Almawred
الإسماعيليون في الثورة السورية
عربي

الإسماعيليون في الثورة السورية

ar

الموضوع المحوري للكتاب هو دراسة علاقة الطائفة الإسماعيلية السورية بالثورة السورية التي انطلقت عام 2011، ويفند موقف النظام القائل بأن الأقليات، ومنها الإسماعيلية، تقف خلفه خوفاً على بقائها. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن الإسماعيليين انخرطوا في الثورة السورية بدوافع وطنية بحتة، مستندين إلى مطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وليس بدافع طائفي. ويؤكد أن مشاركتهم الواسعة كانت بمثابة "ورقة تين" كشفت زيف الرواية الرسمية التي تصف الثورة بأنها مؤامرة سنية ضد الأقليات، مما أحبط محاولات النظام لتحويل الصراع إلى حرب طائفية شاملة.

يسير الكتاب وفق بناء زمني متسلسل ومنطق سببي، حيث يبدأ بتحليل جذور التوتر التاريخي بين الطائفة الإسماعيلية والطائفة العلوية ثم ينتقل إلى العصر الحديث ليربط هذه الجذور بسلوك النظام في الثورة. يفتتح الكتاب بحادثة مروعة وقعت في 2 أكتوبر 2013، وهي ذبح عائلة خالد عطفة الإسماعيلية (زوجته وطفلتيه) على يد "شبيحة" من منطقة القبو العلوية المؤيدة للنظام على طريق حمص-مصياف. ويستخدمها كنقطة انطلاق لطرح السؤال الجوهري: كيف تحولت جريمة جنائية إلى حدث سياسي طائفي في سياق الثورة؟ ثم ينتقل إلى الفصل الثاني ليقدم تعريفاً بالطائفة، أصولها التاريخية، انقسامها إلى نزارية ومستعلية، وعلاقة السوريين بالإمام الحالي كريم آغا خان. بعد ذلك، يغوص في ثلاثة فصول أساسية تسرد تاريخ العلاقة الإشكالية مع العلويين، مركزاً على الصراع على الجغرافيا والموارد في جبال الساحل السوري (مصياف، القدموس، نهر الخوابي) منذ العهد العثماني، ومروراً بالوقائع الدامية في أعوام 1919 و1920 التي قادها الشيخ صالح العلي، وحتى أحداث مصياف والقدموس عام 2005. ثم ينتقل الكتاب إلى الفصل الأهم المتعلق بالثورة السورية ذاتها، فيروي تفاصيل مشاركة الإسماعيليين في الاحتجاجات السلمية في السلمية ومصياف والقدموس، وتحولها إلى عمل مسلح في مرحلة لاحقة، وتأثير التفجيرات الإرهابية ودخول الفصائل الجهادية على وضعهم المعقد، حيث وجدوا أنفسهم في مواجهة مزدوجة مع النظام من جهة ومع الجماعات المتطرفة التي تكفرهم من جهة أخرى. يختتم الكتاب بخاتمة تحليلية تلخص نتائج الدراسة وتؤكد فشل المشروع الطائفي للنظام بفضل وعي القوى الثورية.

من بين الشهادات والأرقام اللافتة التي يصعب نسيانها، يبرز وصف حادثة 1919 التي رواها الدكتور مصطفى غالب، حيث هاجمت "العصابات النصيرية" بقيادة الشيخ صالح العلي مدينة القدموس، وأحرقت المكتبة الإسماعيلية وأحرقت المؤلفات الدينية بعد احتلال القلعة، مما يشير إلى تدمير متعمد للتراث الثقافي. وفي المقابل، توجد رواية المؤرخ محمد كرد علي المحايدة التي تذكر واقعة شباط 1919 التي بدأت بخلاف بين مشايخ الإسماعيلية وفلاحيهم، وتحولت إلى فتنة استنجد فيها الأمراء بمشايخ النصيرية، لتتطور الأمور إلى هجوم إسماعيلي على قرى علوية. كما يذكر الكتاب حادثة دوكة بيت رسلان في عام 1703، حيث استولت عشيرة بني رسلان العلوية على قلعة مصياف وقتلت جميع الذكور. في العصر الحديث، تبرز التفاصيل الدموية لأحداث مصياف عام 2005، التي حاول النظام اختزالها كمشاجرة بين سائقين، بينما تشير شهادات الناشطين إلى أنها تطورت إلى مواجهة طائفية دموية استخدم فيها السلاح لترهيب الإسماعيليين، وأدت إلى انقسام المدينة اقتصادياً واجتماعياً. وفي الثورة، يبرز دور مدينة السلمية التي خرجت فيها أول تظاهرة في 25 مارس 2011، متحدية بذلك الرواية الطائفية التي يحاول النظام فرضها؛ إذ كانت المظاهرات تجمع الإسماعيليين والمسيحيين والسنة والعلويين معاً. كما تسجل الشهادات لحظة التحول الحاسمة في 3 يونيو 2011، حين أثارت "مجزرة أطفال الحرية" في حماة (التي راح ضحيتها نحو سبعين شخصاً) غضباً عارماً في السلمية، وخرجت تظاهرة حاشدة رفعت لأول مرة شعار "إسقاط النظام". ويشير الكتاب إلى تشكيل أول كتيبة إسماعيلية مسلحة باسم "درع البادية" بتاريخ 1 أكتوبر 2012، وفي 11 مارس 2013 تم الإعلان عن "لواء شهداء مدينة السلمية" التابع للجيش السوري الحر، الذي أكد في بيانه التأسيسي على الدفاع عن الوطن بغض النظر عن المعتقد. وأخيراً، يذكر الكتاب تفجيرات بسيارات مفخخة طالت المدينة، مثل تفجير معمل السجاد في 21 يناير 2013 وتفجير قرية الكافات في 9 يناير 2014.

يعترف المؤلف صراحةً بوجود حدود وتحفظات في عمله. فهو يشير إلى ندرة المصادر التاريخية الموثقة والمحايدة حول العلاقات بين الطائفتين، حيث أن أغلب الروايات إما كتبها علويون تحت ظل حكم البعث أو إسماعيليون يحملون وجهة نظر أحادية. كما يقر بأن الصراعات الداخلية داخل الطائفة الإسماعيلية نفسها بين مؤيد ومعارض للنظام حالت دون تشكيل موقف موحد، وخلقت حالة من الانقسام استغلها النظام عبر دعمه للجان الشعبية والشبيحة من الإسماعيليين أنفسهم. كما يقر بصعوبة تعميم النتائج على كل الإسماعيليين، مشيراً إلى أن هناك نسبة غير قليلة منهم قاتلت مع قوات النظام، سواء في الجيش أو الأمن أو في صفوف الدفاع الوطني.

يطرح الكتاب حججاً قابلة للنقاش بوضوح، أبرزها التأكيد على أن دافع الإسماعيليين للثورة كان وطنياً بحتاً، وأنهم لم يتأثروا بالدافع الطائفي. هذه الفرضية قابلة للنقاش بالنظر إلى شهادات الكتاب نفسه عن عودة جمرة الصراع الطائفي في حوادث 2005 و2013، وإلى المظلومية التاريخية التي يعبر عنها الناشط الإسماعيلي في شهادته عن مصياف. كما أن وصف مشاركة الإسماعيليين في الثورة بأنها كانت ضربة قاصمة للرواية الطائفية للنظام قد تكون مبالغاً فيها، إذا ما نظرنا إلى أن النظام قد نجح فعلاً في خندقة أجزاء واسعة من المجتمع السوري على أسس طائفية، وأن مشاركة الإسماعيليين بقيت محدودة مقارنة بحجم التعبئة الطائفية التي قام بها النظام بين العلويين. وأخيراً، فإن الإشارة إلى أن الإمام الآغا خان لم يمنع أتباعه من المشاركة السياسية، بل شجعهم على الالتزام الوطني، قد تكون قراءة انتقائية لموقفه الذي يتسم بالغموض والحذر الشديد من المباشرة السياسية، وهو ما استخدمه المحافظون داخل الطائفة لتثبيط المشاركة الثورية.