الساحل السوري خلال النزاع خضر خضور يسرا مرعي
الكتاب الذي أعده الباحث خضر خضور وترجمته يسرى مرعي، والصادر عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط بالتعاون مع مؤسسة فريدريش-إيبرت، يتخذ من المنطقة الساحلية السورية الممتدة بين محافظتي طرطوس واللاذقية مختبراً لقراءة تأثيرات النزاع الممتد منذ عام 2011. الموضوع المحوري للدراسة هو الكيفية التي أثرت بها خمس سنوات من الحرب على البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في هذه البقعة التي كانت تُعتبر ملاذاً نسبياً، وكيف تفاعلت مجتمعاتها المحلية ذات الغالبية العلوية مع ثلاث ظواهر جديدة فرضها النزاع: التدفق الهائل للنازحين السنة إلى المنطقة، والتحولات في الاقتصاد المحلي وعلاقات التجارة، وظهور مؤسسات جديدة مثل الجمعيات الخيرية ومراكز تجنيد الميليشيات التي أعادت تعريف العلاقة بين النظام والمجتمع الساحلي. يدافع الكتاب عن أطروحة مفادها أن النزاع لم يحدث تغييراً جذرياً في العلاقات الاجتماعية الراسخة بقدر ما كشف وكثف الانقسامات والروابط الموجودة مسبقاً، وأن المجتمعات الساحلية أظهرت صموداً وتكيفاً خلّقا أشكالاً جديدة من الحكم المحلي والاعتماد المتبادل بين النظام وقاعدته الاجتماعية، الأمر الذي يمكن وصفه بـ "اللامركزية القسرية" في الدولة السورية.
يسير البناء المنطقي للكتاب من العام إلى الخاص ليعود إلى الاستنتاجات العامة. يبدأ الفصل الأول والثاني بوضع الإطار النظري والمنهجي، مع شرح كيفية تعريف "المجتمع المحلي" بدلاً من "الطائفة" كوحدة للتحليل، وهو تمييز أساسي يسمح للباحثين برصد الاختلافات داخل الطائفة العلوية نفسها بناءً على الطبقة والموقع الجغرافي والعلاقة مع الدولة. ينتقل الفصل الثالث إلى الظاهرة الأولى والأكثر إلحاحاً: النازحون. هنا، يوضح الكتاب أن الوافدين السنة لم يُعاملوا ككتلة واحدة، بل تم استقبالهم بشكل مختلف حسب خلفياتهم الطبقية والجهوية. ففي اللاذقية، استقرت طبقة وسطى سنية من حلب وإدلب في أحياء علوية مثل الزراعة ومشروع البعث، وتمكنت نسبياً من الاندماج بفضل مواردها المالية وأولوياتها المشتركة مع الطبقة الوسطى المحلية فيما يخص الاستقرار والأعمال. في المقابل، استقر وافدون سنة فقراء من ريف جسر الشغور وإدلب في أحياء شعبية سنية قديمة مثل الرمل الجنوبي وقنينص، مما أحيا روابط عائلية سابقة وأحيى توترات طائفية وطبقية كامنة، وجعل هذه المناطق تخضع لرقابة أمنية مشددة من قبل النظام. الفئة الثالثة، السنة الفقراء من حلب الذين لا روابط لهم بالساحل، وجدوا ترحيباً أفضل نسبياً لأنهم اعتُبروا ضحايا حرب وليسوا جزءاً من الحراك الاحتجاجي المبكر، واستقروا في أحياء علوية مماثلة طبقةً.
ينتقل الفصل الرابع للبعد الاقتصادي، مقارناً بين مدينتي اللاذقية وبانياس كمثالين متباينين. في اللاذقية، لم يتغير مركز الثقل التجاري من أيدي التجار السنة القدامى في وسط المدينة، لكن النزاع غيّر جغرافيا التبادل. مع تصاعد التوترات الطائفية في 2011، توقف العلويون عن التردد على الأسواق السنية في وسط المدينة مثل سوق الشيخ ضاهر وحي الصليبة، مما اضطر التجار السنة أنفسهم إلى افتتاح فروع في الأحياء العلوية مثل الزراعة. هذا التحول المكاني، وإن لم يلغِ هيمنة التجار السنة، فقد منح العلويين نفوذاً اقتصادياً متزايداً كزبائن ومستأجرين، وقلب الأدوار التقليدية بين الطبقة التجارية السنية والمستهلك العلوي. أما في بانياس، فكان الوضع أكثر حدة. التوترات الطائفية بين الشمال العلوي والجنوب السني سبقت النزاع، كما يتضح من حادثة مقتل مراهق علوي عام 2001. مع الحرب، أدى حصار النظام لقرية البيضا السنية المجاورة وما تبعه من إعدامات ميدانية في أيار/مايو 2013، إلى انهيار شبه كامل للثقة. منع المزارعون العلويون أنفسهم من البيع في سوق الخضار المركزي الذي يسيطر عليه تجار سنة، وأسسوا سوقاً جديداً على مفرق دير البشل عُرف بـ "السوق الفوقاني". وللتغلب على القطيعة، بدأ تجار من كلا الطائفتين بتوظيف سنة نازحين من حلب (المعتبرين موالين للنظام) كوسطاء، مما يشير إلى أن الارتياب الطائفي هو ظاهرة محلية بين سكان المنطقة أنفسهم، وليس موجة عداء عابرة للحدود الجغرافية.
أما الفصل الخامس فيتناول التحول الأعمق في العلاقة بين النظام والمجتمع الساحلي، من خلال مؤسستين جديدتين: الجمعيات الخيرية ومراكز تجنيد الميليشيات. يشرح الكتاب كيف أن النزاع، وحاجة النظام إلى تعويض خسائره البشرية والاستجابة لاحتجاجات المجتمع العلوي على هذه الخسائر، أوجد فضاءً لظهور هيئات محلية موازية للدولة. الجمعيات الخيرية، التي بدأت بالظهور في 2011، أصبحت بديلاً عن مؤسسات الدولة التي تدهورت وظائفها. وللتسجيل القانوني والإدراج على لائحة وزارة الخارجية السورية، تحتاج هذه الجمعيات إلى موافقات غير رسمية من رموز النظام. يوضح الكتاب شرطاً أساسياً لبقائها: إدراج أسر مقاتلي قوات الدفاع الوطني ضمن المستفيدين، وأي رفض قد يؤدي إلى الشطب الفوري من السجلات الرسمية، كما حدث مع إحدى الجمعيات الخيرية في طرطوس التي رفضت تسجيل أسر لا تستحق. أما مراكز تجنيد الميليشيات، مثل قوات الدفاع الوطني وصقور الصحراء وكتائب البعث والبستان، فكانت ردة فعل مباشرة على نقص القوات النظامية. هذه الميليشيات هي وحدات محلية بامتياز، يديرها ضباط جيش علويون سابقون أو حاليون، وتجنيدها يعتمد على العلاقات الشخصية في القرية أو الحي، مما يضمن الولاء والفعالية. في اللاذقية، انتشرت مراكز تجنيد في أحياء علوية مثل الزراعة والرمل الشمالي، وظهر أيضاً مكتب لـ حزب الله اللبناني في حي مشروع البعث لتنسيق العمليات خارج المدينة، لكن من دون دليل على سعيه لتوسيع نفوذه السياسي المحلي. هذه الآليات الجديدة جعلت النظام أكثر اعتماداً على الساحل، والمجتمع الساحلي أكثر ارتباطاً بشبكات النظام لضمان البقاء والحصول على الموارد، مما عمق الترابط المتبادل بشكل غير مسبوق.
لا يخلو الكتاب من اعتراف بحدوده وتحفظاته. يشير صراحة إلى أنه يركز على المجتمعات المحلية في المدن والبلدات داخل الساحل، ويستثني من الدراسة القسم الشمالي من محافظة اللاذقية على الحدود التركية (مناطق مثل كسب وربيعة وكنسبا) بسبب كثافة سكانها من التركمان والعرب السنة وارتباطها الجغرافي والاجتماعي بمحافظة إدلب المجاورة للمعارضة. كما أن البيانات الكمية والنوعية تستند إلى عمل ميداني أُجري في فترتين محدودتين في حزيران/يوليو وتشرين الأول/أكتوبر من عام 2015، وهو ما يعطي صورة عن لحظة زمنية معينة، لكنه يترك أسئلة مفتوحة حول كيفية تطور هذه الديناميكيات في السنوات اللاحقة. اعترف الكتاب أيضاً بتعقيد العلاقة داخل الطائفة العلوية، فهي ليست كتلة واحدة؛ فـ "علويو الساحل" يتوزعون على "مجتمعات علوية" متعددة تختلف في وضعها الاقتصادي وموقعها الجغرافي وفي درجة تضامنها مع النظام، والتي يمكن أن تتراوح بين التأييد غير المشروط والاستياء من خسائر الحرب والاعتماد على حلفاء إقليميين.
من الممكن الإشارة بإيجاز إلى حجة قابلة للنقاش في الكتاب، وهي تأكيده على صمود المجتمعات المحلية وعدم حدوث تغيير جذري في البنى. فبينما يوثق الكتاب أنماطاً من التكيف والاستمرارية، فإن الظواهر التي يصفها، مثل تغيير مواقع التجارة جبراً ونشوء أسواق طائفية جديدة وتوظيف الوسطاء لتجاوز انعدام الثقة، يمكن تفسيرها أيضاً على أنها أدلة على تحول عميق ومأساوي في النسيج الاجتماعي على المستوى المحلي، قد يكون طويل الأمد حتى بعد انتهاء النزاع. يشير الكتاب نفسه في خاتمته إلى أن إضفاء الطابع المحلي على السياسة يخلق انقسامات جياشة وعقبات أمام الاستقرار المستقبلي، مما يعني أن شكل "الصمود" الذي تم توثيقه قد يكون هشاً ومحفوفاً بمخاطر تفكيك الدولة المركزية لصالح ولاءات محلية ضيقة.