
الصراع على سوريا 1945-1958
ملخص كتاب "الصراع على سوريا 1945-1958"
يدور هذا الكتاب حول الصراع المحموم على النفوذ في سوريا خلال الفترة الحرجة الممتدة من خروج القوات الفرنسية عام 1945 حتى الوحدة مع مصر عام 1958، ويطرح المؤلف أطروحة مركزية مفادها أن سوريا تحولت إلى ساحة مفتوحة للتنافس بين مشاريع إقليمية متضاربة؛ أبرزها المشروع الهاشمي لتوحيد بلاد الهلال الخصيب بقيادة العراق والأردن، والمشروع المصري-السعودي الرامي للحفاظ على وضع الدول الصغيرة المستقلة ومنع ظهور كيان هاشمي قوي، وسط تداخل المصالح الغربية (بريطانية وفرنسية وأمريكية) وعجز النخبة السياسية السورية عن بناء دولة حديثة، مما فتح الباب أمام التدخلات العسكرية المتكررة.
يسير الكتاب عبر تسلسل زمني وأحداثي يبدأ بتحليل المشروع الهاشمي وأسباب إخفاقه، ثم ينتقل إلى بحث تحول السياسة المصرية نحو تبني القومية العربية كأداة في صراع داخلي بين الملك فاروق وحزب الوفد، قبل أن يركز على سوريا ذاتها، متتبعاً سقوط الوطنيين القدامى وانهيار السلطة المدنية، وانقلاب حسني الزعيم الأول في آذار 1949، ثم الانقلابات المتتالية بقيادة سامي الحناوي وأديب الشيشكلي، وانتهاءً بتحليل فشل الخطط الدفاعية الغربية وصعود التيار القومي العربي إلى ذروته.
يُظهر المؤلف كيف أن المشروع الهاشمي لتوحيد الهلال الخصيب فشل لأسباب مركبة: انقسام الأسرة الهاشمية بين فرعي بغداد وعمان، قطيعة حاسمة بين الهاشميين والحركة القومية العربية الناشئة، معارضة مصر والمملكة العربية السعودية، واستمرار النفوذ الاستعماري الذي وضع قيوداً على أي وحدة تتجاوز مصالحه. ويشرح الكتاب بالتفصيل أن "منهاج الأسرة" الذي وضعه الشريف حسين انهار مع طرد الفرنسيين لـفيصل من دمشق عام 1920، وتحول عبد الله إلى منافس لأخيه الأصغر بدلاً من أن يتحدا. ويعتبر الكتاب عام 1941 مفصلياً بعد فشل ثورة رشيد عالي الكيلاني وقمع بريطانيا لها، حيث يقول إنه "تم الصدع الذي لا يمكن أن يرأب" بين الهاشميين والقوميين. ويورد وصفاً دقيقاً لمشروعي نوري السعيد (الهلال الخصيب) وعبد الله (سوريا الكبرى)، اللذين اصطدما برفض سوري-مصري-سعودي، وبتعثر بريطاني وفرنسي، وبظهور جامعة الدول العربية عام 1945 التي وجهت "ضربة مميتة" للمشاريع الهاشمية المحدودة.
أما في تحليل التحول المصري نحو القومية العربية، فيقدم المؤلف حجة مركزية مفادها أن السبب الرئيسي لم يكن القناعة الأيديولوجية بقدر ما كان "دافع العداء الشخصي بين الملك فاروق ومصطفى النحاس زعيم حزب الوفد". يصف الكتاب كيف أن كلاً من القصر والوفد رأى في القومية العربية وسيلة لدعم موقفه في الصراع المحلي الداخلي، مستشهداً بشهادة عضو الوفد السوري الذي قال: "لقد تابعنا باهتمام ودهشة الصراع بين فاروق والنحاس... كان همهما الوحيد من إنشاء الجامعة هو من أجل وضعهما داخل مصر وليس من أجل العرب". ويوضح أن الضغط البريطاني ساهم في جعل مصر زعيمة للجامعة العربية، لكن التحديات المصرية لاحقاً جعلتها أداة للنفوذ المصري وليست أداة للسيطرة البريطانية.
ينتقل الكتاب إلى سوريا حيث يحلل انهيار "الكتلة الوطنية" التي قادت الحركة الوطنية السورية بعد الاستقلال، واصفاً كيف أن هذه النخبة فشلت في التحول إلى حزب سياسي عصري، وتحولت الخلافات الشخصية إلى انقسامات سياسية بين الحزب الوطني وحزب الشعب. ويقدم تفاصيل عن انتخابات تموز 1947 التي فاز بها الحزب الوطني بـ74 مقعداً بينما حصلت المعارضة على 33 مقعداً مع أكثر من خمسين نائباً مستقلاً، مما جعل المشهد البرلماني فوضويًا كما وصفه النائب حبيب كحالة بأنه "مسرحية تمثيل أدوار". كانت حرب فلسطين في أيار 1948 نقطة التحول الحاسمة، إذ كشفت عن فساد النخبة وعجزها، وأورد المؤلف شهادات عن فضيحة شراء سلاح من إيطاليا لم يصل، مما جعل الضباط الشباب يرون في زعمائهم السياسيين "مهملين إلى حد الإجرام".
يصف الكتاب تفاصيل الانقلاب العسكري الأول بقيادة حسني الزعيم في 30 آذار 1949، ويعتبر أن فضيحة السمن الرديء المقدم للجيش كانت الشرارة المباشرة، إلى جانب هجومات النائب فيصل العسلي العنيفة على الجيش في البرلمان. يقدم المؤلف سيرة نقدية للزعيم واصفاً إياه بأنه مغامر قليل المبادئ هرب بأموال الدولة وحكم عليه بالأشغال الشاقة لخمس سنوات قبل أن يطلقه القوتلي. ومع ذلك، استقبل السوريون الانقلاب بـ "فورة من الفرح والابتهاج" لرؤيتهم فيه ردة فعل على فساد الساسة. ويشرح كيف أن الزعيم، بعد انقلابه، أصبح ساحة تنافس بين محور الهاشميين ومحور مصر والسعودية، وحسم الأمر بزيارة سرية للملك فاروق في حدائق أنشاص في 18 نيسان، حيث استسلم الزعيم وأعلن إعجابه بكل ما هو مصري، فاعترفت مصر والسعودية ولبنان بنظامه.
يتناول الكتاب فترة حكم الزعيم القصيرة (نحو أربعة أشهر ونصف) واصفاً إنجازاته المتناقضة: منح المرأة المتعلمة حق التصويت، حظر ألقاب الباشاوية، بدء إزالة الأوقاف واستبدال الشريعة بقوانين مدنية، لكنه في الوقت نفسه أفسدته السلطة وتحول إلى ديكتاتور يلهث وراء الشرعية والمنصب، فعزل أقرب حلفائه وسجن ميشيل عفلق وزعماء حزب الشعب. وفي تفاصيل استفتائه الرئاسي في حزيران، يذكر أنه نال 5515 صوتاً مقابل 184 صوتاً سلبياً من أصل 1,217,102 ناخب مسجل، مما يظهر هشاشة شرعيته. ويصف الكتاب تحالف الزعيم مع أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي وانتهاء سعادة بإعدامه في بيروت فجر 8 تموز 1949 بعد أن سلمته السلطات السورية إلى لبنان، في صفقة يُعتقد أن رئيس الوزراء اللبناني أو مصر ضغطوا بها على الزعيم بملف اقتصادي.
يتابع الكتاب سلسلة الانقلابات بوصف انقلاب سامي الحناوي في 14 آب 1949 الذي أطاح بالزعيم وأعدم هو ورئيس وزرائه محسن البرازي، ثم انقلاب أديب الشيشكلي وأكرم الحوراني في 19 كانون الأول 1949 الذي وضع حداً لمشروع الوحدة مع العراق. يصف الكتاب كيف أن الشيشكلي والحوراني، صديقي الطفولة من حماه، استغلا خبرتهما في الانقلابات السابقة لتنفيذ انقلابهما الخاص، وحكما من وراء الستار عبر رئيس صوري هو فوزي سلو. ويقدم الكتاب تفصيلاً لسياسات الشيشكلي الداخلية، كـ "مرسوم توزيع أراضي الدولة رقم (5)" في 30 كانون الأول 1951، الذي يصفه المؤلف بأنه "حسن المقصد وإن كان سيء الإعداد"، وقمعه للأحزاب وحله لفرع الإخوان المسلمين في سوريا في منتصف كانون الثاني.
يخصص الكتاب فصلاً هاماً لتحليل فشل خطط الدفاع الغربية في الشرق الأوسط، موضحاً كيف أن الغرب نظر إلى المنطقة من خلال منظار الحرب الباردة متجاهلاً القومية العربية الناشئة. ويورد مثالاً دالاً بتصريح الشيخ مصطفى السباعي في 12 آذار 1950 حيث قال: "نعتزم التوجه إلى المعسكر الشرقي إذا لم ينصفنا الديمقراطيون... إننا سنتزوج بروسيا ولو كانت الشيطان نفسه". كما يصف كيف أن زيارات المسؤولين الغربيين قوبلت بمظاهرات واحتجاجات، ووضعت متفجرات في القنصلية البريطانية في حلب وفجرت قنبلة في المفوضية الأمريكية في دمشق، مؤكداً أن هذه المظاهرات لم تكن شيوعية بل قادها وطنيون مثل الحوراني وعفلق والبيطار.
يشرح الكتاب سقوط الشيشكلي في شباط 1954 بعد أن فقد دعم قاعدته الأساسية، ويقدم تفاصيل عن تحالف سري تشكل في حمص في 4 تموز 1953 بين حزب الشعب والبعث والشيوعيين والمستقلين لإسقاطه. يصف كيف أن الشيشكلي استخدم الأسلحة الثقيلة ضد الأهالي في السويداء في الأسبوع الأخير من كانون الثاني 1954، وكيف اعتقل 24 من القادة السياسيين منهم صبري العسلي ورشدي الكيخيا والحوراني وعفلق والبيطار وحسن الأطرش، وكيف فرض الإقامة الجبرية على هاشم الأتاسي. ثم يصف تفاصيل الانقلاب في 16 شباط بقيادة النقيب مصطفى حمدون من حامية حلب، وانضمام المقدم فيصل الأتاسي والعقيد أمين أبو عساف والمقدم عبد الجواد رسلان وآخرين، وانتهاءً بمغادرة الشيشكلي دمشق في الساعة العاشرة مساءً من يوم الانقلاب.
يقر المؤلف بحدود وتحفظات مهمة في تحليله، فهو يعترف بأن الفكرة العربية كانت "غامضة" في البداية وأن القلة فقط من المصريين فهموا القضية العربية ببعدها القومي. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مدى الدور الأجنبي في الانقلابات، خاصة موقف بريطانيا الغامض من الوحدة مع العراق ودعمها الظاهري ثم تثبيطها الخفي. ويقر بأن حكم الشيشكلي الطويل نسبياً (من كانون الأول 1951 إلى شباط 1954) لم يكن لكفاءته بل للازدهار الزراعي الكبير الذي تضاعف فيه إنتاج القمح وارتفع إنتاج القطن إلى عشرة أمثاله، وهو ما يعود لمبادرات التجار لا سياسات الحكومة.
من الحجج القابلة للنقاش بوضوح في الكتاب، التركيز القوي على أن القومية العربية كانت أداة في الصراع المحلي على السلطة في مصر (صراع فاروق والنحاس) أكثر من كونها حركة إيديولوجية شعبية جياشة، وهي نظرة قد يختلف معها باحثون يرون أن للحركة القومية ديناميكية ذاتية وقاعدة شعبية أعمق. كما أن التركيز على دور المؤامرات الخارجية كعامل رئيسي في إفشال الوحدة مع العراق قد يُقلل من شأن العوامل الداخلية والخلافات السياسية السورية العميقة، رغم أن الكتاب يذكرها أيضاً. وتظل قصة الفساد في النخبة السياسية القديمة مقابل "نقاء" الضباط الجدد مفتوحة للنقاش، خاصة مع السيرة الذاتية للزعيم وحسني الزعيم كشخصيات فاسدة. الكتاب يقدم رؤية متشائمة عن هشاشة النظام الدستوري في سوريا وعن صعوبة بناء دولة حديثة في ظل تداخل المصالح الإقليمية والدولية والصراعات الداخلية.
Chapitres(20)
1.الهاشميون والهلال الخصيب19–32▼ résumé
يُحلّل هذا الفصل الأسباب التي حالت دون تحقيق المشروع الهاشمي لتوحيد بلاد الهلال الخصيب (سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن، العراق) في دولة عربية واحدة تحت قيادة الأسرة الهاشمية. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن فشل هذا المشروع يعود إلى مزيج من العوامل: انقسام الأسرة الهاشمية نفسها بين فرعي بغداد وعمان؛ وقطيعة تدريجية وحاسمة بين الهاشميين والحركة القومية العربية الناشئة؛ ومعارضة القوى الإقليمية كـمصر والمملكة العربية السعودية؛ وأخيراً استمرار النفوذ الاستعماري القديم (بريطانيا وفرنسا) الذي وضع قيوداً صارمة على أي وحدة تتجاوز مصالحه.
يسير الفصل عبر تسلسل تاريخي يبدأ من الشريف حسين في مكة، الذي وضع "منهاجاً للأسرة" قُسّمت بموجبه الممالك: علي للحجاز، عبد الله للعراق، وفيصل لسوريا. لكن هذا المنهاج انهار مع طرد الفرنسيين لـفيصل من دمشق عام 1920 بعد أشهر من تتويجه ملكاً. هنا يُظهر المؤلف مفارقة مركزية: بدلاً من أن يتحد الهاشميون، تحول عبد الله إلى منافس لأخيه الأصغر. فبينما ذهب فيصل بدهاء إلى مؤتمر باريس ونجح في أن يصبح ملكاً على العراق (تشرين الأول 1921) - وهو المنصب الذي كان مقرراً لـعبد الله - تحرك الأخير لتعويض خسارته، فزحف من الحجاز إلى شرقي الأردن وأقام إدارته في عمان (آذار 1921). وافقت بريطانيا على ذلك بشرطين: اعترافه بالانتداب وتخليه عن الزحف لتحرير سوريا. وقد قبل عبد الله بعد أن كُشف له أن نص "الوطن القومي اليهودي" في الانتداب لا ينطبق على المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن.
يشرح الفصل أن هذا الإخفاق في تنفيذ منهاج الأسرة أنتج تيارين قويين من المطامع: الأول تمثله وصية فيصل لأبنائه؛ فقد حمل معه من دمشق مركز القيادة القومية، فصارت بغداد بين عامي 1921-1941 البلاد المرجوة لقيادة العرب. أما الثاني فتمثله دعوة عبد الله إلى "سوريا الكبرى" التي رأى فيها تعويضاً عن عرش سوريا الذي فقده أخوه. وهكذا، ورغم تشابه أهداف الطرفين ظاهرياً، فإن التنافس بينهما أضعف القضية الهاشمية بأكملها.
يتوقف الفصل ملياً عند عام 1941 بصفته عام تحول مفصلي، حين فشل مشروعا نوري السعيد (للهلال الخصيب) وعبد الله (لسورية الكبرى) قبل أن يكتملا. السبب الجوهري هو فقدان الأسرة نفوذها في الحركة القومية العربية، ويمكن تأريخ هذه القطيعة بعد إعادة الاحتلال البريطاني للعراق إثر انقلاب رشيد عالي الكيلاني في نيسان 1941. يصف الفصل هذا الانقلاب مفصلاً: كان رشيد عالي، وفقاً للمؤلف، رجلاً وطنياً قبل كل شيء، دفعته قضية فلسطين، لا الميول النازية. قاد حركته التي دعمها السوريون وأثارت آمالاً عارمة في دمشق - حيث جمع أكرم الحوراني ضباطاً شباباً، وبرز حزب البعث بتأسيسه "لجان طلابية لنصرة العراق"، ورأى ميشيل عفلق فيها فرصة لتثبيت مبدأ الوحدة العربية وأهميته الحاسمة - لكن سحق بريطانيا للثورة دمر مستقبل العلاقة بين الهاشميين والقوميين. هرب الوصي عبد الإله متخفياً وخطط للمقاومة، وعاد ببنادق بريطانية وأردنية. وعندما أعدم عدد من كبار الضباط المشاركين في الثورة، يقول الفصل: "تم الصدع الذي لا يمكن أن يرأب".
ينتقل الفصل بعدها إلى تفصيل المشروعين المتنافسين. أما مشروع نوري السعيد فقد قدم "مذكرة حول القضية العربية" في أوائل 1943 إلى وزير الدولة البريطاني ريتشارد كيس في القاهرة. تضمنت مرحلتين: الأولى توحيد سوريا ولبنان وفلسطين والأردن في دولة واحدة (يحدد شعبها نظامها مع ضمانات للأقليات). الثانية ربط هذه "سوريا الكبرى" بالعراق في جامعة عربية يرأسها مجلس يضم الحكام ويتولى الدفاع والخارجية وحماية الأقليات. في المقابل، ركز مشروع عبد الله على إعادة توحيد "الأقاليم الأربعة" تحت قيادته، مع منح اليهود استقلالاً ذاتياً إدارياً، وخطة عملية تبدأ بدمج سوريا والأردن فوراً كنواة لاتحاد على النموذج السويسري أو الأمريكي.
أما موقف بريطانيا، كما يبينه الفصل، فكان حذراً ومماطلاً. طلبت من عبد الله تأجيل الأمر لما بعد الحرب، خوفاً من الفوضى وإثارة حساسية الفرنسيين. وحتى عندما نال الأردن استقلاله الكامل عن بريطانيا في آذار 1946، وأعلن عبد الله "سوريا الكبرى" مبدأً رسمياً في تشرين الثاني من نفس السنة، فإن تصريحاته الحماسية - كقوله للأهرام إن "ليس هناك سورية صغرى أو كبرى بل بلد واحد" - لم تلقَ سوى العداء من القاهرة والرياض وبيروت ودمشق التي شجبت المشروع واعتبرته تهديداً لاستقلالها الجمهوري.
يحلل الفصل أيضاً محاولات عبد الله لتحقيق اتحاد مع العراق بين 1945 و1948 عن طريق مبادلات تجعل أحد الهاشميين على عرش دولة موحدة. لكن كل المشاريع (مثل أن يحكم عبد الله العراق مدى الحياة على أن يرثه فيصل الثاني) ولدت ميتة، لمعارضة سوريا ولبنان (اللتان رأيتاها خطوة نحو سورية الكبرى)، والسعودية (التي تعارض أي توسع هاشمي)، والقوميين العرب (الذين يرتابون في علاقات عبد الله ببريطانيا)، وحتى بعض السياسيين العراقيين. لم تشجع بريطانيا هذا الاتحاد أيضاً، رغبةً منها في الحفاظ على موقعها القوي في الأردن بعيداً عن الاضطرابات العراقية. ويسأل السوريون بسخرية: لماذا لا تتحد عمان وبغداد أولاً قبل أن تزعجونا؟ كل ما تحقق كان معاهدة إخاء "مائعة" مع العراق عام 1947.
يختم الفصل بعرض الأسباب الكلية لهذا الإخفاق التام للآمال الهاشمية في سوريا: 1) الانشقاق بين فرعي الأسرة نفسهما. 2) القطيعة بين الهاشميين والقوميين العرب التي بدأت بعد أحداث 1941. 3) ظهور نموذج منافس للعلاقات العربية هو جامعة الدول العربية عام 1945 التي سيطر عليها المصريون. 4) عوائق أخرى: النفوذ الفرنسي المستمر في سوريا، معارضة السعودية، ولدى الوطنيين السوريين تمسك متزايد بالمؤسسات الجمهورية ودمشق كعاصمة ميزتهم عن الممالك المجاورة في بغداد وعمان. انتهى الفصل بالإشارة إلى أن عبد الله ظل مهتماً بسوريا حتى اغتياله عام 1951، فيما ظلت التدخلات العراقية سمة للسياسة السورية حتى الوحدة مع مصر عام 1958. كما ذُكر في فقرة مقتضبة أن مصر كانت متأخرة عن حركة القومية العربية الآسيوية، لانشغالها بالاستقلال عن بريطانيا وصياغة هويتها القومية الخاصة.
ملاحظة حول نقاشية بعض الحجج: يبني الفصل حجته حول أن القطيعة بين الهاشميين والقوميين كانت حتمية، ويركز على تبعية الهاشميين لبريطانيا كسبب رئيسي. لكنه لا يناقش بالتفصيل إن كانت للحركة القومية الناشئة بدائل استراتيجية أخرى، أو ما إذا كان فشل الهاشميين يعود أكثر إلى ضعف خططهم التنظيمية الداخلية مقارنةً بالظروف الإقليمية والدولية القاهرة. هذه النقاط تبقى مفتوحة لتفسيرات قارئ آخر بناءً على معطيات الفصل نفسه.
2.مصر والوحدة العربية33–42▼ résumé
ما الموضوع المحوري لهذا الفصل وما الإجابة التي يقدمها المؤلف؟
يتناول هذا الفصل من كتاب "الصراع على سوريا 1945-1958" عملية التحول التدريجي في السياسة المصرية من الانشغال بالقضايا المحلية والإسلامية إلى تبني القومية العربية كسياسة رسمية، وانتهاءً بتوليها زعامة جامعة الدول العربية. يُظهر المؤلف أن هذا التحول لم يكن نتيجة قناعة أيديولوجية راسخة بقدر ما كان نتاج تفاعل معقد بين عوامل داخلية وخارجية. فمن ناحية، كان هناك ضغط شعبي وديني ودعائي متصاعد، خاصةً بسبب القضية الفلسطينية، دفع السياسيين المصريين نحو التوجه العربي. ومن ناحية أخرى، لعب الصراع على السلطة بين القصر الملكي وحزب الوفد دوراً حاسماً في تسريع تبني القومية العربية وتحويلها إلى أداة في النزاع المحلي، مما جعل مصر تقود حركة الوحدة العربية بدوافع براغماتية أكثر منها إيمانية عميقة.
كيف يسير الفصل خطوة بخطوة؟ ما الحجج والأمثلة والأدلة؟
يبدأ الفصل برسم خريطة التوجهات الفكرية في مصر قبل الحرب العالمية الثانية، حيث لم يكن التوجه نحو العالم العربي هو الخيار الوحيد أو الأهم. يذكر المؤلف وجود عدة مدارس فكرية: مدرسة ترى أن مستقبل مصر في الغرب، وأخرى تنادي باتحاد دول وادي النيل الممتد إلى الحبشة وأوغندا، ومدرسة تريد لمصر أن تكون حلقة وصل بين الشرق والغرب. لكنه يركز على التيار الأكثر تأثيراً، وهو الدعاة إلى الوحدة الإسلامية، الذين تراوحوا بين من يدعو لاستعادة الخلافة الإسلامية ومن يؤمن بتضامن المسلمين. ويوضح المؤلف أن الإسلام كان إطاراً أساسياً للهوية المصرية، وأن مقاومة الغرب كانت تُصاغ بخطاب ديني، مستشهداً باحتلال المصريين لقصف الفرنسيين لدمشق عام 1925 وقمع الإيطاليين لثورة برقة عام 1930 كأمثلة على التضامن الإسلامي.
ثم ينتقل الفصل إلى تبيان كيف كانت فلسطين العامل الحاسم في تحويل الاهتمام المصري نحو قضايا عربية أوسع. فمنذ أحداث 1929 وحتى 1936، تزايد الاضطراب في فلسطين، مما أثار الرأي العام المصري وأدى إلى صعود المنظمات السياسية الإسلامية. يذكر المؤلف ثلاث منظمات رئيسية جندت الرأي العام لصالح فلسطين: جماعة الإخوان المسلمين بزعامة حسن البنا، والتي كانت الأكثر نشاطاً وبروليتارية، وجمعية الشبان المسلمين، وحزب مصر الفتاة. يصف المؤلف هذه الجماعات بأنها كانت تجاهر بدفاعها عن تغيير ثوري في مصر، وأن خطابها كان يربط بين المشاكل المحلية (كالبطالة والفقر) وبين ضرورة طرد الكافر الأجنبي. ويشير إلى أنه عندما اغتيل حسن البنا عام 1949، كانت حركته قد أصبحت أقوى قوة ضاغطة في الشرق الأدنى العربي، يتجاوز عدد أعضائها نصف المليون.
ويوضح الفصل أن هذا التيار الشعبي لم يترجم فوراً إلى سياسة حكومية واضحة. فقبل الحرب العالمية الثانية، كان هناك شعور عام بـ"الأخوة العربية" ودعم معنوي للقضايا العربية، مثل إرسال المعلمين والمهندسين وفتح مكاتب تجارية ومراكز ثقافية في الأقطار العربية. لكن فكرة أي شكل من أشكال الاتحاد السياسي لم تكن قد نضجت بعد. ويؤكد المؤلف أن القاهرة كانت المركز الثقافي الأول في العالم العربي وملجأ المنفيين، لكن هذا الاهتمام كان "ذا جانب واحد"؛ فمصر لم تقم بأي اختيار واعٍ لصالح الوحدة العربية، بل كان ما عندها شعوراً أخوياً فقط. ويقول إن القلة التي فهمت القضية العربية ببعدها القومي هم أولئك الذين سافروا خارج وادي النيل أو خالطوا القادة العرب المنفيين. ويشير إلى أن جذور السياسة العربية المصرية تعود إلى رجال مثل علي ماهر وعبد الرحمن عزام، اللذين عملا في أواخر الثلاثينيات على بلورة سياسة مصرية تجاه فلسطين، وشاركا في مؤتمر لندن عام 1939، حيث بدا لأول مرة أن زعامة مصر للعرب قد قبلت بها بريطانيا والعرب أنفسهم.
يصف الفصل بعد ذلك كيف غيرت الحرب العالمية الثانية من طبيعة هذا التوجه. فالحرب حاصرت الجماعات الإسلامية المتطرفة؛ فقد قمع حزب مصر الفتاة، وسجن حسن البنا وعذب، وفقدت جمعية الشبان المسلمين فعاليتها، وانتقل الدفاع عن القضية إلى أيدي سياسيين أكثر اعتدالاً فضلوا التقارب التدريجي مع الدول العربية. وفي نفس الوقت، أمدت الحرب الحركة القومية بالدعم الحاسم، وساعدت في تحويل التفكير المصري حول القضية من إطار إسلامي شامل إلى إطار دنيوي واقعي يركز على الروابط بالعالم العربي. كما أن تصريحات أنطوني إيدن في عامي 1941 و1942 بتعهده بدعم بريطانيا للوحدة العربية، والتي اعتبرها المؤلف اعترافاً صريحاً بالقوة الصاعدة لهذا التيار، ساهمت في دفع هذا التوجه. ويشير الفصل إلى أن إنشاء منظمات الحلفاء في القاهرة، مثل مركز تموين الشرق الأوسط، رآها البعض نواة للتعاون العربي، مما جعل القاهرة عاصمة عربية أكثر من أي وقت مضى.
في القسم الأكثر أهمية، يحلل الفصل الدوافع الحقيقية وراء تبني مصر الرسمي للقومية العربية عام 1944. يقدم المؤلف حجة مركزية مفادها أن السبب الرئيسي لم يكن القناعة العميقة بقدر ما كان "دافع العداء الشخصي بين الملك فاروق ومصطفى النحاس زعيم حزب الوفد". يصف الفصل تاريخ هذا الصراع الذي يعود إلى معاملة النحاس الفظة لفاروق الشاب، وبلغ ذروته في حادثة فبراير 1942 الشهيرة حيث أحاطت الدبابات البريطانية بقصر عابدين وأجبرت فاروق على تعيين النحاس رئيساً للوزراء. ويوضح المؤلف أن كلاً من القصر والوفد رأى في قضية القومية العربية وسيلة لدعم مركزه في هذا الصراع المحلي. فالنحاس رأى أن التأييد المطلق للقضية العربية يمكن أن يعزز موقفه ضد أعداء فاروق، بينما فاروق بعد أن طرد النحاس مباشرة في اليوم التالي لتوقيع بروتوكول الإسكندرية، شرع هو نفسه في العمل بديلاً عنه سعياً للقب زعامة العرب. ويورد المؤلف شهادة أحد أعضاء الوفد السوري للمباحثات التي قال فيها: "لقد تابعنا باهتمام ودهشة الصراع بين فاروق والنحاس... كان همهما الوحيد من إنشاء الجامعة هو من أجل وضعهما داخل مصر وليس من أجل العرب... لكنا كنا سعداء بأي حال".
يختتم الفصل بمناقشة نتائج إنشاء جامعة الدول العربية في مارس 1945. من ناحية، تم اختيار مصر لتكون زعيماً للمنظمة، وهو ما يعود بحسب المؤلف إلى الضغط البريطاني الذي فضل وجود مصر في أي منظمة إقليمية لضمان سهولة القيادة. لكن النتيجة كانت أن التحديات المصرية العنيفة في العقد التالي (بين 1948 و1958) جعلت الجامعة العربية أداة للنفوذ المصري وليس أداة للسيطرة البريطانية. ومن ناحية أخرى، يرى المؤلف أن النتيجة الرئيسية لقيام الجامعة كانت توجيه "ضربة مميتة" لمشاريع الاتحاد المحدودة مثل سوريا الكبرى (مشروع الملك عبد الله) والهلال الخصيب (مشروع نوري السعيد). ذلك أن ميثاق الجامعة حال دون أي محاولة للاندماج بين سوريا والعراق أو الأردن. ويخلص الفصل إلى أن السياسة العربية المصرية كانت تقوم على مبدأ أساسي: الحفاظ على الوضع القائم في المشرق العربي كدول صغيرة مستقلة تابعة لمصر، ومنع ظهور أي قوة هاشمية قوية قد تنافسها، وهو مبدأ – كما يشير المؤلف – له جذور تاريخية تعود لحكام وادي النيل الذين عارضوا قيام حكومة قوية في بغداد أو دمشق. ويختم الفصل بالإشارة إلى أن هذه المبادئ استمرت مع جمال عبد الناصر، وأنها قصة رجال عاديين واجهوا وضعاً متغيراً ودخلوا في دوامة من المنافسات الشخصية. ثم ينتقل الفصل بشكل مباشر إلى الحديث عن انقلاب حسني الزعيم في سوريا في 30 مارس 1949، والذي أطاح بالحكم الدستوري مهدداً الاستقرار في المنطقة وزاجاً بالبلاد في فوضى سبقت الوحدة مع مصر.
أدرج الأرقام والتواريخ الواردة في النص كما هي، مندمجةً في السياق.
تم دمج التواريخ التالية في الملخص أعلاه: 1925، 1930، 1929، 1936، 1949، 1939، 1941، 1942، 1944، فبراير 1942، 1948، 1958، 30 مارس 1949.
إن أقرّ المؤلف بحدود أو تحفظات أو ترك أسئلة مفتوحة، أشر إليها.
نعم، يقر المؤلف بحدود وتحفظات مهمة. فهو يقر بأن الفكرة العربية كانت "غامضة" في البداية وأن القلة فقط من المصريين فهموا القضية العربية ببعدها القومي. كما يعترف بأن الدوافع الحقيقية للسياسة المصرية كانت الشهرة الشخصية والمنافسة المحلية، وليست الإيمان العميق بالوحدة (كما يشهد عضو الوفد السوري). ويشير إلى أن مبادئ السياسة المصرية العربية استُخلصت لاحقاً بدقة أكبر مما كانت عليه في أذهان الرجال آنذاك، مما يدل على أنها لم تكن واضحة بالكامل وقتها. ويقر أخيراً بأن الضغط البريطاني ساهم في جعل مصر زعيمة للمنظمة، وأن التحديات المصرية لاحقاً قلبت هذا الترتيب.
إن كان في الفصل حجج قابلة للنقاش بوضوح بناءً على النص نفسه، يمكن الإشارة إليها باختصار في نهاية الملخص.
الحجة القابلة للنقاش بوضوح هي أن القومية العربية كانت أداة في الصراع المحلي على السلطة في مصر، أكثر من كونها حركة إيديولوجية شعبية جياشة. فالمؤلف يقلل من شأن الدوافع الإيمانية لدى القادة السياسيين، ويركز على دوافعهم الأنانية (صراع فاروق والنحاس). هذه النظرة قد يختلف معها باحثون يرون أن الحركة القومية العربية كانت تملك ديناميكية ذاتية وقاعدة شعبية أوسع وأعمق مما يصوره المؤلف، وأن القادة السياسيين، وإن استخدموها لأغراضهم، كانوا أيضاً يستجيبون لضغط شعبي حقيقي لا يمكن تجاهله. كما أن التركيز على "المؤامرة البريطانية" ودورها في تشكيل الجامعة العربية وتوجيهها هو أيضاً مجال خصب للنقاش.
3.اسقاط الوطنيين القدامى43–59▼ résumé
في هذا الفصل، يحلل المؤلف انهيار "الكتلة الوطنية"، التحالف السياسي الذي قاد الحركة الوطنية السورية واستلم السلطة بعد الاستقلال، ويطرح أن هذه النخبة الحاكمة فشلت في التحول إلى حزب سياسي عصري، مما أدى إلى فقدان شرعيتها الشعبية وتآكل سلطتها، وخلق فراغاً ملأته قوى اجتماعية وعسكرية جديدة.
يبدأ الفصل بتأريخ صعود الكتلة الوطنية في ثلاثينيات القرن العشرين، حين بلغت ذروة شعبيتها بمفاوضاتها مع حكومة بلوم الفرنسية عام 1936 لإبرام معاهدة استقلال. ضمت الكتلة حينها رجالاً لامعين من جميع أنحاء سورية، أمثال جميل مردم بك، وسعد الله الجابري، وشكري القوتلي، وهاشم الأتاسي، وفارس الخوري. لكن رفض البرلمان الفرنسي التصديق على المعاهدة، مع ضياع لواء الإسكندرون، وجه ضربة قاسية لشعبية الكتلة وأظهر عجزها. ومع ذلك، يوضح الفصل أن الكتلة بقيت المرشح الوحيد للسلطة ما دامت القوات الفرنسية تحتل البلاد، واستندت في شرعيتها إلى احتكارها للخطاب الوطني.
بعد حصول سورية على استقلالها الفعلي في نيسان 1946، عادت الكتلة إلى السلطة عقب انتخابات تموز 1947 التي أوصلت شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية. يشرح الفصل كيف أن اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في تموز 1940 أزال منافساً خطراً للقوتلي، تاركاً إياه وحيداً في الميدان. يتناول المؤلف شخصية القوتلي بالتحليل، واصفاً إياه بأنه لم يكن الأقدر، لكنه كان الأكثر فائدة لشبكة المصالح التي تقف خلفه. تتحول العلاقات الأسرية والولاءات المحلية لرجال مثل يوسف ياسين (مستشار ابن سعود) إلى عناصر هيكلية في النظام السياسي.
ينتقل الفصل لتوضيح البنية الاجتماعية للسياسة السورية، مستشهداً بعالم الاجتماع جاك بيرك الذي لاحظ أن التجمعات الوطنية الأولية في العالم العربي كانت غير متجانسة وتتفكك بعد النجاح الأول. يشرح المؤلف أن الانشقاق بدأ ينمو داخل الكتلة منذ رفض معاهدة 1936، ويظهر تجلياً واضحاً في انفصال رشدي الكيخيا وناظم القدسي عن سعد الله الجابري في حلب. يصف الفصل كيف تحولت الخلافات الشخصية إلى انقسامات سياسية أدت إلى تأسيس حزبين رئيسيين: "الحزب الوطني" الذي يمثل حكماء دمشق المحافظين مثل القوتلي وفارس الخوري، و"حزب الشعب" المعارض الذي قاده زعماء حلبيون وارتبط بمصالحهم التجارية ورغبتهم في الوحدة مع العراق لإزالة الحدود التجارية التي خنقت مدينتهم. مع ذلك، يلاحظ الفصل أن كلا الحزبين افتقرا إلى التنظيم الحزبي العصري، وبقيا ائتلافين من الوجهاء والأسر المتنفذين، حيث حلّت ظاهرة "القبضايات" (زعماء الأحياء المحليين) محل النظام الحزبي في حشد الأصوات.
في تحليله لانتخابات تموز 1947، يورد الفصل أرقاماً توضّح فوز المعارضة بثلاثة وثلاثين مقعداً، بينما حصد الحزب الوطني 74 مقعداً، مع أكثر من خمسين نائباً مستقلاً لا ينتمون لحزب أو عقيدة، مما جعلهم ممسكين بتوازن القوى. يصف الفصل المشهد البرلماني بالفوضوي، مستشهداً بذكريات النائب حبيب كحالة الذي شبه المجلس بـ"مسرحية تمثيل أدوار" حيث اجتمع رجال لا يجمعهم شيء، بعضهم لا يتكلم العربية. ينتهي هذا القسم بتعديل القوتلي للدستور في شباط 1948 لتمديد ولايته، مما أوقف الإصلاح وأسهم في انهيار النظام لاحقاً.
كانت حرب فلسطين في أيار 1948 نقطة التحول الحاسمة، إذ كشفت عن فساد النخبة الحاكمة وعجزها. يصف الفصل ضعف الجيش السوري في الأيام العشرة الأولى من القتال، واستقالة وزير الدفاع أحمد الشرباتي، وتولي جميل مردم للحقيبة بنفسه. يورد المؤلف فضيحة فساد تتعلق بالضابط فؤاد مردم الذي أرسل لشراء سلاح من إيطاليا لكنه لم يصل إما للإهمال أو لاعتراض إسرائيل، وهي الحادثة التي سخر منها الشاعر أبو ريثة. بالنسبة للضباط الشباب، كانت التجربة الفلسطينية بمثابة نقطة انعطاف جعلتهم يرون في زعمائهم السياسيين "مهملين إلى حد الإجرام"، فيما رأوا أنفسهم الأبطال الوحيدين لحماية البلاد من الأعداء في الخارج ومن السياسيين الفاسدين في الداخل.
يشرح الفصل كيف تصاعدت موجة السخط الشعبي، فألقي القبض على ميشيل عفلق زعيم حزب البعث في أيلول 1948 لتوزيعه منشورات احتجاجية، واستقال ثلاثة وزراء من حكومة مردم في تشرين الثاني، وأخيراً سقطت الحكومة رداً على المظاهرات التي قتل فيها أربعة أشخاص في دمشق. مع إعلان حالة الطوارئ، تحرك الجيش نحو العاصمة لأول مرة، وأحسَّ "بطعَم السلطة"، مما مهّد لدوره السياسي القادم. استقال جميل مردم في الأول من كانون الأول 1948، وأعقبته حكومة انتقالية شكلها خالد العظم، وهو شخصية مثيرة للجدل وُصفت بأنها غير وطنية لعدم مشاركتها في الكفاح ضد الفرنسيين ولارتباط عائلتها بالعثمانيين. واجهت حكومة العظم مشكلتين كبيرتين: الحاجة لاتفاقية مع فرنسا، واتفاقية مرور مع شركة "التابلاين" الأمريكية. يعرض الفصل رؤية خالد العظم التي تشير إلى أن رفض البرلمان التصديق على الاتفاقيتين قد شجع الولايات المتحدة على دعم انقلاب عسكري لإنهاء المأزق، وهي وجهة نظر يتركها المؤلف مفتوحة دون تأكيد.
يختتم الفصل بدراسة الانقلاب العسكري الأول بقيادة الزعيم حسني الزعيم، موضحاً أن الجيش السوري خرج من الحرب العالمية الثانية قوياً، واجتذب طلاب الطبقة الوسطى الذين تخرجوا من الكلية العسكرية في حمص عامي 1949-1950، والذين حملوا وعياً سياسياً ونظريات حركات الشباب. كان هؤلاء الضباط الجدد، المنحدرون من الطبقة الوسطى الدنيا، يحتقرون النخبة القديمة من مالكي الأراضي ويرونهم فاسدين. بعد توليه السلطة، يذكر الفصل أن حسني الزعيم صادق سريعاً على الاتفاقيتين اللتين رفضهما البرلمان (الاتفاقية النقدية مع فرنسا في 17 نيسان، واتفاق التابلاين في 17 أيار 1949)، وهو ما يفسره الفصل على أنه حاجة لكسب الأصدقاء أكثر منه دليلاً على دعم أمريكي مباشر.
في تحليله العام، يقرّ المؤلف ضمنياً بأن القصة تطرح أسئلة مفتوحة حول مدى الدور الأجنبي في الانقلاب، لكن التركيز الأساسي يبقى على العوامل المحلية: فساد النخبة، فشل النظام الحزبي، وصدمة حرب فلسطين. الحجة القابلة للنقاش والتي تبرز في النص هي قدرة الدولة على التحكم في الفساد، إذ يبدو أن القوتلي نفسه يُصوَّر على أنه إما ضعيف أو متواطئ مع شبكة المصالح التي يصفها الفصل، في قطيعة واضحة بين خطابه الوطني المستند إلى نضالات الماضي وأدائه الحقيقي في الحكم.
4.الانقلاب الاول60–70▼ résumé
يُحلّل هذا الفصل أسباب وتفاصيل الانقلاب العسكري الأول في سوريا الذي وقع في 30 آذار 1949، ويقدّم إجابة واضحة عن سؤال محوري: كيف ولماذا انقلب الجيش على النظام السياسي المدني في سوريا الفتية، وما هي الشخصيات والظروف التي مهّدت لهذا الحدث الذي غيّر مسار البلاد. يرى المؤلف أن الانقلاب لم يكن مجرد نزوة عسكرية، بل كان نتاجاً لتراكمات سياسية واجتماعية وأخلاقية عميقة، تصدّرها هوان الجيش بعد نكبة فلسطين، وتآكل شرعية الطبقة السياسية التقليدية، وصعود نجم شخصيات شعبية وعسكرية طموحة على رأسها أكرم الحوراني.
يسير الفصل خطوة بخطوة، فيبدأ برسم صورة الجيش السوري قبل الانقلاب كبيئة مهمشة وغير مرغوب فيها، معتبراً أن الالتحاق بالكلية العسكرية كان ملاذاً للكسالى والمتمردين والمغمورين اجتماعياً. ينتقل بعدها إلى تسليط الضوء على دور الحوراني بصفته مهندس الوعي السياسي بين الضباط الشباب، حيث يصفه الفصل بأنه أحد الأوائل الذين أدركوا قوة هذه المجموعة. يتابع الفصل مسيرة الحوراني منذ ثلاثينيات القرن العشرين، حين بدأ نضاله في حماه ضد العائلات الإقطاعية الكبرى كعائلة العظم والبرازي والكيلاني، مروراً باتصالاته السرية مع الحزب السوري القومي الاجتماعي في لبنان بزعامة أنطون سعادة، وصولاً إلى تأسيسه حزبه العربي الاشتراكي عام 1944. يُظهر الفصل كيف نسج الحوراني شبكة علاقات قوية مع الضباط القوميين الشباب، خاصة خلال حرب فلسطين عام 1948 حيث قاد جماعات المناضلين مع أديب الشيشكلي، مما جعله يمتلك نفوذاً هائلاً داخل المؤسسة العسكرية. وكان الخليل كلاس أحد الوسطاء الرئيسيين بين الحوراني وطلاب الكلية العسكرية في حمص.
ثم ينتقل الفصل بسلاسة إلى سرد تفاصيل فضيحة السمن التي تُعتبر الشرارة المباشرة والمحفز الرئيسي للانقلاب. يروي الفصل ببراعة كيف قام الرئيس شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم بزيارة ميدانية تفقدية واكتشفا أن السمن المقدم للجيش هو سمن رديء مستخرج من العظام. أمر القوتلي باعتقال أنطون البستاني، مدير تموين الجيش وصديق الزعيم حسني الزعيم (قائد الجيش آنذاك). لكن الزعيم رفض تنفيذ الأمر واحتجز البستاني في وزارة الدفاع حماية له. يُظهر المؤلف كيف حوّلت فضيحة السمن هذه الغضب العسكري من قضية لوجستية إلى اختبار قوة مفتوح بين الجيش والساسة. ويرى أن هجومات النائب فيصل العسلي العنيفة على الجيش في المجلس النيابي كانت بمثابة القشة الأخيرة، إذ شعر الضباط بإهانة مضاعفة: هزيمتهم في فلسطين، ثم ازدراء الساسة لهم في البرلمان.
أما قلب الفصل فهو في شخصية حسني الزعيم، الرجل الذي قاد الانقلاب. يقدّم الفصل سيرة ذاتية نقدية له، واصفاً إياه بأنه مغامر قليل المبادئ، ذو ماضٍ مظلم، فقد هرب ذات مرة بأموال الدولة وحُكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات قبل أن يطلقه القوتلي. لا ينظر المؤلف إلى الزعيم كبطل قومي، بل كشخصية براغماتية استغلت استياء الضباط لإنقاذ نفسه من فضيحة السمن. ومع ذلك، كان للانفعال الشعبي تجاه الحدث وقعه، إذ استقبل السوريون نبأ الانقلاب بـ فورة من الفرح والابتهاج، لأنهم رأوا فيه ردة فعل على فساد الساسة وضعفهم. لم يشارك أكرم الحوراني بشكل مباشر في التخطيط للانقلاب، لكن اثنين من أقرب تلامذته ونواب الزعيم هما من نفذاها: بهيج كلاس وأديب الشيشكلي، مما يدل على أن الجناح العسكري لتحالف الحوراني هو من أدار المشهد.
بالنسبة للتاريخ والأرقام الواردة في النص، يحدد الفصل تاريخ الانقلاب في 30 آذار 1949، ويذكر أن أحداث التمهيد بدأت قبل ذلك، خاصة على خلفية حرب فلسطين عام 1948 وانتخابات 1947 التي أعادت الكتلة الوطنية إلى الحكم. كما يشير إلى تفاصيل رقمية مثل مبلغ عشرين ألف ليرة سورية الذي هرب به الزعيم إبان الحرب العالمية الثانية، وعقوبة السجن التي صدرت بحقه.
يعترف الفصل بحدود واضحة في تحليله؛ فهو لا يقدم تفسيراً واحداً حاسماً لدوافع الزعيم، بل يطرح احتمالين: الأول هو إنقاذ نفسه من فضيحة السمن، والثاني هو استجابة لغضب الضباط المهانين. يترك المؤلف السؤال مفتوحاً حول مدى وعي الزعيم الاستراتيجي، مشيراً إلى أن سجله العسكري في فلسطين لم يكن جيداً، وأن طموحه المفرط كان واضحاً. كما يعترف بأن الانقلاب لم يقدم حلولاً حقيقية، بل كشف عن هشاشة النظام الدستوري الغربي المزروع فوق مجتمع تقليدي قديم، وعن أزمة الثقة بين الشعب والنخبة السياسية التي لم تتعلم حرفة بناء الدولة تحت الانتداب.
من الحجج القابلة للنقاش والتي يسلط عليها الفصل الضوء بشكل غير مباشر، مسألة الدور الحقيقي الذي لعبه الفساد في الإطاحة بالنظام. فبينما يبدو الفصل وكأنه يبرر غضب الجيش من فضيحة السمن وهجومات العسلي، إلا أن السيرة الذاتية للزعيم وهو شخص فاسد وسارق سابق، تطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان الانقلاب فعلاً أخلاقياً في جوهره أم مجرد استيلاء على السلطة من قبل عسكريين فاسدين جدد يستبدلون ساسة فاسدين قدامى. هذا التناقض هو أحد أهم النتائج التي يقدمها الفصل للقارئ دون أن يحسمها. ختاماً، يربط الفصل الانقلاب بالسياق العربي الأوسع، مشيراً إلى أن توترات سورية الداخلية كانت ستصدر حتماً إلى دول الجوار، وأن الرسل القلقين من مصر والمملكة العربية السعودية والعراق تدفقوا على دمشق بعد ساعات من إعلان الانقلاب، مما يؤكد أن سوريا أصبحت رهينة لمنافسات إقليمية أكبر، وأن انقلاب الزعيم هو البداية الحقيقية للدور العسكري في السياسة الشرق أوسطية.
5.تنافس في المزايدات على سورية71–85▼ résumé
ملخص الفصل: «تنافس في المزايدات على سورية»
يتمحور هذا الفصل حول فترة الانقلاب العسكري الذي قاده الزعيم في سورية خلال شهري آذار ونيسان 1949، والصراع الدبلوماسي المحموم بين القوى الإقليمية والدولية حول توجيه مسار سورية في أعقاب هذا الانقلاب. يقدم المؤلف إجابة واضحة عن كيفية تحول سورية إلى ساحة تنافس مكشوف بين محورين: محور العراق والأردن الهاشميَين من جهة، ومحور مصر والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى، وسط مواقف متضاربة من بريطانيا وفرنسا.
يسير الفصل خطوة بخطوة بتسلسل زمني دقيق، بدءاً من لحظة الانقلاب في آذار 1949. يوضح الكيفية التي أقدم بها الزعيم، وهو ضابط عسكري، على عزل الرئيس المنتخب شكري القوتلي، الذي كانت له علاقات وثيقة مع مصر والسعودية. ثم يشرح رغبة الزعيم الفورية في الحصول على دعم العراق، خاصة مع اقتراب محادثات الهدنة مع إسرائيل التي كانت مقررة في أوائل نيسان. كان الزعيم يعتقد أن إعلان اتفاقية عسكرية مع العراق سيعزز موقفه التفاوضي.
يصف الفصل وصول المبعوثين العراقيين إلى دمشق في اليوم الأول للانقلاب، ومنهم جميل بابان السفير العراقي المعين لدى لبنان، وعوني الخالدي المندوب العراقي في محادثات الهدنة. تشير التقارير العراقية إلى أن الزعيم كان غامضاً حول مستقبل سورية السياسي، وطرح أسئلة حول النظام الملكي أو الجمهوري. كما أبدى الزعيم استعداده للتوصل إلى اتفاقيات مع بريطانيا وأميركا والاستفادة من مشروع مارشال. في المقابل، رفض السياسي المخضرم فارس الخوري التعاون مع حكومة غير شرعية، واعتبر الانقلاب أسوأ كارثة حلت بسورية منذ تصفية جماعة تركيا الفتاة.
يقدم الفصل تفاصيل دقيقة حول إجراءات الزعيم لتوطيد حكمه، حيث حلّ المجلس النيابي بعد أن اعتبر تأييده غير كافٍ، وعيّن الأمير عادل أرسلان رئيساً للمعاونين السياسيين، وأسند مهاماً غامضة لـ أكرم الحوراني كمستشار قانوني. في 1 نيسان أبلغ نائب عادل أرسلان الجانب العراقي أن الوحدة مع العراق ممكنة على أساس الاستقلال الذاتي لكل إقليم، مع استثناء الأردن. لكن الحكومة العراقية ردّت بحذر، مؤكدة ضرورة دراسة المشروع بطرق شرعية.
يتناول الفصل بالتفصيل التحركات المصرية والسعودية المضادة. أرسل الملك فاروق مبعوثين اثنين إلى الزعيم، وانضم إليه الملك ابن سعود في الدعوة لإنقاذ القوتلي. بعث الزعيم بعثتين إلى الرياض والقاهرة في منتصف نيسان لتقديم الاحترام والتطمينات. في 4 نيسان، أرسلت بغداد استفساراً عاجلاً لقاهرتها حول احتمال الاعتراف بالحكم الجديد. وكان الجواب أن القاهرة ستعلم الحكومات الأخرى حين تقرر الاعتراف.
يصف الفصل تطور مفاوضات الزعيم مع العراق، حيث طلب معاهدة عسكرية دفاعية، وعرض إرسال متفاوضين إلى بغداد. في 17 نيسان وصل الوفد العراقي المفاوض بقيادة عبد المطلب السنهوري. طلب الزعيم إعلاناً مشتركاً يعلن ميثاقاً سورياً-عراقياً، وشدد على الحاجة إلى قواعد عسكرية وخطوط مواصلات للقوات العراقية في سورية. كما طلب مساعدة عراقية قصوى تشمل المدفعية والمدرعات والأسلحة المضادة للدروع. لكن نوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي، كان متحفظاً. أبدى نوري السعيد تحفظات على اللادستورية في تحرك الزعيم، وأوضح أن العراق لا يستطيع الدخول في اتفاقية رسمية مع حكومة غير شرعية، كما أن العراق مرتبط بمعاهدة مع بريطانيا. سأل نوري السعيد باستغراب عن سبب إرسال الزعيم بعثتين إلى القاهرة والرياض، واشترط عودة الحياة الدستورية إلى سورية قبل عقد أي اتفاقية.
يقدم الفصل تحليلاً بارزاً حول الموقف البريطاني والفرنسي. تشير المادة إلى أن بريطانيا، مراعاة للشعور الفرنسي، لم تشجع المطامع الوحدوية الهاشمية. يؤكد المؤلف أن بريطانيا التزمت، باتفاقية ديغول-ليتلتون في تموز 1941، بأسبقية مكانة فرنسا في سورية ولبنان أمام أي دولة أوروبية أخرى. كرر ونستون تشرشل هذا التأكيد في 4 أيلول 1941. لكن فرنسا بقيت مشككة في الدوافع البريطانية، ورأت أن أي ارتباط لسورية بدولة عربية مجاورة يعني خروجها من منطقة النفوذ الفرنسي. ومع ذلك، كان الزعيم نفسه على علاقات جيدة بفرنسا، فقد تلقى تدريباته على أيدي الفرنسيين، وكان الجيش السوري مجهزاً بالسلاح الفرنسي الذي لا يستطيع الحصول على قطع غياره من أي مكان آخر. يذكر الفصل أن السفير الفرنسي كان يتصل بالزعيم يومياً، وبذلت فرنسا جهوداً لحمل الدول الأخرى على الاعتراف بحكمه، بل إن الزعيم دخل في مفاوضات سرية مع فرنسا لعقد معاهدة ثنائية، لكنه تخلى عن فكرة الاتفاق مع العراق بعد أن تلقى من فرنسا تأكيدات بالدعم.
يصل الفصل إلى نقطة التحول الحاسمة في 18 نيسان، حين قام الزعيم بزيارة سرية للملك فاروق في حدائق أنشاص بدعوة غير رسمية للإفطار. كان الملك فاروق سخياً وواضحاً، على عكس نوري السعيد الغامض الحذر. بعد عدة ساعات من المحادثات، استسلم الزعيم وأعلن إعجابه بكل ما هو مصري. عاد الزعيم إلى سورية بطائرات مصرية حربية مرافقة لحمايته. في ذلك المساء، أعلن راديو دمشق خبر الزيارة. بعد أيام قليلة، اعترفت مصر والسعودية ولبنان بنظام الزعيم، وتم إطلاق سراح القوتلي قبل أن يغادر إلى منفاه. بذلك هُزمت الأردن والعراق في هذه الجولة.
يختتم الفصل بعرض تفصيلي لإنجازات حكم الزعيم القصير (نحو أربعة أشهر ونصف)، والتي جعلته نموذجاً للطغاة العسكريين الذين احتذوا به لاحقاً. من هذه الإنجازات: تعزيز الجيش وإعادة تسليحه، رفع الروح المعنوية، تطهير الجهاز الحكومي وإجبار الموظفين على الاختيار بين الخدمة العامة والعمل الخاص، تطوير مناهج جامعة دمشق، محاكمة تجار خبز فاسد، التخطيط لمشروعات عامة، التفاوض حول مرور النفط عبر سورية، منح المرأة المتعلمة حق التصويت لأول مرة، حظر استعمال ألقاب باشا وبك، بدء إزالة الأوقاف واستبدال الشريعة الإسلامية بقوانين مدنية وعصرية. كما عيّن محافظين جدداً يتمتعون بالسلطتين المدنية والعسكرية.
من الحجج القابلة للنقاش في هذا الفصل، فكرة أنّ نوري السعيد وحلفاءه كانوا يعملون دون كلل لإقامة وحدة مع سورية. يرى المؤلف أن الواقع مغاير، حيث إن نوري السعيد، لمواجهته وضعاً كان عنصر السرعة فيه قد ينتج دمجاً فعلياً، لم يتحامل على نفسه، كما أن بريطانيا لم تحضه على العمل. يضيف المؤلف أن الادعاءات السعودية كانت العقبات الرئيسية، وأن ابن سعود كبح جماح منافسيه الهاشميين حين سنحت له الفرصة، بينما تدخلت مصر بحزم تحت حكم فاروق، تماماً كما فعلت لاحقاً تحت حكم عبد الناصر، للحفاظ على دورها القائد في الجامعة العربية.
6.حكم الزعيم86–93▼ résumé
يتركز هذا الفصل على فترة حكم الزعيم في سوريا بعد انقلابه، ويكشف عن طبيعة حكمه الاستبدادية والانتقال من مرحلة التغيير الاجتماعي إلى مرحلة الديكتاتورية العسكرية الفردية. يقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن الزعيم، الذي بدأ كقائد شعبي هز المجتمع الدمشقي التقليدي وأخرج النساء إلى الحياة العامة وأدخل القبعات الأوروبية، سرعان ما أفسدته السلطة وتحول إلى حاكم مستبد يلهث وراء الشرعية والمنصب، مما أدى إلى عزل أقرب حلفائه وتفكيك نسيج القوى التي أوصلته إلى الحكم.
يسير الفصل خطوة بخطوة عبر تتبع صعود الزعيم وسقوطه. يبدأ بوصف التغييرات الاجتماعية التي أحدثها، مثل ظهور النساء في الحياة العامة والرقص على الموسيقى الأمريكية في النوادي الليلية، لكنه سرعان ما ينتقد افتقاره إلى المناورة السياسية. يذكر الكاتب أن الزعيم كان يقلق من لا شرعية حكمه، مما جعل همه الوحيد أن يصبح رئيساً للجمهورية يتساوى مع الملوك ورؤساء الدول. وقد أدى هذا الطموح ومزاجه العصبي إلى إبعاد كبار الضباط الذين خططوا ونفذوا معه الانقلاب، ومنهم من كانوا الأكثر فعالية.
يقدم الفصل أمثلة دامغة على هذا التآكل: في نيسان 1948، استقال فيضي الأتاسي من الحكومة بعد 19 يوماً فقط من تشكيلها، وهو وزير من حزب الشعب الذي كان قد هلل لتسلم الزعيم السلطة. ثم عارض حزب البعث القيود على الصحافة ونمو جهاز المخابرات، وقدم ميشيل عفلق مذكرة تحذيرية في 4 نيسان، لكن رد الزعيم كان سجن عفلق وزعماء حزب الشعب رشدي الكيخيا وناظم القدسي والأتاسي. ويضيف المؤلف أن الأمير عادل أرسلان ذكر أن الزعيم كان عرضة لنوبات فقدان النطق، وعزا ذلك لتعطشه للسلطة، مما دفعه لحل الأحزاب في 1948 وتوقه لعقد هدنة مع إسرائيل لسحب جيشه من فلسطين لتقوية وضعه الداخلي، كما أن رغبته نفسها كانت وراء اتهاماته للأردن والعراق بتهديد الحدود السورية.
يتناول الفصل بالتفصيل عملية الاستفتاء الرئاسي التي جرت في حزيران، حيث كان الزعيم المرشح الوحيد، فانتخب بأغلبية ساحقة بلغت 5515 صوتاً مقابل 184 صوتاً سلبياً من أصل 1,217,102 ناخب مسجل. في 21 حزيران نفسه، تنحى عن رئاسة الوزارة واستدعى محسن البرازي، وهو محام فرنسي التعليم كان مدير مكتب القوتلي الموثوق. ويصف الكاتب البرازي بأنه كان صائغ الأسئلة الأربعة في بطاقة الاستفتاء، مما جلب له لقب "مفي الجمهورية"، وارتبط اسمه بصفقات مريبة مثل تحويل أموال حكومية إلى حساب الزعيم في الأسابيع الأخيرة من ولاية القوتلي. وبسبب خصومة عائلية، أدى تقديم البرازي إلى إقصاء الحوراني، العدو اللدود لأسرة البرازي.
يكشف الفصل بعد ذلك عن تحالفات الزعيم الدولية. فبعد الانتخابات، أعلن عن حلف مع مصر والمملكة العربية السعودية، واصفاً علاقته بـ فاروق بأنها "أكثر من ممتازة"، ومؤكداً معارضته لمشروع "سورية الكبرى". صرح أن فرنسا دولة صديقة وأن على أميركا مساعدة سوريا، بينما طالب بريطانيا باتخاذ موقف واضح. ثم فصل بين الاتحاد السوفييتي والحزب الشيوعي السوري، مهدداً الشيوعيين بأنه لن يكون رحيماً بهم. ولكن نزواته سرعان ما قوضت هذا المنهاج: أصدر مرسوماً بأن رئيس الدولة يجب أن يكون مشيراً، فارتدى بزته العسكرية الفخمة وحمل عصا مرصعة بـ 20 ألف دولار، وأرسل إلى فاروق أرفع وسام سوري صُنع في باريس، وأمر بتخطيط حرس خاص من المسلمين اليوغوسلافيين يقسمون الولاء له فقط.
يتناول الفصل أيضاً موقف الزعيم المتناقض من القضية الفلسطينية. فقد استثار حمية الضباط القوميين بشعار فلسطين، لكنه أثار صدمة أتباعه عندما بدأ محادثات رسمية مع إسرائيل في نيسان، أملاً بإنهائها باتفاقية خلال شهر. ويذكر الفصل أن الأمير عادل أرسلان قال إن فوزي سلو، رئيس الوفد المفاوض، صمد وطالب بشروط أفضل مما كان الزعيم مستعداً للقبول به. وكانت القوات السورية قد احتلت ثلاث مناطق من فلسطين، أهمها المنطقة على ضفاف الأردن جنوب بحيرة الحولة، والتي تم الاتفاق على وضعها تحت إشراف لجنة هدنة أممية ضمن اتفاقية الهدنة الموقعة في 20 تموز.
يخلص الفصل إلى أن الزعيم أفصح عن تحالفه مع فرنسا، فكان السفير الفرنسي دائم الزيارة له في بلد تحرر حديثاً من الاستعمار الفرنسي، مما أثار حفيظة الرأي العام. كما شجب الإصلاحات العلمانية التي ألهمتها الأوساط الأجنبية، واعتماده في حاميات المدن على الوحدات الشركسية والكردية ماعدا القوات العربية الصرفة، مما جعل الصحف العربية تهاجمه باسم العروبة والإسلام وتصف حكمه بـ "الجمهورية الكردية العسكرية". كما أن تقاربه مع تركيا واستدعائه بعثة عسكرية تركية في 10 تموز لإعادة تنظيم الجيش كان غير مقبول للرأي العام بسبب فقدان لواء الإسكندرون.
في نهاية الفصل، يقرّ المؤلف بأن حكم الزعيم نبه الرأي العام إلى أخطار الديكتاتورية العسكرية، وأنه أزال بعض "الأعشاب الميتة" من الحياة العامة، وتكلم بلغة الإصلاح ولو لم يحققها بالكامل. ولكن في أسابيع قليلة جمع أعداء كثيرين من جميع الأطراف: القوتلي، الضباط، البعث، وحزب الشعب. ويختتم الفصل بمقارنة نقدية، قائلاً إن الزعيم كان صاخباً غير كفء، يفتقر للنظرة الواضحة للتنظيم السياسي أو الاجتماعي، وقد تحالف في أسابيعه الأخيرة مع "أحد المفكرين القلة في السياسة العربية" وهو أنطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، مشيراً إلى أن هذه العلاقة كانت مميتة لكليهما.
7.انطون سعاده وحزبه94–103▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على شخصية أنطون سعادة وتاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي، ويحاول تفسير أيديولوجيته، وصعوده، وسقوطه العنيف، وتأثيره اللاحق على السياسة في سورية ولبنان. يطرح المؤلف سعادة كمنظر قومي متطرف، جمع بين فلسفة غامضة وخطاب ثوري، مما جعله شخصية مثيرة للجدل ومؤثرة في آن واحد. يخلص الفصل إلى أن الحزب، رغم قوته التنظيمية وجاذبيته لبعض الفئات، بقي تياراً هامشياً في النهاية، لم يستطع تجاوز تناقضه الأساسي مع التيار القومي العربي السائد.
يبدأ الفصل بتأسيس الحزب على يد أنطون سعادة الذي بدأ دعوته في البرازيل عام 1930، ثم انتقل إلى سورية ولبنان حيث بنى تنظيماً سرياً ومتسلسلاً تحت سلطته المطلقة. في عام 1935، أعلن الحزب عن نفسه علناً خلال مؤتمره الأول، مما أثار قلق سلطات الانتداب الفرنسي، فاعتقلت سعادة وعدداً من قادته في كانون الأول 1935. يشرح الفصل جوهر أيديولوجية سعادة التي تركز على سؤال واحد: "من نحن؟"، والذي أجاب عنه بأن السوريين يشكلون أمة متميزة تاريخياً وجغرافياً في "سورية الطبيعية". يحدد سعادة هذه الأرض التي تمتد من طوروس وزاغروس إلى قناة السويس والبحر الأحمر وصولاً إلى قبرص وصحراء العرب. يرفض سعادة العرق أو اللغة أو الدين كأساس للقومية، ويؤكد على "الارتباط العضوي" بين الأمة وأرضها، المبني على تفاعل تاريخي طويل بدأ من العصر الحجري مروراً بالكنعانيين والآشوريين وغيرهم، وانتهى بانصهارهم في شعب واحد.
يُظهر الفصل كيف أن فلسفة سعادة كانت مزيجاً من أفكار غامضة مستمدة من علم الاجتماع القديم، مما جعلها صعبة الفهم حتى على بعض أتباعه. يعتمد سعادة على خطاب إقناعي حاد وصلب تجاه معارضيه، حيث يعتبر كل من ينكر فرضية "سورية للسوريين" خائناً ومجرداً للسوريين من حقهم. يوضح سامي اللحوري، أحد أتباع سعادة، هذه النظرة بتفسيرها أن التفاعل بين الإنسان والطبيعة في منطقة جغرافية محددة، والتي تشكلت حدودها الطبيعية بفعل تغيرات جيولوجية، أنتج "روح مجتمع" أو "أمة" واحدة. يصف الفصل تنظيم الحزب بأنه شبه عسكري، يميل إلى النموذج الفاشي في دور القائد والنظام الصارم، حيث كانت الحرية لا تُنال إلا بقوة السلاح. في السياسة العملية، عادى الحزب كل أشكال الانفصالية المحلية بما فيها الكيان اللبناني، واعتبر أن الوحدة السورية هي المدخل لأي وحدة أوسع، رافضاً القومية العربية لأن "العالم العربي" كما يصفه سعادة ليس أمة واحدة، ورافضاً أيضاً للدين كأساس قومي معتبراً إياه عالمياً بطبعه. عارض الحزب الصراع الطبقي، مما جعله على خلاف مع الشيوعيين والبعث، ووجده اللبنانيون توسعياً جداً بينما رآه القوميون العرب ضيقاً جداً.
يغطي الفصل تفاصيل محاكمة سعادة عام 1936 والتي زادت من شهرته، حيث أظهر تصلباً وتعنتاً، مطالباً بإطلاق اسمه الصحيح ومواجهاً القضاة باتهامهم بالخيانة لتوقيعهم اتفاقية سايكس-بيكو. سافر بعدها إلى أوروبا وأمريكا الجنوبية هارباً من الحرب العالمية الثانية، وعاد إلى بيروت عام 1947 ليبدأ مرحلة جديدة من النشاط، معدلاً أيديولوجيته لتشمل قبرص والعراق. اشتدت المواجهة مع خصمه المحلي الأول، «الكتائب اللبنانية» التي أسسها بيار الجميل، حيث اندلعت اشتباكات في حزيران 1949، مما دفع الحكومة للقبض على سعادة الذي هرب إلى سورية. هناك، التقى بالديكتاتور السوري حسني الزعيم الذي كان يخطط للإطاحة برئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح. راى كل منهما في الآخر أداة لتحقيق أهدافه، فقدم الزعيم لسعادة السلاح والأموال، بينما خطط سعادة لاستخدامه لاحقاً.
ينتهي الفصل بمأساة سعادة، حيث شُنّت هجمات صغيرة على مخافر لبنانية في تموز 1949، لكن الحركة سُحقت بسرعة. في ليلة السادس من تموز، سلّمته السلطات السورية إلى مبعوثين لبنانيين، في صفقة لم تُعرف تفاصيلها بعد، لكن يُعتقد أن رئيس الوزراء اللبناني أو مصر ضغطوا على الزعيم بملف اقتصادي. نُقل سعادة إلى بيروت، ومثل أمام محكمة عسكرية سرية حكمت عليه بالإعدام، ونُفذ الحكم فجر الثامن من تموز 1949. يناقش الفصل كيف أن هذه النهاية البشعة صنعت من سعادة شهيداً، مما زاد من إقبال الشباب على حزبه، خاصة من الأقليات الطائفية التي وجدت فيه ملاذاً. يشير المؤلف إلى أن الحزب القومي السوري لعب دوراً عنيفاً في السياسة السورية التالية، لكن قوته غالباً ما بالغ فيها المراقبون الغربيون، فهو لم يستطع أبداً التصريح بمبدأه الأساسي في بيئة لا تقبل إلا بالقومية العربية.
8.انقلاب الحناوي المضاد104–117▼ résumé
يتركز هذا الفصل حول انقلاب الحناوي المضاد الذي وقع في 14 آب 1949، والذي أطاح بالزعيم العسكري سامي الحناوي الذي كان قد وصل إلى السلطة قبل أربعة أشهر ونصف فقط. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن هذا الانقلاب لم يكن مجرد تغيير عسكري بسيط، بل كان رد فعل معقداً ناتجاً عن تكتلات داخل الجيش، وطموحات إقليمية، وصراع على هوية سوريا السياسية بين الانفتاح على العراق الهاشمي والتمسك بالنظام الجمهوري.
يسير الفصل خطوة بخطوة، بدءاً من تفاصيل الانقلاب نفسه. يصف الكيفية التي تم بها التخطيط للانقلاب، مركزاً على دور الملازم الأول فضل الله أبو منصور، الذي ترك تقريراً مكتوباً عن الأحداث. يوضح الفصل أن أبو منصور، وهو عضو في الحزب القومي السوري، كان لديه دوافع شخصية وأيديولوجية لقتل الزعيم، خاصة بعد خيانة الزعيم لانطون سعادة. كما يشرح أن التوتر تصاعد بعد أن شعر ضباط دروز، مثل المقدم أمين أبو عساف، بالتهديد من تحركات الزعيم العسكرية تجاه منطقة جبل الدروز، مما دفعهم إلى التحالف مع أكرم الحوراني. التفاصيل العملية للانقلاب تشمل تحريك القوة العسكرية بقيادة الحناوي إلى قطنا بحجة الصيانة، ثم التوجه فجراً إلى دمشق للاستيلاء على المواقع الحساسة، وانتهت باعتقال وإعدام الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي.
بعد الانقلاب، يناقش الفصل التحول السياسي الفوري، حيث سلم الحناوي السلطة للمدنيين وشكل هاشم الأتاسي حكومة جديدة في أوائل أيلول 1949. كانت هذه الحكومة تضم ممثلين عن حزب الشعب (الموالي للعراق) والبعث وأكرم الحوراني، مما يشير إلى عودة الحياة الحزبية. الجزء الأكبر من الفصل مخصص لمناقشة التقارب مع العراق، والذي كان الهدف الاستراتيجي لانقلاب الحناوي. تم اتخاذ خطوات ملموسة نحو الوحدة، مثل زيارة الوصي على العرش العراقي الأمير عبد الإله إلى دمشق في 5 تشرين الأول 1949، وإصدار قانون انتخابي جديد، ودعوة الحزب الوطني (الخصم التقليدي للهاشميين) بشكل مفاجئ للوحدة مع العراق. ومع ذلك، يكشف الفصل عن العقبات الكبيرة التي واجهت هذا المشروع.
يوضح المؤلف أن العقبات كانت متعددة. داخلياً، كان هناك انقسام واضح في الحكومة نفسها، حيث عارض ميشيل عفلق وأكرم الحوراني الوحدة بقوة داخل مجلس الوزراء. كما كان هناك معارضة من ضباط الجيش، وعلى رأسهم العقيد أديب الشيشكلي، الذين كانوا جمهوريين ويخشون من فقدان استقلال الجيش السوري وهيمنة العراقيين والبريطانيين. خارجياً، لعبت عدة دول دوراً في إفشال الوحدة. كان الملك سعود في السعودية معادياً للوحدة، وفرنسا لم تكن راغبة في خروج سوريا من نفوذها التقليدي. وبالنسبة لـبريطانيا، يطرح الفصل تساؤلاً مفتوحاً: هل كانت تؤيد الوحدة فعلاً؟ يقدم المؤلف أدلة من مقابلات مع سياسيين سوريين مثل خالد العظم وصبري العسلي تفيد بأن بريطانيا لم ترغب في قيام وحدة حقيقية، بل كانت تفضل حكومة سورية صديقة ضمن نفوذها، خوفاً من تغيير الوضع الراهن. كان هذا الاعتقاد واسع الانتشار في سوريا، وأضعف موقف أنصار الوحدة.
يختتم الفصل بوصول الأمور إلى ذروتها مع انقلاب العقيد أديب الشيشكلي في 19 كانون الأول 1949، أي بعد أسبوع فقط من أول جلسة للجمعية التأسيسية. يعتبر الفصل هذا الانقلاب بمثابة الضربة القاضية لمشروع الوحدة مع العراق. كان الشيشكلي، كما يصفه المؤلف، أكثر صلابة ومهارة سياسية من سابقيه، وحرك دباباته حول دمشق لـ "حماية النظام الجمهوري". يقر المؤلف بأن الفصل يترك أسئلة مفتوحة حول دوافع بعض القوى، خاصة الموقف البريطاني الغامض، وحقيقة حجم الدعم الشعبي للوحدة مقابل التلاعب السياسي من الأحزاب. من الحجج القابلة للنقاش في الفصل، التركيز على دور المؤامرات الخارجية (بريطانيا، السعودية، فرنسا) كعامل رئيسي في إفشال الوحدة، وهو ما قد يُقلل من شأن العوامل الداخلية والخلافات السياسية السورية العميقة، رغم أن الفصل يذكرها أيضاً.
9.الشيخكلي يقوم بالانقلاب الثالث118–136▼ résumé
ملخص الفصل: «الشيشكلي يقوم بالانقلاب الثالث»
يدور هذا الفصل حول انقلاب كانون الأول (ديسمبر) 1949 في سوريا، الذي قاده كل من العقيد أديب الشيشكلي وأكرم الحوراني، والذي وضع حداً لمشروع الوحدة مع العراق الذي كان يسعى إليه رئيس الأركان آنذاك اللواء سامي الحناوي. يطرح الكاتب أن هذا الانقلاب لم يكن مجرد صراع على السلطة داخل الجيش، بل كان نتاجاً لتداخل الصراعات الإقليمية والدولية، حيث كان محورياً في إجهاض المسعى الهاشمي (العراقي) لضم سوريا، وإعادة توجيه البلاد نحو التحالف مع مصر والسعودية، والحفاظ على النظام الجمهوري ضد المشاريع الملكية.
يسير الفصل خطوة بخطوة بدءاً من تفاصيل الانقلاب نفسه. في السابع من كانون الأول 1949، كان من المقرر التصويت في المجلس النيابي السوري على نص القسم الذي يتعهد فيه النواب بالحفاظ على استقلال سوريا وسيادتها ووحدتها، وهو نص تم حذف الإشارة إلى «النظام الجمهوري» منه عمداً، مما أثار حفيظة معارضي الوحدة مع العراق بقيادة ميشيل عفلق وعبد الباقي نظام الدين وبدعم من مصطفى السباعي. على الرغم من المعارضة، نجح حزب الشعب واتباعه في الحصول على أغلبية والموافقة على النص دون تعديل في ذلك اليوم. هذا التوجه نحو تقريب الوحدة مع بغداد، بدعم من الحناوي وحاشيته الموالية للعراق، دفع كلاً من الحوراني والشيشكلي للتحرك سريعاً، معتبرين أن الفرصة تضيع لصالح دخول جيش عراقي إلى سوريا. في ليلة التصويت، زار الحوراني ضابطين درزيين هما المقدم أمين أبو عساف والرئيس فضل الله أبو منصور، اللذين كانا قد نفذا انقلاب الحناوي سابقاً وحصلا على دعمهما. تحرك الحناوي لاستبدال قائد احدى الكتائب بـ المقدم صبحي عبارة خشية العصيان، لكن رجال الشيشكلي اعتقلوا عبارة ليلاً، وخرجت المصفحات لتعتقل عدداً من الضباط الكبار. في صباح التاسع عشر من كانون الأول، أصدر الشيشكلي بياناً أبلغ فيه الأمة أن الجيش قد أرغم على وضع حد لمؤامرات رئيس الأركان وعدد من السياسيين الذين هددوا سلامة الجيش والجمهورية.
بعد سرد الأحداث، يعود الفصل ليرسم خلفيتي الشخصيتين المحوريتين: الشيشكلي والحوراني، صديقي الطفولة من حماه. يوضح كيف تشكلت مسيرتهما النضالية المشتركة ضد الفرنسيين وفي حرب فلسطين عام 1948، حيث قاتلا في صفد. يصف الفصل كيف كانا الشخصيتين الوحيدتين اللتين عاشتا انقلابات 1949 جميعها؛ الشيشكلي بصفته الضابط الذي قاد الفرقة المدرعة التي أطاحت بالرئيس شكري القوتلي في آذار، والحوراني كمستشار للحناوي. ومع اختلافهما لاحقاً مع الحناوي وإقالة الشيشكلي ثم إعادته، استغلا تلك الخبرة لتنفيذ انقلابهما الخاص. يبين الفصل أن انقلاب الشيشكلي والحوراني جاء لمواجهة ما رأوه «تسايم البلاد الوشيك» من قبل نوري السعيد والوصي عبد الإله، فكرها العراق لكنهما كانا وثيقي الصلة بالمصريين والسعوديين، مما جعل انقلاباهما أكثر من مجرد احتجاج عسكري، بل نتاجاً لصراع القوى الإقليمية والعظمى في المنطقة.
في تحليل دوافع الشيشكلي، يذكر الكاتب أن طموحاته بدت في البداية متواضعة؛ فهو لم ير الجيش كأداة للحكم بل كقوة تُستخدم لإدارة البلاد في الأزمات وإجبار السياسيين على العمل ضمن حدود معينة. فضّل الشيشكلي البقاء خلف الستار، تاركاً السياسيين يتصارعون وهم مقيدون بتدخلات الجيش، مما أدى إلى سنتين من التخبط السياسي. يتناول الفصل بعد ذلك محاولات الدبلوماسية المصرية لمواجهة المد الهاشمي، ويشرح كيف أبرز الحادث الدبلوماسي الأول: حيث أُجبر رئيس الوزراء العراقي علي جودت الأيوبي على الاستقالة في كانون الأول 1949 بعد توقيعه اتفاق «جنتلمان» مع مصر تعهد فيه بعدم التدخل بالشأن السوري لمدة خمس سنوات، وهو ما ألغاه الوصي عبد الإله فور اكتشافه. أما الانتصار الدبلوماسي الثاني فكان إقرار معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي في إطار الجامعة العربية في 17 نيسان 1951، وهي معاهدة وضعت حداً لمشاريع الاتحاد الثنائي وفرضت مبدأ التضامن الجماعي، مما منع العراق والأردن من التوقيع عليها إلا متأخرين، وبقيت حبراً على ورق لكنها حققت غرضها المصري في احتواء العراق.
ينتقل الفصل لوصف حالة حزب الشعب وتراجعه التدريجي بعد الانقلاب. فبينما كان الحزب يسيطر على الجمعية التأسيسية، كان الجيش بقيادة الشيشكلي يفرض رقابته على الحكومة. نستعرض فشل عدة محاولات لتشكيل حكومة إلى أن تشكلت حكومة خالد العظم في 27 كانون الأول 1950، وهي توازن دقيق حيث تولى الحوراني وزارة الدفاع وحصل حزب الشعب على حقائب ثانوية. أعلنت الحكومة التزامها بالنظام الجمهوري وميثاق الضمان الجماعي العربي، مما أثار حفيظة المؤيدين للهاشميين. ورغم حصولها على ثقة المجلس، سرعان ما واجهت الحكومة مشاكل دستورية تمثلت في جدل عنيف حول مسودة الدستور التي أعدتها لجنة يسيطر عليها حزب الشعب. كانت المادة الثالثة التي تعلن الإسلام ديناً للدولة مثار نزاع حاد مع العلمانيين والطوائف المسيحية، كما أثارت المادة الخامسة التي جعلت دمشق عاصمة للدولة على نحو غير قطعي شكوكاً حول نية نقل العاصمة إلى حلب. أدى هذا الخلاف إلى استقالة الحوراني من الوزارة في 25 نيسان، معلناً عدم انسجام الحكومة مع الجمعية التأسيسية.
إلى جانب الأزمة السياسية، تفاقمت الأزمة الاقتصادية نتيجة قطع العلاقات الجمركية مع لبنان، الذي كان يعتمد عليه الاقتصاد السوري بشكل كبير. أدى فشل المفاوضات على الجمارك في آذار 1950 إلى ارتفاع الأسعار وركود تجاري، واستقالة وزراء، مما دفع خالد العظم لتقديم استقالة حكومته في 29 أيار. في مساء ذلك اليوم، ألقى الشيشكلي خطاباً للجنود هدد فيه بمنع تكرار المهزلة السياسية. وفي اليوم التالي، تم تكليف ناظم القدسي زعيم حزب الشعب بتشكيل حكومة جديدة في 4 حزيران، لكنه اضطر للقبول بنائب من الجيش هو العقيد فوزي سلو وزيراً للدفاع، والتعهد بأن تكون حكومته انتقالية. ومع موافقته على هذه الهدنة مع الجيش، وجد القدسي نفسه تحت هجوم حزب الوطني بزعامة صبري العسلي، الذي تحالف مع تنظيمات متطرفة ودعا إلى الجبهة الوطنية المعارضة، ليعيد إحياء شعارات عودة شكري القوتلي.
يختتم الفصل برسم صورة كاملة للفوضى السياسية في ذلك العام. فبينما اشتد الصراع بين حزب الشعب والحزب الوطني، ظهرت أحداث عنف مثل اغتيال العقيد محمد ناصر قائد القوات الجوية في تموز، ومحاولة اغتيال الشيشكلي في تشرين الأول التي كشفت عن تنظيم إرهابي اسمه كتائب الفداء العربي. وقد أشارت الصحف إلى دعم بعض الشخصيات السياسية لهؤلاء الإرهابيين، مما أضر بعلاقات سوريا بمصر والسعودية. يصل الفصل إلى استنتاج أن تراجع حزب الشعب وحتمية انهياره يعود لتناقض سياسته الخارجية: السعي وراء الوحدة مع العراق بقيادة نوري السعيد مع التظاهر بالولاء للجمهورية السورية المستقلة، وهو هدف غير واقعي جعله عرضة للهجوم من كل الجهات. وتحت هذه الفوضى السياسية المحلية، يبرز الفصل الموضوع الأكبر: جهود القوى الغربية (أمريكا وبريطانيا) لتنظيم دفاع الشرق الأوسط ضد التهديد السوفييتي، والتي اصطدمت بانشغال العرب بالصراع مع إسرائيل وخلافاتهم الداخلية حول الزعامة العربية والاستقلال عن النفوذ الأجنبي. في خضم كل ذلك، كان الشيشكلي قد مهّد الطريق لإعادة توجيه سوريا صوب مصر، مستغلاً الصراعات الداخلية والإقليمية.
10.دفاع الشرق الأوسط137–159▼ résumé
ملخص فصل "دفاع الشرق الأوسط"
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو فشل الخطط الدفاعية الغربية في الشرق الأوسط خلال الفترة من 1945 إلى 1958، وتحديداً في سورية. يقدم المؤلف أن هذا الفشل لم يكن ناتجاً عن سوء تقدير استراتيجي فحسب، بل كان نتيجة عميقة لعدم فهم الغرب لتعقيدات السياسة العربية الداخلية. الحجة الأساسية هي أن الغرب نظر إلى الشرق الأوسط من خلال منظار الحرب الباردة والمصالح الخاصة، متجاهلاً التوترات المحلية والقومية العربية الناشئة. الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن السياسات الدفاعية الغربية لم تفشل فقط، بل ساهمت في زعزعة الاستقرار الداخلي للدول العربية، خاصة سورية، وأدت إلى صراعات داخلية حادة.
يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال تحليل ردود الفعل العربية على المقترحات الدفاعية الغربية. يبدأ المؤلف بوصف الحساسية العربية تجاه هذه المقترحات، والتي نشأت من تجارب تاريخية مريرة مثل الانتداب الفرنسي على سورية، وهزيمة فلسطين عام 1948، ودور الغرب في إنشاء إسرائيل. هذه المشاعر تفاقمت بفعل الشائعات حول الضغوط الغربية على العرب للتوصل إلى صلح مع إسرائيل. يقدم الفصل مثالاً مهماً على ذلك في تصريح الشيخ مصطفى السباعي زعيم الإخوان المسلمين في سورية في 12 آذار 1950، حيث قال: "نعتزم التوجه إلى المعسكر الشرقي إذا لم ينصفنا الديمقراطيون... إننا سنتزوج بروسيا ولو كانت الشيطان نفسه". هذا المثال يوضح كيف أن الإحباط من الغرب وصل إلى درجة جعلت حتى التيارات الإسلامية المحافظة تفكر في التحالف مع المعسكر الشرقي.
يستخدم المؤلف أدلة متعددة من الأحداث والتواريخ لإظهار فشل المساعي الغربية. يذكر أن بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة أصدرت في 25 أيار 1950 إعلاناً ثلاثياً يلتزم بالسلام على الحدود الفلسطينية ويعارض استعمال القوة، ويجعل التزويد بالسلاح شرطاً لعدم الاعتداء. لكن هذا الإعلان لم ينجح في تهدئة الأوضاع. وقد تصاعدت المشاعر المعادية للغرب مع اندلاع الحرب الكورية، حيث قارن العرب بين الصهيونية والعدوان على كوريا الشمالية، وأظهرت الصحف العربية بهجة بفشل قوات الأمم المتحدة، معتبرة ذلك عقاباً للمنظمة على دعمها لإسرائيل.
يركز الفصل بعد ذلك على ردود الفعل السورية خلال زيارات المسؤولين الغربيين. يصف المؤلف كيف أن زيارات الجنرال سير بريان روبرتسون والسيد ج. ك. ماك غي في كانون الثاني وشباط 1951 قوبلت بمظاهرات واحتجاجات شعبية. في 20 كانون الثاني، وضعت متفجرات في القنصلية البريطانية في حلب، وفي 24 كانون الثاني أعلن بيان حزب البعث تحذيراً للغرب من محاولة جعل الوطن العربي قاعدة استراتيجية، وأعلن التزاماً بـ "حياد حقيقي". ثم تبع ذلك تفجير قنبلة في المفوضية الأمريكية في دمشق. يوضح المؤلف أن هذه المظاهرات لم تكن كلها من توجيه شيوعي كما يعتقد المراقبون الغربيون، بل قادها وطنيون مثل أكرم الحوراني وميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، الذين لم يكونوا رفاق طريق للشيوعيين بل كانوا يقاتلونهم على نفس الغاية القومية.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الأزمات السياسية الداخلية في سورية، معتبراً أن النقاش حول خطط الدفاع الغربية كان مرآة للصراعات المحلية. يصف المؤلف حالة عدم الاستقرار تحت حكومة ناظم القدسي التي سقطت في آذار 1951 بسبب فشلها في الوقوف أمام الجيش وتحديد موقف واضح من الحياد. يذكر المؤلف أن حسن الحكيم، الصديق القديم للهاشميين، كان من القلائل الذين تبنوا علناً سياسة موالية للغرب، لكنه فشل في الحصول على دعم شعبي. في المقابل، كانت قوى مثل حزب البعث والحزب العربي الاشتراكي والإخوان المسلمين تطالب بحياد صارم تجاه المعسكرين العالميين.
الجزء الأعمق من الفصل هو تحليل سقوط حكومة حسن الحكيم في تشرين الأول 1951. يصف المؤلف كيف أن وزير الخارجية فيضي الأتاسي هاجم في المجلس النيابي خطط الدفاع الغربية في 22 تشرين الأول، متسائلاً: "بأي طريقة نحن مهددون من هذا العدو الذي يهدف إليه هذا المشروع؟ أي سوء اقترفه هذا الغرب في حقنا؟ لقد كان الغرب هو الذي خلق إسرائيل". هذا الهجوم المفاجئ من وزير في حكومة موالية للغرب أظهر كيف أن قضية الدفاع أصبحت أداة في الصراع الداخلي بين حزب الشعب والجيش. وقد أقر المؤلف بتحفظ مهم هنا، مشيراً إلى أن الحكيم نفسه شك في أن هجوم الأتاسي كان مناورة من حزب الشعب للإطاحة به بعد أن استفادوا منه في حل مشاكل الحبوب وعجز الميزانية.
الجزء الأخير من الفصل يتناول انقلاب أديب الشيشكلي في 29 تشرين الثاني 1951. يوضح المؤلف أن حزب الشعب حاول تشكيل حكومة جديدة تحت معروف الدواليبي، الذي كان معروفاً بمعاداته للأمريكيين ودعوته للحياد وإقامة معاهدة عدم اعتداء مع روسيا. لكن الشيشكلي اعتقل رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة، معلناً أن الجيش تولى المسؤولية من أجل السلامة والأمن العامين. يتساءل المؤلف عن حقيقة أهداف الشيشكلي، مشيراً إلى تحفظ حسن الحكيم الذي قال إن الشيشكلي لم يطمح أن يصبح رئيساً للجمهورية بل فرض الموقف عليه. وهذا التحفظ يترك سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان الانقلاب نتيجة لطموح شخصي أم استجابة للفشل السياسي.
من الحجج القابلة للنقاش في الفصل هو توصيف المؤلف لردود الفعل السورية بأنها "قومية حقيقية" وليست مجرد تأثير شيوعي. يصر المؤلف على أن زعماء مثل أكرم الحوراني وعفلق والبيطار لم يكونوا منفذين للتعليمات الشيوعية، بل كانوا يتجنبون الصراع بين الدول الكبرى بغريزة وطنية. لكن هذا التوصيف يمكن مناقشته بالنظر إلى تحالفاتهم اللاحقة مع الاتحاد السوفيتي، مما قد يثير تساؤلات حول مدى نقاء دوافعهم القومية. كما أن الفصل يقدم حجة ضمنية بأن التدخل العسكري في السياسة كان نتيجة طبيعية لفشل النظام البرلماني في سورية، لكن هذه الحجة تبقى بحاجة إلى تدقيق أعمق حول ما إذا كان الانقلاب حلاً أم مشكلة في حد ذاته.
في النهاية، يخلص المؤلف إلى أن "مصير خطط الدفاع الغربية لا يمكن أن يفصل عن نتيجة هذه المعارك العارمة المحدودة" داخل سورية. ويحذر من أن الغرب إذا لم يفهم التعقيدات المحلية، فلن يتمكن من الاستمرار في المنطقة. وهذه الخاتمة تحمل نقداً ضمنياً للسياسات الغربية التي تتعامل مع الشرق الأوسط كملحق للحرب الباردة.
11.الديكتاتورية العسكرية160–169▼ résumé
هذا الفصل من كتاب "الصراع على سوريا 1945-1958" يتناول بؤرة التحول الحاسم في التاريخ السوري الحديث: فترة الحكم العسكري بقيادة أديب الشيشكلي، وكيف أسست هذه الفترة لتقاليد التدخل العسكري في السياسة التي ستطبع البلاد لعقود. المحور الرئيسي هو أن الشيشكلي لم يكن مجرد ديكتاتور عسكري عابر، بل كان المهندس الذي حول الجيش السوري من أداة دفاعية إلى قوة سياسية مركزية، مما خلق نمطاً من الحكم جعل الجيش "أداة سياسية لا تستحي"، وأرسى أسس الصراعات التي قادت لاحقاً إلى الوحدة مع مصر عام 1958. يقدم المؤلف إجابة واضحة: الديكتاتورية التي أسسها الشيشكلي، رغم نجاحاتها الأولية في فرض النظام، كانت هشة بطبيعتها لأنها قامت على تدمير كل القوى السياسية المدنية دون بناء بديل حقيقي، مما جعلها تعتمد بالكامل على شخصه وعلاقاته الضيقة داخل الجيش.
يسير الفصل خطوة بخطوة ليشرح كيف بنى الشيشكلي سلطته المطلقة. يبدأ بوصف الإرث الذي تركه الجيش بعد حرب فلسطين: جيش "سيء القيادة والتدريب والتجهيز". ثم ينتقل إلى إصلاحات الشيشكلي العسكرية الجذرية، حيث أحال عدداً من الضباط المسنين إلى التقاعد ووضع مكانهم ضباطاً قوميين شباناً مثل شوكت شقير وأمين النفوري وعبد الحميد السراج، وأرسل العديد منهم للتدريب في فرنسا وإيطاليا وألمانيا الغربية. هذه الإصلاحات لم تكن تقنية فحسب، بل كانت سياسية، إذ كوّن الشيشكلي بذلك قاعدة ولاء شخصية له داخل الجيش. ويوضح الفصل دهاء الشيشكلي في تجنب المسؤولية المباشرة؛ فبعد انقلابه الثاني في أواخر تشرين الثاني عام 1951، لم يتخذ أي لقب رسمي، بل حكم من وراء الستار عبر رئيس صوري هو الزعيم فوزي سلو، الذي شغل مناصب رئيس الدولة ورئيس الوزراء ووزير الدفاع، بينما أمسك الشيشكلي بزمام القيادة العليا للجيش.
يتعمق الفصل في السياسات الداخلية للديكتاتورية، مظهراً تناقضها بين الحماسة الإصلاحية والممارسة القمعية. يبرز الفصل التحالف اللحظي بين الشيشكلي وأكرم الحوراني، القوي القادم من حماه، والذي شاركه في حملة "مبدأ العمال والفلاحين" التي أعلناها في كانون الثاني عام 1952. هذه الحملة تمثلت في "مرسوم توزيع أراضي الدولة رقم (5)" الذي صدر في 30 كانون الأول 1951، لكن المؤلف يصفه بأنه "حسن المقصد وإن كان سيء الإعداد" ومستحيل التطبيق عملياً، لأن مواقع الأراضي غير المسجلة كانت مجهولة. وجاء هذا التشريع في أعقاب حملة عنف ضد ملاك الأراضي في أواسط سورية في صيف 1951، حيث قام الحوراني بتشجيع الفلاحين على مهاجمة كبار الملاك مثل عائلة البرازي، مما أثار معارضة الشيوعيين الذين رأوا في ذلك سرقة لشعاراتهم. يخلص المؤلف إلى أن المنهاج كان يمكن أن يكون أكثر فعالية لو ركز على توطين الفلاحين في مشاريع الري الحكومية بدلاً من تحديد الملكيات في الأراضي البعلية. لكن القمع لم يقتصر على الإقطاعيين؛ ففصل الشيشكلي كل مظاهر المعارضة، فمنع ارتياد الملاهي في رمضان، وأخضع الأجانب لرقابة صارمة، وفي منتصف كانون الثاني أمر بحل فرع الإخوان المسلمين في سوريا وإغلاق مكاتبهم ومدارسهم، ثم تبع ذلك حظر عام على كل الأحزاب السياسية في نيسان، وطرد عدد كبير من الموظفين والأساتذة الذين رفضوا أداء قسم الولاء للحكم. يصف الفصل كيف مدت الصحافة المحلية يد العون لهذا القمع، فطالبت بإجراءات أشد جرأة مثل فرض زي موحد، ونسبت غزارة الأمطار في تلك الفترة إلى "الرضا الإلهي" الذي استحقه القائد بحكمته.
ينتقل الفصل لتحليل سياسة الشيشكلي الخارجية، ويصفها بأنها كانت حادة في عدائها للهاشميين في العراق. يُظهر الفصل أن انقلاب الشيشكلي الثاني وجه "ضربة قاضية" للمطامع العراقية في سوريا، التي دعمت حزب الشعب والنصر المنحلين. وعندما سحبت بغداد اعترافها بالحكومة الجديدة ودعت الدول العربية لفعل المثل، فشلت هذه المناورات، ففي 6 كانون الأول 1951 اعترفت الدول العربية بالوضع الراهن في دمشق، وبعشرة أيام تلتها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وتركيا، آملة في تمهيد الطريق لمشروع "قيادة الشرق الأوسط" الذي رفضته مصر. يكشف الفصل عن تناقض الشيشكلي مع الغرب؛ فبينما كان يرغب في الحصول على السلاح من فرنسا، كان يرفض أي مساس بسيادة البلاد عبر نظام دفاع غربي، وقد تأثر بمن حوله مثل الحوراني الذين كانوا يدينون الحياد ويعتبرون أي اتفاق مع الغرب خيانة. ولإثبات الاستقرار، قام الشيشكلي وسلو بجولة دبلوماسية، فزارا الملك طلال في عمان في 19 آذار، ثم بيروت لعقد اتفاق اقتصادي سوري لبناني، وأخيراً المملكة العربية السعودية في 8 نيسان، حيث أجرى محادثات مع الملك وأعلن أن زياراته تستهدف تقوية الروابط الأخوية.
12.اسقاط الشيشكلي170–177▼ résumé
يتمحور هذا الفصل حول سقوط حكم أديب الشيشكلي في سوريا، ويقدم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن الديكتاتورية العسكرية، رغم قوتها الظاهرية، تنهار عندما تفقد دعم قاعدتها الأساسية (الجيش) وتواجه معارضة موحدة. يوضح الفصل كيف أن الشيشكلي، الذي بدا في أوج قوته بعد انتخابه رئيساً للجمهورية، قاد نفسه بنفسه إلى العزلة والسقوط بسبب سياساته القمعية وإقصائه لحلفائه السابقين.
يسير الفصل خطوة بخطوة ليروي قصة الانهيار. يبدأ بوصف الشيشكلي في أوج قوته بعد انقلابه، حيث زار القاهرة في الحادي عشر من كانون الأول والتقى باللواء محمد نجيب، مقلداً بذلك زيارة حسني الزعيم السابقة للملك فاروق. كان هدفه استمزاج رأي الضباط الأحرار حول استمرار الدعم المصري. لكنه عاد إلى دمشق في السادس عشر من كانون الأول ليواجه أزمة حادة. يذكر الفصل أن العقيد عدنان المالكي، وهو ضابط صغير معروف، كان في استقباله في المطار وقدم له ثلاثة مطالب ملحة: حل حركة التحرير العربي، تشكيل حكومة مدنية، وإعادة الحريات السياسية. ويوضح الفصل أن الشيشكلي، بتكتيكه المعهود، وافق على هذه الشروط مادحاً المالكي على شجاعته، ثم طلب منه تقديم أسماء الضباط والسياسيين الذين يشاركونه أهدافه، ليقوم باعتقالهم جميعاً. في الرابع والعشرين من كانون الأول، أعلن رئيس الأركان عن اكتشاف مؤامرة ضد النظام، متهماً الضباط بالوقوع فريسة لأفكار سياسيين متطرفين يروجون أن الحكومة ستوافق على خطط الدفاع عن الشرق الأوسط وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.
يلفت الفصل الانتباه إلى نقطة تحول محورية وهي هروب قادة حزب البعث، أكرم الحوراني، ميشيل عفلق، وصلاح الدين البيطار، إلى لبنان سراً لتجنب الاعتقال، حيث كرروا اتهاماتهم للصحافة البيروتية. ويشير الكاتب إلى أن هذا الحدث مثل "نقطة انعطاف"، حيث أن هؤلاء الرجال، الذين كانوا من أشد منتقدي الشيشكلي والتزاماً بالمبادئ، دخلوا في شراكة مع خصومهم ضد الديكتاتورية، مما غير مستقبل البلاد. في الرابع من شباط عام 1954، نشرت صحيفة "الدستور" اللبنانية بياناً من الثلاثة يتهمون الشيشكلي بقمع الحريات واضطهاد المعارضين، واتهموه بتنفيذ خطط دفاعية غربية من خلال بناء طرق ومطارات استراتيجية وميناء اللاذقية بتمويل من الضرائب. يذكر الفصل أن الشيشكلي وصفهم بـ"عملاء سريين للسي آي إيه"، وأن لبنان رفض طلب تسليمهم على الرغم من الضغط بقطع الحدود لمدة أربع وعشرين ساعة.
مع تفاقم الأزمة وامتلاء السجون بالمشتبه بهم ونزوح العديد من السوريين، انتشرت الاضطرابات من الجيش إلى الجامعة التي أضربت لأول مرة لثلاثة أشهر. يصف الفصل كيف أن الشيشكلي أصبح أكثر شكوكاً، يخبط عشواء ويخشى النوم في منزله خوفاً من الاغتيال. في محاولة يائسة لترسيخ حكمه، دفع الشيشكلي قدماً بخطة لإنشاء حكم رئاسي على النمط الأمريكي. في العشرين من حزيران، أعلن عن مسودة دستور جديد، مؤكداً على فوائد الحكم القوي، حيث نص على أن الرئيس ينتخب بالاقتراع السري المباشر ويعين وزراء مسؤولين أمامه. تمت الموافقة على الدستور بنسبة ساحقة بلغت 861,225 صوتاً مقابل 2,773، وأعلن انتخاب الشيشكلي رئيساً بأغلبية ساحقة بصفته المرشح الوحيد. تم تعيين فوزي سلو رئيساً للأركان بدلاً من شوكت شقير الذي تقاعد، وفي التاسع من تشرين الأول أجريت الانتخابات البرلمانية حيث كسبت حركة التحرير العربي 72 مقعداً من أصل 82، بينما كسب الحزب القومي السوري مقعداً واحداً.
يوضح الفصل كيف أن هذه الإجراءات الشكلية لم تخدع أحداً، معترفاً بأن حكم الشيشكلي كان "نظاماً غير شرعي حاول عن طريق الانتخابات أن يضفي عليه ثوباً من الشرعية"، حيث أن نسبة المشاركة لم تتجاوز %30 حسب تصريح صلاح الدين البيطار. ويخلص إلى أن الشيشكلي كان قد انتهى سياسياً، إذ اتضح للشعب أن الحكم العسكري لا يستطيع تقديم شيء على المدى الطويل. يقدم الفصل تفسيراً لطول فترة حكم الشيشكلي (من كانون الأول 1951 إلى شباط 1954) لا يعزوها لكفاءته بل إلى الازدهار الزراعي الكبير الذي شهدته سوريا في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، حيث تضاعف إنتاج القمح بين عامي 1948 و1949 وزاد إنتاج القطن إلى عشرة أمثاله. ويؤكد أن هذا التوسع الزراعي يعود إلى مبادرات التجار وليس إلى سياسات الحكومة، التي كان أبرز إسهاماتها تأسيس مكتب القطن في عام 1952.
أخيراً، يناقش الفصل سقوط الشيشكلي الذي هرب من دمشق في شباط 1954، معترفاً بأن دراسة هذا السقوط تكشف عن ملابسات السياسة السورية أكثر مما تكشفه سنوات حكمه. ويصف المؤلف كيف أن الديكتاتورية تشوه العمل السياسي وتدفع المعارضين إلى العمل السري، ولا يتمزق هذا الغطاء إلا عندما يبرز الأعداء ويتحدون. ويقر المؤلف بأن دوافع الذين أسقطوه لم تكن نقية بالكامل، بل كانت مزيجاً من الوطنية والشعور بالظلم، بالإضافة إلى المطامح الشخصية والإغراءات الأجنبية. وينتهي الفصل بذكر مقولة الشيشكلي نفسه التي لخصت مخاوفه: "إن أعدائي يشبهون الأفعى، رأسها جبل الدروز، ومعدتها حمص، وذنبها حلب... فاذا سحقت الرأس ماتت"، معترفاً بأن خوفه من الدروز لم يكن في محله، إذ شكلوا كتلة متماسكة في جنوب سوريا تملك تقليداً في مقاومة السلطة المركزية.
13.البعث والشيوعيون178–197▼ résumé
ملخص الفصل: «البعث والشيوعيون»
يتناول هذا الفصل الصراع السياسي في سورية خلال فترة حكم أديب الشيشكلي (1949-1954)، وكيف تشكلت تحالفات المعارضة التي أدت إلى إسقاطه. يقدم المؤلف تحليلاً للعوامل الداخلية والخارجية التي ساهمت في انهيار النظام الشيشكلي، مع التركيز على دور جبل الدروز وحمص وحلب كمراكز رئيسية للمعارضة.
يبدأ الفصل بوصف الحالة في جبل الدروز، حيث كانت العلاقات متوترة مع حكومة دمشق منذ فترة طويلة. يفصل المؤلف كيف أن ضم الجبل إلى سورية عام 1946 أفقد الدروز حكمهم الذاتي الذي تمتعوا به خلال الانتداب. ويذكر أن الرئيس شكري القوتلي حاول إضعاف نفوذ عائلة الأطرش عام 1949، بدعم من ابن سعود، مما أدى إلى مواجهات مسلحة بين الفلاحين الدروز وآل الأطرش. وقد أضعفت هذه الحوادث موقف القوتلي وساعدت على نجاح انقلاب حسني الزعيم، لكن الزعيم بدوره أثار عداء الدروز.
ويصف الفصل تحالفاً سرياً تشكل في حمص في الرابع من تموز عام 1953 بين حزب الشعب، والبعث، والشيوعيين، وعدد من المستقلين، بهدف إسقاط الشيشكلي. وقد اتفقت هذه المجموعات على أن تكون انطلاقة العصيان من جبل الدروز. لكن بحسب رواية حسن الأطرش، فإن خطأ في التوقيت حدث عندما قام الشيوعيون بتوزيع منشورات معادية للشيشكلي قبل أن تكون الاستعدادات جاهزة، مما نبه السلطات. قام الشيشكلي باعتقال أعضاء الوفد الدرزي وأرسل قوات إلى الجبل، وحاصر سلطان باشا الأطرش في بيته.
ويتناول الفصل الأحداث الدامية التي تلت ذلك في الأسبوع الأخير من كانون الثاني عام 1954، حيث استخدمت القوات الحكومية الأسلحة الثقيلة ضد الأهالي في السويداء، واحتل الجيش الجبل بأكمله، بينما فر الزعماء الدروز إلى الأردن. وتصف المصادر أن هذه الأحداث رافقتها إضرابات ومظاهرات طلابية في المدن الرئيسية.
يتحول الفصل إلى الحديث عن حلب كمركز آخر للمعارضة، حيث يشير المؤلف إلى أن سياسات الشيشكلي كانت تهدف إلى خلق دولة عربية إسلامية متجانسة على حساب الأقليات مثل الأكراد والآشوريين والأرمن والعلويين والمسيحيين. وقد صدرت مراسيم تمنع التحدث بغير العربية في الاجتماعات العامة وتفرض حصة دنيا للمسلمين في مجالس الأقليات. هذه السياسات أدت إلى اضطرابات في حمص وحماه ودمشق وأعمال عنف في الجامعة.
وفي ليلة 27 كانون الثاني، اعتقل الشيشكلي 24 من القادة السياسيين، من بينهم صبري العسلي ورشدي الكيخيا وأكرم الحوراني وميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وحسن الأطرش، بالإضافة إلى أساتذة جامعة دمشق. وفرضت الإقامة الجبرية على هاشم الأتاسي. وفي اليوم التالي، أصدرت نقابتا المحامين في دمشق وحلب احتجاجات شديدة اللهجة. ثم هدأت الأوضاع مؤقتاً، وأعلنت الحكومة عودة الأمن في 30 كانون الثاني.
يوضح الفصل أن هذه الاضطرابات أتاحت الفرصة لوضع الصراع الداخلي في سياق أوسع، حيث يشير إلى أن العراق كان يشجع ويمول العصيان ضد الشيشكلي. كان الشيشكلي يعتبر العائق الرئيسي أمام توسع النفوذ الهاشمي في سورية، إذ رفض كل محاولات التقارب مع العراق وأقام علاقات متينة مع السعودية. وكان الوصي على عرش العراق يتابع حكم الشيشكلي بالقلق، خاصة مع اقتراب انتهاء وصايته في أيار 1954 عندما يعتلي فيصل الثاني العرش.
ويذكر المؤلف أن الحكومة الثورية التي جاءت بعد الشيشكلي كشفت في محاكمة عام 1958 أن العديد من الساسة السوريين كانت لهم اتصالات وثيقة مع الدوائر العراقية وتلقوا أموالاً منها. وقد كشف أن صبري العسلي تلقى 11 ألف دينار من العراق خلال الحملة ضد الشيشكلي. كما يوجد تفاصيل عن خطة عسكرية عراقية لاحتلال سورية، وضعها الملحق العسكري العراقي في دمشق، لكنها لم تنفذ.
ويتناول الفصل موقف بريطانيا من هذه الأحداث، مشيراً إلى أن مصلحتها كانت تتمثل في الحفاظ على استقرار سورية لتأمين أنابيب نفط العراق. لكنها لم تستطع معاداة خطط الهاشميين في سورية نظراً لالتزاماتها تجاههم. وفي المقابل، كانت فرنسا تدعم الشيشكلي وتعتبره بطلاً لاستقلال سورية لأنه أعاد بعض نفوذها في منطقة انتدابها السابقة. أما مصر فكانت سنداً للشيشكلي، بينما كانت السعودية دعمه الرئيسي في وجه الضغط العراقي.
يختم الفصل بوصف تفصيلي لانقلاب شباط 1954 الذي أطاح بالشيشكلي. في 16 شباط، قام النقيب مصطفى حمدون من حامية حلب بإذاعة أول نداء للثورة. وقبل ذلك، قام المقدم فيصل الأتاسي باعتقال قائد اللواء الثاني في حلب. وانضم إليه العقيد أمين أبو عساف من دير الزور، والمقدم عبد الجواد رسلان من اللاذقية، والعقيد محمود شوكت من المنطقة الوسطى. وأيد الانقلاب أيضاً العقيد عمر القباني من حوران. وقد طلب الثوار عودة هاشم الأتاسي إلى الرئاسة.
ويصف الفصل كيف أن الشيشكلي، بعد أن عزل عن معظم قواته، استشار مستشاريه وغادر دمشق في الساعة العاشرة مساءً من يوم الانقلاب إلى بيروت ثم إلى المنفى في السعودية. ويقدم المؤلف تحليلاً لأسباب استسلام الشيشكلي دون قتال، مشيراً إلى أنه ربما خشي من أن يطلب الثوار تدخل الجيش العراقي، أو أنه فضل الانسحاب بكرامة آملاً العودة لاحقاً، أو أنه تعب من الحكم. ويذكر المؤلف أن السوريين يتمتعون بسمعة غير مستحقة في الميل إلى العنف، وأن معظم الصراعات السورية تنتهي باتفاق على حقن الدماء.
ينتهي الفصل بوصف الفوضى التي تلت سقوط الشيشكلي، حيث حاول بعض الضباط الموالين له مثل النقيب عبد الغني شحادة والنقيب حسين حدة تنظيم انقلاب مضاد، لكنهم فشلوا واستسلما. ودخل هاشم الأتاسي دمشق في 1 آذار 1954 منتصراً. ويختتم الفصل بتحليل لدور كل من البعث والشيوعيين، مشيراً إلى أنهم رغم خلافاتهم الأيديولوجية، اتحدوا في فترات الأزمات عندما يخافون من سيطرة القوى التقليدية أو "الرجعية". ويؤكد المؤلف أن سقوط الشيشكلي أعطى هذه الأحزاب اليسارية فرصة للظهور والتأثير، خاصة بعد انتخابات عام 1954 التي أظهرت الانقسامات في المعارضة السرية.
ويختتم الفصل بملاحظة أن الشيشكلي كان قومياً سورياً حقيقياً رفض الضغوط الخارجية والتعاون مع مشاريع تنظيم المنطقة دفاعياً، مما جرد سورية من عنصر الحماية في المواجهة التالية بين مصر والعراق حول حلف بغداد. ويذكر في الهامش أن الشيشكلي اغتيل في البرازيل في 27 أيلول 1974 على يد درزي انتقاماً لعمليات القمع في جبل الدروز.
14.انتخابات حرة (١٩٥٤)198–245▼ résumé
بدأ الفصل بتحليل جذور الأفكار التي حملها ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، مؤسسا حزب البعث. لقد تأثرا في شبابهما بالفكر الماركسي خلال دراستهما في فرنسا، لكنهما تميزا بنزعة إنسانية ورومانسية جعلتهما يرفضان الانضمام للحزب الشيوعي المحلي، رغم تعاطفهما المبكر معه. ويعود سبب هذا الرفض إلى قناعتهما بأن الماركسية كما يفهمانها هي "طريقة حياة" أو "علاج ميتافيزيقي" وليس عقيدة سياسية جامدة، إضافة إلى اشمئزازهما من التبعية للحزب الشيوعي الفرنسي بعد تحالفه مع حكومة الجبهة الشعبية، وهو ما رأوا فيه خيانة لمصالح سوريا القومية.
يصف الفصل المراحل التكوينية للحزب، بدءاً من الاجتماعات الطلابية السرية في دمشق لإصدار المنشورات، مروراً بالتحول من حركة سرية إلى حزب سياسي شرعي بعد رحيل الفرنسيين عام 1945. ويوضح كيف تبنى البعث "ثالوثه" الشهير: الوحدة والحرية والاشتراكية، كأهداف متلاحمة لا يمكن الفصل بينها. ويميز الفصل بين هذه الاشتراكية "الروحية" العربية والاشتراكية "المادية" الغربية، مؤكداً أن الهدف الأسمى للبعث هو "بعث" الأمة العربية وإحياء رسالتها الخالدة من خلال ثورة جذرية لا تكتفي بالإصلاح السطحي.
ثم ينتقل الفصل إلى تفصيل الظروف السياسية التي سبقت انتخابات عام 1954، التي وصفت بأنها أول انتخابات حرة في العالم العربي بعد سقوط دكتاتورية أديب الشيشكلي. يركز الفصل على حكومة صبري العسلي الانتقالية التي تميزت باستبعاد البعثيين، مما دفعهم للمعارضة. ويوضح كيف أن القضية المركزية في الحملة الانتخابية كانت موقف سوريا من الأحلاف الغربية، خاصة حلف بغداد، وانعكاس الصراع الداخلي بين تيار موالٍ للعراق وآخر موالٍ لمصر والسعودية. وقد أدت هذه الضغوط، بالإضافة إلى فساد الحكومة وصراعها مع الجيش، إلى سقوط حكومة العسلي بعد 45 يوماً فقط.
مع تشكيل حكومة سعيد الغزي الحيادية، أجريت الانتخابات بنظام الاقتراع السري، وهو إجراء ثوري ناضل من أجله حزب البعث. ويتناول الفصل بالتفصيل مواقف القوى السياسية المتنافسة: الحزب الوطني الذي كان يتقهقر ويعتمد على نفوذ الشخصيات التقليدية وذاكرة النضال ضد الانتداب، حزب الشعب الذي كان منقسماً حول الوحدة مع العراق لكنه احتفظ بقوته في مدينتي حلب وحمص، حزب البعث الذي خاض حملة شعبية غير مسبوقة في الريف لاستقطاب الفلاحين ضد الإقطاع، والحزب الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش الذي تحول تكتيكه من العداء إلى الدعوة لجبهة وطنية واسعة.
يتطرق الفصل أيضاً إلى قوى أقل حظاً مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي، الذي عانى من ضعف شعبيته بسبب عقيدته السورية المتعارضة مع القومية العربية، والإخوان المسلمين الذين لعبوا دوراً في إذكاء المشاعر المعادية للثورة المصرية، وحركة التحرر العربي التي خسرت زخمها بعد سقوط زعيمها الشيشكلي. ويشير إلى أن المستقلين من الزعماء التقليديين وأصحاب الأراضي شكلوا قوة كبيرة في البرلمان، مما يعكس ضعف التنظيم الحزبي وتمسك المجتمع بأنماط الولاء القديمة.
في النهاية، جرت الانتخابات على جولتين في أيلول وتشرين الأول عام 1954 في جو من الحرية والنظام. ويخلص الفصل إلى أن هذه الانتخابات لم تكن مجرد عودة للحكم النيابي، بل كانت مقياساً حاسماً للقوى السياسية المتصارعة ومقدمة لصراع أوسع حول هوية سوريا وانتمائها. يترك الفصل القارئ على عتبة تساؤل مهم: كيف ستتفاعل هذه القوى في ظل الضغوط الدولية المتصاعدة، وهل ستتمكن القوى التقليدية من الصمود أمام المد القومي واليساري المتصاعد؟
15.حلف بغداد واعداؤه - 1246–279▼ résumé
ملخص الفصل
يدور هذا الفصل حول تشكيل حلف بغداد والصراع الدائر حوله بين القوى الغربية، وبين مصر والعراق، وصولاً إلى الدور الحاسم الذي لعبته سوريا في تحديد مصير هذا الحلف. يقدم المؤلف تحليلاً للسياسات المتضاربة لكل من بريطانيا والولايات المتحدة ومصر والعراق، ويبين كيف أن التنافس على النفوذ في المنطقة العربية، وخاصة حول مسألة الدفاع الجماعي، هو الذي قاد إلى هذا المشهد المعقد.
يبدأ الفصل بتوضيح الخلافات الأساسية بين بريطانيا والولايات المتحدة في سياستيهما تجاه الدفاع عن الشرق الأوسط. ففي حين اتفقتا على الهدف الاستراتيجي العام المتمثل في مواجهة المعسكر الشيوعي، اختلفت أولوياتهما. كانت بريطانيا، التي تملك مصالح ومكتسبات واسعة في العالم العربي، تسعى للحفاظ على ما يمكن إنقاذه من نفوذها من خلال إنشاء منظمة دفاعية غربية تمكنها من الاحتفاظ بحقوقها وتسهيلاتها العسكرية. في المقابل، نظرت الولايات المتحدة إلى قضية الدفاع بطريقة مختلفة، حيث كانت تتطلع إلى إنشاء "سد" من الدول غير العربية على حدود روسيا الجنوبية، مكون من تركيا وإيران وباكستان، كخط دفاع أمامي.
يذكر المؤلف أن التباين بين الحليفين لم يكن دائماً بهذا الوضوح، ويعود إلى أوائل الخمسينيات عندما حاولت بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا استمالة مصر للانضمام إلى نظام دفاعي. وقد فشلت هذه المحاولة، وبرز الخلاف بوضوح عندما حولت الحكومة الأمريكية الجديدة برئاسة أيزنهاور اهتمامها إلى قضية الدفاع عن الشرق الأوسط في أوائل عام 1953. ويوثق الفصل رحلة وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالس إلى الشرق الأوسط في شهر أيار من ذلك العام، ولقاءه مع جمال عبد الناصر الذي عبر عن رفضه لأي حلف غربي. شرح عبد الناصر لدالس أن وسائل الحرب الحديثة جعلت العدوان الخارجي احتمالاً ضعيفاً، وأن الأولوية يجب أن تكون للمشاكل الداخلية. وأوضح أن أي حكومة عربية ترضخ للضغط لتنضم إلى معسكر غربي ستفقد الدعم الشعبي ولن تكون قادرة على القيادة.
بعد عودته، خلص دالس إلى أن منظمة دفاع الشرق الأوسط هي "احتمال المستقبل لا للفترة الحالية"، وأن الدول العربية منشغلة بنزاعاتها المحلية. وقد دفع هذا الاستنتاج الولايات المتحدة إلى التركيز على "الحزام الشمالي" المكون من تركيا وإيران وباكستان، وهي دول غير عربية نجحت أمريكا في تقويتها. يصف الفصل كيف تم تعزيز العلاقات مع هذه الدول: تركيا التي انضمت إلى حلف الناتو في شباط 1952، وإيران بعد سقوط مصدق في آب 1953، وباكستان التي تلقت مساعدات غذائية أمريكية. وقد توجت هذه الجهود بتوقيع اتفاقية صداقة تركية-باكستانية في شباط 1954، مما أثار احتجاجات من الاتحاد السوفييتي والصين وأفغانستان.
هذا التوجه الأمريكي أثار سخط بريطانيا، التي شعرت بأن مسؤوليتها الأولى في العراق وباكستان قد تم تجاهلها، وأن المخططات الأمريكية تمت دون استشارتها. كان لدى بريطانيا مشكلة خاصة في العراق تتعلق بمستقبل المعاهدة الأنجلو-عراقية لعام 1930، والتي كانت على وشك الانتهاء. كان البريطانيون يخشون من أن انضمام العراق إلى تحالف أمريكي مع دول "الطوق الشمالي" سيجعل تجديد هذه المعاهدة مستحيلاً، مما يبدد نفوذهم في العراق. كما أنهم كانوا قلقين من رد فعل مصر وتأثير ذلك سلباً على المفاوضات الجارية حول قناة السويس.
في المقابل، قدم نوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي، مشروعه البديل لحلف دالس. كان مشروع نوري السعيد يهدف إلى تحويل مركز الثقل في النظام الدفاعي إلى العالم العربي مرة أخرى، من خلال تقوية ميثاق الأمن الجماعي العربي، وإعطاء العراق دوراً محورياً كهمزة وصل بين العرب وتركيا والقوى الغربية، وتحت الإشراف البريطاني بشكل أساسي. كان هذا المشروع بمثابة أداة سياسية للقوة البريطانية والعراقية في المنطقة. وقد تجسدت نواته في معاهدة "حلف بغداد" التي وقعت في 24 شباط 1955.
يوضح الفصل أن خطوة العراق هذه هُزمت أمام المعارضة المصرية الشرسة. فمنذ ثورة يوليو 1952، تبنى جمال عبد الناصر رؤية جديدة للسياسة العربية تقوم على التضامن العربي الكامل تحت قيادة مصر، ورفض أي ارتباط بالغرب. يشرح الفصل كيف تشكلت هذه النظرة عند عبد الناصر من خلال تجربته في حرب فلسطين عام 1948، التي جعلته يدرك أن المنطقة العربية واحدة، ومشاكلها واحدة، وعدوها واحد (الاستعمار وإسرائيل)، وبالتالي يجب أن تتحد جهودها.
مع اقتراب العراق من حلف بغداد، أعلنت مصر سياستها الجديدة في كانون الثاني 1955، التي قامت على ثلاثة مبادئ: إقامة كتلة عربية حرة من أي تأثير استعماري، عقد معاهدة تربط هذه الشعوب معاً، وتأسيس كتلة إفريقية. كانت هذه السياسة تهدف إلى "حياد إيجابي" يرفض أي نوع من التعاون مع الغرب إلا على أساس الاعتراف بالسيادة والاستقلال. وقد عززت مصر هذا التوجه عبر إذاعة "صوت العرب"، التي أصبحت الأداة الرئيسية لنشر الدعاية المناهضة للاستعمار. كان رد عبد الناصر على الاتفاقية التركية-الباكستانية واضحاً ومختصراً: "يجب أن لا تنضم أي دولة عربية إلى الحلف". ومع اقتراب العراق من الانضمام، اشتدت المعارضة المصرية، ووصفت الحلف بأنه قناع للاستعمار.
يخصص الفصل حيزاً كبيراً لتحليل السياسة العراقية. فحكام العراق، وخاصة نوري السعيد وعبد الإله، لم يؤمنوا بالحياد. رأوا في خطر التوسع السوفييتي تهديداً حقيقياً، وكان ولاؤهم لبريطانيا كبيراً. كما أنهم لم يثقوا في جيرانهم العرب، ورأوا في الجامعة العربية وميثاق الأمن الجماعي أدوات للتدخل المصري في شؤونهم. بالنسبة لنوري السعيد، كان حلف بغداد فرصة لاستخلاص زمام المبادرة من مصر، وتأمين دفاع العراق بدعم غربي، والحد من النفوذ المصري. وقد ساعده في ذلك عائدات النفط المتصاعدة.
يصف الفصل لقاءين مهمين بين الجانبين المصري والعراقي. الأول كان في مصيف سرسنك في شمالي العراق في آب 1954، حيث التقى صلاح سالم، الناطق باسم الثورة المصرية، مع نوري السعيد والملك فيصل الثاني. شرح صلاح سالم الموقف المصري القائم على رفض الارتباط بالغرب، وأكد أن التحالفات الغربية تغذي الشيوعية وتصور الحكومة كلعبة في أيدي الدول العظمى. واقترح بديلاً يتمثل في إنشاء حلف عربي صرف، وطلب المساعدة من الغرب بعد تشكيله. في نهاية اللقاء، بدا أن نوري السعيد قد تأثر، لكنه اشترط استشارة بريطانيا وأمريكا، وهو ما رفضته مصر لاحقاً.
اللقاء الثاني كان في القاهرة في أيلول 1954، حيث اجتمع عبد الناصر ونوري السعيد. شرح نوري السعيد أنه لا يستطيع الاعتماد على العرب للدفاع عن بلاده، وأن الطريقة الوحيدة هي التحالف مع الغرب. أما عبد الناصر فردّ بأن مصر تحتاج إلى عامين من الحرية والاستقلال بعد جلاء البريطانيين لتقرر سياستها. اعتبرت مصر أن إصرار العراق على استشارة الغرب هو خروج على الاتفاق، مما أدى إلى فشل المحادثات. رسم نوري السعيد بعد ذلك استراتيجيته في لندن واسطنبول، وعاد بخطة تقوم على إدخال تركيا إلى ميثاق الأمن الجماعي العربي، تحت إشراف بريطانيا وأمريكا.
في خضم هذا التنافس، حاولت مصر تقريب وجهات النظر مع تركيا، ودخلت معها في "شهر عسل" قصير، لكن سرعان ما ساءت العلاقات عندما أدركت مصر أن تركيا تستخدمها كطعم لجرها إلى نظام دفاع غربي. مع توقيع اتفاقية الجلاء الأنجلو-مصرية في تشرين الأول 1954، بلغت الدعاية المصرية ذروتها، منادية بتحرر كل العرب من الاستعمار. ومع ذلك، يوضح الفصل أن السياسة المصرية لم تكن بعد معادية للغرب بشكل كامل، بل كان هناك غموض انعكس في قرارات مؤتمر وزراء الخارجية العرب في كانون الثاني 1955، الذي قرر منع الانضمام لأي حلف خارج ميثاق الأمن الجماعي، لكنه في نفس الوقت أبدى استعداداً للتعاون مع الغرب إذا قدم حلولاً للمشاكل العربية.
يختتم الفصل بالإشارة إلى الدور الحاسم الذي لعبته سوريا في معركة حلف بغداد. فبينما كانت مصر والعراق تتصارعان، أصبحت سورية هي الصوت الحاسم والمرجح لمستقبل الحلف. إذا قبلت سورية العضوية، كانت دول عربية أخرى ستتبعها، مما كان سيجعل الحلف ناجحاً ومعزولاً لمصر. أما وقد رفضته وناصبته العداء الشديد، فقد أدى ذلك إلى تجميده وعزل العضو العربي الوحيد فيه، وهو العراق. ويشير الفصل إلى أن اختيار سورية ظهر بوضوح في انتخابات أيلول 1954 التي أسفرت عن فوز كاسح للتيار الحيادي، مما مهد لرفضها القاطع للحلف مباشرة قبل توقيعه في شباط 1955.
16.حلف بغداد واعداؤه - 2280–310▼ résumé
ملخص الفصل «حلف بغداد واعداؤه - 2» من كتاب "الصراع على سوريا 1945-1958"
يُركّز هذا الفصل على المرحلة الحاسمة من الصراع حول حلف بغداد، وتحديداً كيف أدى هذا الحلف إلى إعادة تشكيل التحالفات السياسية في سورية ودفعها نحو التوجه المصري والسوفيتي، مغيراً بذلك ميزان القوى في المنطقة. يقدّم المؤلف إجابة واضحة مفادها أن المعارضة الشرسة لحلف بغداد، بقيادة مصر بزعامة جمال عبد الناصر، لم تنجح فقط في إفشال الحلف بل سحبت سورية من دائرة النفوذ العراقي-الغربي وأدخلتها في المحور المصري، مما فتح الباب أمام تدخل الاتحاد السوفيتي كحامٍ وقوة عظمى جديدة في الشرق الأوسط.
يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بوصف الخريطة السياسية السورية المعقدة بعد انتخابات عام 1954. وينقسم البرلمان إلى كتلتين رئيسيتين: اليمين، المكون من الحزب الوطني وحزب الشعب والكتلة الحرة بقيادة منير العجلاني، وهم حوالي ستين نائباً لكنهم غير متحدين. واليسار، وهو أكثر حماسة لكنه متعدد الأجنحة ويضم حزب البعث بقيادة أكرم الحوراني، وخالد العظم مع كتلته الديمقراطية، والحزب الشيوعي بقيادة خالد بكداش، وكلهم يعدون بين الخمسين والستين نائباً. بين هاتين الكتلتين، يقف نواب العشائر والمستقلون وأتباع أديب الشيشكلي.
يتناول الفصل محاولات تشكيل الحكومات، حيث فشل خالد العظم في تأليف حكومة بسبب معارضة اليمين. ثم يُكلّف السياسي المخضرم فارس الخوري (77 عاماً) بتشكيل حكومة ائتلافية في 28 تشرين الأول 1955، لكنه يفشل في إشراك اليسار ويضطر للاعتماد على اليمين. ولتجنب السقوط، يعلن الخوري رفض حكومته لأي "حلف أجنبي" ويتبنى سياسة الحياد، إلا أن خصومه لا يقتنعون بصدقه فينتظرون أول خطأ يسقطونه به.
ينتقل الفصل بعدها إلى مؤتمر رؤساء الوزارات العرب في القاهرة في كانون الأول 1955، والذي دُعي لمناقشة نية العراق عقد حلف دفاعي مع تركيا. يحضر المؤتمر فارس الخوري عن سورية، وسامي الصلح عن لبنان، وتوفيق أبو الهدى عن الأردن، والأمير فيصل عن السعودية. يرفض نوري السعيد الحضور ويرسل وفداً برئاسة فاضل الجمالي. كان موقف الوفد السوري (فارس الخوري ووزير خارجيته فيضي الأتاسي) غامضاً ومحايداً تجاه العراق، مما أثار حفيظة الوفد المصري بقيادة صلاح سالم. يصف سالم المناقشات بأنها صريحة وقاسية، حيث رفض السوريون إدانة نوري السعيد وأصروا على حقه في فعل ما يشاء في بلده. ينتهي المؤتمر بالفشل التام في الأسبوع الأخير من كانون الأول دون أي اتفاق، بينما يشنّ راديو القاهرة هجوماً عنيفاً على نوري السعيد واصفاً إياه بالخائن.
يُشير الفصل إلى أن فشل المؤتمر كان مقدمة لسقوط حكومة فارس الخوري في 7 شباط 1956، والتي تُعتبر نقطة تحول في السياسة السورية. كان سبب السقوط هو تقارير صحفية من القاهرة تفيد بأن الوفد السوري أبدى عطفاً على العراق، مما أثار غضب المعارضة. استغل كل من خالد العظم وأكرم الحوراني انقساماً في الحزب الوطني بين مؤيدي العراق بقيادة لطفي الحفار ومعارضيه بقيادة صبري العسلي، فشكّلوا تحالفاً ثلاثياً مع العسلي وأسقطوا الحكومة. كُلّف صبري العسلي بتشكيل الحكومة الجديدة في 14 شباط 1956، وكان خالد العظم أبرز أعضائها كوزير للخارجية والدفاع، مما دلّ على بدء مرحلة جديدة من التوجه نحو الشرق.
يؤكد المؤلف أن دور مصر كان حاسماً، حيث كرست جهودها لدعم الحكومة الجديدة من خلال صلاح سالم إعلامياً ومحمود رياض دبلوماسياً، والذي أصبح سفيراً لمصر في دمشق. وقد نجح رياض في تحويل العداء السوري تجاه النظام المصري (بسبب معاملة عبد الناصر للإخوان المسلمين) إلى دعم، عبر شرحه بأن الإخوان "إرهابيون" ودعوته للوفود السورية لرؤية إنجازات الثورة في مصر. في 22 شباط 1956، يقدم رئيس الوزراء الجديد صبري العسلي بياناً حكومياً يشجب كل الأحلاف العسكرية الأجنبية ويتبنى أفكار مصر في السياسة الخارجية. ينال الثقة بعد حشد عسكري مزعوم على الحدود التركية، وفي نفس الليلة يوقع نوري السعيد وعدنان مندريس حلف بغداد رسمياً.
لتعزيز المكاسب، يزور صلاح سالم دمشق في 28 شباط ويقترح بديلاً عن ميثاق الأمن الجماعي العربي، وهو اتحاد فيدرالي بقيادة عسكرية مشتركة. وعلى الرغم من التردد الأولي، يتغير الموقف بعد عدوان إسرائيلي على قطاع غزة في 28 شباط، مما يدفع الجيش السوري بقيادة شوكت شقير وعدنان المالكي لعقد حلف كامل مع مصر، وقّع عليه خالد العظم وصبري العسلي في 1 آذار 1956. تتبع ذلك زيارات للعظم وسالم إلى عمان والرياض وبيروت لحشد الدعم، لكن النتائج كانت محدودة. ويخلص المؤلف إلى أن اتفاقية آذار 1956 بين مصر والسعودية وسورية كانت "انقلاباً دبلوماسياً" أكثر منها عسكرياً أو اقتصادياً، وتهدف لمواجهة تحدي نوري السعيد، وهي أول تدخل لمجلس الثورة المصري خارج وادي النيل.
يتناول الفصل أيضاً أسباب إصرار بريطانيا على الانضمام للحلف، والتي رأى المؤلف أنها لم تستطع تغيير سياستها بسهولة رغم إدراكها لقوة عبد الناصر القومية. كان هناك التزام أخلاقي تجاه نوري السعيد، بالإضافة إلى أسباب عاجلة مثل الفوائد العسكرية وأهمية نفط الخليج العربي، حيث كان 80% من احتياجات أوربا الغربية للنفط تأتي من الشرق الأوسط. ويصف الفصل لقاء أنطوني إيدن بعبد الناصر في 11 شباط 1955، حيث حاول إقناعه بكبح انتقاداته دون جدوى، لأن عبد الناصر لم يكن مستعداً للاقتناع بالمشروع وكان يطمح لقيادة العالم العربي.
أخيراً، يركّز الفصل على المكاسب السوفيتية في المنطقة. يرى المؤلف أن حلف بغداد، بدلاً من احتواء الشيوعية، دفع السوفييت لاتباع "هجوم معاكس". أدى تزايد أهمية البورجوازية الوطنية في نظرية لينين، وتغير مفهوم الحياد في العالم العربي، إلى تقارب مع السوفييت. وقد مهدت صفقة الأسلحة التشيكية في خريف 1955 الطريق للصداقة السوفيتية العربية. وفي سورية، استغل السوفييت التهديدات التركية على حدودها، فأعلن مولوتوف في 27 آذار دعم الاتحاد السوفيتي لسورية، مما أكسبه شعبية كبيرة. ونتيجة للغارات الإسرائيلية والتهديدات التركية ورفض الغرب تزويدها بالسلاح، تعاقدت سورية مع الاتحاد السوفيتي على صفقات أسلحة جديدة بقيمة تقدر بـ 100 مليون جنيه إسترليني بين عامي 1955 و 1957. ويختتم الفصل بأن حلف بغداد، الذي كان يهدف لتعزيز النفوذ الغربي، أصبح قبر تلك السياسة، حيث مكّن مصر من الظهور كقائدة للعرب، وفتح الباب أمام السوفييت، بينما بقيت سورية مركز الأحداث والهدف الرئيسي للصراع.
17.الجيش وقضية المالكي311–322▼ résumé
يتمحور هذا الفصل حول اغتيال العقيد عدنان المالكي، نائب رئيس أركان الجيش السوري، في 24 نيسان 1955، وتحليل تداعياته العميقة على السياسة السورية. يقدم المؤلف هذه الحادثة كعلامة فارقة تحولت من جريمة قتل إلى حدث محوري كشف عن طبيعة الصراع على السلطة في سوريا، والذي كان يدور حول السيطرة على الجيش كأداة حاسمة في السياسة، وعلى توجه البلاد بين القومية العربية والتحالفات الغربية أو السوفييتية.
يسير الفصل بتسلسل واضح، فيبدأ بوصف اغتيال المالكي بالرصاص في مباراة كرة قدم على يد الرقيب يوسف عبد الرحيم الذي انتحر بدوره. يشرح المؤلف لماذا كانت شخصية المالكي مؤثرة: كان ضابطاً شاباً (37 عاماً) يتمتع بشعبية هائلة بين زملائه الضباط، وقائداً طبيعياً يمثل نموذج الجيل الذي تشكلت قوميته المتأججة بعد نكبة فلسطين. كان المالكي حليفاً عسكرياً للتيارات التقدمية والقومية والحيادية، حيث لعب دوراً رئيسياً في إسقاط حكومة فارس الخوري وتمهيد الطريق لاتفاقية الدفاع المشترك مع مصر في آذار 1955، أي قبل شهر من مقتله. يوضح الفصل التناقض في موقف حزب البعث من الجيش، الذي كان يرغب في كسبه كأداة للإصلاح دون السماح له بالهيمنة السياسية، وكان المالكي يُنظر إليه كحليف مثالي له، خاصة وأن شقيقه رياض المالكي كان عضواً بارزاً في الحزب، مع الإشارة إلى أن حماسة المالكي للبعث ربما كانت قد فترت بعد خسارته في انتخابات 1954.
يكشف الفصل أن الدافع المباشر للاغتيال كان صراعاً على السيطرة على الجيش بين المالكي والحزب القومي السوري. يذكر أن الرقيب القاتل كان عضواً في هذا الحزب، الذي كان يتصارع مع حزب البعث للسيطرة على الجيش في مواجهة عداء المالكي الشديد له. كان المالكي قد خطط لتشكيل "مجلس ثورة" لطرد العناصر الموالية للحزب القومي، وأبدى عداءً شخصياً لضباط مثل المقدم غسان جديد (الذي سرح من الجيش قبل أسبوعين من الاغتيال) وطارد رئيس الحزب جورج عبد المسيح. يضع المؤلف الجريمة في سياق أوسع كصراع من أجل "مستقبل سوريا" بين قوى القومية العربية وقوى القومية السورية المعادية لها والمناهضة للتحالفات الغربية.
ينتقل الفصل إلى وصف التداعيات الهائلة، حيث يصف كيف أدى اغتيال المالكي إلى إطلاق موجة انتقامية قادها الشيوعيون والبعثيون معاً. في 29 حزيران 1955، صدر قرار من النيابة العامة يتهم حوالي 300 عضو من الحزب القومي السوري. هذه المحاكمة كانت استثنائية لكونها وضعت الجريمة في دائرة دولية، حيث تم الكشف علناً عن دور "الدول الغربية" وخاصة أمريكا في دعم الحزب، مما صوره على أنه أداة للمؤامرات الأجنبية، على عكس محاكمات الاغتيالات السياسية السابقة في سوريا التي كانت محصورة في نطاق محلي. تم اعتبار الحزب جمعية سرية، وألقي القبض على أعضائه، وأغلقت مكاتبه، وشكلت محاكم عسكرية طارئة صدرت فيها أحكام بالسجن (عشرين عاماً على أرملة أنطون سعادة) وأحكام غيابية بالإعدام على قادته الفارين. تم اجتثاث الحزب من الحياة العامة في سوريا، لكنه نذر نفسه للانتقام والتجمع في لبنان، حيث بدأ يبحث عن حلفاء في السفارات الغربية، مما ساعد على تضخيم خطر الشيوعية بشكل مصطنع وأدى إلى خلق تهديد "الشيوعية في سوريا" الذي كانوا يدّعون محاربته.
يوضح الفصل أن اغتيال المالكي جعله رمزاً قومياً، و"شهيد الاستقلال" على الرغم من أنه لم يكن شخصية استثنائية، مما زاد من تأجيج القومية المتطرفة في سوريا. التأثير الأكبر، حسب المؤلف، وقع على الجيش نفسه، الذي تحول بعد اغتيال القائد الوحيد الذي كان قادراً على فرض رأيه بين الضباط، إلى كيان منقسم يضم أكثر من عشرين جماعة متنافسة. أصبحت المؤسسة العسكرية بميزانياتها وتمويلها السري "غابة من الدسائس"، حيث اندفعت الأحزاب السياسية والدول المجاورة (العراق، مصر، السعودية، الأردن) للبحث عن حلفاء بين الضباط، مما أضعف وحدة الجيش وشتت الموارد.
في ختام تحليله للفصل، يقدم المؤلف صورة تفصيلية للضباط الرئيسيين الذين سيطروا على الجيش في السنوات التي سبقت الوحدة مع مصر عام 1958، مثل عبد الحميد السراج (مدير المخابرات الكفؤ والذئب المنفرد) وضباط البعث مثل مصطفى حمدون وجماعة "التحريريين" المستقلة تحت قيادة أمين النفوري. يصفهم بأن ولاءهم كان متبدلاً ورؤيتهم محدودة، وقد أدى صراعهم الداخلي وتناحرهم إلى وضع الجيش على شفا الانهيار، مما جعل جمال عبد الناصر الشخص الوحيد القادر على جمع شملهم وتوحيدهم، خاصة بعد أزمة السويس عام 1956 التي كشفت عن عداء مصر للقوى الاستعمارية. يقر المؤلف ضمنياً بأن الفصل لا يقدم إجابة قاطعة حول الدوافع الحقيقية للاغتيال (شخصية مقابل سياسية)، بل يبقي السؤال مفتوحاً حول مدى صحة الادعاءات التفصيلية بالتجسس لصالح الولايات المتحدة، لكنه يؤكد أن النتيجة الأهم كانت تتويج الصراع الداخلي على الجيش وتدويله، مما مهد الطريق مباشرة للوحدة مع مصر.
18.(الهجوم السوفيتي - المصري)323–344▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على الكشف عن الخلفية الحقيقية للهجوم الثلاثي (بريطانيا-فرنسا-إسرائيل) على مصر عام 1956، والتي يرى المؤلف أنها لا تتعلق فقط بتأميم قناة السويس، بل هي ذروة صراع طويل على النفوذ في آسيا العربية، وتحديداً في سوريا. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن الهجوم على مصر كان محاولة بريطانية يائسة لوقف المدّ المصري-السوفييتي في سوريا، الذي كان يهدد بتفكيك النفوذ البريطاني في العراق والأردن والخليج.
يسير الفصل خطوة بخطوة ليشرح تطور الصراع الأنكلو-مصري. يبدأ بوصف مصر كالبلد العربي الوحيد الذي قاوم بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، عبر عرقلة مشاريعها الدفاعية وقيادة الجامعة العربية. يصل هذا الصراع إلى ذروته مع تشكيل حلف بغداد عام 1955، حيث رأت بريطانيا أن سيطرة مصر على سوريا، بعد إسقاط حكومة فارس الخوري، أصبحت خطراً وجودياً. ويخلص إلى أن بذور أزمة السويس تكمن في هذه الفترة، حيث أصبحت السيطرة على سوريا مفتاح السيادة في المنطقة.
ثم ينتقل الفصل لتفصيل الهجوم المصري-السوفييتي المشترك على سوريا بعد حلف بغداد. في آذار 1955، قام الاتحاد السوفييتي بأول تدخل مباشر له في الشرق الأوسط بإعلان دعمه لسوريا. وتزامن ذلك مع شراء مصر للأسلحة الروسية في صيف 1955، مما عزز تحالفاً استراتيجياً بين القاهرة وموسكو، وجعل سوريا قاعدة لسياساتها الموازية. يُظهر الفصل أن اغتيال العقيد عدنان المالكي في نيسان 1955 ساعد في زعزعة stability سوريا ودفعها نحو البحث عن حماية مصر.
يشرح الفصل تفاصيل التطورات السياسية السورية. عندما حاول العراق منع المد المصري، رشح رشدي الكيخيا لرئاسة الجمهورية في آب 1955، لكنه رفض. انتهى الأمر بانتخاب شكري القوتلي رئيساً في 18 آب 1955، مدعوماً من التيار المصري ورغم معارضة أميركية للعظم. لكن القوتلي كان رئيساً ضعيفاً. بعد ذلك، وقعت سوريا اتفاقية دفاع مشترك مع مصر في 13 تشرين الأول 1955، وإن كانت غير فعالة عسكرياً، إلا أنها كانت نصراً سياسياً لمصر، وساعدت السفير المصري محمود رياض على أن يصبح ظلّ عبد الناصر في دمشق.
يصف الفصل كيف تدفقت المكاسب السوفييتية في سوريا بسرعة، من خلال المساعدات الاقتصادية والفنية والسلاح، ورفع التمثيل الدبلوماسي إلى درجة سفارة. ويتناول تعاوناً مؤقتاً بين حزب البعث والحزب الشيوعي السوري، رغم أن البعث ظل حذراً واعتبر الشيوعيين أداة للسياسة السوفييتية وليس حركة شعبية أصيلة. في حزيران 1956، وبعد ضغوط طلابية، استقالت حكومة سعيد الغزي، وشكّل صبري العسلي حكومة وحدة وطنية أصرّ فيها حزب البعث على أن تكون الوحدة مع مصر هدفاً أساسياً.
يصل الفصل إلى ذروته في أزمة السويس، حيث يرى أن قوة العاطفة المؤيدة لمصر في سوريا شجعت عبد الناصر على تأميم القناة في 26 تموز 1956. ردت سوريا بتأييد مطلق لعبد الناصر، وأرسلت الرئيس القوتلي إلى موسكو في 30 تشرين الأول لدعم عسكري وسياسي، وقامت بتفجير أنابيب نفط العراق. يخلص الفصل إلى أن سوريا أصبحت القاعدة التي ينطلق منها عبد الناصر لتهديد مصالح بريطانيا والعراق، مما دفع القوى الغربية والعراق للتآمر للإطاحة بالنظام السوري، معترفاً بأن الاستعدادات لهذه المؤامرة كانت تجري على قدم وساق بالتوازي مع أحداث السويس.
يعترف الفصل بحدوده، حيث لا يدّعي تقديم تاريخ كامل للعلاقات الأنكلو-مصرية أو أصول حرب السويس، بل يركز على استخلاص الخيوط التي تربط بين الأزمة وصراع النفوذ في سوريا. كما يقرّ بأن فعالية الاتفاقية العسكرية السورية-المصرية كانت محدودة، وأن عبد الناصر كان متردداً في التعاون العسكري الكامل، معطياً الأولوية للسيطرة السياسية على سياسة سوريا الخارجية.
19.(الهجوم الغربي - العراقي المضاد)345–374▼ résumé
هذا الفصل، المعنون «الهجوم الغربي - العراقي المضاد» من كتاب "الصراع على سوريا 1945-1958"، يتناول بالتفصيل المؤامرة التي حيكت للإطاحة بالنظام الحاكم في سوريا في عام 1956، والتي كانت مدعومة من كل من بريطانيا والعراق، وبدعم لاحق من الولايات المتحدة. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن هذه المؤامرة لم تكن مجرد رد فعل محلي، بل كانت جزءاً من صراع أوسع بين قوى إقليمية ودولية، هدفه الأساسي إخراج سوريا من دائرة النفوذ المصري بقيادة جمال عبد الناصر، وكبح جماح المد الشيوعي المتزايد فيها.
يبدأ الفصل بتوضيح الخلفية الفكرية لهذا الهجوم، مشيراً إلى أن السياسة البريطانية كانت لا تزال تعتقد أن الحفاظ على التفوق العسكري والسياسي في المنطقة هو السبيل الوحيد للدفاع عن مصالحها، مما دفع القوميين المتطرفين مثل حزب البعث إلى التحالف مع الشيوعيين. من ناحية أخرى، يصف الفصل الموقف السوفييتي بأنه كان أكثر مرونة، حيث أدرك خلفاء ستالين أهمية الحركات الوطنية المحلية كحلفاء مفيدين في النضال ضد المعاقل الغربية. يركز الفصل على أن حلم نوري السعيد والهاشميين في إقامة وحدة عربية تحت زعامة العراق كان يعتمد على السيطرة على سوريا وعزل مصر. ولذلك، أصبح إبعاد النفوذ المصري والسوفييتي عن سوريا هدفاً استراتيجياً للعراق وبريطانيا.
ينتقل الفصل إلى تفصيل الآليات التي استخدمها العراق في التدخل بالشأن السوري، مبيناً أن الهدف الأساسي للسياسة العراقية منذ عام 1949 كان وضع أصدقائها في دمشق في الحكم، أملاً في إعلان الوحدة مع العراق. وقد استخدم العراق أساليب متعددة، منها الإعانات المالية للصحف والساسة السوريين، والهبات المالية للمنفيين، وكان الملحق العسكري العراقي في دمشق، الزعيم عبد المطلب الأمين، شخصية محورية في هذا النشاط. ومع ذلك، يقر الفصل بأن نجاح العراق كان محدوداً، إذ أن أي حكومة ساعدها العراق في الوصول إلى السلطة لم تقدم على خطوات فعالة نحو الوحدة. ويعزو ذلك لعدة أسباب، منها معارضة فرنسا والسعودية ومصر للوحدة، وعدم تشجيع بريطانيا والولايات المتحدة لها، بالإضافة إلى انقسام الزعماء العراقيين أنفسهم حول هذه القضية، حيث كان نوري السعيد نفسه يخشى من صعوبة حكم البلدين معاً وسيطرة السوريين الأكثر ثقافة ومهارة على الاقتصاد العراقي.
مع تفاقم الصراع بين نوري السعيد وعبد الناصر حول حلف بغداد، أصبح من الواضح أن هناك حاجة لشيء أكثر من التكتيكات القديمة للتخريب. وهكذا، تم إقحام الجيش العراقي في التآمر. يذكر الفصل شائعات حول إقامة الروس لقواعد جوية في سوريا، والخوف من أن تنتهز إسرائيل فرصة أي اضطراب للهجوم، والتوجس من عودة الديكتاتور السابق أديب الشيشكلي إلى السلطة بمساعدة فرنسية. هذه العوامل دفعت العراق في ربيع عام 1955 إلى التصميم على الإمساك بزمام المبادرة في سوريا.
ثم ينتقل الفصل إلى تفصيل أطراف المؤامرة، مركزاً على المنفيين السوريين في لبنان. كانت أبرز هذه المجموعات هو الحزب القومي السوري، بقيادة شخصيات مثل العقيد غسان جديد، والذي كان يتميز بتنظيم صارم وتقاليد شبه عسكرية. انضم إليهم صلاح الشيشكلي، ذو النفوذ في حماه، والعقيد محمد صفا الذي شكل «حكومة سورية الحرة» في العراق سابقاً، والمقدم محمد معروف. يشير الفصل إلى تنوع هذه الفئات وعدم انسجامها، وأن ما جمعها هو الرغبة في العودة إلى السلطة وتسوية الحزازات القديمة.
يسرد الفصل تطور المؤامرة على مرحلتين. الطور الأول امتد من نيسان إلى تموز 1955، حيث تم عقد اجتماعات في القصر الملكي في بغداد بحضور الأمير عبد الإله والوزراء ونوري السعيد، وتم الاتفاق على إرسال اللواء غازي الداغستاني للقاء أديب الشيشكلي في سويسرا. قدم الشيشكلي خططه للانقلاب وطلب دعماً مالياً، وقد حصل على دفعة قدرها 10,000 دينار من العراق. وصل الشيشكلي إلى بيروت في تموز وبدأ الاجتماع مع المتآمرين، لكنه سرعان ما شعر بأن الفروق هائلة وموارد المتآمرين تدعو للسخرية، فغادر بيروت لينهي الطور الأول. الطور الثاني امتد من تموز إلى تشرين الثاني 1955، حيث شكلت بريطانيا والولايات المتحدة لجنة تنسيق مع العراق. عُقدت اجتماعات وتم الاتفاق على خطط، وتم تدريب قوة هجومية من الحزب القومي السوري في جبال لبنان. طلب المتآمرون أسلحة ومالاً كثيراً من العراق، لكنهم حصلوا على القليل نسبياً، إذ قدمت الولايات المتحدة جزءاً من الأسلحة وتم شراء الباقي من إيطاليا باعتمادات عراقية.
يصف الفصل بالتفصيل خطط الانقلاب، التي كانت تتضمن اغتيال شخصيات رئيسية مثل أكرم الحوراني وخالد بكداش وعبد الحميد السراج، وتنفيذ هجمات متزامنة في دمشق وحمص وحماه بمساعدة عناصر الحزب القومي السوري وقوات من الجيش العراقي تتمركز على الحدود الأردنية بحجة ردع هجوم إسرائيلي محتمل. لكن الفصل يذكر أن الخلافات الداخلية بين المتآمرين، والجشع، وعدم الثقة، حالت دون نجاحهم. ويلخص الفصل الموقف من خلال تقدير اللواء الداغستاني، الذي تنبأ بفشل المؤامرة بسبب فتور الهمة والشكوك بين الفئات المختلفة.
يتوقف الفصل عند العلاقة الزمنية بين هذه المؤامرة والهجوم الثلاثي على مصر في أكتوبر 1956، مشيراً إلى أن بعض المتآمرين اعتقدوا أن العمليتين كانتا منسقتين كجزء من خطة واحدة للإطاحة بعبد الناصر. ويدعم الفصل هذا الرأي باقتباس من الدكتور عبد الله سعادة، الذي زعم أن الموعد الذي أصر عليه العراقيون للانقلاب تزامن مع الهجوم على مصر. لكن الفصل يبدو متحفظاً بشأن هذا الادعاء، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة كانت شريكة في المؤامرة على سوريا بينما شجبت الهجوم على مصر، وأن العراقيين أنفسهم ذهلوا من التواطؤ الأنكلو-فرنسي مع إسرائيل. وخلص الفصل إلى أنه من غير المحتمل أن تكون العمليتان منسقتين في توقيت واحد، لكنهما جزء من استراتيجية واحدة تهدف إلى الإطاحة بالنفوذ المصري والسوفييتي.
في النهاية، يصف الفصل كيف تم الكشف عن المؤامرة، حيث تابع عبد الحميد السراج، رئيس المخابرات السورية، خيوط المؤامرة بصبر وأناة. تم ضبط شحنة من الأسلحة المهربة من العراق في تشرين الثاني 1956، مما أدى إلى اعتقال المتآمرين ومحاكمتهم في دمشق في كانون الأول 1956. حُكم على العديد منهم بالإعدام غيابياً. ويختتم الفصل بأن فشل هذه المؤامرة، جنباً إلى جنب مع خروج عبد الناصر منتصراً من أزمة السويس، قد عزز من قوة الفئات المتطرفة الداعية للتقارب مع مصر في سوريا، وأدى إلى تشكيل حكومة جديدة بقيادة صبري العسلي في كانون الأول 1956، والتي بدأت مفاوضات فورية مع مصر للوحدة الفيدرالية. ويخلص الفصل إلى أن هذا الهجوم المضاد الفاشل لم يغير توازن القوى لصالح الغرب، بل جعل سوريا أكثر عرضة للعنف وأكثر انحيازاً إلى المعسكر الناصري والشيوعي، ممهداً الطريق للأزمة السورية في عام 1957.
باختصار، يظهر الفصل أن محاولة العراق والغرب لقلب النظام في سوريا باءت بالفشل الذريع، ليس فقط بسبب يقظة المخابرات السورية، بل أيضاً بسبب التناقضات الداخلية بين المتآمرين، وغياب الإرادة الحقيقية من بعض الأطراف، وازدياد القوة الشعبية للتيار القومي العربي الموالي لمصر. هذا الفشل أدى إلى تعزيز الموقف السوري المناهض للغرب والمتحالف مع مصر والاتحاد السوفييتي، مما دفع الولايات المتحدة إلى تبني مبدأ أيزنهاور في 1957 كإطار لمواجهة النفوذ السوفييتي في المنطقة.
20.امريكا منفردة375–400▼ résumé
هذا الفصل، الذي يحمل عنوان "أمريكا منفردة"، يركز على ذروة التوتر بين الولايات المتحدة وسوريا في صيف وخريف عام 1957، ويحاول الإجابة عن سؤال محوري: كيف أدى التصعيد الأميركي ضد سورية، في إطار مبدأ أيزنهاور، إلى نتائج عكسية تمامًا، مما دفع سورية إلى أحضان الاتحاد السوفييتي ومصر، ومهد الطريق لوحدة سورية-مصر.
يسير الفصل خطوة بخطوة لتفكيك هذه الأزمة. يبدأ بوصف حالة الذعر التي أصابت الغرب، خاصة بعد فشل المؤامرة العراقية في نهاية عام 1956، والتي فتحت الطريق أمام تصاعد النفوذ الشيوعي في سورية. عززت هذه المخاوف تقارير عن قوة الحرس القومي، وهي منظمة شبه عسكرية مزودة بأسلحة من الكتلة الشرقية، وتصريحات للرئيس شكري القوتلي عن استعداد مسلمين سوفييت للقتال في الشرق الأوسط، وزيارته إلى موسكو خلال أزمة السويس.
بينما يقرّ المؤلف بأن معظم هذه التقارير كانت مبالغًا فيها أو غير دقيقة، كما أشارت رسالة مراسل "نيويورك تايمز" في 9 ديسمبر، إلا أنها ساهمت في تشكيل رأي عام أميركي دعم مبدأ أيزنهاور. ويوضح المؤلف أن القوميين العرب، الذين سئموا الوصاية الغربية، رأوا في التكالب الأميركي خطرًا أكبر من الاتحاد السوفييتي، حيث أن القبول بوجود فراغ في القوة وفقًا للشروط الأميركية كان يعني التخلي عن حريتهم.
ينتقل الفصل إلى تفصيل الأحداث المباشرة التي سبقت الأزمة في صيف 1957. في 10 يناير، أصدرت الحكومة السورية بيانًا يعارض فكرة "الفراغ" وينكر أن الشيوعية تشكل خطرًا مباشرًا على العرب، معتبرًا أن أمريكا والصهيونية هما الخطران الرئيسيان. واشتد الغضب عندما سارعت الولايات المتحدة لدعم الملك حسين خلال أزمة نيسان في الأردن، مما أدى إلى إقصاء العناصر الراديكالية التي تدعم مصر وسورية. هذا التطور قضى على التحالف الرباعي بين مصر وسورية والسعودية والأردن، الذي كان قد تشكل في اجتماع القاهرة في فبراير.
يصف الفصل بعد ذلك ثلاثة أحداث متتالية في أغسطس 1957 أشعلت الأزمة: توقيع وزير الدفاع خالد العظم اتفاقية اقتصادية واسعة النطاق مع الاتحاد السوفييتي في 6 أغسطس، يليها إبعاد ثلاثة دبلوماسيين أميركيين بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم، ثم استقالة رئيس هيئة الأركان المعتدل نظام الدين وتعيين عفيف البزري المعروف بتعاطفه مع الشيوعية مكانه. يقدم المؤلف تفسيرًا أكثر تعقيدًا لهذه الأحداث: فالاتفاقية السوفيتية كانت تتويجًا طبيعيًا للعلاقات الاقتصادية، واحتياجًا سوريًا للتمويل والمعونة الفنية لمشاريع تنموية كبرى كالسدود والموانئ. أما المؤامرة الأميركية، فيصفها المؤلف بأنها كانت "مسرحية متعرجة من اللقاءات السرية والعملاء المزدوجين"، شارك فيها الدكتاتور السابق أديب الشيشكلي ورئيس شرطته، بهدف استهداف مجموعة صغيرة من الضباط هم عصب الحكم، وليس الشيوعيين أنفسهم. ويخلص المؤلف إلى أن واشنطن كانت تنظر إلى صراع داخلي على السلطة في سورية من خلال عدسات الحرب الباردة المشوهة.
يتناول الفصل بعثة لوي هندرسون، نائب وكيل وزارة الخارجية الأميركية، في 24 أغسطس إلى تركيا والأردن والعراق ولبنان، دون أن يزور سورية نفسها. يصف المؤلف هذه البعثة بأنها "مثيرة للغضب"، حيث اعتُبرت تمهيدًا للتدخل العسكري وتطويق سورية. وتتضمن الرواية نقلاً عن "ملاحظات" مزعومة لهندرسون في اجتماع مع قادة تركيا والعراق، يشرح فيها خطة متعددة المراحل تشمل حشد قوات على الحدود، واتخاذ عمل عسكري سريع وناجح بنسبة 100%، مع إمكانية دعوة تركيا للمساعدة، على أن يُختلق سبب لتدخل الأمم المتحدة، وأن يُبعد العراق عن أي فكرة اتحاد مع سورية في الوقت الراهن. كما زعم أن الأسطول السادس الأميركي سيردع أي تدخل مصري.
يخلص الفصل إلى أن السياسة الأميركية كانت مبنية على سوء التقدير. فبدلاً من التواصل مع السوريين وفهم وضعهم، مارست واشنطن ضغطًا وسلحت جيرانهم، مما زاد من قوة النظام السوري بدلاً من إضعافه، ودفع سورية للبحث عن حماية الاتحاد السوفييتي ومصر. يوضح المؤلف أن هذه السياسة منحت السوفييت فرصة "للدخول على خط الدفاع عن سورية" من خلال تحذيرات متكررة، حشد صواريخ، وإرسال سفينتين حربيتين سوفييتيتين إلى مرفأ اللاذقية في 21 سبتمبر.
في تقييمه النقدي، يرى المؤلف أن إصرار واشنطن على رؤية الصراع من خلال عدسة الحرب الباردة جعلها شريكًا في خلق "وحش من صنعها هي". هذا الموقف دفع الملك سعود، الذي كان داعمًا لمبدأ أيزنهاور، إلى التوسط في أواخر سبتمبر لتخفيف الأزمة وخفض التصعيد. ومع ذلك، قام عبد الناصر بضربة استباقية في 13 أكتوبر عندما أنزل قوات مصرية في اللاذقية دون سابق إنذار، مما أحبط مساعي سعود وأعاد ناصر إلى مكانته كبطل للقومية العربية، ودفع سورية بقوة نحو التحالف مع مصر، وهو ما أنهى الأزمة بشكل عملي.
باختصار، يخلص الفصل إلى أن واشنطن، من خلال تدخلها الفظ وغير المدروس، دفعت سورية نحو خيار الوحدة مع مصر، موضوع الفصل التالي.