العلويون مسألة طائفية أم إجتماعية محمد ديبو
الكتاب الذي وضعه محمد ديبو تحت عنوان "العلويون: مسألة طائفية أم اجتماعية؟" يسعى إلى تفكيك الإطار الذي جرى فيه تصوير أزمة المجتمع السوري خلال الحرب، وتحديداً منذ 2011، كصراع طائفي بين أغلبية سنية وأقلية علوية. يرفض المؤلّف هذا الاختزال، ويطرح بديلاً عنه قراءةً ترى أن المأساة ليست نتاج هويات ثابتة، بل نتاج بنية اجتماعية-اقتصادية وسياسية مشوّهة تراكمت على مدار عقود. الدافع المركزي للكتاب هو مقاومة تفسير الأحداث عبر "الفتنة الطائفية" الذي يخدم، بحسب ديبو، طرفي النزاع معاً: النظام الذي يريد حشد أتباعه تحت شعار الخوف على البقاء، والمعارضة التي تريد تغطية فشلها السياسي بخطاب تحريضي.
يسير الكتاب في حجته متتبعاً جذور الظاهرة. يبدأ من إعادة تعريف "العلويين" ليس كطائفة دينية منغلقة، بل ككتلة اجتماعية تشكلت عبر تاريخ طويل من التهميش الاقتصادي والجغرافي. يُظهر المؤلّف أن سكان الجبال الساحلية، الذين حملوا لاحقاً هذا الاسم، كانوا الفقراء المعدمين في المجتمع السوري، خارج نطاق المدن ومراكز السلطة والإنتاج الثقافي. كان ولاؤهم الأول لمشايخهم وعشائرهم، وليس لدولة حديثة ظلت بعيدة عنهم. هذا الواقع المادي، وليس أي جوهر عقائدي، هو الذي يفسّر، برأيه، سهولة تجنيدهم لاحقاً في أجهزة الدولة.
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى لحظة التحوّل الكبرى: دخول العلويين إلى مؤسسة الجيش والأمن تحت حكم حافظ الأسد. يصف ديبو كيف أن انتماء الرئيس للطائفة لم يكن مجرد صدفة، بل أصبح أساساً لسياسة توظيف وتجنيس قادت إلى تغيير ديموغرافي واجتماعي في المؤسسة العسكرية. فبعد انقلاب 1963، وخاصة بعد 1970، تحول الجيش من مؤسسة وطنية إلى "وعاء للدمج الاجتماعي" للعلويين الفقراء، الذين رأوا فيه سبيلاً للخلاص والوجاهة. لكن المؤلّف يشير بعناية إلى أن هذا الدمج لم يحل المشكلة الأساسية، بل أعاد إنتاجها داخل الدولة: فبدلاً من أن يصبح العلويون مواطنين متساوين، تحولوا إلى "حراس للنظام" يتمتعون بامتيازات هشة مقابل ولائهم المطلق. هذه المعادلة جعلت هويتهم الطائفية تتطابق مع مصير النظام، مما زرع بذور الكارثة.
في فصول لاحقة، يفحص الكتاب مسار الثورة السورية والردّ العنيف عليها. يرى ديبو أن الشرارة الأولى في درعا كانت احتجاجاً مدنياً وطنياً، سرعان ما جرى تحويله إلى حرب طائفية بفعل فعلين: الأول هو إصرار النظام على تصويره كتمرد مسلح يقوده "تكفيريون"، مما دفع العلويين الخائفين إلى الاصطفاف حوله. والثاني هو انزلاق أجزاء من المعارضة المسلحة نحو لغة إقصائية وخطاب تكفيري ضد "النصيري" و"الروافض"، مما حقق للنظام نبوءته الذاتية. هنا، يقدّم الكتاب شهادات وصفتها الملخصات المقدّمة بـ"اللافتة": مجزرة عقرب في 11 ديسمبر 2012 التي قامت بها جماعات معارضة مسلحة، والتي قُتل فيها مدنيون من الطائفة العلوية، أظهرت كيف أن العنف الطائفي يصبح أداة ممنهجة تدمّر أي أفق للحوار. يربط ديبو هذه الحوادث بما يسمّيه "تغذية راجعة" مأساوية: كل مجزرة يرتكبها أي طرف تعزّز موقف الطرف الآخر وتزيد من شرخ المجتمع.
يكرّس الكتاب جزءاً مهماً لتحدي الأسطورة الأكثر شيوعاً: أن جميع العلويين كتلة واحدة تدعم النظام بلا تحفّظ. يوضح ديبو أن هذه صورة إعلامية وسياسية زائفة. فالعلويون، مثل أي مكون اجتماعي، يعانون من الانقسامات: هناك فقراء لا يزالون مهمشين حتى داخل معقلهم الجغرافي، وهناك مثقفون معارضون سجنوا وقتلوا، وهناك من انشق عن الجيش. لكن الملخصات تشير إلى أن المؤلّف يعترف بصعوبة بالغة: الخوف من "الذبح الجماعي" على غرار ما حدث في العراق، والذاكرة الحية لمجازر حماة 1982 التي راح ضحيتها آلاف الإخوان المسلمين، جعلت الغالبية العظمى تحتكم إلى غريزة البقاء القلقة، ولو على حساب مبادئها. هذه هي المأساة الحقيقية التي يصفها الكتاب: مجتمع علوي محاصر بين خيارين مرّين، القمع باسم الحماية، أو الخراب.
في خضم هذا التحليل، لا يرفع ديبو شعاراً رومانسياً عن "العيش المشترك" السابق للحرب. بل يعترف بتوترات تاريخية و"حساسية طائفية مكبوتة" في سوريا، لكنه يصرّ على أن هذه الحساسية كانت قابلة للإدارة والمعالجة لولا تحوّلها إلى أداة صراع على السلطة والثروة. يترك الكتاب أسئلة مفتوحة، أهمها: كيف يمكن للعلويين أن ينفصلوا عن مشروع النظام الدموي وهم يشعرون أن بقاءهم مرتبط به؟ وهل تمتلك المعارضة السورية، التي شوّهتها الحروب بالوكالة، أي رؤية تجاه المواطنة المتساوية تستطيع طمأنة الأقليات؟ هذه الأسئلة تظل معلقة، ربما لأن الكتاب كُتب خلال الحرب وليس بعدها.
ما يصعب نسيانه في مادة الكتاب هو التركيز على التحولات المادية لا المذهبية. يذكر ديبو أرقاماً (بحسب الملخصات) حول نسبة العلويين في الجيش والأمن قبل الثورة، والتي تصل إلى 80% من الرتب العليا، بينما لا تتجاوز نسبتهم بين السكان 12%. هذا الخلل العددي يفسّر عقلية الحصار والخوف. وإلى جانب المجازر، يورد شهادات لمثقفين علويين سجنوا أو نُفوا لمعارضتهم النظام، مما يفضح فكرة "التوافق الطائفي" المطلق. كذلك ينقل عن باحثين غربيين مثل فيرديناند أشنتل الذي درس العلويين كطبقة اجتماعية مهمّشة، وليس كطائفة دينية غامضة، مما يدعم فرضية الكتاب المركزية.
أخيراً، في الكتاب حجج قابلة للنقاش بوضوح. أولها تركيزه شبه الحصري على البعد الطبقي على حساب البعد الثقافي والديني، وقد يرى قارئ أن إهمال طقوس ومعتقدات العلويين (مثل التقديس المبهم لعلي بن أبي طالب واعتقاد التناسخ) يخلخل فهم كيف تشكلت هويتهم. ثانياً، يبدو أن ديبو يوجّه انتقاداً حاداً للمعارضة المسلحة ويتجاهل تقريباً جرائم النظام، أو يراها كنتيجة حتمية لا كمبادرة. هذا الميل قد يقرأه البعض على أنه اختزال مضاد. غير أن قيمة الكتاب تبقى في كسر الصورة النمطية عن "العلويين كأكلة للسلطة"، ودفع القارئ إلى رؤيتهم كضحايا لنظامهم أولاً، وللحرب الأهلية ثانياً. إنه محاولة أمينة للخروج من "عقدة الطائفة" التي تخنق كل تفكير سياسي في سوريا.
Analyse & mots-clés
Personnes
Événements