
الثورة السورية وحيدة بوجه العالم
يتمحور كتاب "الثورة السورية وحيدة بوجه العالم" لجوزيف ضاهر حول فكرة مركزية واحدة: أن الثورة السورية التي انطلقت في عام 2011 هي ثورة شعبية حقيقية، نابعة من احتياجات الطبقات الفقيرة والمستغلة، وذات أهداف تحررية ديمقراطية واجتماعية واقتصادية. يدافع المؤلف بشراسة عن هذه الرؤية ضد محاولات اختزال الثورة في صراع طائفي أو مؤامرة خارجية، ويقدّم إجابة واضحة مفادها أن النظام السوري بقيادة بشار الأسد هو المسؤول الأول عن إغراق البلاد في العنف والطائفية، وأن الجماعات الجهادية مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تشكل، إلى جانب النظام، جزءاً من "الثورة المضادة". يرى الكاتب أن الحل الوحيد هو إسقاط النظام بالكامل ورفض أي مشاريع سياسية تُبقي على بنيته، مثل مؤتمرات "جنيف" التي يعتبرها أدوات إمبريالية للحفاظ على الوضع القائم.
تسير حجة الكتاب عبر فصوله المترابطة بمنطق واضح. يبدأ الفصل الأول بوضع الأساس الاقتصادي والاجتماعي للثورة، شارحاً كيف بنى النظام شبكة من الولاءات القائمة على الفساد والمحسوبية منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970. يشرح الكاتب كيف أدت السياسات النيوليبرالية إلى خلق طبقة رأسمالية هجينة وانهيار القطاع العام، مما هيّأ الظروف المادية للانفجار الشعبي. هنا تبرز أرقام لافتة يصعب نسيانها، فيذكر أن رامي مخلوف (ابن خال بشار الأسد) كان يسيطر على ما يقارب 60% من اقتصاد البلاد قبل الثورة، وأن القطاع الخاص مثّل حوالي 70% من النشاط الاقتصادي، بينما وصلت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 33% عشية الثورة، أي ما يعادل 7 ملايين مواطن. هذا التحليل الاقتصادي هو الوقود الذي يفسر اندلاع الثورة وفقاً للمؤلف.
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تحليل خطاب النظام وكيف يستخدم الطائفية كأداة للسيطرة. في الفصل الثاني، يحلل المؤلف خطاب بشار الأسد في 10 كانون الثاني 2013 في دار الأوبرا بدمشق، معتبراً إياه تكراراً لخطابات سابقة تهدف إلى تجريد الثورة من شرعيتها باتهام الثوار بأنهم "القاعدة". هنا يفضح الكاتب الدور المركزي للنظام في إنتاج وتغذية السياسات الطائفية على مدى عقود، مستشهداً بتحليل أسامة مقدسي. يوضح أن النظام، منذ حافظ الأسد، اعتمد على ثلاثة محاور: السيطرة على النقابات، إنشاء شبكة زبائنية، وانتهاج سياسات نيوليبرالية أدت إلى تهميش الدولة وتراجع خدماتها لصالح مؤسسات الرعاية الدينية. يورد الكاتب تفصيلاً تاريخياً صادماً: حل نقابات الأطباء والمحامين والمهندسين عام 1970، وزيادة عضوية حزب البعث من 55,894 في 1971 إلى 1,201,855 في يونيو 2004 عبر ربطها بالوظائف، وتعديل الدستور لإضافة "الشريعة الإسلامية هي مصدر كل التشريعات" في آذار/مارس 2012، وإغلاق الكازينو الوحيد في البلاد في نيسان/أبريل 2011. هذه السياسات المتناقضة، برأي الكاتب، تهدف لاستقطاب المحافظين بينما يستمر قمع أي معارضة حقيقية.
يكمل الفصل الثاني رسم صورة أكثر تعقيداً للثورة، فيناقش مفهوم "ليس ثمة ثورة خالصة"، رافضاً محاولات الإعلام الغربي تصوير الثورة على أنها "ربيع إسلامي". يعترف المؤلف بأن الثورة ليست نقية، بل هي ساحة تنازع تضم قوى ديمقراطية وأخرى رجعية طائفية. يهاجم بشدة مؤتمر جنيف 2 الذي انعقد في تموز 2013، ويرفض أي حل يُبقي على بنية النظام مع بقاء الأسد في منصبه. كما ينتقد الائتلاف الوطني السوري المعارض، متّهماً إياه بالانتهازية والاستعداد لخيانة الثورة. يورد الكاتب مثالاً على رفض الشعب لهذه الحلول، فيشير إلى تظاهرات رفعت شعارات مثل: "جنيف 2، هناك فارق بين من يناضل من أجل الحرية وبين من يسعى لتحسين شروط العبودية".
الفصل الثالث يركز على ثلاثة محاور: المسألة الكردية، الإسلاميون، والجيش السوري الحر، في صيف 2013. يشرح الكاتب كيف انسحبت قوات النظام في 19 تموز 2012 من المدن ذات الأغلبية الكردية، تاركة فراغاً ملأه حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وجناحه المسلح. يصف الصراع بين هذه القوى الكردية وجبهتي النصرة وداعش على مناطق استراتيجية غنية بالنفط. يورد الكاتب تصريحاً لافتاً للجنرال سليم إدريس، رئيس أركان الجيش السوري الحر آنذاك، قال فيه إن المعارضة "لن تعترف أبداً بدولة كردية"، مما يكشف عن توترات عميقة داخل المعارضة. في المقابل، يُبرز الكاتب مبادرات شعبية للم الشمل العربي الكردي، كمظاهرة في الأشرفية بحلب في 1 آب، وأخرى في عامودا رفعوا فيها العلمين السوري والكردي تضامناً مع حمص المحاصرة.
يتناول الفصل نفسه جرائم النظام بوضوح، متخذاً من مجزرة الغوطة الشرقية في 21 آب 2013 مثالاً صارخاً، مستشهداً ببيان منظمة أطباء بلا حدود الذي أكد علاج أكثر من 3600 مريض بأعراض تسمم عصبي ووفاة 355 منهم. يرى المؤلف أن هذه المجزرة تهدف لتعزيز "الحل السياسي السيء". لكن الكتاب لا يقتصر على نقد النظام، بل يوجه نقداً لاذعاً للجماعات الإسلامية الرجعية، فيصف هجوم داعش على كتيبة أحفاد الرسول في الرقة، وممارساتهم الاستبدادية كخطف النشطاء (منهم الأب باولو وفراس الحاج صالح) وفرض الحجاب وقتل فتى في الرابعة عشرة من عمره. يورد الكاتب شعاراً رفعته مظاهرات في بستان القصر بحلب ضد المجلس الإسلامي: "للعار يا للعار.. الشبيحة صاروا ثوار"، مقارنة بين استبداد الجماعات الإسلامية واستبداد النظام.
المحور الأهم في هذا الفصل هو "التنظيم الذاتي للنضالات الشعبية"، حيث يقدم الكاتب أدلة على حيوية الثورة من خلال إنشاء إدارات مدنية منتخبة ومجالس شعبية في المناطق المحررة مثل دير الزور والرقة. يذكر انتخاب مجالس محلية لأول مرة منذ 40 عاماً، وتأسيس تحالف الشبيبة الثورية في حلب، وارتفاع عدد الصحف المستقلة من 3 قبل الثورة إلى أكثر من 60. في تجربة الرقة، أول محافظة محررة بالكامل، يصف الكاتب كيف أدار السكان جميع الخدمات، ونظموا حملات كحملة "العلم الثوري السوري يمثلني" لمواجهة العلم الأسود للإسلاميين، وأقاموا معارض فنية ومراكز لدعم الشباب. هذا التنظيم الذاتي، بحسب المؤلف، هو الدليل الأقوى على أن الثورة لم تمت رغم كل التحديات، رغم اعترافه بحدود هذه المجالس مثل ضعف تمثيل النساء والأقليات.
يُكرّس الفصل الرابع لموضوعين رئيسيين: الثورة الشعبية الثانية ضد الجماعات الجهادية، وقضية تحرير فلسطين. يصف الكاتب كيف اتبع النظام استراتيجية متعمدة منذ 2011 لتدمير المكونات الديمقراطية للثورة مع السماح للمجموعات المتطرفة بالتطور، مشيراً إلى أن النظام أطلق سراح آلاف الإسلاميين من السجون في الأشهر الأولى للانتفاضة. ثم يتناول الانتفاضة الشعبية الثانية التي اندلعت في 3 يناير 2014 ضد داعش في المناطق المحررة، وخاصة في مدينة الرقة. يشرح أن سكان المناطق المحررة ثاروا ضد استبداد داعش الذي كان يضم آنذاك حوالي 10 آلاف مقاتل، نصفهم أو أكثر من الأجانب. يصف الكاتب مظاهرات 7 و8 يناير 2014 العنيفة التي طردت قوات الجيش السوري الحر والألوية الإسلامية داعش من قواعدها في حلب، ويرفع المتظاهرون شعارات مثل "الأسد وداعش بد واحدة" و"الشعب يريد إسقاط داعش". يوثق الكاتب أن المرصد السوري لحقوق الإنسان وثق إعدام 42 شخصاً ممن عُثر عليهم في مقار داعش.
ينتقل القسم الثاني من الفصل الرابع إلى فلسطين، حيث يؤكد المؤلف أن إسرائيل مشروع استعماري، وينتقد اتفاقيات أوسلو، ويشدد على أهمية حملات التضامن وخاصة حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات (BDS). يطرح الكاتب "الحل الفعلي الوحيد" وهو إقامة دولة ديمقراطية واجتماعية وعلمانية للجميع في فلسطين التاريخية مع حق العودة لجميع اللاجئين. ويربط هذا الحل بدعم الثورات الشعبية لإطاحة الأنظمة الاستبدادية المتواطئة مع إسرائيل، مستشهداً بمثال نظام الأسد الذي قتل أكثر من 2000 فلسطيني في سوريا منذ 2011 وحاصر مخيم اليرموك. يتضمن الفصل أيضاً أقساماً عن كوباني والمسألة الكردية، حيث يصف مقاومة وحدات حماية الشعب الكردي للدولة الإسلامية في المدينة منذ 14 سبتمبر 2014، مشيراً إلى أن أكثر من 550 شخصاً قُتلوا، وينتقد الكاتب سلطوية حزب الاتحاد الديمقراطي تجاه النشطاء الآخرين مع دعمه لحق تقرير المصير الكردي.
يقر المؤلف بحدود تحليله في أكثر من موضع. فهو يعترف بصعوبة التنبؤ بمسار الثورة، ويقر بوجود أعمال عنف واغتيالات ارتكبتها بعض المجموعات المسلحة المعارضة والتي نددت بها الحركة الشعبية. كما يعترف بأن تدفق المساعدات الغربية المزعومة للمعارضة لم يثبت بعد بحقائق ملموسة، وأن السيرورة الثورية ليست "طاهرة" بل هي مرحلة صراع وتجاذب بين القوى المختلفة. يترك الكاتب أسئلة مفتوحة حول دور اليسار الثوري ومدى قدرته على قيادة التغيير. في ما يخص القضية الكردية، ينتقد سلطوية حزب الاتحاد الديمقراطي وممارساته مثل تجنيد الأطفال وقمعه للمعارضين الأكراد، ويقر بأن التحالفات بين الثوار السوريين والأكراد تواجه تحديات كبيرة.
الحجج القابلة للنقاش في الكتاب عديدة وواضحة. النقطة الأبرز هي تصنيف جبهة النصرة وتنظيم داعش والجماعات المشابهة لهما ضمن "قوى الثورة المضادة"، إلى جانب النظام نفسه، مما يضع الكاتب في موقف معادٍ بشدة للطرفين ويرفض أي تحالف مع أي منهما. رؤيته للثورة كـ"ثورة دائمة" تتجاوز إسقاط النظام نحو تغيير المجتمع جذرياً نحو الاشتراكية هي رؤية أيديولوجية واضحة تستند إلى المنظور الماركسي الثوري. يرفض الكاتب أيضاً أي شكل من أشكال الرأسمالية والإمبريالية والأنظمة الإقليمية، بما فيها تركيا والسعودية وقطر التي قد تُعتبر حليفة للمعارضة السورية. طرحه للحل العلماني والديمقراطي الموحد في فلسطين التاريخية يختلف عن حل الدولتين وغيره من الحلول المطروحة. التركيز الحاد على فكرة أن الصراع الرئيسي هو صراع طبقي وليس دينياً أو عرقياً هو منظور أيديولوجي واضح له مؤيدوه ومعارضوه، ويمثل جوهر الكتاب بأكمله.