الرقة من عباءة الأسد إلى سيف داعش خلف علي الخلف
يقدم كتاب "الرقة: من عباءة الأسد إلى سيف داعش" للمؤلف خلف علي الخلف تحليلاً معمقاً لفشل قوى الثورة والمعارضة السورية في إدارة محافظة الرقة بعد تحريرها من نظام بشار الأسد في الرابع من آذار/مارس عام 2013، لتنتهي المحافظة تحت سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) الذي جعل منها عاصمته السورية. يدافع الكتاب عن أطروحة مفادها أن الرقة شكلت "فرصة ضائعة" لتقديم نموذج حكم مدني ناجح للمناطق المحررة، لكنها تحولت إلى مثال صارخ على الفشل الذاتي والسياسي والعسكري والإقليمي والدولي. يطرح المؤلف إشكاليات جوهرية: هل كان الفشل بسبب عيوب ذاتية في أهل المدينة، أم تقاعس "قوى المعارضة"، أم لعبت الظروف الإقليمية والدولية دوراً حاسماً؟ ويسأل عما إذا كانت سيطرة "الدولة الإسلامية" على الرقة حتمية لا مفر منها، أم أنها جاءت نتيجة الفوضى وسوء الإدارة.
يسير الكتاب في حجته وفق تسلسل زمني ومنطقي واضح. يبدأ بتقديم خلفية الرقة الديموغرافية كمحافظة ذات بنية عشائرية متجانسة، واقتصاد زراعي يعتمد على سد الفرات، وهي محافظة مهمشة سياسياً من قبل النظام ومصنفة كـ"محافظة منهوبة". ينتقل بعدها إلى وصف لحظة التحرير التي بدت واعدة، حيث لم تشهد المدينة فوضى أو نهباً، وسيطرت كتائب مسلحة محلية عليها، أبرزها لواء ثوار الرقة وجبهة النصرة وحركة أحرار الشام الإسلامية، إضافة إلى لواء أمناء الرقة المدني. لكن سرعان ما يتتبع الكتاب تفكك هذه الخريطة العسكرية، حيث بدأت "الدولة الإسلامية" (وريثة جبهة النصرة) بالقضاء على خصومها الواحد تلو الآخر، مثل تفجيرها مقر لواء أحفاد الرسول واختطافها قائد لواء الأمناء، لتسيطر على المدينة بالكامل في بداية عام 2014 بعد انسحاب مفاجئ لحركة أحرار الشام، تلاه مذبحة "القنطري" التي قتلت أكثر من 100 مقاتل من الحركة، مما قلب موازين القوى لصالح التنظيم.
يوثق الكتاب الفشل الإداري والمدني بالتوازي مع الانهيار العسكري، معتبراً إياه جوهر المأساة. يصف تشكيل المجلس المحلي للمحافظة بأنه تم بطريقة "كيفما اتفق"، حيث عيّن الائتلاف ممثلاً دون استشارة الأهالي، مما أدى إلى تنازع صلاحيات بين مجالس متعددة. وباءت بالفشل كل محاولات تشكيل هيئة مدنية تمثيلية عبر انتخابات، بسبب العرقلة والإهمال وغياب الدعم، حتى أن المجلس القديم بقي قائماً حتى بعد اختطاف رئيسه من قبل الدولة الإسلامية. في هذا الفراغ المدني، سعت حركة أحرار الشام إلى ملئه وفق مشروعها الخاص، فسيطرت على معبر تل أبيض الحدودي الحيوي وأموال المصرف المركزي التي قدرت بأكثر من خمسة مليارات ليرة سورية وآثار متحف الرقة، وأسست "هيئة شرعية" بالتوازي مع جبهة النصرة لتصبح البديل القضائي. أما "الدولة الإسلامية" فبنت نواتها بهدوء عبر مكاتب دعوية وأمنية، ثم أعلنت عن نفسها بقوة بعد احتلالها الموصل في العاشر من حزيران/يونيو 2014، وبدأت تطبيق أحكامها بصرامة بعد أن كانت تتساهل في البداية لترسيخ نفوذها.
يقدم الكتاب العديد من الوقائع والشهادات اللافتة التي تجسد هذا الفشل. من أبرزها مشهد سقوط تمثال حافظ الأسد في الساحة العامة، والذي تزامن مع سقوط 6 قتلى بقذيفة هاون من الأمن السياسي، مما أظهر أن التحرير كان ناقصاً. كما يذكر أن أحد أبرز أسباب ضعف المقاومة المدنية هو خلو الرقة من الكوادر السياسية المؤهلة بسبب "تجفيف النظام" للمجتمع المدني لعقود. يلفت الانتباه أيضاً دور البنية العشائرية الذي لعبته كقوة ردع مضمرة ضد الفوضى في البداية، لكنه لم يمنع سيطرة الجماعات المتطرفة. ويوثق الكتاب كيف استخدمت حركة أحرار الشام بقاء الفرقة 17 العسكرية للنظام كمسمار إلهاء، رافعة شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" لتعزيز قبضتها. ويصف بشكل مؤثر كيف تم تأسيس "الدولة الإسلامية" في الرقة عبر تدرج: من خطب ناعمة وإقامة مآدب اجتماعية، إلى الاختطاف وقطع الرؤوس. فعلى سبيل المثال، أعدمت الدولة ثلاثة أشخاص بتهمة "النصيرية" في الساحة العامة، لكنها نسبت الحادثة إلى جبهة النصرة، ثم لاحقاً كسرت صليب كنيسة السريان ورفعت علمها مكانه، لكنها تساهلت مع مظاهرة احتجاجية قبل أن تحول الكنيسة إلى مكتب دعوي وتطبق قوانينها كاملة.
لا يتجاهل الكتاب الحسابات الإقليمية والدولية التي يعتبرها المؤلف أحد الأسباب الحاسمة للفشل. ينتقد بشدة التخبط الأمريكي الذي تجلى في استراتيجية الرئيس باراك أوباما لمواجهة "الدولة الإسلامية"، والتي استخدم فيها الاختصار غير الشائع [ISIL] وفقرة واحدة فقط للإشارة إلى سوريا. يصف اجتماعات التحالف الدولي في جدة وبروكسل بأنها تمت دون مشاركة فاعلة من المعارضة السورية، وغابت عنها خطة واضحة للتعامل مع المناطق المحررة بعد القضاء على التنظيم. يذكر الكاتب لقاءاته مع مسؤولين أمريكيين في نقاط الارتباط بتركيا، والذين وعدوا بدعم المحافظة ثم لم يقدموا شيئاً يذكر، تاركين المدينة تواجه مصيرها المحتوم. ويخلص إلى أن دعم التشكيلات المدنية والعسكرية غير المتطرفة في الرقة كان يمكن أن يكلف "كلفة طلعة جوية واحدة" لمنع قيام "الدولة الإسلامية"، لكن الإرادة الدولية كانت غائبة.
في خاتمة الكتاب، يعترف المؤلف بأن المسافة الزمنية تسمح برؤية واضحة لأسباب الفشل، ويوجه نقداً لاذعاً لجميع الأطراف. يرى أن القوى المحلية افتقرت للخبرة والتأهيل لأسباب موضوعية تتعلق بواقع سوريا تحت حكم النظام. وأن الائتلاف الوطني وقوى المعارضة تعاملوا مع الرقة وكأنها "دولة أرض بعيدة"، رغم أنها كانت تشكل منعطفاً حاسماً لإظهار قدرة الثورة على الحكم. كما ينتقد غياب الإرادة والمسؤولية لدى الائتلاف، ورهانه الدائم على القوى الدولية دون وضع استراتيجية محلية. والأهم من ذلك، يوجه انتقاداً شديداً للسياسة الأمريكية والدولية التي لم تدعم المجتمعات المحلية لتنشئ سلطاتها المدنية قبل فوات الأوان. ويختتم الكتاب بملاحظة قاسية حول "الموت الجماعي للسوريين لأسباب معلومة" مقابل "اهتمام العالم بموضوعات تافهة"، مما يترك القارئ أمام أسئلة مفتوحة حول مسؤولية الإرادة الدولية والإقليمية في صنع مأساة الرقة، وإذا ما كان سيناريو مماثلاً سيتكرر في مناطق محررة أخرى.
يطرح الكتاب نفسه كموضوع للنقاش في عدة نقاط واضحة بناءً على المادة المقدمة. أولا، النقد اللاذع للائتلاف الوطني السوري يلامسه اتهام بالعجز والتقاعس، لكنه لا يناقش بالتفصيل الضغوط الدولية والموارد المحدودة التي كانت تعانيها المعارضة السياسية في المنفى، مما يجعل التقييم أحادي الجانب إلى حد ما. ثانياً، يقدم الكتاب تبريراً ضمنياً لسلوك بعض الفصائل الإسلامية على أنه كان "حتمياً" في ظل غياب بديل مدني قوي، لكنه لا يحلل بشكل كافٍ الإيديولوجيا والتخطيط المسبق لحركتي أحرار الشام وجبهة النصرة لملء الفراغ، مما يقلل من مسؤوليتهما المباشرة. ثالثاً، وأخطرها، الإشارة إلى "سيناريو متكرر" يفيد بأن غياب الاستراتيجية الدولية هو اللاعب الأهم، مما يطرح تساؤلاً حول مدى جدوى العمل المحلي والسياسي في سياق أزمات إقليمية كبرى خارجة عن سيطرة الفاعلين المحليين. يظل الكتاب شهادة مهمة عن لحظة تاريخية فارقة، تقدم توثيقاً دقيقاً لانتصار الفوضى والتنظيم المتطرف على حلم الحرية والإدارة المدنية.