Almawred
الصراع العثماني - الصفوي وآثاره في الشيعية في شمال بلاد الشام
عربي

الصراع العثماني - الصفوي وآثاره في الشيعية في شمال بلاد الشام

محمد جمال باروت1 janvier 2018arالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

يُشكّل كتاب "الصراع العثماني - الصفوي وآثاره في الشيعية في شمال بلاد الشام" لمحمد جمال باروت مقاربةً تاريخيةً معمقةً لإعادة فهم التحولات المذهبية الكبرى في منطقة لم تنل حظها من الدراسات مقارنة بجنوب بلاد الشام أو هضبة الأناضول. يدافع المؤلف عن إجابة محورية مفادها أن الصراع بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية لم يكن حرباً دينية خالصة، بل كان في جوهره صراعاً إمبراطورياً على السيطرة على طرق التجارة العالمية، وعلى رأسها طريق الحرير. من هذا المنطلق، يرى باروت أن هذا الصراع هو "المتغير المستقل" الذي قاد إلى "المتغير التابع" الأبرز: عملية "التطييف"، أي تحويل الأكثرية الشيعية في شمال بلاد الشام إلى أقلية مضطهدة ومستترة عبر آليات اقتصادية وعسكرية وقانونية. يسعى الكتاب إلى تفكيك هذه العلاقة الجدلية، مظهراً كيف تحولت نتائج الصراع لاحقاً إلى أسباب ذاتية عبر مأسسة العلاقة بين الفقيه والسلطان في كلا الدولتين.

تنسج حجة الكتاب خيوطها بدءاً من الفصل التمهيدي الذي يرسم الإطار المنهجي والمكاني والزماني. يعود المؤلف إلى جذور الهيمنة الشيعية في شمال بلاد الشام، والتي يعزوها إلى صراع سابق هو الصراع المملوكي - الإيلخاني، وتحديداً بعد اعتناق السلطان الإيلخاني أولغايتو خدابنده (حكم 1304-1316م) للمذهب الشيعي، وما أثاره من سجال فقهي بين ابن تيمية وابن المطهر الحلي. يحدد باروت "الفضاء الشيعي" في شمال بلاد الشام بأنه فضاء متنوع يضم الإسماعيلية والنصيرية (العلوية) والإمامية والجماعات الصوفية العرفانية، مضيفاً إليها الجماعات الإسلامية غير المتشرعة كاليزيدية. ويركز بشكل خاص على منطقة الثغور الجزرية - الشامية الممتدة من طرسوس إلى ملطية، والتي كانت تشكل ملتقى طرق التجارة الكبرى، مشيراً إلى أن حلب كانت سوقاً تنافس بورصة في تجارة الحرير، حيث كان يباع فيها في اليوم الواحد ما يساوي مئة حمل من الحرير. هذا الموقع الاقتصادي الحيوي يفسر تمركز آثار الصراع في الشمال، فبينما كانت مصالح حلب مشدودة نحو طريق الحرير شرقاً، كانت مصالح دمشق مشدودة نحو التوابل ومصر. يعترف المؤلف بحدود بحثية واضحة، مؤكداً أن الربط بين الصراع وطريق الحرير ليس جديداً، بل الجديد هو تطبيقه على شمال بلاد الشام تحديداً، بسبب ندرة الدراسات عن شيعيتها في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، واعتماده على مصادر عربية وعثمانية معاً، وفي مقدمتها كتاب "كنوز الذهب في تاريخ حلب" لسبط بن العجمي الحلبي (ت 1479م)، وهو معاصر شاهد على الاصطدام بين المماليك والشيخ جنيد.

ينتقل الفصل الأول إلى تفصيل الإطار الشيعي الشمال شامي الذي نشأت فيه الحركة القزلباشية في طورها التأسيسي، مجيباً على سؤال حول طبيعة التحولات المذهبية في المنطقة. يرسم المؤلف صورة لهيمنة الجماعات الشيعية على بلاد الشام حتى أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، مستشهداً بشهادات الرحالة ابن جبير (ت 1217م) الذي وصف سكانها بأنهم من "أهل المذاهب المنحرفة"، وياقوت الحموي (ت 1229م) الذي لاحظ أن أكثر أهل حمص صاروا من "غلاة الشيعة". ومع ذلك، يبين باروت أن سياسات الدولة المملوكية "التسنينية"، بدءاً من حملة كسروان عام 1305م ضد الجماعات الشيعية وصولاً إلى إعدام الشهيد الأول عام 1384م، أدت إلى تحولات عميقة. لكن هذه السياسات كانت محدودة في شمال بلاد الشام المتاخم للأناضول لأسباب استراتيجية، مما جعل الفوعة غرب حلب مركزاً شيعياً إمامياً صلباً. ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الدور المحوري للشيخ جنيد الأردبيلي الذي حول الطريقة الصفوية من طريقة دعوية إلى حركة شيعية غالية ذات طابع جهادي. بعد نفيه من أردبيل، وجد الشيخ جنيد في حلب بيئة خصبة، حيث كانت تعج بالطرق الصوفية العرفانية "الهرطقية" كالأويسية والقلندرية والكيزوانية. ويقدم باروت مثالاً مهماً على استيعاب الشيخ جنيد للحركة الحروفية بقيادة عماد الدين نسيمي الذي أعدم في 1418م، ثم قاسم النسيمي الذي قتل في 1442م، حيث اندمج الحروفيون في عشائر الورساق البكتاشية والتحقوا بحركة الشيخ جنيد. يختتم الفصل بإظهار كيف أعاد الشيخ جنيد بناء مراكز الدعوة الصفوية في المناطق التركمانية شمال وغرب حلب، وتحديداً في منطقتي أعزاز وكلس وجبل موسى.

يكشف الفصل الثاني عن اندلاع الحرب المفتوحة بين الدولتين وتطييفها سنياً - شيعياً، مركزاً على آثارها الأساسية في شمال بلاد الشام. يبدأ الفصل بالإجراءات الأولى للسلطان سليم الأول (حكم 1512-1520م)، وأبرزها الحصار التجاري الشامل على طريق الحرير بهدف خنق الاقتصاد الصفوي. يوضح المؤلف أن هذا الحصار أدى إلى نتائج عكسية على بورصة العثمانية، بينما استفادت حلب المملوكية من تحول طريق التجارة إليها، مما عمق أزمة المماليك. ثم ينتقل إلى التبرير الأيديولوجي للحرب عبر فتوى ابن كمال باشا (ت 1534م) التي كفرت القزلباش وأعلنت قتلهم فرض عين، وهي الفتوى التي شرعت مذبحة واسعة في الأناضول ضد القزلباش والعلويين، يُقدر عدد ضحاياها بأربعين ألف شخص. بعد معركة جالديران (1514م)، يصف الفصل "حرب النبوءات" التي سبقت الغزو العثماني، حيث استغل السلطان سليم الأجواء الإسكاتولوجية بتبجيل ابن عربي وبناء قبة على ضريحه. يتناول الفصل أيضاً دور "الرسل" أو الجواسيس في حلب، ويبرز شخصية ابن عوض الذي تحول إلى واعظ متطرف ضد "الروافض" الأردبيليين. في تحليل لافت، يدحض باروت بشكل قاطع ما يسميه "أسطورة مذابح الطويل" التي تزعم أن سليماً أجرى مذبحة راح ضحيتها نحو تسعة آلاف وأربعمئة علوي في حلب، مؤكداً أن هذه الرواية تستند إلى كتاب محمد غالب الطويل وتحتوي على مغالطات تاريخية، أبرزها أن الفتوى التي تستند إليها صدرت في زمن السلطان مراد الرابع (القرن 17). ويؤكد المؤلف أن ما فعله سليم في حلب هو منحها "أماناً" شاملاً، ثم قام بعد ثلاث سنوات بنفي عدد من تجار "الأعاجم" المتهمين بالتشيع، لكنه لم يرتكب مجزرة. في المقابل، كرّس سياسة ضريبية مملوكية بفرض "ضريبة القرش" على العلويين، بينما عامل الإسماعيليين بمرونة، وعقد تحالفاً مع اليزيديين بقيادة زعيمهم عز الدين.

يتناول الفصل الثالث سياسات السلطان سليمان القانوني (حكم 1520-1566م) التي أسست لنظام مؤسسي للمراقبة الاجتماعية والعقاب. يرى باروت أن السياسة المنظومية ضد الشيعة لم تبدأ مع سليم الأول بل مع ابنه، الذي حاول إخضاع التنوع المذهبي لقانون شرعي مركزي حنفي رداً على تجدد التهديدات الصفوية. يسير الفصل عبر سلسلة من التمردات، مثل تمرد والي مصر أحمد باشا (1524م) وتمرد الدروز، وأخطرها تحول ولاء أمراء البدالسة الأكراد وذو القدرية إلى الصفويين، حيث أشعل إعدام علي بيك تمرداً في مرعش استمر حتى 1529م. يشرح الفصل كيف فرض العثمانيون المذهب الحنفي كرسمي في حلب، وحصروا القضاء بـ"الموالي الرومية"، وبلغت هذه السياسة ذروتها في قضية قرا قاضي (1528م) حيث قام قاض حنفي بمنع الشوافع من توريث ذوي الأرحام، مما أثار غضب العامة وقتلوه. ومع اندلاع الحرب العثمانية - الصفوية (1533-1555م)، أصدر شيخ الإسلام أبو السعود أفندي فتوى بإباحة قتل "الروافض"، مما أضفى شرعية على الاضطهاد. يورد باروت تفاصيل مهمة عن انقسام العائلات الشيعية الحلبية بين المتسننين والمتمسكين بالتشيع تحت ستار التقية، وصولاً إلى أن يدعو ابن أحد الشيعة المتسننين الله ألا يحشره مع أبيه بسبب تشيعه. في نهاية الفصل، يخلص المؤلف إلى أن "مأسسة المتغير التابع"، أي العلاقة بين الفقيه والسلطان، هي النتيجة الموضوعية للصراع، حيث أعيد هيكلة منصب شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، بينما كرست الدولة الصفوية مكانة فقيه مثل الكركي نائباً للإمام، في "تماثل بنيوي" بين المؤسستين الفقهيتين في موقفهما المناهض للعلويين والقزلباش.

يؤرخ الفصل الرابع للحرب العثمانية - الصفوية الطويلة (1603-1639م) وأثرها في أوضاع الشيعة، مقدماً حركة ابن جنبلاط في شمال بلاد الشام كحالة مركزية. يبدأ الفصل بتحليل "العهد الذهبي" من العلاقات الودية بين الدولتين في عهد السلطان سليم الثاني والشاه طهماسب، حيث تمكّن شيعة حلب من التسلق إلى مناصب عليا تحت مذهب الشافعية. ثم ينتقل إلى فترة الشاه إسماعيل الثاني (1576-1577م) الذي حاول "تسنين" الدولة الصفوية بمنع سب الخلفاء، لكنه فشل ودس له القزلباش السم. يقدم الفصل الحجة الاقتصادية بقوة، موضحاً أن أزمة الحرير كانت المحرك الأساسي، حيث أدى هجوم إيراني على قافلة حرير إلى توقف ثلاثة أرباع أنوال بورصة عن العمل، مما دفع العثمانيين لاحتلال غنجة وشيروان وتبريز، وتوقيع اتفاق اسطنبول الأول (1590م) الذي ألزم إيران بعدم سب الصحابة. يشرح باروت أسباب حركات "الجلالية" التي سيطرت على تسع ولايات في الأناضول، مرجعاً إياها إلى التضخم الناجم عن تدفق الفضة "العالم الجديد" الذي تآكلت معه قيمة الرواتب. في مقابل فوضى العثمانيين، يظهر نجاح الشاه عباس الأول في إخضاع الأوزبك وقمع الحركات النقطوية وسفك دماء القزلباش، مما هيأه لاستغلال الفوضى واستعادة تبريز. مع انشغال العثمانيين بالجلاليين، وجد زعيمهم قلندر أوغلو سنداً قوياً في شمال بلاد الشام وهو جنبلاط أوغلو علي باشا، مما مهّد لاندماج حركته في الحرب الكبرى التي غيرت ملامح التشيع في المنطقة.

يختتم الفصل الخامس والأخير برصد المراحل الأخيرة من الصراع وتحولاته، مركزاً على إخفاق مشروع التسوية التاريخية الكبرى للصراع السني - الشيعي. يبدأ الفصل بتحليل حركات الجلالية التي اجتاحت الأناضول أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، رافضاً التفسير المذهبي الأحادي لها ومؤكداً خلفياتها الاقتصادية - الاجتماعية، مثل النمو السكاني وأزمة الجنود المسرّحين ("السكبان") وتدهور العملة. ومع ذلك، يشير إلى أن هذه الحركات استعارت المثال "المهدوي" الشيعي لتعبئتها الجماهيرية، مما جعل السلطات تصفها بـ"القزلباشية". ينتقل الفصل إلى حركة ابن جنبلاط (علي باشا جنبلاط) التي وصفها بأنها محاولة جادة لبناء إمارة إقليمية مستقلة عاصمتها حلب، مستغلاً غناها الاقتصادي ودعم دوقية توسكانا والبابا، وتحالفه مع فخر الدين المعني. بلغ جيشه نحو أربعين ألف مقاتل، لكن الوزير الأعظم قويجي مراد باشا أنهى الحرب مع آل هابسبورغ في 1607م، وحشد قواته لقتله في تشرين الثاني 1607م، مما أدى إلى انحسار الوجود الدرزي في حلب وهجرة نصيرية إلى جبل العلويين. يتناول الفصل تداعيات حرب الخمسة عشر عاماً (1623-1639م)، حيث احتل الشاه عباس بغداد، بينما توسع فخر الدين المعني في جبال النصيرية. في تحليل نقدي مهم، يقدّم باروت تفكيكاً للروايات الشيعية التقليدية حول مذابح حلب وبغداد، مشيراً إلى أن المصادر الشيعية الإيرانية الأكثر دقة تذكر أن المذبحة الكبرى وقعت في بغداد لا حلب، ويقدر عدد ضحاياها بـثمانية عشر ألف شخص، وليس "مئتي ألف" كما ورد في بعض الروايات. يرى المؤلف أن هذه المرويات نتاج "أيديولوجيا المظلومية الاجتماعية" التي تعيد إنتاج الجماعة عبر استعادة تخيلية لتاريخها. يختم الفصل بتوقيع معاهدة زهاب (قصر شيرين) في 1639م، التي أنشأت حدوداً ثابتة بين الدولتين قائمة على مفهوم "السيادة" الإقليمية، مما حول "المتغير الوسيط" (نطاق الدولة) إلى متغير مستقل جديد. منذ ذلك الحين، استمر السلام لأكثر من قرن (حتى 1722م)، وانحسرت الحملات العثمانية الكبرى على الشيعة في بلاد الشام، مما جعل "التسوية التاريخية الكبرى للصراع المذهبي" مشروعاً فاشلاً تم حلّه عملياً عبر تحول الدولتين إلى كيانين يتساكنان على أساس حدود ثابتة.

يبقى السؤال الأكثر قابلية للنقاش في الكتاب هو حصرية الربط السببي بين التنافس على طريق الحرير كمتغير مستقل وحيد وبين التطييف المذهبي. فبينما يقدم باروت حججاً مادية دامغة حول الأبعاد الاقتصادية للصراع، قد يرى قارئ أن العوامل العقائدية والسياسية الداخلية لعبت دوراً مستقلاً على الأقل. يعترف المؤلف جزئياً بهذا عبر إشارته لتحول المتغير التابع إلى متغير مستقل في مراحل لاحقة عبر مأسسة العلاقة بين الفقيه والسلطان، لكن التساؤل يظل مفتوحاً حول ما إذا كان هذا التحول يمثل استقلالاً حقيقياً أم مجرد استمرار للعلاقة الجدلية في أشكال جديدة.

Chapitres(6)

1.مدخل: منهجية البحث ومفاهيمه وقضاياه ومداه الزمني11–32▼ résumé

يتمحور هذا الفصل التمهيدي حول دراسة المتغيرات التي حكمت الصراع العثماني - الصفوي وآثاره في شمال بلاد الشام، وتحديداً في الشيعية والجماعات الإسلامية غير المتشرعة، التي كانت مهيمنة على هذه المنطقة ديموغرافياً واقتصادياً قبل اندلاع الصراع، على عكس جنوب بلاد الشام الذي هيمنت عليه الجماعات السنية. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن الصراع على طريق الحرير هو المتغير المستقل الرئيسي الذي قاد إلى عملية «التطييف» أي تحويل الأكثرية الشيعية إلى أقلية، وهي العملية التي يعتبرها المتغير التابع الأبرز والأكثر أثراً بنيوياً في التركيبة المذهبية للمنطقة.

يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من تحديد الجذور التاريخية لهيمنة الشيعية، والتي يعودها المؤلف إلى صراع سابق هو الصراع المملوكي - الإيلخاني وتطييفه المذهبي بعد اعتناق السلطان الإيلخاني أولغايتو خدابنده (حكم 1304-1316م) للمذهب الشيعي، وهو ما تجسد في السجال الفقهي بين ابن تيمية (ت 1328م) وابن المطهر الحلي (ت 1325م) الذي ألّف كتابه «منهاج الكرامة» لخدابنده، فرد عليه ابن تيمية بكتاب «منهاج السنة». ثم ينتقل المؤلف إلى تعريف «الفضاء الشيعي» في شمال بلاد الشام، وهو فضاء متنوع يضم الإسماعيلية والنصيرية (العلوية) والإمامية والجماعات الصوفية العرفانية التي تنحاز بين التشيع والعرفان، ويضيف إليها الجماعات الإسلامية غير المتشرعة مثل اليزيدية. يحدد الفصل مداه الزمني من اندلاع النزاع المملوكي - العثماني في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، مروراً بالصراع العثماني - الصفوي منذ القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، وصولاً إلى محاولات احتواء أسس الصراع المذهبي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الثامن عشر.

يخصص الفصل حيزاً كبيراً لوصف الموقع الجغرافي والاقتصادي لشمال بلاد الشام، مركزاً على «منطقة الثغور الجزرية - الشامية» الممتدة من طرسوس إلى ملطية، والتي كانت ملتقى الطرق التجارية الكبرى، وعلى رأسها طريق الحرير الذي كان يمر عبر تبريز (مركز القرا قوينلو الشيعة) وديار بكر ليتفرع إلى بورصة العثمانية أو حلب/أنطاكية ومنها إلى البحر المتوسط. يذكر المؤلف أن ابن الشحنة (ت 1485م) وصف حلب بأنها كانت «مملكة حلب» التي تمتد أعمالها من درندة غرباً إلى الرها والرقة شرقاً، ويشير إلى أن سوق حلب كانت تنافس بورصة في تجارة الحرير، حيث كان يباع فيها في اليوم الواحد ما يساوي مئة حمل من الحرير. يتعلق المؤلف هذا الموقع الاقتصادي الحيوي بمصير المنطقة، فبينما كانت مصالح حلب مشدودة نحو طريق الحرير في الشرق، كانت مصالح دمشق مشدودة نحو طريق التوابل ومصر، مما يفسر تركز آثار الصراع في الشمال دون الجنوب.

ينتقل الفصل بعد ذلك ليعرض منهجيته التحليلية القائمة على نظرية المتغيرات، حيث يمثل الصراع العثماني - الصفوي على طريق الحرير «المتغير المستقل الدال» (أو القوة المحركة بالمعنى البروديلي)، بينما يمثل التطييف المذهبي والتحول من الأكثرية إلى الأقلية «المتغير التابع». يعترف المؤلف بتعقد هذه العلاقة الجدلية، حيث تتحول النتائج (التطييف) إلى أسباب جديدة، وتكتسب ديناميات ذاتية عبر آليات المأسسة (العلاقة بين الفقيه والسلطان) التي تجعلها تبدو كمتغير مستقل منخلع عن سياقاتها التاريخية. يشير الفصل بصراحة إلى الحدود البحثية التي يعترف بها المؤلف وإلى الأسئلة المفتوحة، حيث يؤكد أن الربط بين الصراع وطريق الحرير ليس جديداً في حد ذاته، بل الجديد هو تطبيقه على منطقة شمال بلاد الشام بشكل خاص، وهي منطقة تغيب عن معظم الدراسات العثمانية الجديدة التي تركز على هضبة الأناضول. ويعزو المؤلف ذلك إلى ندرة الدراسات العلمية عن الشيعية في شمال بلاد الشام في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

يستعرض الفصل بوصفها مصادر ومراجع، عدداً من الدراسات السابقة التي استفاد منها، مبيناً نقاط قوتها وقصورها. فيذكر دراسة كامل مصطفى الشيبي الرائدة حول الصلة بين التصوف والتشيع، ودراسات فاضل بيات المستندة إلى الوثائق العثمانية، ودراسة علي إبراهيم درويش عن السياسة والدين في تأسيس الدولة الصفوية، ودراسة عباس صباغ عن تاريخ العلاقات العثمانية - الإيرانية، ودراسة روبرت ويليام أولسن عن حصار الموصل. لكنه يشير إلى أن هذه الدراسات تشترك في ضعف رجوعها إلى المصادر الحلبية التاريخية المباشرة، وفي مقدمتها كتاب «كنوز الذهب في تاريخ حلب» لـسبط بن العجمي الحلبي (ت 1479م)، وهو معاصر و شاهد على مرحلة الاصطدام بين السلطات المملوكية والشيخ جنيد (مؤسس الحركة الصفوية الجديدة). يرى المؤلف أن هذا الكتاب يقدم تفاصيل دالة عن الحركة الحروفية في أربعينيات القرن الخامس عشر في حلب، والتي أغفلتها الدراسات السابقة لعدم تمكنها من الوصول إليه كاملاً. بهذا، يحدد البحث مهمته كإضافة بحثية جديدة تسد هذا الفراغ، وتعتمد على المصادر العربية والعثمانية معاً، وتجمع بين التاريخ العام والتاريخ الإقليمي، وبين التحليل الماكروي والميكروي. في ختام الفصل، يمكن القول إن الحجة الأكثر قابلية للنقاش هي حصرية الربط السببي بين التنافس على طريق الحرير كمتغير مستقل وحيد، وبين التطييف المذهبي، حيث قد يرى البعض أن عوامل عقائدية أو سياسية داخلية أخرى لعبت دوراً مستقلاً على الأقل في تشكيل هذا التطييف، وهو ما يعترف به المؤلف جزئياً عبر إشارته لتحول المتغير التابع إلى متغير مستقل في مراحل لاحقة.

1.الفصل الأول: الإطار الشيعي الشمال الشامي لتشكل الحركة القزلباشية - الطور التأسيسي33–100▼ résumé

يُشكّل الفصل الأول تمهيداً تاريخياً وجغرافياً لفهم كيفية تشكّل الحركة القزلباشية (الصفوية) في طورها التأسيسي، انطلاقاً من شمال بلاد الشام، وذلك ضمن إطار الصراع العثماني-الصفوي الذي سيؤدي إلى "تطييف" المجتمع خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. يطرح الفصل سؤالاً محورياً حول طبيعة التحولات المذهبية والاجتماعية في شمال بلاد الشام، ويقدم إجابة مفادها أن الحركة الصفوية الجديدة لم تنشأ في فراغ، بل استندت إلى بيئة شيعية غنية ومعقدة، وإلى بنية تحتية من الطرق الصوفية والجماعات العرفانية المنتشرة في المنطقة.

يبدأ الفصل برسم صورة بانورامية للهيمنة الجماعاتية الشيعية على بلاد الشام حتى أواخر القرن الثالث عشر الميلادي. يستشهد المؤلف بشهادة الرحالة ابن جبير (ت 1217م) الذي وصف سكان بلاد الشام الأيوبية بأنهم في معظمهم من "أهل المذاهب المنحرفة" والعقائد "الفاسدة"، مفرقاً بينهم وبين الشوافع الذين وجدهم في منبج وبزاعة. كما يذكر ياقوت الحموي (ت 1229م) الذي لاحظ أن فقهاء حلب يفتون على مذهب الشيعة، وأن أكثر أهل حمص صاروا من "غلاة الشيعة". هذه الشهادات، التي يقدمها الفصل كأدلة، تؤكد أن التشيع بشقيه الإمامي والإسماعيلي والنصيري كان هو المذهب الغالب ديموغرافياً في المنطقة. يشير الفصل أيضاً إلى أن هذا الوضع امتد ليشمل الحجاز والأناضول، حيث يورد قول ابن تيمية بأن أكثر سكان الحجاز يغلب عليهم التشيع، ويصف الأناضول بأنها كانت مرتعاً للطرق الصوفية الشيعية.

يتناول الفصل بعد ذلك التحول الكبير الذي طرأ على هذه التركيبة المذهبية خلال القرن الرابع عشر الميلادي مع قيام دولة المماليك وسياساتها "التسنينية". يوضح الفصل أن هذه السياسة لم تكن فورية بل استغرقت حوالي خمسين عاماً، ويمكن حصر عتبتها التاريخية بين حملة كسروان عام 1305م ضد الجماعات الشيعية، والتي أدت إلى مقتل عدد كبير منهم وإجلائهم، وتصفية المرجعية الشيعية في جبل عامل بإعدام الشيخ شمس الدين بن مكي الجزيني (الشهيد الأول) عام 1384م بتهمة الزندقة. ويشير الفصل إلى أن تطبيق هذه السياسات كان متفاوتاً؛ ففي شمال بلاد الشام، وخاصة المناطق المتاخمة للأناضول، كانت محدودة لأسباب استراتيجية واقتصادية، حيث لم يكن هناك خوف من مخامرة الشيعة للصليبيين كما كان الحال في السواحل الغربية. نتيجة لذلك، تحولت بلدة الفوعة الواقعة غرب حلب إلى مركز شيعي إمامي صلب ومتراص، حيث كانت تطرد المتسننين من أهلها وتستقطب الشيعة من خارجها، مما جعلها جماعة محلية متجانسة طائفياً.

ينتقل الفصل إلى صلب موضوعه، وهو الحركة الأردبيلية الجديدة (القزلباشية)، ويركز على دور الشيخ جنيد الأردبيلي (تولى المشيخة حوالي 1447م) في تحويل الطريقة الصفوية من طريقة دعوية صوفية إلى حركة شيعية غالية ذات طابع جهادي. يشرح الفصل مصطلح "القزلباشية" الذي أطلقه الخصوم على أتباع الشيخ جنيد نسبة إلى تاجهم الأحمر ذي الطيات الاثنتي عشرة، رمز الأئمة الاثني عشر. يبين الفصل كيف أن نفي الشيخ جنيد من أردبيل على يد جهان شاه (القرا قوينلو) دفعه إلى الانتقال إلى شمال بلاد الشام، حيث لجأ أولاً إلى إمارة بني قرمان، ثم إلى عشائر التختجية (الورساق) في منطقة أضنة، وانتهى به المطاف في مدينة حلب. في حلب، وجد الشيخ جنيد بيئة خصبة لحركته، حيث كانت المدينة تعج بالطرق الصوفية العرفانية مثل الأويسية والقلندرية والكيزوانية، والتي كانت ذات طبيعة "هرطقية" من وجهة نظر المؤسسة الفقهية.

يقدم الفصل مثالاً مهماً على استيعاب الشيخ جنيد للحروفية في حلب، الذين تعرضوا لاضطهاد المماليك والعثمانيين. يذكر الفصل أن الحركة الحروفية كان يقودها في حلب عماد الدين نسيمي الذي أعدم في عام 1418م بأمر من السلطان المملوكي المؤيد شيخ المحمودي، بعد أن امتنع معظم فقهاء حلب عن إصدار فتوى بقتله. يوضح الفصل أن هذه الضربة لم تقضِ على الحروفيين، بل استمروا تحت قيادة قاسم النسيمي، الذي قتل لاحقاً في كمين دبره له أحد علماء حلب بناءً على أوامر السلطان جقمق في عام 1442م. بعد هذه الضربة الثانية، يرى الفصل أن الحروفيين اندمجوا في عشائر الورساق البكتاشية والتحقوا بحركة الشيخ جنيد، مما رسخ التمازج بين الحروفية والبكتاشية والقزلباشية في المنطقة.

يختتم الفصل بعرض كيفية إعادة بناء الشيخ جنيد لمراكز الدعوة الصفوية في المناطق التركمانية شمال وشمال غرب حلب، وتحديداً في منطقتي أعزاز وكلس وجبل موسى. يبين الفصل أن نجاح الشيخ جنيد كان بسبب قدرته على الدمج بين مفهومي "الغازي" و"الدراويش" في إطار الجهاد، وهو المفهوم الذي كان سائداً في إمارات الحدود التركمانية. يشير الفصل إلى أن ابن العجمي، وهو مؤرخ حلبي معاصر، كان المصدر الأساسي لهذه المعلومات التي اعتمد عليها لاحقاً مؤرخون آخرون مثل ابن الحنبلي وراغب الطباخ. يقر الفصل بأن هذه المعلومات مستقاة من مصادر تاريخية متناثرة، خاصة تاريخ ابن الحنبلي (در الحبب)، الذي يقدم تفاصيل دالة عن الحياة اليومية في حلب، ويفتح فصلاً عن الوجود الكردي اليزيدي في المنطقة والذي سيشكل أساساً لرواية لاحقة لآل جنبلاط.

رغم غنى الفصل واتساعه، إلا أنه يثير نقاطاً قابلة للنقاش. منها التركيز الكبير على الدور المحوري لشمال بلاد الشام في تشكل الحركة القزلباشية، وهو ما قد يقلل من أهمية عوامل أخرى مثل التطورات السياسية في إيران نفسها أو دور القبائل التركمانية الأخرى. كما أن الاعتماد بشكل أساسي على مصادر تاريخية محددة مثل تاريخ ابن الحنبلي، رغم أهميته، قد يشكل تحيزاً في التفسير، خاصة وأن الفصل نفسه يقر بأن هذه المصادر متناثرة وتحتاج إلى إعادة بناء. أخيراً، النظرة الحتمية للتحول من "الشيعية الغالية" إلى "القزلباشية" قد لا تتيح مساحة كافية لاستعراض التنوع والتعددية المذهبية داخل المنطقة قبل هذا التطور.

2.الفصل الثاني: اندلاع الحرب العثمانية - الصفوية وتطييفها سنياً - شيعياً وآثارها الأساسية في الشيعية في شمال بلاد الشام101–140▼ résumé

ملخص الفصل الثاني

يدور الفصل حول اندلاع الحرب بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، وكيف تحول هذا الصراع السياسي والعسكري إلى صراع طائفي بين السنة والشيعة، مع التركيز على آثاره العميقة على المجتمع الشيعي في شمال بلاد الشام، وخاصة في مدينة حلب. يقدم المؤلف الإجابة على سؤال محوري: كيف أثرت هذه الحرب في إعادة تشكيل الخريطة المذهبية والاجتماعية في المنطقة، وكيف تعامل السلطان سليم الأول مع الجماعات الشيعية بعد سيطرته عليها؟

يبدأ الفصل بوصف الإجراءات الأولى التي اتخذها السلطان سليم الأول (حكم 1512-1520م) بعد توليه الحكم، والتي سبقت المواجهة العسكرية المباشرة مع الشاه إسماعيل الصفوي. كان أبرز هذه الإجراءات فرض حصار تجاري شامل على طريق الحرير، بهدف خنق الاقتصاد الصفوي الذي كان يعتمد بشكل كبير على تجارة الحرير. لم يقتصر الهدف من هذا الحصار على إضعاف الصفويين فحسب، بل كان يهدف أيضاً إلى قطع طريق الحرير الذي يمر عبر ديار بكر - وهي مفترق استراتيجي يصل بين تبريز وكل من بورصة العثمانية وحلب - تمهيداً للسيطرة العثمانية المباشرة عليها. يوضح المؤلف أن هذا الحصار أدى إلى نتائج عكسية على الاقتصاد العثماني نفسه، خاصة في مدينة بورصة التي تضررت بشدة، بينما استفادت حلب المملوكية من تحول طريق التجارة إليها عبر أنطاكية، مما عمق الأزمة الاقتصادية للدولة المملوكية وجعلها أكثر عرضة للانهيار.

ثم ينتقل الفصل إلى الحديث عن التبرير الأيديولوجي للحرب، والذي تجسد في فتوى ابن كمال باشا1534م) الشهيرة التي كفرت أتباع الشاه إسماعيل - الذين عُرفوا باسم القزلباش - وأعلنت أن قتلهم هو فرض عين على كل مسلم. استندت هذه الفتوى إلى اتهامهم بسب الصحابة وإنكار خلافة الخلفاء الراشدين. لم تكن هذه الفتوى مجرد إعلان حرب، بل كانت أداة لشرعنة مذبحة واسعة نفذها السلطان سليم في الأناضول ضد القزلباش والعلويين، حيث يُقدر عدد ضحاياها بأربعين ألف شخص، دون استثناء للنساء أو الأطفال أو الشيوخ. يوضح المؤلف أن هذه السياسة الإبادية كانت مختلفة عن سياسة السلطان بايزيد الثاني والد سليم، الذي كان يكتفي بنفي القزلباش إلى المورة.

بعد معركة جالديران (1514م)، انتقل الصراع إلى مرحلة جديدة تمثلت في محاولة تحطيم مراكز النشاط الصفوي في حلب وشمال بلاد الشام. يصف الفصل "حرب النبوءات" التي سبقت الغزو العثماني، حيث تنافست رؤى وأحلام مؤيدي العثمانيين والصفويين. كان أتباع ابن عربي في دمشق، على سبيل المثال، يبشرون بظهور قبره عندما يدخل "سليم" بلاد الشام. في المقابل، كان هناك نبوءات صفوية تنتظر ظهور الشاه إسماعيل كالمهدي المنتظر. يوضح المؤلف أن السلطان سليم استغل هذه الأجواء الإسكاتولوجية لتعزيز شرعيته، فقام بتبجيل ابن عربي وجلال الدين الرومي، وبنى قبة على ضريح الأول، مقدماً نفسه كحامي للتصوف السني في مواجهة "بدع" القزلباش.

يتناول الفصل بالتفصيل دور "الرسل" أو الجواسيس الذين أرسلهم السلطان سليم إلى حلب لتقييم الوضع وحصر أعداد الشيعة وكسب الفقهاء إلى جانبه. يبرز المؤلف شخصية ابن عوض (أو ابن حمزة) كنموذج لهؤلاء الرسل، حيث كان تاجراً متجولاً تحول إلى واعظ متطرف يحرض ضد "الروافض" الأردبيليين في المدينة، مما أدى إلى احتكاكه بهم وصولاً إلى مقتله على يد أحد المصلين، قبل أن ينتقم له السلطان سليم لاحقاً. هذا النشاط، إلى جانب الفوضى والانهيار الاقتصادي والأمني في حلب تحت الحكم المملوكي، جعل سكانها يميلون إلى العثمانيين، مما سهل سقوط المدينة بعد معركة مرج دابق (1516م).

تتطرق الفقرات اللاحقة إلى التحولات السياسية التي رافقت التوسع العثماني، مثل تحول ولاء إدريس البدليسي - الفقيه الكردي الشافعي - من الصفوية إلى العثمانية، مما ساعد في السيطرة على مناطق الجزيرة الفراتية وطرد الصفويين منها. كما يصف الفصل السيطرة على إمارة ذو القدرية (دلغادر) المملوكية، التي كانت منقسمة بين ولاءات للعثمانيين وأخرى للمماليك والصفويين، مما أدى إلى صراع دامٍ انتهى بضم أراضيها بالكامل للدولة العثمانية بعد مقتل أميرها علي دولات.

أخيراً، يقدم الفصل تحليلاً نقدياً لسياسة السلطان سليم تجاه الشيعة بعد سيطرته المباشرة على حلب وشمال بلاد الشام. يدحض المؤلف بشكل قاطع ما يسميه "أسطورة مذابح الطويل" التي تزعم أن السلطان سليم أجرى مذبحة راح ضحيتها نحو تسعة آلاف وأربعمئة علوي في حلب، مشيراً إلى أن هذه الرواية تستند إلى كتاب محمد غالب الطويل "تاريخ العلويين" وتحتوي على مغالطات تاريخية، أهمها أن الفتوى التي تستند إليها صدرت في زمن السلطان مراد الرابع (القرن 17) وليس في زمن سليم الأول. ويؤكد المؤلف أن ما فعله السلطان سليم في حلب هو منحها "أماناً" شمل الجميع بمن فيهم الشيعة، ثم قام بعد ثلاث سنوات بنفي عدد من تجار "الأعاجم" وأعيان المدينة المتهمين بالتشيع، لكنه لم يرتكب أية مجزرة. مقابل ذلك، كرّس سياسة ضريبية مملوكية سابقة تمثلت في فرض "ضريبة القرش" على العلويين، بينما عامل الإسماعيليين - وهم أقل غلواً في نظر الفقهاء - بمرونة أكبر وأبقى لهم امتيازاتهم. كما عقد تحالفاً مع اليزيديين بقيادة زعيمهم عز الدين، وقام بإعدام خصمهم ابن عربو. يخلص المؤلف إلى أن السلطان سليم تعامل مع شيعة بلاد الشام كإمبراطور يسعى إلى استيعابهم في مقابل الطاعة ودفع الضرائب، وليس كأيديولوجي متعصب، بينما ظلت صورته الدموية محصورة في ذاكرة شيعة الأناضول فقط.

في النهاية، يمكن القول إن الفصل يقدم قراءة معقدة ومتشعبة، تنتقل من التحليل الاقتصادي للحصار إلى التبرير الفقهي للمذابح، ثم إلى التفاصيل الدقيقة للحملات العسكرية والتحالفات السياسية، وصولاً إلى التفكيك النقدي للروايات التاريخية المتأخرة. يتميز المنهج بصرامته في التمييز بين الوقائع الموثقة والأساطير الشعبية، وإن كان القارئ قد يشعر أحياناً بثقل التفاصيل الكثيرة وكثرة الأسماء والأحداث، مما يجعل الفصل غنياً بالمعلومات لكنه يتطلب تركيزاً عالياً لمتابعة خيوطه المتشابكة.

3.الفصل الثالث: عصيان البدالسة و«ذو القدرية» (الدلغادرية) المتكرر وتجدد اندلاع القزلباشية141–198▼ résumé

الفصل الثالث من كتاب محمد جمال باروت، وعنوانه «عصيان البدالسة و«ذو القدرية» (الدلغادرية) المتكرر وتجدد اندلاع القزلباشية»، يتناول التحولات الكبرى في سياسة الدولة العثمانية تجاه الطوائف الشيعية والحركات القزلباشية في شمال بلاد الشام، مع التركيز على عهد السلطان سليمان القانوني (حكم 1520-1566م). المحور الأساسي للفصل هو أن السياسة العثمانية المنظومية ضد الشيعة لم تبدأ مع السلطان سليم الأول، بل مع ابنه سليمان القانوني، الذي أسس لنظام مؤسسي للمراقبة الاجتماعية والضبط والعقاب، محاولاً إخضاع التنوع المذهبي لقانون شرعي مركزي حنفي. هذه السياسة كانت رد فعل مباشر على تجدد التهديدات الصفوية بعد وفاة سليم، والتي تجلت في حركات تمرد داخلية ودعم صفوي للأمراء المتمردين.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر سلسلة من الأحداث المترابطة. يبدأ بذكر تحديات داخلية واجهها القانوني في عقد العشرينيات من القرن السادس عشر، مثل تمرد والي مصر أحمد باشا (عام 1524م) الذي اتهم بالعمل لحساب الشاه طهماسب، وتمرد الدروز في جبل الشوف الذي شرع بفتوى تكفيرية من اثني عشر فقيهاً في دمشق عام 1523م، أباحت دماءهم وأموالهم. ثم ينتقل إلى أخطر الحركات: تحول ولاء أمراء البدالسة الأكراد و«ذو القدرية» (الدلغادرية) إلى الصفويين. ويشير إلى أن إعدام علي بيك ابن شاه سوار بيك ذو القدرية بتهمة مكاتبة الشاه إسماعيل سراً في الفترة 1521-1522م، أشعل تمرداً في منطقة مرعش استمر حتى 1529م. كما يركز على تحول ولاء الأمير الكردي شرف خان البدليسي إلى الصفويين عام 1530م، بدعم عسكري صفوي مباشر، مما أدى إلى سيطرة المتمردين على ديار بكر، وهزيمة القوات العثمانية، وتغيير الإدارة العثمانية للألوية الكردية من نظام الحكم الذاتي إلى الخضوع المباشر.

يوضح الفصل كيف ترافقت هذه التمردات مع اندلاع حركات قزلباشية عقائدية في شمال بلاد الشام والأناضول، مثل حركة بابااذي النون (عام 1526م) وحركة قلندر جلبي (عام 1527م) التي شارك فيها ثلاثون ألف رجل واتخذت من قونية ومرعش مسرحاً لها. ثم ينتقل الفصل إلى تحليل أعمق للسياسة العثمانية تجاه الشافعية في حلب، الذين كان الشيعة يتسترون بمذهبهم (التقية). ويشرح كيف فرض العثمانيون المذهب الحنفي كرسمي، وحصروا القضاء بـ«الموالي الرومية» الأحناف، مما أدى إلى تهميش الشوافع وعزلهم من مناصبهم. قمة هذه السياسة كانت «قضية قرا قاضي» عام 1528م، حيث قام قاض حنفي يدعى علاء الدين الرومي بمنع الشوافع من توريث ذوي الأرحام، مما أثار غضب العامة الذين هاجموه وقتلوه. هذا الحادث كشف عن التوتر العميق بين المذهبين، وعن محاولة العثمانيين استخدام القضاء المالي للسيطرة على الطائفة الشيعية المستترة.

مع اندلاع الحرب العثمانية-الصفوية (1533-1555م)، وصلت حملة التضييق على الشيعة إلى ذروتها. أصدر شيخ الإسلام أبو السعود أفندي فتوى بإباحة قتل «الروافض»، والجمع بين القولين في قبول توبتهم أو رفضها، مما أضفى شرعية دينية على الاضطهاد. الفصل يذكر أن القانوني نفسه أبدى احتراماً لمقامات أئمة الشيعة في النجف وكربلاء والكاظمية عند فتحه بغداد عام 1534م، لكنه في نفس الوقت أمر بإعدام الأسرى الصفويين. هذا التناقض يظهر أن السياسة كانت محكومة باعتبارات سياسية وعسكرية. تفشت في هذه الفترة تهمة «الرفض» كسلاح في الصراعات بين الفقهاء، وتمت ملاحقة الطرق الصوفية مثل الطريقة الأويسية التي قالت بظهور المهدي، فاعتقل شيخها أويس القرماني في قلعة حلب عام 1544م. كما قام إسكندر بيك، دفتردار حلب وديار بكر، بحملات قمع دموية ضد الشيعة، حيث كان يقتلهم ويرسل رؤوسهم إلى السلطان.

فصّل الكاتب في انقسام العائلات الشيعية الحلبية بين المتسنّنين والمتمسكين بالتشيع. ففي الوقت الذي حافظ فيه تجار شيعة أقوياء مثل بهاء الدين بن علي بن حمزة ونور الصابوني على ثروتهم ونفوذهم تحت ستار التقية، كانوا هدفاً لهجاء الفقهاء وتحريض الشعبويين مثل غادر القنواتي (عام 1546م). وبلغ الانقسام حده أن يدعو ابن أحد الشيعة المتسنّنين الله ألا يحشره مع أبيه بسبب تشيعه. ويعتبر الفصل أن هذه الانقسامات تعكس نجاح سياسة الضغط العثماني في خلق توترات داخلية داخل الطائفة الشيعية نفسها.

في سياق هذا الحرب، حدث تحول جذري في موقف العثمانيين من اليزيديين الذين كانوا حلفاء لهم سابقاً. فبعد أن أعدم السلطان سليم شيخهم اليزيدي، وعين جنبلاط ابن قاسم الكردي في أربعينيات القرن السادس عشر على كلس وأعزاز والمعرة، أصدر شيخ الإسلام أبو السعود فتوى عام 1545م تقضي بإباحة دم اليزيديين ووصفهم بأنهم أشد كفراً من الكفار الأصليين. يرى الكاتب أن هذه الفتوى جاءت لتبرير حملة جنبلاط الانتقامية ضد الشيخ عز الدين اليزيدي وجماعته، متزامنة مع اضطرابات عشائرية أمنية واقتصادية في المنطقة.

أخيراً، يخلص الفصل إلى أن ما أسماه «مأسسة المتغير التابع» (أي العلاقة بين الفقيه والسلطان) هي النتيجة الموضوعية للصراع العثماني-الصفوي. فقد شهدت هذه الفترة تأسيساً لمؤسسة فقهية قوية في كلا الدولتين، العثمانية والصفوية، لمحاربة النزعات العرفانية والغالية والقزلباشية. في الدولة العثمانية، أعيد هيكلة منصب شيخ الإسلام ومنظومة التعليم الشرعي (المدارس) لفرض المذهب الحنفي ومواجهة الحركات «الهرطوقية». أما في الدولة الصفوية، فتم تكريس مكانة فقيه مثل الكركي بوصفه نائباً للإمام. ويؤكد الكاتب على «التماثل البنيوي» بين المؤسستين الفقهيتين في موقفهما المناهض للعلويين والقزلباش، رغم اختلافهما المذهبي، حيث سعت كلتاهما إلى إخضاع الدين ومراسمه لصالح الدولة والمؤسسة السلطانية، في مقابل النزعة الثورية والعرفانية للحركات الشعبية.

4.الفصل الرابع: الحرب العثمانية — الصفوية الطويلة (1603-1639) من حركة ابن جنبلاط في شمال بلاد الشام199–210▼ résumé

الملخص

يُؤرّخ هذا الفصل لمرحلة حاسمة من الصراع العثماني-الصفوي، ويركز على أثرها العميق في أوضاع الشيعة في شمال بلاد الشام، وصولاً إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمذهب. يبدأ الفصل بتحليل فترة "العهد الذهبي" من العلاقات الودية بين الدولتين والممتدة من عهد السلطان سليم الثاني (1574-1566م) والشاه طهماسب، والتي أوقفت التوترات المذهبية مؤقتاً. في هذه الفترة، تمكّن شيعة حلب من التنفس والتسلق إلى مناصب عليا في الدولة، متخفين تحت مذهب الشافعية، مما خفف عنهم وطأة التقيّة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى فترة الشاه إسماعيل الثاني (1576-1577م)، الذي حاول "تسنين" الدولة الصفوية. أصدر مرسوماً بمنع سب الخلفاء الراشدين، وحاول تغيير العملة، واصطدم بالمؤسسة الفقهية الشيعية التي خاصمته. يصف الفصل محاولته هذه بأنها تقريب للتشيع الإمامي مما يسمى "التسنّن الاثني عشري"، وهو مفهوم يشير إلى تشيع معتدل لا يسب الصحابة. لكن هذه السياسة فشلت بسرعة، إذ دس له القزلباش السم، وهرب مؤيده الميرزا مخدوم إلى الدولة العثمانية، حيث أصبح مفتياً في ديار بكر ونشر كتاباته المناهضة للشيعة، مما يظهر استمرار النزاع حتى على المستوى الفردي.

يتناول الفصل بعد ذلك اندلاع الحرب المفتوحة مجدداً بعد وفاة الشاه طهماسب وتدهور الأوضاع في إيران، مستغلاً العثمانيون الاضطراب الداخلي لشن حملة عسكرية (1577م). يقدّم الفصل الحجة الاقتصادية للصراع بقوة، موضحاً أن أزمة الحرير كانت المحرك الأساسي. فبعد هجوم إيراني على قافلة حرير متجهة إلى العثمانيين، توقفت ثلاثة أرباع أنوال بورصة عن العمل، مما دفع السلطنة العثمانية إلى احتلال غنجة وشيروان وتبريز. يُختتم هذا القسم بتوقيع اتفاق اسطنبول الأول (1590م) الذي أقرّ بسيطرة العثمانيين على مناطق الحرير، وألزم إيران بعدم سب الصحابة، مما يؤكد بعداً مذهبياً صريحاً في المعاهدة.

يُفصّل الفصل بعدها في "حركات الجلالية"، التي أصبحت بمثابة "دولة داخل دولة" سيطرت على تسع ولايات في الأناضول، كمقدمة لظهور حركة ابن جنبلاط. يُعزز الفصل الحجة المادية هنا من خلال تفسير أسباب التمرد: التضخم الناجم عن تدفق الفضة "العالم الجديد" الذي تآكلت معه قيمة الرواتب (الآقجه)، مما دفع الجنود والفلاحين وحتى طلاب المدارس الدينية العاطلين عن العمل إلى التمرد. يُظهر الفصل تفاقم الأزمة عندما هزموا الجيش العثماني في 1596م، مما جعل الدولة تفقد السيطرة على تسع ولايات.

في مقابل هذا، يُظهر الفصل نجاح الشاه عباس الأول في استعادة السيطرة على مقاليد الأمور داخل إيران: بأن هزم الأوزبك في خراسان (1595م)، وقمع الحركات النقطوية المتطرفة في نطاقه، وسفك دماء القزلباش المتحكمين بالدولة، وشكّل جيشاً محترفاً موالياً له. كل هذا هيأه لاستغلال فوضى الجلالية في الأناضول وانشغال العثمانيين بهم، ليعلن الحرب ويستعيد تبريز وإيروان بحلول 1607م، ليحوّل الخليج إلى "بحيرة صفوية"، ويقطع بذلك جميع معابر التجارة العثمانية.

يختتم الفصل بمناقشة رد الفعل العثماني: بعد إبرام صلح مع آل هابسبورغ في 1607م، وجّه السلطان قوته لسحق الجلاليين واصفاً إياهم بأنهم "قزلباش" و"هراطقة". لكن الأهم في سياق هذا الكتاب هو إظهار أن هذه الحرب الطويلة لم تقتصر على الأناضول، بل امتدت آثارها إلى شمال بلاد الشام، وتحديداً في حلب وطرابلس وجبل الأكراد، حيث وجد زعيم الجلالية قلندر أوغلو سنداً قوياً في شمال بلاد الشام، وهو جنبلاط أوغلو علي باشا. وهكذا، يُهيئ الفصل القارئ لاندماج حركة ابن جنبلاط في هذه الحرب الكبرى، مما سيغير ملامح التشيع في المنطقة بشكل جذري. يُظهر الفصل أن الحرب العثمانية-الصفوية الطويلة كانت حرباً إمبراطورية كبرى ذات أبعاد اقتصادية وأيديولوجية، وأن حركات التمرد المحلية (الجلالية، ابن جنبلاط) كانت متشابكة معها بشكل وثيق.

ملاحظات ختامية: يعتمد الفصل بشكل كبير على مصادر عثمانية وصفوية أساسية (مثل المؤرخين فريد، أوزتونا، صباغ، إينالجيك) ويستشهد بها كمصادر للأرقام والتواريخ. يُظهر الفصل وعياً مادياً بالصراع عبر التركيز على أزمة الحرير المزدوجة (كسبب للحرب وكهدف للاستعادة) وأزمة التضخم كسبب لحركات الجلالية. ومع ذلك، يبقى الفصل مخلصاً للمنهج التاريخي، ويُبقي على البعد الأيديولوجي (المذهبي) حاضراً دائماً (فتاوى الزندقة، شرط عدم السب في المعاهدة، اتهام الجلاليين بالقزلبشية) دون أن يجعله العامل الوحيد، مما يفتح باباً للنقاش حول وزن العوامل الاقتصادية مقابل الأيديولوجية في التحليل المُقدم.

5.الفصل الخامس: نهاية الصراع على طريق الحرير - إخفاق مشروع التسوية التاريخية الكبرى للصراع السني - الشيعي211–355▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل محاولةً لرصد المراحل الأخيرة من الصراع العثماني - الصفوي، وبيان كيف تحوّل من صراع إمبراطوريتين على طرق التجارة والموارد، وخصوصاً طريق الحرير، إلى نزاع استقر على حدود إقليمية ثابتة، بينما أخفق في تقديم "تسوية تاريخية كبرى" للصراع المذهبي السني - الشيعي، رغم توقيع معاهدات سلام طويلة الأمد. يركّز الفصل على شمال بلاد الشام كمسرح رئيسي لهذه التحولات، وكيف تأثرت الجماعات الشيعية والعلوية (النصيرية) بهذا الصراع، وبالحركات الداخلية المتمردة التي استثمرته.

يسير الفصل عبر عدة مسارات مترابطة. يبدأ بتحليل حركات الجلالية التي اجتاحت الأناضول وشمال بلاد الشام أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر. يرفض المؤلف التفسير المذهبي الأحادي لهذه الحركات، ويؤكد أن خلفياتها كانت اقتصادية - اجتماعية بالأساس، مثل التوتر بين النمو السكاني الكبير وندرة الموارد في هضبة الأناضول، وأزمة الجنود المسرّحين ("السكبان") الذين فقدوا رواتبهم ومصادر عيشهم، وتدهور قيمة العملة العثمانية (الآقجه) وارتفاع التضخم بسبب تدفق الفضة من العالم الجديد. ومع ذلك، يشير المؤلف إلى أن هذه الحركات استعارت، في عملية تعبئة جماهيرية، المثال "المهدوي" الخلاصي المتجذر في التدين الشعبي الشيعي والعلوي، مما منحها شرعية أيديولوجية للتمرد على السلطان العثماني، وجعل السلطات العثمانية تصفها بأنها حركات "قزلباشية" شيعية، على غرار الصفويين، لضربها بوصفها "باغية" و"كافرة" في آن.

ثم ينتقل الفصل إلى حركة ابن جنبلاط (علي باشا جنبلاط) في شمال بلاد الشام، التي توصف بأنها محاولة جادة لبناء إمارة إقليمية مستقلة. يعود المؤلف إلى جذور القوة التي انطلقت منها الحركة، وهي وضع مدينة حلب الاقتصادي المزدهر في مطلع القرن السابع عشر، والتي كانت سوقاً رئيسياً للحرير الإيراني ومركزاً لتجارة التوابل والأقمشة، مما جعلها أغنى مدن الشام. استغل حسين باشا بن جنبلاط ثم ابن أخيه علي باشا جنبلاط هذا الغنى، بالإضافة إلى دعم دوقية توسكانا (بقيادة فرديناند الأول) والبابا، والتحالف مع فخر الدين المعني أمير الشوف، لتكوين جيش كبير ضم فرسان ذو القدرية (الدلغادريين) المتمردين، وأعداداً هائلة من "السكبان" المسرّحين، الذين شكلوا قوام جيشه الذي بلغ نحو أربعين ألف مقاتل. كان طموح ابن جنبلاط يتجاوز التمرد الضريبي إلى بناء "دولة منفصلة" في شمال بلاد الشام، تكون حلب عاصمتها. لكن هذا المشهد جعله خطراً وجودياً على السلطنة العثمانية، لكون حلب نقطة استراتيجية تتحكم في مواصلات الإمبراطورية مع العراق والشام ومصر، وكون حركته مرتبطة بمشروع انفصالي مدعوم أوروبياً. لذلك، أنهى الوزير الأعظم قويجي مراد باشا الحرب الطويلة مع آل هابسبورغ في عام 1607 (اتفاق سيتفاتوروك)، وحشد قواته لإخماد تمرد ابن جنبلاط، فقتله في تشرين الثاني (نوفمبر) 1607، وسيطر على معاقله. ويخلص الفصل إلى أن قمع حركة ابن جنبلاط أدى إلى انحسار الوجود الدرزي الواضح في ولاية حلب، وأرغم الشيعة على "التقية" وكتمان عقائدهم، كما تسبب في هجرة قسم من نصيرية حلب إلى جبل العلويين، حيث شكلوا مجموعة عُرفت بـ "الأعزازية".

يتناول الفصل بعد ذلك تداعيات حرب الخمسة عشر عاماً (بين عامي 1623 و1639) بين العثمانيين والصفويين. وقد تصاعدت الحرب في عهد السلطان مراد الرابع والشاه عباس الأول، الذي احتل بغداد وأعلن طموحه في السيطرة على حلب للتحكم بتجارة الحرير بين المحيط الهندي والبحر المتوسط. في مقابل هذا التوسع الصفوي، برز توسع إقليمي خطير** لفخر الدين المعني** في شمال بلاد الشام خلال عقد 1620، حيث أخضع جبال النصيرية (العلويين) بالقوة. خشي السلطان مراد الرابع من تهديد مزدوج: صفوي في الشرق ومعني في الشام، فقرر القبض على فخر الدين المعني وإعدامه في عام 1635، ليتفرغ لاستعادة بغداد. هنا يبرز عنصر حاسم في الفصل: الفتاوى الشرعية التي استُصدرت لتبرير هذه السياسات. يخصص الفصل مساحة كبيرة لتحليل فتوى مفتي قونية نوح أفندي الحنفي، التي جاءت لتلبي رغبة السلطان في فتوى واضحة تغطي حربه ضد الصفويين. وكانت الفتوى تقضي بأن "ساب الشيخين" (أبي بكر وعمر) "كافر يجب قتله باتفاق الأمة، ولا تُقبل توبته"، وأن من يتوقف في كفرهم فهو كافر مثلهم. بينما كانت فتوى مفتي دمشق عبد الرحمن العمادي أكثر اعتدالاً، إذ تركت باب "التوبة" مفتوحاً.

يقدّم الفصل تحليلاً نقدياً للروايات الشيعية التقليدية حول مذابح حلب وبغداد. ففيما تزعم المصادر الشيعية اللبنانية (مثل روايات عبد الحسين شرف الدين) أن السلطان أباد عشرات الألوف من شيعة حلب بموجب فتوى نوح الحنفي، يشير المؤلف إلى أن هذه الروايات تخالف "المفارقات الزمنية" والأسانيد التاريخية الدقيقة. ويستند في هذا النقد إلى أن المصادر الشيعية الإيرانية الأكثر دقة تذكر أن المذبحة الكبرى وقعت في بغداد لا حلب، حيث يُقدّر عدد ضحاياها بنحو ثمانية عشر ألف شخص، وليس "مئتي ألف" كما ورد في بعض الروايات. ويرى المؤلف أن هذه المرويات حول المذابح في حلب هي نتاج "أيديولوجيا المظلومية الاجتماعية والمذهبية للجماعات الطائفية المتخيلة"، التي تعيد إنتاج الجماعة عبر استعادة تخيلية لتاريخها، بغض النظر عن الدقة الواقعية. وهو ما يثير إشكالية فهم التاريخ بين المنظور الوضعي (الذي يهتم بالحقائق) والمنظور الذي يهتم بدور "المتخيل" في بناء الأحداث التاريخية.

في المقابل، يُظهر الفصل أن نصيري حلب الذين عاشوا تحت التقية لم يتعرضوا لاضطهاد مباشر، بل شاركوا في الجدل اللاهوتي النصيري الحاد الذي تمخض في أربعينيات القرن السابع عشر عن الانقسام المذهبي الكبير بين الكَلازية والحيدرية (وإلى جانبهم الغيبية). وكان هذا الانقسام يدور حول إشكالية العلاقة بين "المعنى" و"الصورة" في معرفة الله، وتحديداً حول كيفية ظهور الله بالصورتين النورانية والبشرية. وقد لعب مقدمو العشائر النصيرية، وفي مقدمتهم آل مخلوف في سنجق جبلة، دوراً في تطويق الكلازيين أو إجلائهم، مما ساهم في ترسيم "الطائفة" النصيرية الفرعية (الحيدرية) بوصفها جماعة هوية مذهبية مستقلة ذات عقائد وشعائر ومؤسسات دينية واضحة.

ينتهي الفصل إلى توقيع معاهدة زهاب (قصر شيرين) في عام 1639، التي تعتبر لحظة محورية في تاريخ الصراع. فهذه المعاهدة لم تكن مجرد هدنة، بل مثّلت تحولاً جوهرياً في مفهوم الصراع نفسه. فقد أنشأت حدوداً ثابتة بين الدولتين، قائمة على مفهوم "السيادة" الإقليمية، وهو مفهوم كان ناشئاً في أوروبا بعد معاهدة وستفاليا (1648). وبذلك، تحول "المتغير الوسيط" (نطاق الدولة والحدود) من مجرد متغير تابع إلى "متغير مستقل جديد" يحكم العلاقة بين الإمبراطوريتين. منذ ذلك الحين، استمر السلام العثماني - الصفوي لأكثر من قرن (حتى عام 1722)، وانحسرت الحملات العثمانية الكبرى على الشيعة في بلاد الشام، وكذلك تراجعت وتيرة الفتاوى الكبرى ضدهم. ومع ذلك، يبين الفصل أن "القانونية" نفسها التي حكمت إصدار الفتاوى عادت للظهور في أواخر القرن السابع عشر، ولكن في سياق مختلف: هو الامتناع عن المشاركة في الحرب العثمانية - الهابسبورغية النمساوية (1699-1683). فعد أن توقف مشروع التسوية التاريخية الكبرى للصراع المذهبي على المستوى الإقليمي بين الدولتين، تحولت آلية الفتوى إلى أداة محلية لتأمين تمويل الحروب والضغط على الملتزمين (مثل آل حمادة الشيعة في طرابلس) لدفع الضرائب. ومع ذلك، يظل نطاق تطبيق هذه الفتاوى محدوداً وظرفياً، ولم يتحول إلى حملة إبادة شاملة.

في التحليل الأخير، يعرض الفصل الصراع العثماني - الصفوي بوصفه صراعاً إمبراطورياً على طرق التجارة والموارد أكثر منه صراعاً دينياً خالصاً. ومع أن "المتغير الأيديولوجي" (وتمثله الفتاوى) ظل حاضراً كآلية شرعنة للسياسات، فإن الفصل يخلص إلى أن استقرار الحدود وبروز مفهوم الدولة الإقليمية حدّا من قدرة هذا المتغير على إنتاج حروب إبادة شاملة، مما جعل فكرة "التسوية التاريخية الكبرى للصراع المذهبي" مشروعاً فاشلاً، تم حلّه عملياً عبر تحولهما إلى دولتين تتساكنان على أساس حدود ثابتة، وتستخدم كل منهما أيديولوجيتها بشكل براغماتي لخدمة مصالحها الاستراتيجية والتجارية.