Almawred
الجماعات العنفية في سوريا - رستم محمود وآخرون
عربي

الجماعات العنفية في سوريا - رستم محمود وآخرون

ar

الكتاب الذي حرره رستم محمود بعنوان "الجماعات العنفية في سوريا"، والصادر في أيار/مايو 2014 عن برنامج المعرفة حول المجتمع المدني في غرب آسيا، هو دراسة تحليلية معمقة لتحول طبيعة العنف المسلح في سوريا منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في آذار/مارس 2011. لا يقدم الكتاب تاريخاً سردياً للحرب بقدر ما يحاول تفكيك بنية ووظيفة الجماعات المسلحة الرئيسية التي تشكلت أو تطورت في هذه الفترة، ساعياً للإجابة عن سؤال جوهري: كيف تحولت الدولة ومجتمعها من حالة "الاستقرار القمعي" إلى فضاء مفتوح للفاعلين العنفيين، وكيف أعادت هذه الجماعات تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع والجغرافيا؟ المؤلفون يدافعون عن أطروحة مفادها أن هذه الجماعات ليست مجرد نتاج للحرب، بل هي تعبير عن بنى عميقة من الاستبداد والتهميش والطائفية السياسية والاقتصادية التي سبقتها، والتي استثمرتها أطراف الصراع، محولة إياها من أدوات هوامشية إلى فاعلين أساسيين يعيدون تعريف الدولة والمجتمع.

يسير الكتاب عبر أربعة فصول مترابطة، كل منها مخصص لجماعة عنفية كبرى، وتتحرك حجته من تحليل جماعة "شعبية" ظهرت كرد فعل للفراغ الأمني، إلى تفكيك ظاهرة "الشبيحة" كأداة تراثية في يد النظام، ثم إلى دراسة انزياح الثورة نحو الإسلام المسلح، وأخيراً إلى تحليل الجيش النظامي الذي تحول هو نفسه إلى ميليشيا. ما يربط هذه الفصول هو خيط ناظم واحد: إن العنف ليس مجرد وسيلة، بل هو مشروع لإعادة بناء السلطة والهوية والاقتصاد. كل جماعة، في سياقها الخاص، تسعى للهيمنة على مجتمع وجغرافيا، وتستخدم العنف كأداة للسيطرة، وإعادة توزيع الموارد، وفرض رواية سياسية.

يبدأ الكتاب بتحليل وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، وهي جماعة مسلحة قومية تأسست رسمياً في تموز/يوليو 2012، وإن كان حضورها الفعلي سبق ذلك بنحو ستة أشهر. يبين الكاتب رستم محمود أن نشأتها لم تكن محض رد فعل أمني، بل التقت عندها استراتيجيتان: أولى، شعور حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) باستحالة ضبط المد الكردي ضمن الثورة السورية المعارضة التي يهيمن عليها العرب السنة؛ وثانية، استراتيجية حزب العمال الكردستاني (PKK) العمومية في المنطقة. تتسم هذه القوات بانضباط عسكري بالغ مقارنة ببقية التنظيمات، وتتبنى خطاباً قومياً يسارياً يركز على بناء "إدارة ذاتية مؤقتة" في المناطق التي تسيطر عليها، وهي منطقة جغرافية مترامية من مدينة المالكية (ديريك) شرقاً إلى عفرين غرباً. يكشف الكتاب عن رقم لافت ومثير للجدل: تنص وحدات الحماية على أن لديها 15 ألف مقاتل محترف، لكن مصادر قريبة تؤكد أن العدد الفعلي يقارب 60 ألفاً، منهم 25 ألف مقاتل دائم، والباقون في الخدمات اللوجستية. تستمد تمويلها من ضرائب المعابر الحدودية التي تشرف عليها الهيئة الكردية العليا، ويؤكد قادتها أن شراء السلاح متوفر في كل مكان في سوريا.

تمر هذه القوات بأربع مراحل محددة: الأولى (تموز 2012 - كانون ثاني 2013) كانت فترة تموقع حذر وسيطرة على أرياف وأحياء هامشية بتنسيق غير معلن مع النظام؛ الثانية (كانون ثاني - آذار 2013) شهدت أول صدام دموي مع الجماعات الإسلامية المتشددة في بلدة راس العين، وانتهى باتفاق تقاسم السيطرة؛ الثالثة (آذار - حزيران 2013) تميزت بالتوسع في السيطرة على البلدات ذات الغالبية الكردية مثل الدرباسية وعامودا؛ الرابعة (ما بعد حزيران 2013) شهدت تحولاً جذرياً باطلاق النار على متظاهرين أكراد معارضين في عامودا ليلة 27 حزيران 2013، مما كشف عن هويتها كقوة سيطرة سياسية لا مجرد حامية. يواجه تنظيم الـ YPG معضلتين رئيسيتين: الأولى داخلية، تتعلق بالمجتمع السياسي الكردي السوري الذي لم يعتد تاريخياً على هيمنة حزب واحد بالقوة، وهو ما يرفضه الحزب الديمقراطي الكردستاني-البارتي بقيادة عبد الحكيم بشار؛ الثانية، ديموغرافية، إذ لا تشكل المناطق الكردية كتلة بشرية متجانسة، فالأكراد لا يشكلون سوى نصف السكان تقريباً في هذه الجغرافيا المتنوعة، مما يفرض عليهم توسيع خدماتهم لتشمل العرب والمسيحيين، بينما يظل الطيف العربي منقسمًا بين طبقة بيروقراطية موالية للنظام وطبقة ريفية قريبة من الجماعات الإسلامية. يخلص الكاتب إلى أن مستقبل هذه القوات مرهون بتطور المسألة الكردية في سوريا والمنطقة، وأنها تواجه غياب اعتراف سياسي دولي لأنها تعتبر جزءاً من منظومة PKK، بينما يظل النظام السوري يتعامل معها بشكل تكتيكي متقلب.

في الفصل الثاني، يتناول راتب شعبو ظاهرة "الشبيحة"، وهي الفصل الأكثر جرأة في الكتاب. لا يقدم شعبو تعريفاً أخلاقياً بل تحليلاً بنيوياً: الشبيحة ليست مجرد بلطجية، بل هي "ثلاثي العنف والطائفية والاقتصاد". يعود جذورها إلى فترة توطد سلطة حافظ الأسد بعد قمعه الدموي لانتفاضة الإخوان المسلمين في حماه عام 1982، والتي راح ضحيتها ما بين 10 آلاف و38 ألف شخص. هذه الفترة أسست لثقافة لا دولة فيها؛ فالشبيحة جماعات غير رسمية، تتراوح بين 10 و20 عنصراً لكل مجموعة، تتبع تبعية عمياء لـ"المعلم"، وهو شخصية مقربة من النواة الصلبة للنظام وغالباً ما تكون من عائلات آل الأسد أو عائلات القرابة كـ الشاليش والمخلوف. لا تملك هذه الجماعات هيكلاً تنظيمياً واضحاً، بل يجمعها ولاء لزعيمها الذي يستمد حصانته من عدم خضوعه للمحاسبة، إذ لا توجد أي مؤسسة دولة قادرة على حماية المواطن منه. تشتغل هذه الجماعات في "النهار" على عكس المهربين، وتجمع التهريب والابتزاز وفرض الحماية، وكانت تتحول إلى عنف مادي فقط عندما تتعارض مصالحها مع مصالح أخرى. يورد شعبو شهادات صادمة عن هذه الثقافة، منها أن "المعلم" جمل الأسد استولى على معدات الدولة لبناء مرسى خاص له دون أن يجرؤ مسؤول عن احتجاجه. الصادم أكثر أن حوادث إهانة الطلاب في الجامعات كانت متواترة، مثل اقتحام مقصف الجامعة وإجبار الناس على الرقص، وتقدير الجهل كدليل قوة.

التحول الجذري حدث بعد 18 آذار 2011، إذ تحولت هذه الجماعات من أداة ما دون سياسية إلى أداة مركزية في حرب النظام. يحدد المؤلف خمسة تحولات كبرى: أولاً، التحول الكمي والتنظيمي، إذ انضوت تحت مسمى "الدفاع الوطني" وأصبح لها هيكل هرمي وإمداد مالي مرتبط بالدولة مباشرة. ثانياً، تمدد الوظائف، فلم تعد فقط تجمع أموالاً للمعلم، بل أصبحت تتولى مهام الجيش النظامي في القتال وحرق القرى ونهب المنازل، وتحوّلت إلى أداة انتقام طائفي. ثالثاً، التحول السياسي، إذ انتقلت من الحياد السياسي إلى كونها واجهة إعلامية وسياسية للنظام، فظهر شبيحة مثقفون يكتبون مقالات ويدافعون عن الدولة. رابعاً، التحول الأخلاقي، وهو الأعمق؛ ففي مرحلة ما قبل الثورة كان الشبيح منبوذاً أخلاقياً، لكن بعد الثورة تحول من "منبوذ" إلى "مدافع عن الوطن" في نظر جزء كبير من المجتمع السوري، خصوصاً في منطقة الساحل العلوي حيث استطاع النظام استثمار مخاوف الأقلية العلوية وتصوير الحراك كله على أنه مؤامرة طائفية تقودها جماعات سلفية متطرفة. خامساً، هذا التحول أدى إلى تشويه المزاج الاجتماعي العام، واستعادة الشبيح لمكانته كعنصر دفاع جماعي، مما جعل النظام قادراً على حشد آلاف الشباب المتعلمين للقتال مقابل مكاسب مالية ووعود بالمستقبل. الشاهد الأكثر إثارة في هذا الفصل هو ما يقوله شاب علوي من قوات الدفاع الوطني: "أنا أتقاضى 15000 ليرة سورية (15$) ويسمح لي بالاحتفاظ بحصة من كل ما أنهب بعد أي معركة أخوضها". هذا يفضح الآلية الاقتصادية لتغذية الحرب.

الفصل الثالث الذي كتبه راشد عيسى يتناول المعارضة المسلحة، ويقدم سردية نقدية لاذعة لكيفية إطاحة الإسلاميين بالثورة المدنية. يبدأ من لحظة الانشقاق الأولى، حيث يشرح المعضلة الأخلاقية للجندي في الجيش النظامي: فهو إما أن يطلق النار على المتظاهرين السلميين أو يُعدم ميدانياً من رؤسائه. مع ازدياد الانشقاقات، بدأت تتشكل فصائل مسلحة، لكن المشكلة المركزية كانت أن هذه الفصائل وُلدت بفعل دفعين متعارضين: الدفع الذاتي للمحتجين لحماية أنفسهم، والدفع الخارجي الإقليمي والدولي الذي سعى لتوجيه هذا الغضب في مسارات معينة. يوضح الكاتب كيف أن الفصائل المسلحة انقسمت بسرعة بين تيارات إسلامية سلفية متطرفة وتيارات علمانية، وسرعان ما حسمت الأولى المعركة بسبب تفوقها التنظيمي المسبق وتمويلها الأفضل من قطر والمملكة العربية السعودية، بينما تخلت القوى الدولية عن الفصائل المعتدلة. كان النظام نفسه يلعب دوراً في هذا التطرف، إذ كان يفرّج عن المساجين الإسلاميين المتطرفين منذ مرحلة مبكرة لإضعاف الفصائل المعتدلة. لا يقدم الكاتب أرقاماً واضحة هنا، بل يركز على وصف الفوضى التنظيمية: مئات الفصائل المتقاتلة فيما بينها، ومعظمها أقل تنظيماً من النظام، مع افتقاد تام للانضباط والرؤية السياسية الموحدة. يشير إلى أن هذه الفصائل أصبحت محكومة بالرعاة الإقليميين، وأنها أضاعت هدف الثورة الأصلي المتمثل في الدولة المدنية الديمقراطية لصالح مشاريع جهادية عابرة للحدود.

أما الفصل الرابع والأخير للكاتب رستم محمود فهو عن تحول الجيش السوري من جيش إلى ميليشيا. هذه الفكرة صادمة، لكن الكاتب يثقبها بدقة: ليس فقط أن الجيش النظامي ظل مخلصاً للنظام بفضل هيكله البعثي والطائفي، بل إنه تحول هو نفسه أداة فساد على نطاق واسع. يوضح كيف أن الجيش، مع تمزق المجتمع وتطرف المعارضة، تحول إلى مؤسسة لا تحارب بقدر ما تحمي نظاماً متآكلاً. مع طول أمد الحرب، زادت نسبة الضباط العلويين فيه، بينما تهرب السنة من الخدمة، مما عمق الطائفية داخله. هذه التحولات جعلت الجيش نفسه غير قادر على إعادة إنتاج الدولة بعد الحرب، بل أصبح واحداً من جماعات العنف المسلحة التي لا تريد سوى البقاء في السلطة. يضع الكاتب هذا التحول في سياق أوسع، حيث لم يعد هناك "جيش" وطني بالمعنى التقليدي، بل تحول إلى أداة للإبادة الجماعية والقتل العشوائي والنهب المنظم تحت غطاء "مكافحة الإرهاب".

أحد أبرز التحفظات التي يطرحها الكتاب هي اعتراف المؤلفين بحدود التحليل الناتجة عن الحرب نفسها: صعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة من الجماعات المسلحة، وانحياز المصادر الإعلامية، وتقلب التحالفات مما يجعل أي تحليل عرضة للتقادم السريع. يذكر الكتاب مثلاً أن أرقام الـ YPG متناقضة، وأن بياناتهم غير رسمية لأسباب أمنية ولتجنب حساسية تركيا. كما يعترف راتب شعبو بأن وصف الشبيحة يجمع بين التحليل الموضوعي وصور نمطية دعائية، إذ إن كثيراً مما يُكتب عنهم يعتمد على تخويف لا على بحث ميداني دقيق. هناك أيضاً أسئلة مفتوحة واضحة: هل ستصمد الإدارة الذاتية الكردية؟ هل سيقبل المجتمع العربي بالهيمنة الكردية؟ هل يمكن دمج عناصر الشبيحة في الدولة المستقبلية؟ وهل سيبقى الجيش أداة الانقسام أم عنصر توحيد؟

يمكن القول إن الكتاب يترك القارئ مع حجج قابلة للنقاش بيقوة. الأطروحة المركزية أن "الاستقرار القمعي" في سوريا ما قبل 2011 كان مجرد غطاء لتفكيك مؤسسات الدولة لصالح هيمنة العائلة وحلفائها، وأن هذه البنية هي التي أنتجت وحشية الحرب. هناك من قد يجادل بأن التركيز على الشبيحة والجيش يقلل من مسؤولية المعارضة المسلحة المتطرفة في تدمير البلاد، بينما الكتاب يوزع المسؤولية بشكل متوازن إلى حد ما. أيضاً، تحليل الـ YPG يثير تساؤلات حول مستقبل سوريا الموحدة، خصوصاً مع التوسع الكردي في مناطق غير كردية، وهو ما قد يكون نقطة خلاف بين أي مشروع سياسي للمستقبل. باختصار، هذا الكتاب هو قطعة تحليلية ضرورية لفهم جذور العنف في سوريا، ليس كضربة حظ أو مؤامرة خارجية، بل كنتيجة لثلاثة عقود من بناء دولة استبدادية عاجزة عن حماية مواطنيها من جماعاتها الخاصة.