية 51 صوتاً، واعتبر الوطنيون ذلك ربحاً بعد يأسهم من انتخاب مرشحهم هاشم الأتاسي. حاولت السلطات الفرنسية دفع شاكر نعمت الشعباني لرئاسة الوزارة لكنها فشلت.

تألفت وزارة برئاسة حقي العظم، ضمت جميل مردم بك ومظهر رسلان، وكان الناس يعتبرون مردم الموجه الحقيقي لها. استطاعت هذه الوزارة بعض الإنجازات كتخفيض الضرائب وإلغاء النفقات المستورة، لكنها فشلت في تحقيق عفو سياسي عام. في المقابل، انصرف الشعباني الذي فشل في الوصول لرئاسة الوزارة إلى كتابة مقالات هجومية في جريدته «الأهالي»، التي كانت أداة في يد السلطة الفرنسية. قام الشباب الوطني في حلب باغتيال الحاج عمر الداية، أحد أنصار الوطنيين السابقين الذي انحاز لبركات والشعباني. عمت حالة من الاضطراب والتوتر المدن السورية.

عقدت «الكتلة الوطنية» مؤتمراً في حمص في تشرين الثاني/ نوفمبر 1933، وأصدر هاشم الأتاسي بياناً انتقد فيه مساعي السلطات الفرنسية. في جلسة مجلس النواب في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر، ألقى رئيس الوزراء بياناً حول المفاوضات المرتقبة مع فرنسا، فرد عليه زكي الخطيب بخطاب شديد اللهجة طالباً استقلالاً حقيقياً وإلغاء المادة 113. حاول الشعباني فرض القسم على الدستور، لكن النواب الوطنيين رفضوا، وقادوا حملة ضده اضطرته للانسحاب من على المنبر.

في 1937-1938 بلغ النضال السلمي ذروته بإضراب عام ستيني عم سورية، وصفته الصحافة العالمية بأنه أروع عمل سلبي ضد الاحتلال. تراجع المفوض السامي دي مارتيل، ودعا الزعماء الوطنيين للسفر إلى باريس للتفاوض على معاهدة. في آذار/ مارس 1936 تألف الوفد السوري برئاسة هاشم الأتاسي وعضوية فارس الخوري وسعد الله الجابري وجميل مردم بك وآخرين. يذكر المؤلف أن الطلاب السوريين في فرنسا نصحوا الوفد بالتريث في المفاوضات لحين نجاح الجبهة الشعبية في الانتخابات الفرنسية، وهو ما حدث بالفعل. قبل السفر، وجهت حكومة الملك عبد العزيز آل سعود دعوة لوفد صحافي ضم المؤلف لزيارة المملكة لأداء فريضة الحج.

يختتم الفصل بتأبين الزعيم إبراهيم هنانو الذي توفي في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935، وسرد لمواقفه النضالية وصفاته. ثم ينتقل للحديث بتفصيل عن تاريخ جريدة «الأيام» ودورها النضالي، وعن الصحافة السورية عموماً تحت الاحتلال، مؤكداً أنها كانت سلاحاً فعالاً في الكفاح السلمي، وتحملت الاضطهاد والتعطيل الإداري. وفي ختام الفصل، يلخص المؤلف النتائج التي أسفر عنها هذا الكفاح: الإضراب الستيني الشهير الذي أرغم فرنسا على التراجع والدعوة للمفاوضات، وهو ما يمثل إجابة المؤلف على السؤال المحوري للفصل حول جدوى الكفاح السلمي.

من الجدير بالملاحظة أن الفصل يقدم سرداً مفصلاً للصراع السياسي، معتمداً بشكل كبير على شهادات ومواقف شخصية للمؤلف، مما يضفي طابعاً ذاتياً على الرواية. كما أن هناك بعض الأرقام والتواريخ التي تحتاج إلى تحقق، مثل تاريخ وصول الكونت دي مارتيل والأرقام المتعلقة بعدد النواب الموقعين على مذكرة الرفض أو المشاركين في الإضراب. يمكن القول إن الحجج التي يقدمها المؤلف مقنعة في سياق السرد وإن كانت تفتقر أحياناً إلى التنوع في تقديم وجهات النظر الأخرى.

4.الفصل الرابع: معركة الخلاص الطويلة168–227▼ résumé

ملخص الفصل الرابع: معركة الخلاص الطويلة

يتناول هذا الفصل مرحلة سياسية حاسمة في تاريخ سورية خلال الأربعينيات، محورها صراع القوى المحلية والدولية حول الاستقلال، والتحولات في الحكم بين شخصيات سياسية متعددة.

يبدأ الفصل بوصف كيف استحوذ الداماد أحمد نامي على السلطة في ظل الحكم الفرنسي الفيشي بقيادة الجنرال دانتز، الذي كان حريصاً على جمع وزراء يجمعون بين الولاء له والثقة به. استدعى دانتز الداماد ومنحه فرصة اختيار حكومته. تفاوض الداماد مع شخصيات سورية، من بينهم مجموعة من أنصار الزعيم الدكتور شهبندر، لكنهم اعتذروا عن تشكيل الوزارة لاقتناعهم بأن فرنسا لن تستجيب لمطالبهم الوطنية. ثم طرح الداماد اسم خالد العظم، الذي كان عضواً في مجلس بلدية دمشق، وتم الاتفاق على اختياره رئيساً للوزارة بعد لقاء مع المفوض السامي.

زار خالد العظم شكري القوتلي في منزله، فأشار عليه القوتلي بالدعوة لعودة هاشم الأتاسي كرئيس شرعي، لكن الفرنسيين رفضوا ذلك، وأصدر دانتز قراراً بتشكيل وزارة العظم في 5 نيسان/أبريل 1941. لم تعمر هذه الوزارة طويلاً، إذ اجتاحت قوات الحلفاء سورية في 8 حزيران/يونيو 1941، وحل مكان دانتز الجنرال كاترو ممثلاً لفرنسا الحرة، الذي أنهى خدمة العظم في 11 أيلول/سبتمبر 1941 بعد حكم دام خمسة أشهر وسبعة أيام.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى سرد مفصل لشخصية الشيخ تاج الدين الحسني، الذي نشأ في بيت علم ودين، وشارك في المؤتمر السوري عام 1919-1920، وعُين مديراً عاماً لشؤون القصر الملكي في عهد الملك فيصل. بعد زوال الحكم الفيصلي، تولى مناصب قضائية. رفض عرض دوجفنيل له برئاسة الدولة عام 1925 أثناء الثورة السورية الكبرى، لأن الوطنيين لم يدعموه، فحمل عليهم موجدة.

استدعي الشيخ تاج لرئاسة الحكومة عام 1928، وأجرى انتخابات لجمعية تأسيسية، لكن الخلاف نشب حول إضافات المفوض السامي الفرنسي على الدستور، وتصادم مع الوطنيين الذين رشحوا إبراهيم هنانو للرئاسة. انسحب الشيخ من الجلسة، وأصدر المفوض قراراً بإلغاء الجمعية. استقال عام 1931 بعد خلاف مع الفرنسيين.

يصف الفصل كيف عاد الشيخ تاج إلى دمشق عام 1940 عند اجتياح الألمان فرنسا، مما أثار حفيظة الجنرال دانتز. كان الشيخ قد أقنع صديقه الجنرال كولة بالانضمام إلى قوات الحلفاء في فلسطين، فاعتقله دانتز وأرسله إلى برمانا تحت الإقامة الجبرية. هرب الشيخ بمساعدة المخابرات الإنكليزية ولجأ إلى المطران بولس عقل. بعد انهيار الحكم الفيشي، اجتمع الشيخ مع الجنرال ديغول في دمشق، الذي وعده بمنح سورية ولبنان استقلالهما.

كان هناك اتفاق بين الشيخ تاج وجميل مردم بك على أن من يتولى الرئاسة يكلف الآخر رئاسة الوزراء. لكن عند تكليف الشيخ، نشب خلاف مع الجنرال كولة والشيخ كامل القصاب اللذين رفضا تكليف مردم بك، فاضطر الشيخ لإعفاء مردم بك من العهد. كلف الشيخ حسن الحكيم بتشكيل الوزارة في 11 أيلول/سبتمبر 1941، وضمت شخصيات من الشهبندريين والكتلويين والمستقلين. صدر عن كاترو قرار بإعادة اللاذقية والسويداء إلى سورية في 11 كانون الثاني/يناير 1942، واحتفل به في 20 منه تحت اسم "يوم الوحدة".

توالى الاعتراف باستقلال سورية من مصر والمملكة العربية السعودية واليمن، ومن بريطانيا عبر برقية من الملك جورج السادس، ثم اليونان وبلجيكا ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا. نشب خلاف بين الشيخ تاج وحسن الحكيم حول فتح ملف اغتيال الدكتور شهبندر، فاستقال الحكيم، وكلف الشيخ حسني البرازي بتأليف وزارة جديدة في 1 نيسان/أبريل 1942.

يستعرض الفصل نص التصريح الفرنسي بإعلان استقلال سورية الصادر في 27 أيلول/سبتمبر 1941، والذي تضمن تناقضات بين الاعتراف بالسيادة وفرض قيود الحرب، وقبلها الشيخ تاج متوكلاً على أن بريطانيا ستلغي هذه القيود. دخل عام 1942 والوزارة البرازية تترنح بسبب خلافات حول احتكار الحبوب وتهريبها إلى لبنان، فاستقال البرازي بعد هجومه على الشيخ تاج. كلف الشيخ جميل الألشي بتأليف الوزارة، لكن الشيخ تاج أحس بانهيار صحته وتوفي في 1 كانون الثاني/يناير 1943 نتيجة تسمم، وسط تساؤلات عن الجاني وهل هم الإنكليز أم الفرنسيون.

ينتقل الفصل إلى الصراع الخفي بين إنكلترا وفرنسا حول استقلال سورية، حيث حرصت فرنسا على إلغاء الانتداب واستبداله بمعاهدة، بينما رفض الشيخ تاج إدراج كلمة "معاهدة" في الوثائق الرسمية خوفاً من أن تصبح نسخة عن الانتداب. أما بريطانيا، فقد رفضت المعاهدة لسببين: منحها فرنسا نفوذاً متزايداً في الشرق الأوسط، ومحاولة التكفير عن وعد بلفور عبر دعم السيادة السورية.

يتحدث الفصل عن تأسيس نقابة الصحافة السورية، التي تشكلت بعد جهود بدأت منذ عام 1938 وصولاً إلى تأسيسها رسمياً في تشرين الثاني/نوفمبر 1945. انتخب نصوح بابيل نقيباً، ووضعت النقابة قانوناً لها، وأقامت حفلات موسيقية لجمع التبرعات لإنشاء نادٍ لها. سعت النقابة للإفراج عن الصحافيين المعتقلين، بمن فيهم نجيب الريس صاحب جريدة "القبس"، ونجحت في ذلك، كما حاربت الابتزاز الصحافي واستردت الأموال المنهوبة من المحتالين.

بعد وفاة الشيخ تاج، أصدر الجنرال كاترو ثلاثة قرارات تعيد الحياة الدستورية إلى سورية، عُيّن بموجبها عطا الأيوبي رئيساً للدولة والحكومة في 25 آذار/مارس 1943. تولى الأيوبي الحكم في ظل أزمة خبز حادة، حيث وصل استهلاك دمشق اليومي من الحبوب إلى 117 طناً عام 1943 مقارنة بـ 40 طناً في 1942. لجأت الحكومة إلى سلطان باشا الأطرش الذي دعا زعماء حوران وجبل الدروز لإخراج الحبوب المحتكرة، مما ساهم في تخفيف الأزمة.

ينتهي الفصل بحديث عن عهد شكري القوتلي الأول، وكيف ظهر كشخصية سياسية رئيسية بعد فراغ الساحة السياسية باغتيال شهبندر ووفاة الشيخ تاج. تعهد القوتلي للإنكليز عبر الأمير عبد الإله ونوري السعيد بعدم عقد معاهدة مع فرنسا، بينما تعهد للجنرال كولة بعقدها. فازت قائمته الانتخابية في انتخابات 1943، واختير رئيساً للجمهورية، وأول وزارة في عهده برئاسة سعد الله الجابري أصدرت مرسوماً بصرف بهيج الخطيب من الخدمة.

يختتم الفصل بالإشارة إلى أن الموقف السياسي في تلك المرحلة تميز بازدواجية في التعهدات والتحالفات، وأن مسيرة الاستقلال كانت طويلة ومعقدة، تخللتها صراعات داخلية وخارجية.

5.الفصل الخامس: ثمن الاستقلال228–620▼ résumé

ملخص الفصل الخامس: ثمن الاستقلال

يصف هذا الفصل الأحداث الدامية التي وقعت في دمشق خلال الفترة بين 29 أيار/ مايو و1 حزيران/ يونيو 1945، حين قصفت القوات الفرنسية مدينة دمشق بقنابل المدفعية والرشاشات والدبابات، رداً على رفض الحكومة السورية منح فرنسا امتيازات خاصة تمس الاستقلال. يقدّم المؤلف سرداً تفصيلياً للمعركة التي دارت حول دار البرلمان، حيث تحصّن جنود الدرك السوري داخل المبنى للدفاع عنه، بينما كانت الجماهير المحتشدة في الشوارع تنتظر نتيجة الجلسة البرلمانية. ويظهر من السرد أن الفصل يهدف إلى توثيق "ثمن الاستقلال" الذي دفعته سورية دماً وخراباً، وإظهار الوحشية الفرنسية، ثم التدخل البريطاني الذي أوقف إطلاق النار، وأخيراً التحرك العربي والدولي الذي أدى إلى جلاء القوات الفرنسية.

يسير الفصل خطوة خطوة بدءاً من وصف ليلة القصف الأولى، حيث تدافع الناس واعتُقل النواب والوزراء في منزل خالد العظم، وقُصفت قلعة دمشق التي كان فيها السجناء، مما أدى إلى هدم أبنية السجون ومقتل عدد كبير من السجناء والدرك، ويُقال إن عدد القتلى فيها زاد على ثلاثمائة قتيل. ثم يصف الفصل بطولة محمد طيب شريك، وكيل الضابط في الدرك، الذي دافع عن البرلمان حتى نفدت ذخيرته، وأمر جنوده بالقتال بالمسدسات حتى الموت، وعُثر على جثته المشوهة بين خمس وعشرين جثة في حفرة كبيرة في المزة. ويشير المؤلف إلى أن هذا البطل شيع جثمانه دون أن يخرج وراءه أحد من المسؤولين، رغم اقتراح الكثيرين نقل رفاته إلى حديقة البرلمان وإقامة ضريح له، لكن الاقتراح لم يُنفذ حتى بعد أربعين عاماً.

يستمر السرد في وصف القصف طوال يوم الأربعاء وليله، ونزوح الأهالي من الأحياء القديمة إلى حي الأكراد وأحياء الصالحية، حيث فتحت البيوت أبوابها للوافدين. ويبرز الفصل دور جمعيات الهلال الأحمر والمتطوعين في إسعاف الجرحى ونقلهم إلى المستشفيات، رغم اعتداء بعض الجنود الفرنسيين على المستشفى الوطني وإخراج المرضى منه. كما يصف الفصل حرائق أضرمها جنود سنغاليون وشركس في عدد من المحلات التجارية، منها حريق كبير في محل المصور نوفل في شارع رامي التهم الجانبين من الشارع وامتد إلى المرجة، وحريق في زقاق المغسلة امتد إلى شارع فؤاد الأول، بالإضافة إلى أضرار لحقت بمطابع جريدة «الأيام».

بعد يومين من القصف، أذاعت محطة الشرق الأولى نبأ البرقية التي أرسلها الرئيس تشرشل إلى الجنرال ديغول، يأمر فيها قائد جيوش الشرق الأوسط بالعمل للحيلولة دون إراقة دماء أخرى، ويطلب الكف عن إطلاق النار والشروع بمحادثات ثلاثية في لندن. وفي صباح الجمعة 1 حزيران/ يونيو، وصل إلى منزل رئيس الجمهورية المستر آلن شو وزير بريطانيا المفوض والجنرال باجيت قائد القوات البريطانية، وتقرر تسلم الحكومة السورية الدوائر الرسمية. ودخلت القوات البريطانية إلى دمشق واستقبلها الأهلون بالهتاف، ورفع العلم السوري على مبنى البرلمان. ويصف المؤلف كيف مر بنفسه بسيارته في طريقه إلى دار «الأيام»، فأوقفه المتظاهرون وحملوه إلى سلم البرلمان ليلقي كلمة، أكد فيها أن قوى الحديد والنار لن تبدل عقيدة الأمة ولن تصدها عن هدفها الاستقلال.

يتناول الفصل ردود الفعل العربية، فيذكر أن مجلس النواب اللبناني عقد جلسة وتبرع النواب برواتبهم لعوائل الضحايا، وأعلنت منظمة الكتائب اللبنانية الإضراب خمسة أيام احتجاجاً، وأرسلت مصر بعثتين من الهلال الأحمر المصري. كما يصف موقف الأمير عبدالله بن الحسين أمام المتظاهرين في عمان. ويخصص الفصل مساحة لافتة لانعقاد أول دورة من اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية في القاهرة مساء 4 حزيران/ يونيو، بحضور ممثلي سورية ولبنان وشرق الأردن والعراق والمملكة العربية السعودية ومصر، والتي أصدرت قرارات تلخصت بأن مسؤولية ما جرى تقع على عاتق فرنسا، وبضرورة إجلاء القوات الفرنسية، وبأن المجلس لن يدخر وسيلة للقيام بواجبه نحو هذين القطرين.

ينتقل الفصل بعدها إلى تفاصيل جلاء القوات الفرنسية على مراحل، فيذكر أنه في 4 تموز/ يوليو جلت القوات عن جزيرة أرواد، وفي 15 منه استلمت الحكومة السورية ثكنة الحميدية، وتوالت عمليات الاستلام حتى آب/ أغسطس، مع ورود حوادث طفيفة مثل اشتباكات في اللاذقية أسفرت عن سقوط ثلاثين قتيلاً من الأهلين، واعتداء على إدمون حمصي بإلقاء قنبلة على منزله. ويذكر الفصل أن البرلمان السوري دعي لدورة استثنائية في 14 آب/ أغسطس في مدرج الجامعة السورية بسبب تهديم مبنى المجلس، وأن حكومة فارس الخوري استقالت وأعيد تشكيلها، ونالت ثقة المجلس بـ 51 صوتاً مقابل 19 واستنكاف 6 أصوات.

يتناول الفصل أيضاً الأثر الدولي للأحداث، فيذكر التصريحات المتبادلة بين تشرشل وديغول، حيث اتهم ديغول البريطانيين بإثارة القلاقل، ورد تشرشل في مجلس العموم البريطاني بنفي هذه الاتهامات وتفصيل مساعي بريطانيا لإقناع الحكومتين السورية واللبنانية بالمفاوضات. ويذكر الفصل أن عدد الضحايا حسب الإحصائيات الرسمية بلغ ثمانين قتيلاً من الدرك السوري، وأربعمائة من المدنيين، وخمسمائة أصيبوا بجراح خطيرة، وألف مصاب بجراح بسيطة. كما يشير إلى مذكرة أرسلتها الحكومة السوفياتية إلى كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والصين تطالب بإنهاء الأعمال العسكرية، ومذكرة من الولايات المتحدة تطلب من فرنسا مراجعة سياستها، وتصريح الرئيس ترومان بأنه وافق تماماً على إرسال القوات البريطانية.

في القسم الأخير من الفصل، ينتقل المؤلف إلى الحديث عن أوضاع الصحافة السورية في زمن الحرب، فيذكر أن ارتفاع سعر الورق من ليرتين سوريتين إلى مئة ليرة حمل الصحف على اختصار عدد صفحاتها، وأن الحكومة خصصت مبلغاً ضئيلاً في الميزانية لمساعدة الصحف، لكن أصحاب الصحف الدمشقية تنازلوا عنه وطلبوا تحويله إلى مشروعات خيرية. ويُدرج الفصل أسماء 23 صحفياً وقعوا على هذا الطلب، منهم أمين سعيد صاحب «الكفاح» ونصوح بابيل صاحب «الأيام». كما يوثق الفصل حوادث اعتداء على صحافيين في حلب، منها الاعتداء على أحمد قنبر صاحب «النذير» بالضرب والجرح، والاعتداء على حسين الشعباني صاحب «الحوادث» من قبل موظف في الإعاشة، وتفاصيل الاحتجاجات التي تلت هذه الاعتداءات من نقابة الصحافة في دمشق وحلب، وزيارة نصوح بابيل إلى حلب التي استمرت أسبوعاً وأقيمت له فيها حفلة تكريم حضرها أكثر من مئتي مدعو.

يختتم الفصل بالحديث عن مشاركة سورية في مؤتمر سان فرنسيسكو لتأسيس الأمم المتحدة، حيث وافقت الدول العظمى على دعوة سورية ولبنان، وتألف الوفد السوري برئاسة فارس الخوري، وألقى خطاباً دعا فيه إلى تعاون وثيق بين الأمم الكبيرة والصغيرة وضرورة إنشاء محكمة العدل ومجلس الأمن. ثم يصف الفصل انتهاء الحرب العالمية الثانية في 8 أيار/ مايو 1945، بتوقيع وثيقة الاستسلام الألمانية التي أنهت الحرب رسمياً في أوروبا بعد خمس سنوات وثمانية أشهر وستة أيام، واحتفالات سورية ولبنان بيوم النصر. وفي نهاية الفصل، هناك إشارة إلى أن الفصل يوثق كيف أن الصحافة السورية واجهت ظروفاً قاسية وصمدت في وجه الاعتداءات، وبرهنت على تضامنها في الدفاع عن حرية الرأي، ورفضها التدخل الحكومي في شؤونها النقابية.

يمكن القول إن الفصل يقدم وثيقة تاريخية غنية بالتفاصيل عن مرحلة حاسمة في تاريخ سورية الحديث، ويبرز بوضوح دور الصحافة كصوت وطني في مواجهة الاستعمار. كما أن اعتماد المؤلف على سرد الأحداث بتفصيل دقيق مع أسماء الأشخاص والأماكن يعطي العمل طابعاً توثيقياً قيماً، رغم أن بعض التفاصيل قد تبدو مكررة أو مطولة.

Analyse & mots-clés

Mots-clés

Personnes

Lieux

Événements