Almawred
عربي

السلمية _الهلع يسيطر على المدينة_ - طارق عزيزة (م)

1 janvier 2016arالمركز السوري للأبحاث والدراسات القانونية / مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية

يُعالج الكتاب أزمةً مركّبة في مدينة السلمية وسط سوريا، حيث يتحول الصراع المجتمعي إلى احتقان طائفي دموي، في ظل انهيار هيبة الدولة وتفكك شبكة القوة المسلحة التي أنشأها نظام الحكم. يدافع المؤلف عن فكرة أن الميليشيات المسلحة، التي كانت أداةً لقمع المجتمع، تحولت إلى "مافيات" مستقلة تتنافس على النفوذ والمال، مما جعل حياة المدنيين رهينةً لصراعاتها. الإجابة المركزية التي يقدمها الكتاب هي أن هذه الميليشيات لم تعد أداةً خاضعة للنظام، بل أصبحت كياناً شبه مستقل ينخر في النسيج الاجتماعي ويهدد بتفجيره، بينما يقف المجتمع عاجزاً عن حماية نفسه.

يسير الكتاب في حجته من خلال تتبع سلسلة من الأحداث الدموية التي هزت المدينة، ليبرز كيف أن كل حادثة هي حلقة في سلسلة أوسع من التفكك. يبدأ من حادثة مقتل ثلاثة أشخاص في 9 مايو/أيار 2016، حيث قُتل "علي أمين السنكري" و"كنان أبو قاسم" (من الطائفة الإسماعيلية) و"عبد الجبار إبراهيم" (من الطائفة العلوية) على يد "وليم ديب" (علوي). هذا الحادث لم يكن مجرد جريمة، بل أشعل فتيلاً كان يتحضر منذ زمن؛ إذ قام أهالي القتيلين بقطع الطرق، بينما حصنت ميليشيا "آل سلامة" (العلويين) حيها استعداداً لمواجهة. يربط المؤلف هذا الانفجار بتقرير سابق كان قد حذر من أن وعود النظام بإنهاء الفلتان الأمني لم تكن سوى مماطلة، وأن المجتمع دفع ثمن قبوله بهذه الوعود بخسارته أمام شبكة المافيا.

يعود الكتاب بعدها إلى ما حدث قبل هذه الحادثة ليكشف عن منطق الصراع الخفي. في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، قُتل "علي مخلص راعي" (إسماعيلي)، وهو قائد في ميليشيا "صقور الصحراء"، في ظروف تشير إلى صراع نفوذ داخل الميليشيا نفسها. حاول "علي راعي" ومجموعته إنشاء تشكيل عسكري لحماية المدينة من انتهاكات "الشبيحة" العلويين، لكنه قُتل، مما عزز قناعة بأنه ضحية صراع بين أقطاب الميليشيا. يبرز هنا منطق تحول الزعامات الإسماعيلية المسلحة إلى كيانات تحاول الاستقلال بقوتها العسكرية، ساعيةً إلى شرعية طائفية في مدينة ذات أغلبية إسماعيلية، لكنها تظل في مرتبة ثانية تحت سيطرة نظرائهم العلويين.

في الشهرين الأخيرين من عام 2015، اعتُقلت قيادات من "الشبيحة" مثل "فراس سلامة" و"بهاء سلامة"، وراجت شائعات عن أن النظام بصدد التخلص من "قوات الدفاع الوطني" لصالح ولاء إيراني جديد. لكن سرعان ما أُطلق سراح المعتقلين، بل وسُويت أوضاع 500 عنصر من "الشبيحة" تواجههم اتهامات بالقتل والخطف والسرقة، مقابل حصول ضباط من الأجهزة الأمنية على مبالغ وصلت إلى 150 مليون ليرة سورية. يقدم الكتاب هذا كدليل على أن الأجهزة الأمنية ليست فقط عاجزة عن ضبط الميليشيا، بل متواطئة معها، مما عزز فكرة انتصار "المافيا" على "الدولة" والمجتمع.

يتوالى العنف في سلسلة من الحوادث المترابطة. في أيار/مايو 2016، جرى حادث طعن استهدف شخصين إسماعيليين من قبل تابعين لـ"غزوان السلموني"، وهو قائد شبيحة في قرية صبورة العلوية. وفي اليوم التالي، هاجمت المافيا المشفى الوطني وأخرجت الجناة. في حزيران/يونيو 2016، انفجرت سيارة مفخخة قرب حاجز شرق المدينة، وقتل ثلاثة عناصر من الطائفة العلوية، ووجهت الاتهامات إلى مجموعة "غزوان السلموني". في اليوم التالي، اغتيل "محمد خبازي" (إسماعيلي)، وهو قائد قطاع تابع لنفس المجموعة. يوضح الكتاب أن هذه الاغتيالات والتفجيرات هي عمليات تصفية حسابات بين زعامات الميليشيا، متخذةً شكلاً طائفياً إسماعيلياً - علوياً، رغم أن جذورها تكمن في الصراع على النفوذ والمال والموارد كالسيطرة على الحواجز والرشاوى.

يقدم الكتاب تفاصيل صارخة عن الوضع المعيشي، حيث يخضع الأهالي لضغوط شديدة تشمل قلة الوقود وقطع الكهرباء والمياه لفترات طويلة، واضطرارهم لشراء المياه بمبالغ كبيرة. ويشير إلى أن المافيات هي من يشتبه بتعمدها قطع المياه والكهرباء لزيادة أرباحها. هذا الواقع يكرس "اقتصاد المافيا" الذي يثري قادة الميليشيات ويزيد من معاناة المدنيين، ويجعلهم على يقين بأن الأعباء المتزايدة هي مصدر دخل لهؤلاء القادة.

في تحليل جذور الأزمة، يوضح المؤلف أن النظام السوري منذ عام 2011 اعتمد على تكوين تشكيلات مسلحة غير نظامية من المهمشين لإغرائهم بالمال والسطوة، بهدف قمع الاحتجاج قبل أن يكون هناك تهديد من معارضة مسلحة. الهدف كان قمع المجتمع المحلي واختراقه وتوريطه في صراعات بينية، مما أنتج طبقة أمنية جديدة (الشبيحة/الدفاع الوطني) تحتل موقعاً وسطاً بين المجتمع والأجهزة الأمنية. مع الوقت، وبسبب تفاقم الصراع، بدأت زعامات الميليشيا تتحول إلى عصابات مافيا مستقلة، تتنافس على النفوذ والموارد، وأخذ هذا الصراع شكلًا طائفيًا بين الإسماعيليين والعلويين.

يعترف المؤلف بحدود التحليل وترك أسئلة مفتوحة، خاصة في ما يتعلق بمستقبل المدينة. يقر بأن سرعة انخراط عناصر الميليشيا الإسماعيليين في رد الفعل الاجتماعي الاحتجاجي جعلت سلطة النظام تبدو كوسيط بين متخاصمين، وليس المسؤولة عن الحالة الراهنة. يحذر من أن المجتمع السلموني، الواقع بين ضغط المافيات والأجهزة الأمنية من جهة، والخطر التكفيري لداعش (التي هاجمت غابة تل التوت على بعد 16 كيلومتراً في 7 آب/أغسطس) من جهة أخرى، أصبح عاجزاً عن تشكيل قوة مدنية وطنية قادرة على تقديم برنامج مطلبي غير طائفي. في الخلاصة، يرى الكتاب أن استراتيجية سلطة الأسد لمواجهة الثورة خلقت ظروفاً لم يعد بإمكانها السيطرة عليها، وجردت المجتمع من قدرته على خلق آليات حماية مدنية، مما جعل التدخل الدولي هو الأمل الوحيد لوقف التفكك، عبر حل الميليشيا وإجبار السلطات على السماح للمجتمع المدني بضبط الأوضاع، وهو أمر يبدو مستبعداً في ظل صراع الدول الكبرى على سوريا.

من الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، التركيز على استقلالية الميليشيا عن النظام، إذ قد يرى البعض أن هذه الاستقلالية لا تزال نسبية وأن النظام يحتفظ بقدرة على التحكم فيها عند اللحظات الحاسمة، رغم كل مؤشرات التفلت. كما أن تحليل الحالة السلمونية كنموذج قد لا ينطبق بالكامل على مدن سورية أخرى، رغم وجود تشابهات هيكلية. أخيراً، يمكن مناقشة مدى واقعية توقع إنقاذ المجتمع الدولي لوضع يبدو أن الأطراف المحلية الفاعلة قد رهنته لحساباتها الضيقة، مما يجعل الحل الموصى به يبدو مثالياً في مقابل واقع مرير ومعقد.