
منطلق تاريخ لبنان
يبدأ كمال الصليبي كتابه «منطلق تاريخ لبنان» بسؤال جوهري: ما هو لبنان؟ لا يجيب المؤلف مباشرة، بل يفكك المفاهيم التي تشكل هويته. يرى أن فهم تاريخ لبنان يستلزم أولاً إدراك أنه ليس كياناً منعزلاً، بل جزء عضوي من بلاد الشام، وأن مصطلحاته الجغرافية والتاريخية ليست ثابتة بل تطورت عبر العصور. يدافع الصليبي عن فكرة أن تاريخ لبنان هو نتاج تفاعلات متعددة الطبقات من الهجرات السامية والعربية، والصراعات الدينية والسياسية، والتحولات الاجتماعية، وليس مجرد سردية طائفية أو إقليمية ضيقة. حجته المركزية هي أن الطائفيتين الأساسيتين في الجبل اللبناني، الموارنة والدروز، تشكلتا ككيانين متميزين خلال العصور الوسطى، وخاصة بين عام 1070 و1516م، وأن هذه التشكيلة هي التي مهدت الطريق لظهور «الكيان اللبناني» المتميز في العهد العثماني. لكنه يحذر من قراءة هذا الماضي من خلال عدسات أيديولوجية حديثة، ويصر على أن التاريخ اللبناني لا يمكن فصله عن سياقه الإقليمي في بلاد الشام والعالم الإسلامي.
يسير الكتاب وفق تسلسل زمني صارم، حيث يربط بين الأحداث الكبرى وتحولاتها على الأرض اللبنانية. يبدأ الفصل الأول بتفكيك ثلاثة مفاهيم هي «لبنان» و**«بلاد الشام»** و**«العرب»**، مؤكداً أن أسماء الأماكن في المنطقة هي بأكثريتها سامية، وأن تعريب بلاد الشام بدأ قبل الفتح الإسلامي بزمن طويل مع انتشار اللهجات العربية. يقدم هنا أولى وقائعه اللافتة: أن اسم لبنان مشتق من الجذر السامي «لبن» إشارة إلى بياض الثلوج، وأن العرب كانوا آخر الشعوب السامية خروجاً من البادية. ثم ينتقل إلى الفتح الإسلامي بين 634 و644م، وتقسيم الشام إلى «أجناد»، حيث كان جبل لبنان تابعاً لجند دمشق. في هذه الحقبة المبكرة، يطرح الصليبي فرضية مثيرة للجدل حول أصل الموارنة، فيرفض بشدة قول بعض المؤرخين بأنهم من نسل «المردة» (الجراجمة)، معتبراً أن لا دليل على أي علاقة بينهما سوى التوافق الزمني. يختم الفصل بتوصيف دقيق للتوزيع الجغرافي للسكان في جبل لبنان بعد الفتح، حيث كان نهر الجعماني حداً فاصلاً بين المناطق المسيحية في الشمال والإسلامية في الجنوب.
يتناول الفصل الثاني تفكيك أثر الفتح الإسلامي على بلاد الشام خلال عهد الخلفاء (634-1070م). حجة الصليبي هنا أن الفتح لم يغير النظام السياسي فقط، بل أدى إلى محو شبه تام لذاكرة الماضي السابق، واستبدالها بهوية جديدة. يصف النظام الإداري الجديد «الأجناد»، ودور الخلفاء الأمويين، خاصة هشام بن عبد الملك (724-743م)، في الاهتمام بالثغور الساحلية كـصور. ثم ينتقل إلى فترة العباسيين، حيث تراجعت أهمية بلاد الشام بعد نقل مركز الخلافة إلى بغداد. يقدم هنا واحدة من أبرز الوقائع التي يصعب نسيانها: ثورة جبّة المنيطرة (عام 760-759م)، حيث تجمع الثوار حول شاب يدعى بندار جعلوه ملكاً عليهم ورفع راية الصليب، وهي القصة التي يراها الأساس التاريخي لأسطورة «ملك بسكنتا». يخصص مساحة واسعة لتحليل التحولات المذهبية، ويرى أن عداء أهل الشام للحكم العباسي دفعهم نحو التشيع، مع ظهور القرامطة وغاراتهم المدمرة. يصل الفصل إلى ذروته مع عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (996-1021م)، حيث ظهر المذهب الدرزي بين فريق من الإسماعيلية كانوا يجلون الحاكم إجلالاً يصل إلى حد الألوهية. يشير إلى أن التسمية نسبت خطأً إلى أنشتكين الدرزي، بينما المؤسس الفعلي هو حمزة بن علي. ويوضح أن الدعاة الجدد استغلوا العلاقة بين الدولة الفاطمية و«ولاة الأطراف» لنشر المذهب بين عشائر كانت مصدر ثورات سابقة، خاصة في وادي التيم ومنطقة الأشواف في لبنان.
يشكل الفصل الثالث، «الموارنة والدروز على المحك (1070–1291م)»، قلب الكتاب النابض. يركز الصليبي على أن هذه الفترة شهدت بدء مسيرة الطائفتين ككيانين متميزين داخل الجبل اللبناني، في ظل تحديات الوجود الفرنجي (الصليبي). يسرد الوقائع بدقة: في عام 1099م، التقى وفد من موارنة جبل لبنان بقادة الفرنجة ورحبوا بهم، لكن موارنة المناطق العالية بقوا متحفظين وثاروا على الفرنجة أكثر من مرة. في المقابل، انقسم الدروز بين منطقتين: وادي التيم الذي حكمه بنو جندل وموالون للفاطميين، وجبل بيروت (الغرب والمتن) الذي حكمه آل عبد الله (آل بحتر) وتحالفوا مع الأتابكة في دمشق. هنا يقدم الصليبي مشهداً لافتاً: حصل الأمير بحتر بن علي عام 1147م على منشور من الأتابك مجير الدين آبق يقر إمارته على الغرب. ويستمر السرد مع صعود نور الدين محمود بن زنكي وصلاح الدين الأيوبي، حيث استمر آل بحتر في لعبة التحالفات المعقدة بين الفرنجة وأيوبيي دمشق ومصر، مما أثار شكوك المماليك. يصل الكتاب إلى نقطة مفصلية مع معركة عين جالوت (1260م)، حيث أرسل آل بحتر أميراً لطاعة التتار وآخر للانضمام إلى المماليك، وهو الموقف المزدوج الذي كلفهم اعتقالاً من السلطان الظاهر بيبرس. ويتناول الفصل أيضاً قضية الاتحاد الماروني مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، الذي أثار انقساماً حاداً بلغ ذروته عام 1282م عندما انتخب الثوار لوقا البنهراني بطريركاً مناوئاً في الحدث مقابل البطريرك الموالي للاتحاد في حالات. يختم الفصل بوصف نهاية الحكم الفرنجي، حيث بدأ السلطان المنصور قلاوون (1279–1290م) بتصفية وجودهم، واستولى على إقطاعات أمراء الجبال لتمويل «جند الحلقة»، ثم تابع ابنه الأشرف خليل باستيلاءه على عكا عام 1291م، آخر معاقل مملكة أورشليم.
يختتم الكتاب بفصل «لبنان وجواره في عهد المماليك (1291_1516م)»، والذي يركز على ترسيخ النظام الاجتماعي والسياسي الذي شكل الأساس للبنان الحديث. يصف الصليبي التنظيم الإداري الدقيق لدولة المماليك، التي انقسمت إلى مرحلتين: «البحرية» (1250-1382م) و**«البرجية» (1382-1517م)**. يقدم تفصيلاً للصراع مع الشيعة في كسروان، الذي انتهى بثلاث حملات عسكرية، آخرها الحاسمة عام 1305م بقيادة جمال الدين آقوش الأفرم، والتي أعقبها إسكان عشائر من التركمان في المنطقة لحراستها. هنا يبرز اسم الشدياق يعقوب بن أيوب كأحد «المقدمين» الموارنة الذين أقاموا علاقة ممتازة مع الدولة المملوكية، خاصة بعد مساعدته للسلطان الظاهر برقوق أثناء ثورة عليه عام 1390-1389م. وفي الجنوب، يتابع بروز أسر درزية أخرى في الشوف، مثل بنو معن الذين ظهر منهم الأمير فخر الدين عثمان بن الحاج يونس بن معن، الذي بنى جامع دير القمر عام 1493م. يخصص الصليبي مساحة واسعة لأوضاع الموارنة الكنسية، ويروي قصة استشهاد البطريرك جبرائيل الحجولاوي حرقاً عام 1367م، ثم يعود ليصف الدور المحوري للرهبان الفرنسيسكان في تعزيز العلاقة مع روما بعد مجمع فلورنسا (1439م)، وصولاً إلى البطريرك بطرس الحدثي الذي أصبح أول بطريرك ماروني بلقب «بطريرك أنطاكية» عام 1469م، والجهود الأخيرة للمطران جبرائيل ابن القلاعي في توحيد الطائفة حتى وفاته عام 1516م، وهو العام نفسه الذي شهد الفتح العثماني للمنطقة.
يعترف الصليبي بحدود بحثه صراحةً. فهو يقر في نهاية الكتاب بأن هذا السرد التاريخي هو «تحديد مصطنع» إلى حد ما، لأن تاريخ لبنان في العصور الوسطى لا يمكن فصله تماماً عن تاريخ بلاد الشام والمشرق الإسلامي. كما يشير إلى غياب مصادر ثابتة عن تاريخ آل معن في الشوف قبل القرن الخامس عشر، واعتماد روايات لبنانية متأخرة قد تكون موضوعة. ويترك أسئلة مفتوحة حول مدى استقلالية زعماء الجبل في لعبة التحالفات الإقليمية، وتكرار ازدواجية ولاء آل بحتر بين المماليك والفرنجة والتتار.
يمكن الإشارة إلى أن حجج الصليبي، رغم غناها، تثير بعض النقاش. فهو يرفض بشدة أي صلة بين الموارنة والمردة، لكنه في الوقت نفسه يبني فرضياته حول أصولهم على روايات متأخرة مثل رواية البطريرك اسطفان الدويهي التي يعتبرها مجرد اجتهاد لا يتفق مع المعطيات الظرفية. كما أن تفسيره للتحولات المذهبية بوصفها وجهاً للمعارضة السياسية ضد العباسيين، رغم قوته، يختزل أبعاداً عقائدية واجتماعية عميقة. مع ذلك، يظل الكتاب مرجعاً لا غنى عنه لفهم كيف تشكلت طبقات الهوية اللبنانية، وما زالت هذه الطباعات تتفاعل في الحاضر.
Personnes
Chapitres(4)
1.«لبنان» و«الشام» و«العرب»25–50▼ résumé
بدأ كمال الصليبي الفصل بتأكيد أن فهم تاريخ أي منطقة يتطلب أولاً إدراك طبيعة روافدها وتأثيرها في مجراها الرئيسي. ثم شرع في تفكيك ثلاثة مفاهيم جغرافية وتاريخية مترابطة: «لبنان» و**«بلاد الشام»** و**«العرب»**، موضحاً أن هذه الأسماء ليست ثابتة بل تطورت عبر العصور. يهدف الفصل إلى تقديم خلفية تمهيدية عن هذه المصطلحات لفهم تاريخ لبنان ضمن سياقه الإقليمي العضوي.
يبدأ الصليبي بتحديد لبنان كمنطقة جبلية محاذية لساحل بلاد الشام، مشتقاً اسمه من الجذر السامي «لبن» إشارة إلى بياض الثلوج. ثم ينتقل إلى بلاد الشام، وهو الاسم العربي الذي أطلق منذ القرن الرابع أو الخامس الميلادي على الأرض الممتدة من الفرات شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً، ومن طوروس شمالاً إلى سيناء ورمال النفوذ جنوباً. ويوضح أن الإغريق والرومان أطلقوا عليها اسم سورية، المأخوذ من آشور، وعمّموه على الكل. كما استحدثوا أسماء لأجزائها مثل فينيقية وفلسطين وسورية المجوفة. أمامًا العرب، فيشرح أن اللفظة مشتركة بين اللغات السامية بمعنى «شعب» أو «مجموعة قبائل»، وقد أطلقت على الناطقين باللهجات العربية من قبائل البادية المحيطة بـ رمال النفوذ، التي يعتبرها الموطن الأساسي للشعوب السامية. ويؤكد أن العرب كانوا آخر هذه الشعوب خروجاً من البادية، وبدأ نزوحهم الكثيف إلى الحواضر في فترة حكم الإغريق والرومان.
بعد ذلك، يربط الصليبي هذه المفاهيم جغرافياً، فيصف المنطقة اللبنانية بأنها الجزء الأوسط من الأطراف الجبلية الغربية لبلاد الشام، وهي حاجز طبيعي يلتقط الأمطار، وأهم أنهار الداخل تنبع منها أو من سفوح جبل سنير وجبل حرمون (جبل الشيخ). ويدلل على أن أسماء الأماكن، مثل لبنان والقرى الفينيقية، هي بأكثريتها سامية (أمورية، كنعانية، آرامية، عربية)، مما يشير إلى أن وفرة المياه اجتذبت النزوح البشري من البادية منذ أقدم العصور.
ينتقل الصليبي إلى سرد تاريخي للوجود العربي في المنطقة. يرجح أن الخروج العربي من البادية بدأ على نطاق واسع في القرن الميلادي الأول. ويؤكد أن تعريب بلاد الشام لم يحدث مع الفتح الإسلامي، بل قبله بزمن طويل، مع انتشار اللهجات العربية خلال القرون الخمسة الأولى بعد الميلاد لتحل محل اللهجات الآرامية والمهرية. ويذكر أن المزيج اللغوي بين العربية والآرامية أنتج فئة «النبط»، الذين كانوا طلائع العرب المولدة (الذين تركوا البداوة وامتهنوا الزراعة والتجارة). ثم ظهرت اللغة العربية الفصحى كلغة أدبية مشتركة بين العرب «العاربة» والنبط «المستعربة» في القرن الخامس أو السادس الميلادي.
يستعرض الصليبي أدلة على قدم الوجود العربي من خلال ذكر ممالك وأسماء مناطق. يذكر جبل عاملة وجبل بهراء ووادي التيم، وهي أسماء لقبائل يمنية. ثم يتناول ممالك النبط، بدءاً من البتراء (سلع) التي سيطرت على جنوب الشام بما فيها دمشق في أوائل الحكم الروماني، ثم مملكة تدمر بقيادة الزّباء (زنوبيا) في أواخر القرن الثالث الميلادي، وأخيراً مملكة غسان من بني جفنة (عرب أقحاح من اليمن) التي خلفت النبط. ويرجح أن هذه الممالك جعلت مناطق الجليل الأعلى ووادي التيم والبقاع وجنوب جبل لبنان خاضعة لها، مما يشير إلى أن سكانها كانوا من النبط أو مزيجاً منهم مع العرب الأقحاح.
يتناول الفصل انتشار المسيحية في بلاد الشام منذ القرن الأول الميلادي، وتحول الدولة الرومانية إليها في القرن الرابع، حتى طغت في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير (395-379م). أصبحت السريانية لغة الطقس الكنسي، بينما حافظ العرب والنبط على لغاتهم المحكية، مما سهّل انتشار العربية كلغة محكية بعد الفتح الإسلامي.
ينتقل إلى الفتح الإسلامي للشام بين 634 و644م في عهد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، حيث خرج الروم من البلاد. قسّم المسلمون الشام إلى أربعة «أجناد» (مقاطعات) هي: حمص ودمشق والأردن وفلسطين، ثم أضيف جند قنسرين عام 680م. وكان جبل لبنان وبعلبك والبقاع تابعاً لجند دمشق، بينما أتبع جبل عاملة وصور بجند الأردن، وكان نهر القاسمية الحد الفاصل بينهما. يذكر أن الإسلام انتشر بسرعة في المناطق الجنوبية من جبل لبنان خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، بينما بقي شمال لبنان على المسيحية.
يفرّق الصليبي بين نصارى الشام: الملكية (أو الملكانية) أتباع كنيسة الروم في القسطنطينية القائلين بالطبيعتين في المسيح، واليعاقبة (نسبة إلى يعقوب البردعي) الذين انشقوا في القرن السادس ورفضوا مذهب الروم قائلين بالطبيعة الواحدة. ويشرح محاولة الروم الفاشلة للتوفيق بين المذهبين باقتراح «المشيئة الواحدة»، والتي كفرها «المجمع المسكوني السادس» في القسطنطينية عام 680م. يرجح أن نصارى شمال لبنان كانوا من الملكية، وتحديداً من الموارنة، نسبة إلى مارون الناسك الذي نشط في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس. أسس أتباعه ديراً في وادي العاصي شرق حماه، وسرعان ما أصبحوا قادة للملكيين في المنطقة. ويظن الصليبي أن معظم الموارنة كانوا من نبط الشام، بينهم بعض الرعاة العرب الأقحاح، وكانوا يتكلمون العربية ويكتبون بها على الأقل منذ القرن التاسع الميلادي.
يشرح الصليبي أسباب انشقاق الموارنة عن الكنيسة الملكية الرسمية، مرجعاً ذلك إلى الفوارق الاجتماعية بين رهبان دير مارون من الفلاحين والرعاة، وبين القيمين على الكرسي الأنطاكي من أعيان المدن المتخلقين بالروم. بعد الفتح الإسلامي وخروج الروم، انهار التنظيم المركزي لطائفة الملكية في أنطاكية. وعندما كفر المجمع السادس مذهب المشيئة الواحدة الذي دافع عنه بطريرك أنطاكية مكاريوس، وأقيم بطريرك جديد (تاوفانس) مقيم في القسطنطينية، رفضه الموارنة. فانتخبوا رئيسهم يوحنا مارون بطريركاً على «أنطاكية وسائر المشرق» عام 680-683م، في خلافة يزيد بن معاوية، معلنين استقلالهم. ويشير إلى أن المصادر القديمة تفيد بتمسكهم بمذهب المشيئة الواحدة بعد قرار المجمع، لكن علماء الموارنة يرفضون هذا القول بشدة.
ينتقل إلى «الجراجمة» أو «المردة»، وهم عشائر من الأناضول جلبهم الروم إلى جبل اللكام كحامية عسكرية، وبقوا بعد الفتح الإسلامي على صلة بالروم. كررت غاراتهم على وادي العاصي ولبنان في عهد بني أمية، وبلغت أشدها في عهد يزيد بن معاوية وابنه معاوية الثاني (683م) ثم مروان بن الحكم (683-685م). أبرم الخليفة عبد الملك بن مروان صلحاً مع الإمبراطور البيزنطي يوستنيانوس الثاني عام 685م؛ حيث دفع الخليفة ألف دينار كل جمعة مقابل ردع الروم لشر الجراجمة. فأخرجهم يوستنيانوس من جبل اللكام، ثم قضى عليهم الوليد بن عبد الملك عام 708م. يرفض الصليبي بقوة قول بعض المؤرخين الموارنة (كالبطريرك اسطفان الدويهي) والمستشرقين (كالأب هنري لامنس) بأن الموارنة هم من نسل المردة، معتبراً أن لا دليل على أي علاقة بينهما سوى التوافق الزمني ووجودهم في المنطقة نفسها.
بناءً على روايات الدويهي عن أصول مفقودة، يسرد الصليبي قصة انتقال البطريرك يوحنا مارون إلى جبل لبنان عام 685م، واستقراره في كفرحي من بلاد البترون، هرباً من غارة الروم التي خربت دير مارون وقتلت خمسمئة راهب. ومع ذلك، يؤكد الصليبي أن الموارنة بقوا في وادي العاصي لأكثر من ثلاثة قرون بعد هذه الحملة. ويشير إلى أن رواية الدويهي التي تصل الموارنة بالمردة من خلال «المقدم إبراهيم» (ابن أخت البطريرك وقائد المردة المفترض) هي مجرد اجتهاد من المؤرخ لا يتفق مع المعطيات الظرفية حول أصل الموارنة.
يختم الصليبي الفصل بوصف التوزيع الجغرافي للسكان في جبل لبنان بعد الفتح الإسلامي. يحدد نهر الجعماني (عند مصبه نهر بيروت) كحد فاصل بين المناطق المسيحية في الشمال والإسلامية في الجنوب. يصف جبل كسروان (بين نهر الجعماني ونهر إبراهيم، وينقسم إلى الخارجة والداخلة)، ويلاحظ أن اسمه من أصل فارسي، وربما يكون الغرس قد وطنوا عشائر فيه في أوائل القرن السابع. شمال كسروان كانت جبة المنيطرة وجبيل والبترون وجبة بشرّي، وجنوبها كان الشوف (ويشمل المتن والغرب وجبل صيدا). أما المدن الساحلية (طرابلس، بيروت، صيدا، صور) فكانت مراكز تجارية مزدهرة في العهد الروماني، لكنها تدهورت بسبب الأزمة الاقتصادية في القرن الخامس، وحروب الروم والفرس بعد وفاة الإمبراطور يوستنيانوس الكبير عام 565م، والزلازل في القرن السادس التي دمرت بيروت. بعد الفتح الإسلامي، تحولت هذه المدن إلى ثغور للجهاد، واستقدم إليها المسلمون المقاتلة وزالت معالم ازدهارها التجاري، فأصبحت مدناً إسلامية الطابع، بينما بقيت مدن الداخل (دمشق، حمص) ذات طابع مسيحي قوي لفترة. ويرجح أن المسلمين اتخذوا من مواقع في جبل بيروت وجبل صيدا وجبل عاملة مراكز للمرابطة، مما ساهم في انتشار الإسلام السريع فيها.
باختصار، يقدم الصليبي في هذا الفصل تحليلاً نقدياً للمصطلحات التاريخية والجغرافية التي تشكل هوية لبنان. حجته الرئيسية هي أن لبنان ليس كياناً منعزلاً، بل هو جزء لا يتجزأ من نسيج بلاد الشام، وقد تشكل عبر طبقات متعاقبة من الهجرات السامية والعربية والتفاعلات الثقافية والدينية والسياسية. يستخدم أدلة لغوية وتاريخية وأثرية، ويناقش روايات المؤرخين بموضوعية، مشيراً إلى نقاط الخلاف والاحتمالات المفتوحة مثل أصل الموارنة وعلاقتهم بالمردة. الفصل غني بالمعلومات لكنه يظل مخلصاً لمنهج الصليبي في ربط الجغرافيا بالتاريخ وتجنب التنظير الأيديولوجي.
2.لبنان وجواره في عهد الخلفاء، 634_1070م51–78▼ résumé
يُشكّل الفصل المسمى «لبنان وجواره في عهد الخلفاء، 634-1070م» من كتاب «منطلق تاريخ لبنان» لكمال الصليبي، نقطة تحوّل جذرية في تاريخ المنطقة. محوره الأساسي هو تفكيك أثر الفتح الإسلامي على بلاد الشام عموماً، والمناطق اللبنانية خصوصاً، وذلك بعد وقعة اليرموك في صيف عام 636م. يجادل المؤلف بأن هذا الفتح لم يُحدث فقط تغييراً سياسياً، بل أدى إلى محوٍ شبه تام لذاكرة الماضي السابقة، واستبدالها بهوية جديدة فرضتها الأوضاع الإسلامية، لدرجة أن تاريخ ما قبل الإسلام بقي منسياً حتى أعيد اكتشافه أثرياً ابتداءً من القرن التاسع عشر.
يبدأ الفصل بتفصيل النظام الإداري الجديد الذي وضعه المسلمون، وهو نظام «الأجناد». فقد أُلحق بعلبك والبقاع ووادي التيم وجبل لبنان والساحل من طرابلس إلى صيداء بـجند دمشق، بينما أُلحق جبل عاملة والجليل وساحله بـجند الأردن، واتخذت طبرية قاعدة لهذا الجند. تمّت هذه الترتيبات في عهد معاوية بن أبي سفيان، أول الخلفاء الأمويين في دمشق. ويبرز المؤلف دور الخلفاء الأمويين، خاصةً هشام بن عبد الملك (724-743م)، في الاهتمام بالثغور الساحلية كـصور التي جعلها مركزاً لصناعة السفن، مكمّلةً دور عكاء السابق. هذا الربط الإداري والعسكري بين بعلبك والساحل شجّع على انتقال سكان من الداخل إلى الساحل، ومن أبرزهم الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (المولود في بعلبك والمتوفى في بيروت عام 774م)، والذي أصبح «إمام أهل الشام» وعُمل بمذهبه حتى أواسط القرن العاشر الميلادي.
مع سقوط الدولة الأموية عام 750م وانتقال الخلافة إلى العباسيين الذين نقلوا مركز الثقل من دمشق إلى بغداد، تراجعت أهمية بلاد الشام. يُفصّل الصليبي محاولات الخلفاء العباسيين الأوائل، مثل المنصور (754-775م) والرشيد (786-809م) والمأمون (813-833م)، لضبط البلاد وفرض الأمن عبر عمليات «روك» المساحية لتحديد الملكيات وفرض الضرائب. لكن هذه المحاولات اصطدمت بمقاومة عنيفة من البدو الذين كانوا قد استغلوا فوضى أواخر العهد الأموي ليتعدوا على الأراضي الزراعية، ومن أصحاب الأملاك الذين خشوا زيادة الضرائب. يصف المؤلف هذه الحقبة بأنها كانت مليئة بالفوضى، واصفاً أهل الشام بأنهم "ممعنون في حب الفوضى" على حد وصف الخليفة الرشيد لهم.
يُخصص الفصل مساحة بارزة لتحليل التمردات التي هزّت المنطقة، ويأخذ منها ثورة جبّة المنيطرة (عام 760-759م) نموذجاً مفصّلاً. كان السبب المباشر للثورة هو شكوى أهالي القرية من خراج عامل بعلبك، وتزامن ذلك مع نزول عسكر من الروم في ثغر طرابلس. تجمّع الثوار حول شاب يدعى بندار، جعلوه ملكاً عليهم، فرفع راية الصليب وشنّ غارات على المسلمين في البقاع. بعد هزيمته على يد الوالي العباسي صالح بن علي، فرّ بندار إلى الروم. يُشير الصليبي إلى أن هذه القصة هي الأساس التاريخي لأسطورة «ملك بسكنتا» التي رواها المطران ابن القلاعي في زجليته، مع اختلاف أن الأسطورة تروي أن «الملك» قُتل بخدعة في قب الياس. ويطرح المؤلف احتمالاً بأن يكون بندار وجماعته من الملكية (وليس الموارنة) لأنهم استجاروا بالروم، لكنه يعترف بأن الأمر لا جزم فيه.
يعالج الفصل بعد ذلك التحولات المذهبية العميقة التي شهدتها البلاد، والتي كانت بمثابة وجه للمعارضة السياسية ضد العباسيين. يرى الصليبي أن عداء أهل الشام (مسلمين ونصارى) للحكم العباسي دفعهم نحو التشيع، فمع مقدم القرن العاشر الميلادي تحوّل جزء كبير من مسلمي أجناد حلب، حمص، دمشق، والأردن إلى مذاهب شيعية مختلفة. يوضح الفرق بين الإمامية (الاثنا عشرية) والإسماعيلية والنصيرية، ويذكر ظهور القرامطة (الذين يعتبرهم فريقاً من الإسماعيلية) وغاراتهم المدمرة على الشام بدءاً من عام 902م، والتي لم يردعها نهائياً إلا الفاطميون عام 977م. ويخلص إلى أن التشيّع أصبح مذهب المعارضة السياسية بلا منافس بعد استئصال الخوارج.
يمتد التحليل ليشمل العصر الطولوني والأخشيدي والفاطمي. فبعد ضعف العباسيين، خضع الشام لولاة مصر ابتداءً من أحمد بن طولون (868-905م)، الذين أعادوا الحياة الاقتصادية للتجارة عبر البحر الأحمر والساحل الشامي، مما أفاد مدناً مثل بيروت. لكن الفوضى عادت مع ضعف الأخشيديين، لتأتي الغزوات الرومية بقيادة نقفور فوقاس (963-969م) ويوحنا بن الشمشقيق (969-976م)، والتي يُرجّح المؤلف أنها كانت سبب جلاء الموارنة عن مواطنهم القديمة في نواحي حمص ومعرة النعمان حيث كانوا موجودين في زمن المسعودي (المتوفى 956م)، ونزوحهم إلى شمال لبنان. مع دخول الفاطميين مصر عام 969م وبناء القاهرة عام 973م، بدأ صراعهم للسيطرة على الشام. ويُفصّل الفصل ثورة أهالي صور عام 997م بقيادة علاقة، والتي قُمعت بوحشية أدت إلى سلخ علاقة حياً.
يصل الفصل إلى ذروته في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (996-1021م)، الذي نجح في إحكام السيطرة على الشام بمساعدة قائده أنشتكين الدزبري. وفي هذه الفترة، ظهر في القاهرة مذهب جديد هو المذهب الدرزي أو «مذهب التوحيد». يوضح الصليبي بعناية أن المذهب نشأ بين فريق من الإسماعيلية كانوا يجلّون الحاكم بأمر الله إجلالاً يصل إلى حد الألوهية، وأن مؤسسه الفعلي كان حمزة بن علي، لا أنشتكين الدرزي الذي قُتل في «كائنة» عام 1017م وانتسبت إليه التسمية خطأً. استغلّ الدعاة الجدد العلاقة المتينة بين الدولة الفاطمية و«ولاة الأطراف» في الجبال، مثل أنشتكين الدزبري نفسه (الحاكم على بعلبك وقيسارية)، لنشر المذهب بين عشائر كانت مصدر ثورات سابقة، خاصة بين من كانوا قرامطة. تشمل المناطق التي تحولت للدرزية: جبل السمّاق في جند حلب، ناحية طبريّة، وادي التيم، ومنطقة الأشواف في لبنان. ويخلص المؤلف إلى أن اعتناق هذه العشائر للدرزية جعلها تنضبط وتنضو تحت لواء الدولة الفاطمية بدلاً من أن تكون مصدر فتن.
يختتم الفصل بعرض التطورات أواخر العهد الفاطمي. بعد وفاة الحاكم، ضعفت قبضة الدولة الفاطمية على الشام، فظهرت دويلات مثل الدولة المرداسية في حلب (بقيادة صالح بن مرداس، الذي هُزم وقتل في واقعة الأقحوانة عام 1029م على يد أنشتكين الدزبري). ثم تبدأ قصة جديدة مع دخول قبائل الغزّ التركية (السلاجقة) بقيادة طغرل بك، الذين دخلوا بغداد عام 1055م بدعوة من الخليفة العباسي لطرد آل بويه الشيعة، ونُصّب طغرل بك «سلطاناً». ومع وصول ألب أرسلان (1063-1072م)، بدأ اجتياح السلاجقة للشام عام 1070م، وهو التاريخ الذي ينتهي عنده الفصل، منهياً بذلك عصر الخلفاء وممهّداً لحقبة جديدة في تاريخ لبنان وجواره. يُبدي المؤلف تحفظاً حول بعض النقاط، مثل عدم الجزم في مذهب بندار (ماروني أم ملكي)، والخلط التاريخي بين أنشتكين الدزبري وأنشتكين الدرزي، مما يظهر حرصه على الدقة رغم اعتماد بعض المصادر التراثية.
3.الموارنة والدروز على المحك، 1070_1291م79–128▼ résumé
ملخص الفصل: «الموارنة والدروز على المحك، 1070–1291م»
يدرس هذا الفصل التحولات الكبرى التي شهدتها المناطق اللبنانية بين عام 1070 وعام 1291م، وهي الفترة التي تزامنت مع وصول الفرنجة (الصليبيين) إلى بلاد المشرق، وتأسيسهم إماراتهم على الساحل الشامي، وصولاً إلى انهيار مملكة أورشليم وخروجهم النهائي. ويقدّم كمال الصليبي الفكرة المحورية التالية: في هذا العصر بدأ الموارنة والدروز، كجماعتين طائفيتين متميزتين، مسيرتهما التاريخية المنفصلة داخل الجبل اللبناني، حيث ارتبطت كل طائفة بتحالفات وتحديات مختلفة مع الفرنجة من جهة، والدول الإسلامية المجاورة من جهة أخرى، ما أسهم في رسم ملامح تاريخ لبنان اللاحق.
يبدأ الفصل بعرض السياق العام للعالم الإسلامي والغربي المسيحي في القرن الحادي عشر. ففي الغرب، برزت ممالك فرنجية جديدة وتزايدت قوة البابوات في رومية، وظهر النورمانديون كقوة عسكرية وتجارية في جنوب إيطاليا وصقلية، مما أدى إلى تنافس مع الإمبراطورية البيزنطية في القسطنطينية وبلغ ذروته بالانفصال الكنسي بين كنيسة الروم والكنيسة اللاتينية عام 1054م. أما في الشرق الإسلامي، فبالإضافة إلى الانقسام بين الخلافة العباسية والفاطمية، ظهر السلاجقة كقوة جديدة، فهزموا البيزنطيين في ملاذ كرد عام 1071م وسيطروا على الأناضول ثم على الشام، حيث استولى أتسز بن أوق على دمشق والقدس، ثم خلفه تاج الملوك تتش الذي بسط نفوذ السلاجقة على معظم الساحل الشامي باستثناء صور وطرابلس.
ثم يتناول الفصل تفكك الدولة السلجوقية بعد وفاة السلطان ملكشاه عام 1092م، وتقسيم الشام بين ابنيه رضوان في حلب ودقاق في دمشق. هنا يبرز دور الأتابك طغتكين في دمشق، الذي اتبع سياسة دعم المذهب السني وأقام علاقات مع الدروز في منطقة «الأشواف» (جبل لبنان). ثم ينتقل إلى بداية الحملات الصليبية، حيث استجاب البابا أوربانوس الثاني عام 1095م لدعوة الإمبراطور البيزنطي لنجدة المسيحية في الشرق، ودعا إلى استرجاع الأراضي المقدسة في فلسطين. وصل الفرنجة إلى الشام عام 1097م، واستولوا على أنطاكية والرها عام 1098م، ثم على القدس عام 1099م، مؤسسين أربع دويلات صليبية: مملكة أورشليم، إمارة أنطاكية، قومسية الرها، وقومسية طرابلس.
يركز الفصل على تداعيات الوجود الفرنجي على الطوائف المحلية. ففي عام 1099م، التقى وفد من موارنة جبل لبنان بقادة الفرنجة في عرقاء ورحبوا بهم، وعرضوا مساعدتهم واستقروا معهم تدريجياً، خاصة في المناطق الساحلية ضمن قومسية طرابلس وسنيورية جبيل. لكن موارنة المناطق العالية من الجبل بقوا متحفظين، وثاروا على الفرنجة أكثر من مرة، مثل مشاركتهم مع أتابكة دمشق في مقتل قومس طرابلس بونس عام 1119م، مما دفع ريمند الثاني إلى حملة تأديبية ضدهم. في المقابل، انقسم الدروز بين منطقتين رئيسيتين: وادي التيم الذي حكمه بنو جندل وظلوا موالين للفاطميين، وجبل بيروت (الغرب والمتن) الذي حكمه آل عبد الله (آل بحتر لاحقاً) وتحالفوا مع الأتابكة في دمشق. وقد حصل الأمير بحتر بن علي عام 1147م على منشور من الأتابك مجير الدين آبق يقرّ إمارته على الغرب، إقطاعاً تقليدياً.
ينتقل الفصل إلى مرحلة جديدة مع صعود نور الدين محمود بن زنكي الذي استولى على دمشق عام 1154م وقاد الجهاد ضد الفرنجة. واصل سياسة استقطاب «ولاة الأطراف» في الجبل، واعترف بالأمير زهر الدولة كرامة بن بحتر أميراً على الغرب وأقطعه أراضٍ واسعة، وفرض عليه تجهيز حامية من أربعين فارساً. استمر كرامة في غاراته على ساحل بيروت حتى لجأ الفرنجة إلى استبدال حكامهم أو تدمير حصنه في سرحمور بعد مقتل أبنائه الثلاثة الكبار. ثم تولى صلاح الدين الأيوبي القيادة بعد وفاة نور الدين عام 1174م، وألحق الهزيمة الكبرى بالفرنجة في حطين عام 1187م، واستولى على معظم مدن الساحل، والتقى وفداً من الدروز في بيروت، وأصدر منشوراً للأمير جمال الدين حجى بن كرامة يقر إمارته في الغرب.
بعد وفاة صلاح الدين عام 1193م، أدى تفكك الدولة الأيوبية والخلافات بين أبنائه إلى عودة الفرنجة لاحتلال المدن الساحلية، بما فيها صيدا وبيروت. استمر الأمراء البحتريون في التعامل مع الفرنجة وأيوبيي دمشق ومصر، مما أثار شكوك المماليك في ولائهم. ومع ظهور خطر التتار (المغول) بقيادة هولاكو واحتلالهم بغداد عام 1258م ثم دمشق عام 1260م، تنقل آل بحتر بحذر بين الجانبين، فأرسلوا الأمير جمال الدين حجى الثاني لطاعة التتار، والأمير زين الدين صالح للانضمام إلى المماليك في معركة عين جالوت في سبتمبر 1260م، حيث انتصر المماليك. لكن ازدواجية الموقف أثارت شكوك السلطان الظاهر بيبرس، الذي اعتقل الأمراء الثلاثة (جمال الدين حجى الثاني، سعد الدين خضر، وزين الدين صالح) حوالي عام 1270م، وأفرج عنهم فقط بعد وفاته عام 1277م.
ويتناول الفصل أيضاً قضية الاتحاد الماروني مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، التي كانت محور صراع داخلي حاد بين الموارنة. ففي أعقاب الحملة الصليبية الأولى، بدأ بطاركة الموارنة يتقرّبون من البابوات، ويرسلون الوفود للاعتراف بسلطة رومية، ومنهم البطريرك يوسف الجرجسي في القرن الثاني عشر. وفي عام 1202م، أرسل البابا قاصداً إلى المشرق، ودعا كهنة الموارنة لاجتماع في طرابلس عام 1203م. ثم حضر البطريرك إرميا العمشيتي المجمع اللاتراني في رومية عام 1215م، وهو أول وثيقة ثابتة عن علاقة الكنيسة المارونية بالفاتيكان. لكن هذا الاتحاد قوبل برفض عنيف من الموارنة الخارجين عن طاعة رومية في المناطق الجبلية، خاصة في جبة المنبتره ولحفد. بلغ الانقسام ذروته عام 1282م عندما توفي البطريرك دانيال الحدشيتي، وانتخب الثوار لوقا البنهراني بطريركاً مناوئاً، متخذاً من قرية الحدث في جبة بشرّي مقراً له، بينما انتخب المؤيدون للاتحاد إرميا الدملصاوي بطريركاً في حالات. انتهى أمر لوقا بقبض التركمان عليه عام 1283م بتحريض من السلطان المملوكي قلاوون، لكن الانشقاق استمر حتى خروج الفرنجة نهائياً.
في الختام، يصف الفصل نهاية الحكم الفرنجي في الشام وبداية العهد المملوكي. بدأ السلطان المنصور قلاوون (1279–1290م) بتصفية وجود الفرنجة، وشرع أولاً بالاستيلاء على قلاع قومسية طرابلس في المناطق الجبلية، ثم حشد «جند الحلقة» لتولي الدفاع عن المناطق المحررة. ولتمويل هذه القوات، صادر إقطاعات «أمراء الجبال» في لبنان، ومنهم بنو بحتر، الذين رفضوا الحضور إليه فاستولى على أملاكهم وإقطاعاتهم بالقوة رغم أنها كانت مملوكة بمواثيق شرعية. وفي عام 1289م حاصر قلاوون مدينة طرابلس وأخذها من الفرنجة، ووزع الإقطاعات والأملاك المصادرة على أمراء الحلقة. ثم تابع الأشرف خليل بن قلاوون مسيرة والده، واستولى على عكا عام 1291م، آخر معاقل مملكة أورشليم، منهياً بذلك الوجود الفرنجي في بلاد المشرق.
ويمكن الإشارة إلى أن الفصل يطرح حججاً قابلة للنقاش، منها غياب مصادر ثابتة عن تاريخ آل معن في الشوف قبل القرن الخامس عشر، واعتماد روايات لبنانية متأخرة (مثل رواية الشدياق) التي قد تكون موضوعة. كما أن تكرار ازدواجية ولاء آل بحتر بين المماليك والفرنجة والتتار يترك أسئلة مفتوحة عن مدى استقلالية زعماء الجبل في لعبة التحالفات الإقليمية.
4.لبنان وجواره في عهد المماليك، 1291_1516م129–220▼ résumé
هذا الفصل من كتاب "منطلق تاريخ لبنان" لكمال الصليبي يتناول فترة حكم المماليك في لبنان والمناطق المحيطة به، والتي تمتد من عام 1291م (سقوط عكا وخروج الفرنجة نهائياً من الساحل الشامي) حتى عام 1516م (الفتح العثماني). المحور الرئيسي للفصل هو التأكيد على أن هذه الحقبة شهدت ترسيخاً للنظام الاجتماعي والسياسي الذي شكل الأساس للبنان الحديث، لا سيما من خلال صعود وترسيخ دور طائفتي الموارنة والدروز ككيانين متميزين لهما علاقاتهما الخاصة مع السلطة المركزية.
يسير الفصل وفق تسلسل زمني واضح، ويقسم إلى أربعة عشر مقطعاً (مرقمة من 1 إلى 14 في الأصل). يبدأ بوصف التنظيم الإداري والعسكري المتقن لدولة المماليك، والتي انقسمت إلى مرحلتين: "دولة الأتراك" أو المماليك "البحرية" (1250-1382م)، و"دولة الجراكسة" أو المماليك "البرجية" (1382-1517م). يشرح الصليبي نظام "الإقطاع" و"الأمرية" والصراعات بين الفصائل، وصولاً إلى الكيفية التي تم بها تقسيم بلاد الشام إلى ست "ممالك" (دمشق، حلب، طرابلس، حماة، صفد، الكرك)، مع شرح دقيق لحدود "مملكة دمشق" التي ضمت معظم مناطق لبنان، و"مملكة طرابلس" التي شملت شماله. يبرز الكاتب أهمية "الروك" (إعادة تنظيم الإقطاع) الذي تم عام 1313م، وكيف استطاع أمراء الغرب من آل بحتر، بقيادة ناصر الدين الحسين، إقناع السلطان بإخراج مناطقهم من هذا النظام، فحافظوا على إقطاعاتهم الوراثية.
ثم يتعمق الفصل في تفاصيل الصراع مع الشيعة في كسروان، الذين رفضوا الخضوع لسلطة الدولة السنية الجديدة. يصف ثلاث حملات عسكرية رئيسية ضدهم: الأولى عام 1291م بقيادة بدر الدين بيدرا والتي فشلت، والثانية عام 1300م بعد هزيمة التتار والتي أعقبتها مفاوضات فاشلة قادها الشيخ ابن تيمية، والثالثة الحاسمة عام 1305م بقيادة جمال الدين آقوش الأفرم والتي أنهت مقاومتهم. بعد هذه الحملة، أحضر المماليك عشائر من التركمان عام 1306م وأسكنوهم في المنطقة لحراستها، فعُرف زعماؤهم بـ "أولاد الأعمى"، مما أدى إلى صراع نفوذ طويل مع آل بحتر.
يستعرض الفصل حوكمة المناطق الجبلية. في جبل لبنان الشمالي (الماروني) ضمن "مملكة طرابلس"، تظهر قصة صعود "المقدمين" الموارنة مثل الشدياق يعقوب بن أيوب الذي أسس علاقة ممتازة مع الدولة المملوكية، خاصة بعد تقديمه المساعدة للسلطان الظاهر برقوق أثناء ثورة عليه عام 1390-1389م. وفي الجنوب، يتابع الفصل بروز أسر درزية أخرى في الشوف، مثل بنو معن الذين ظهر منهم الأمير فخر الدين عثمان بن الحاج يونس بن معن، الذي يُعرف ببناء جامع دير القمر عام 1493م، وولده الأمير قرقماس اللذين توليا "إمارة شوف صيدا". كما يذكر زعماء آخرين كـبني الحنش وبني الحمرا من السنة في البقاع، وعبد الساتر بن بشارة زعيم الشيعة في جبل عامل، موضحاً الصراعات المعقدة بينهم.
يتناول النصف الثاني من الفصل بالتفصيل أوضاع الموارنة الكنسية. يصف كيف ضعفت علاقتهم بالكنيسة اللاتينية بعد خروج الفرنجة، مما جعلهم عرضة لمحاولات اليعاقبة لجذبهم. يروي الفصل قصة استشهاد البطريرك الماروني جبرائيل الحجولاوي حرقاً عام 1367م. ثم يتحول المسار بعد صعود السلطان برقوق، حيث استقر البطاركة في دير قنوبين في وادي قاديشا تحت حماية المقدمين. يسلط الضوء على الدور المحوري للرهبان الفرنسيسكان الذين وصلوا من روما، وأبرزهم الأخ جوان الذي حضر مجمع فلورنسا عام 1439م، وعاد برسالة تثبيت للبطريرك مما عزز العلاقة مع روما. يصف الفصل الصراع الأخير ضد النفوذ اليعقوبي بقيادة البطريرك بطرس الحدثي الذي أصبح أول بطريرك ماروني بلقب "بطريرك أنطاكية" عام 1469م، وجهود المطران جبرائيل ابن القلاعي في توحيد الطائفة وتثبيتها في المذهب الروماني الكاثوليكي حتى وفاته عام 1516م.
يقر الصليبي في نهاية الفصل بحدود منطقة بحثه، معترفاً بأن هذا السرد التاريخي هو "تحديد مصطنع" إلى حد ما، حيث أن تاريخ لبنان في العصور الوسطى لا يمكن فصله تماماً عن تاريخ بلاد الشام والمشرق الإسلامي. ويوضح أن أهمية هذه الفترة تأتي من أنها شهدت بروزاً فريداً للطائفتين المارونية والدرزية ككيانين اجتماعيين لهما تاريخهما المكتوب، على عكس بقية المناطق الريفية الشامية التي تفتقر إلى مثل هذه الروايات المتصلة. هذا التطور، كما يرى، هو الذي مهد الطريق لاحقاً لظهور "الكيان اللبناني" المتميز في العهد العثماني.