السوريون وتجربة النزوح سلمية نموذجا ص. درويش محرر
يقدّم كتاب "السوريون وتجربة النزوح: سلمية نموذجاً" دراسة ميدانية معمّقة في العلاقة بين سكان مدينة السلمية والنازحين قسراً إليها في ظل الثورة السورية التي انطلقت عام 2011. يدافع العمل عن أطروحة محورية مفادها أن معرفة السوريين ببعضهم البعض كانت مشوّهة تحت نظام "الكانتونات" الذي فرضه حكم عائلة الأسد، وأن الثورة السورية، رغم قسوة مسارها، فتحت نافذة نادرة للانفتاح الاجتماعي وتعرفت السوريون خلالها على بعضهم بشكل غير مسبوق. غير أن الحجة الجوهرية للكتاب هي أن هذا الانفتاح اصطدم بعاملين مدمرين: الأول، استراتيجية سلطة الأسد التفكيكية التي عملت بشكل منهجي على وضع السوريين في مواجهة بعضهم؛ والثاني، غياب مشروع سياسي وطني بديل من جهة المعارضة القادر على حماية هذا التمازج الاجتماعي وتطويره، مما أدى في النهاية إلى انكفاء المجتمع مجدداً إلى الجماعات الضيقة بحثاً عن الحماية.
يسير البحث وفق منطق متسلسل يبدأ بتأريخ التركيبة الاجتماعية الفريدة لمدينة السلمية. فالمدينة، الواقعة شرق حماه، استقبلت عبر عقود موجات نزوح متعددة: من حماه بعد مجزرة 1982، ومن القدموس غرب سوريا، ومن البدو الذين استقروا في "حارة المشارفة"، فضلاً عن وجود الشركس والكرد والعلويين. ومع أن الغالبية فيها من الطائفة الإسماعيلية، إلا أن الجماعات الوافدة حافظت على هوياتها ولغتها وطقوسها، وسكنت في أطراف المدينة (كحارة الحموية غرباً، و"ضير الزيتون" جنوباً) في شكل من التكتل الدفاعي، مما خلق مجتمعاً متنوعاً لكنه منفصل نسبياً، وخلق ثقافة "انفتاح" قسرية ضرورية للعيش المشترك. هذا المكون التاريخي هو الذي سيحدد لاحقاً إمكانيات وحدود علاقة السكان بالنازحين الجدد.
ينتقل البحث إلى تفصيل موجات النزوح التي ضربت السلمية بعد اندلاع الثورة. أولى الموجات جاءت من حماه بعد مجزرة أطفال الحرية في 3 حزيران 2011، حيث قتل نحو 60 شخصاً. هنا، كانت العلاقات التجارية والجوارية بين المدينتين حافزاً لتضامن شعبي عارم: فتح السكان منازلهم للنازحين، ونظم الناشطون قوافل مساعدات وإسعاف عبر الطرقات الفرعية، ووصل عدد النازحين المسجلين إلى نحو 20 ألف شخص. كانت السلمية في تلك الفترة خارج القبضة الأمنية للنظام، وساد فيها حراك مدني سلمي، مما جعل استقبال النازحين شكلاً من أشكال النضال السياسي الذي يرد على خطاب النظام. أما الموجة الثانية فجاءت من حمص منذ أواخر 2011 وحتى 2012، لكن الظروف كانت قد تغيرت تماماً: فقد أحكم النظام سيطرته على السلمية، وانتشرت "اللجان الشعبية" و"الشبيحة" الذين بدأوا باختطاف الناشطين وملاحقتهم، مما جعل استقبال النازحين الحمصيين أصعب وأخطر. الموجة الثالثة جاءت من الريف الشرقي للسلمية بعد معركة "الجسد الواحد" عام 2013، والتي دمرت 10 قرى بالكامل وأخرى جزئياً، مما دفع نحو 40 ألف نازح إضافي نحو المدينة، ليصل العدد التراكمي للنازحين إلى نحو 50 ألف نازح.
يحاول الكتاب، بحذر شديد، رصد التعديلات السلوكية والفكرية التي حدثت بين الجماعات. يذكر أن الفترة الأولى (عام 2011) شهدت "بدايات متفائلة" وعلاقات تضامنية ممتازة، حتى أن نازحات من الرستن يشهدن بتعاطف الجيران ومساعدتهم في دفن الأموات. لكن مع تقدم السنوات، طرأت تحولات دراماتيكية. الأهم كان اختراق "المعيار السياسي" للعلاقات اليومية، خاصة بين الأطفال والشباب. في المدارس، أصبح الأطفال يسألون "أنت مع النظام أم مع المعارضة؟"، ويمارسون تمثيل أدوار الحواجز والتفتيش. كما يذكر البحث حالة في مدرسة ثانوية تطور فيها نقاش حول الطوائف إلى عراك بين تلاميذ من حمص وآخرين من السلمية. ورغم هذه التوترات، لاحظ البحث قدرة الفئات العمرية الصغرى (15-25 عاماً) على التكيف بشكل أكبر، من خلال الانخراط في المقاهي وتكوين الصداقات، ونشاط منظمة "الطلاب الأحرار" التي ضمت نازحين وسكاناً محليين معاً. على صعيد اقتصادي، اندمج النازحون في سوق العمل بافتتاح محال ومطاعم، وتقبل السكان ذلك على أنه "تنويعة مرغوبة"، دون وقوع احتكاكات اقتصادية كبيرة.
يكشف الكتاب عن آليات النظام لمنع الاندماج بشكل صريح. بعد أن سيطرت "الشبيحة" والميليشيات الموالية، تحول النازحون إلى كبش فداء. تعرضوا لانتهاكات يومية: تفتيش المدارس ورمي رؤوس حيوانات نافقة فوقها، وضرب الشبان النازحين واتهامهم بالإرهاب (كما حدث بعد تفجير مقر الدفاع الوطني في كانون الثاني 2013)، واعتقال النساء النازحات في ظروف قاسية. لم تقتصر الممارسات القمعية على النظام، بل أسهمت أيضاً "القوى المتطرفة" كجبهة النصرة وتنظيم داعش في إذكاء الخوف، من خلال تفجيرات استهدفت مقار الموالين وأوقعت ضحايا مدنيين، مما زرع عداءً موجهاً ضد النازحين باعتبارهم متعاطفين محتملين مع "الإرهاب". يلفت الكتاب إلى أن المعارضة الوطنية فشلت في تقديم خطاب بديل أو حماية مدنية للنازحين، مما أدى إلى "انفضاض واسع" من مؤيدي الثورة، واضطرار العديد من النازحين لمغادرة السلمية إلى ريف إدلب أو تركيا.
يقر البحث بحدوده بوضوح. فهو يعترف بأن فترة النزوح (ثلاث سنوات كحد أقصى) غير كافية لتعديل سلوكيات جماعية راسخة، وأن التحليل محفوف بأخطار التعميم. كما يشير إلى صعوبة المهمة الميدانية في ظل ظروف أمنية تجعل الباحثين عرضة للخطر. يذكر الكتاب أنه لم يتم تسجيل أي حالات زواج بين النازحين وسكان مدينة السلمية (على عكس الريف القريب)، مما يشير إلى حدود الاندماج العميق. كما يعترف بإشكالية الأرقام (مثل عدد النازحين البالغ 50 ألفاً) التي تختلف حسب المصدر. أخيراً، يترك الكتاب أسئلة مفتوحة عن الاصطفافات السياسية في المدينة ودورها، ويعد ببحث منفصل حولها.
يمكن الإشارة إلى أن حجة الكتاب، رغم قوتها، تعتمد بشكل أساسي على شهادات ناشطين وسكان، مما يجعلها قابلة للنقاش من حيث تمثيلها للرأي العام الكلي في المدينة. كما أن التمييز بين "التضامن الأولي العفوي" و"الانكفاء لاحقاً" يعكس سردية واضحة، لكنها قد تُبسّط تعقيد المواقف الفردية. في النهاية، يؤكد الكتاب أن تجربة السلمية ليست استثناءً، بل نموذجاً للمأساة السورية الأوسع: نظام تفكيكي متعمد، ومعارضة لم ترتقِ لمستوى آمال الثورة، ومجتمع أنهكته الحرب، لكنه خبّر، ولو للحظة، إمكانية بناء وحدة وطنية حقيقية، وهو الإرث المضيء الذي يبقى رغم قتامة المشهد.