
العلويون والثورة السورية - راتب شعبو وآخرون
الكتاب "العلويون والثورة السورية" لـراتب شعبو وفريق عمل مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية هو دراسة ميدانية تحاول تفكيك العلاقة المعقدة بين الطائفة العلوية والنظام السوري الحاكم منذ اندلاع الثورة في آذار 2011. الموضوع المحوري للكتاب هو تفسير سبب عدم انخراط الغالبية العظمى من العلويين في الثورة، بل وتحولهم إلى قاعدة شعبية صلبة للنظام، رغم أن الكاتب يقر بأن الواقع الاقتصادي والاجتماعي لغالبية العلويين لا يختلف عن بقية السوريين من حيث الفقر والتهميش. يدافع الكتاب عن أطروحة مفادها أن هذا الموقف ليس نتاج امتيازات مادية أو ولاء أيديولوجي للنظام، بل هو نتاج تفاعل ثلاثة عوامل رئيسية: أولها تاريخ طويل من التمييز المذهبي ضد العلويين جعلهم يشعرون بأن وجودهم مرهون بحماية الدولة؛ وثانيها إستراتيجية النظام المتعمدة في تشويه الثورة عبر خلطها بالعنف والتطرف الإسلامي منذ أيامها الأولى؛ وثالثها فشل النخبة المعارضة المهيمنة في تقديم خطاب جامع غير طائفي، مما دفع العلويين إلى اعتبار الثورة تهديداً وجودياً لهم.
يسير الكتاب في حجته وفق منطق تراكمي صارم، يبدأ بوضع إطار نظري لطبيعة النظام السوري قبل الثورة، ثم ينتقل إلى تحليل الواقع الطائفي في سوريا وتشكل الوعي الجمعي العلوي، ليركز بعدها على مسار الأحداث الميدانية في الساحل السوري كحالة خاصة، ويختتم بمناقشة تبعات النزوح والاغاثة. في المقدمة والفصل التمهيدي، يرفض المؤلف التفسير الاختزالي للنظام السوري بأنه "نظام علوي"، مشيراً إلى أن قدرته على الاستمرار لعقود تعود إلى "مرونة اقتصادية" جعلته يوفق بين استبداده السياسي ومصالح الطبقة البورجوازية السنية في دمشق وحلب. يستشهد بـالمؤرخ حنا بطاطو الذي يذكر أن تجار سوق الحميدية في دمشق لعبوا "لعبة مزدوجة" خلال أزمة الإخوان المسلمين، وآلت علاقتهم بـحافظ الأسد إلى توسيع امتيازاتهم الاقتصادية. يخلص الكتاب إلى أن الاقتصاد ظل في أيدي السنة بينما تركز الأمن في أيدي العلويين، مما خلق شرخاً بنيوياً: رزق العلويين مرتبط بجهاز الدولة بينما رزق التجار مرتبط بالسوق.
في الفصل الأول، يطرح الكتاب تساؤلاً منهجياً: هل يجوز الحديث عن العلويين كجماعة سياسية متجانسة؟ يجيب عبر ثلاثة مسوغات. الأول، تاريخ طويل من الاضطهاد المذهبي (يذكر أن عدد الخادمات العلويّات القاصرات في دمشق بلغ عشرة آلاف عام 1950) جعل وصول علوي إلى سدة الرئاسة حدثاً نفسياً كبيراً أشبع شعوراً جماعياً برد الاعتبار. الثاني، تفشي وهم عام في المجتمع السوري بأن كل علوي صاحب سلطة، وهو وهم تضخم بعد الثورة بسبب عدم انخراط العلويين فيها وتصاعد العنف ضدهم. والثالث، أن خطاب المعارضة المسلمين الجهاديين حوّل "العلوية" إلى تهمة، مما اضطر العلويين المعارضين للنظام إلى المغادرة تحت التهديد بالقتل. هنا يقدم الكتاب شهادة لافتة عن رفيق للباحث يدعى أبو علي صالح وأصدقائه العلويين المعارضين الذين تلقوا تهديدات بالخروج من حي في حمص أواخر 2011، قيل لهم فيها: "ما بدنا أي علوي من باب عمر لطريق الشام"، فاستجابوا.
ينتقل الكتاب إلى تفصيل بدايات الحراك في الساحل، ويصف الحالة النفسية للعلويين بأنها تأرجحت بين "شعور بالتوق إلى التغيير" و"خوف غريزي" من المستقبل. يذكر أن أول مظاهرة في اللاذقية كانت في 25 آذار 2011، وكان هتافها الأساسي تضامناً مع درعا. لكن ما أثار القلق العلوي المبكر هو المطالب الأولى لمظاهرة بانياس في 18 آذار 2011، والتي تضمنت "إزالة الاختلاط من المدارس" وإعادة المدرسات المنقبات، فيما جاءت حرية الرأي والتفكير في البند العاشر. هذه المطالب أعطت انطباعاً بطابع إسلامي للحراك. ويؤكد الكتاب أن النظام السوري اتبع إستراتيجية مزدوجة في مواجهة الثورة: أولاً، قمع المظاهرات السلمية عبر حشو السجون بالمدونين والنشطاء. ثانياً، تضخيم أي سلوك عنيف أو طائفي يصدر من المعارضة وإظهاره على أنه جوهر الثورة، عبر "عصابات الشبيحة" التي تؤدي "الأعمال القذرة" من تخريب وإطلاق نار لتشويه الحراك.
يورد الكتاب وقائع وشهادات يصعب نسيانها. ففي حديثه عن التحول من "الحذر إلى الشك إلى اليقين"، يسرد سلسلة من جرائم القتل والخطف التي رسخت قناعة العلويين بأن الثورة تستهدفهم وجودياً. من أبرزها: مجزرة جسر الشغور في أوائل حزيران 2011 حيث قُتل نحو 120 من عناصر الأمن العسكري مع تمثيل بجثثهم، وقد عرض النظام صور المذبحة على الصحافة العالمية لكشف "وحشية المسلحين". ثم اغتيال العالم الشاب عيسى عبود في 18 نيسان 2011، وهو حائز على جائزة المنظمة العالمية للملكية الفكرية، مما ربط في الوعي العلوي الثورة باستهداف العقول المبدعة كما يفعل العدو الصهيوني. وفي شهادة صادمة عن الخطف، تروي أم علوية أنها باعت أرضها لتدفع فدية 700 ألف ليرة سورية لتحرير ابنها المهندس الذي خطفه مسلحون قالوا إنهم من "الجيش الحر"، وعندما سألتهم "لماذا تحجزونه؟" كان جوابهم: "يكفي أنه علوي".
دون أن يخفي الكتاب تحفظاته، فهو يعترف بأن النظام استفاد من أخطاء المعارضة. الفصل المخصص لـ"مساهمة أنصار الثورة في مؤازرة خطة النظام" نقد لاذع للنخبة المعارضة المهيمنة التي يرى الكتاب أنها رهنت نفسها لمنظور إخواني، فرأت الثورة على أنها انتصار للسنة ضد علويي النظام، فمارست إقصاءً طائفياً للعلويين المعارضين حتى من داخل صفوفها. يذكر مثالاً لافتاً: قيام الناشط الحمصي أبو الحسن في كانون الأول 2011 بنشر فيديو يهدد فيه "العلويين الحقيرين" وهو يحمل علم الثورة، أي قبل أن يظهر الإسلام الجهادي بقوة. ويرى الكاتب أن هذا السلوك خفض من رصيد المعارضة عند العلويين ودفعهم أكثر نحو النظام.
يتناول الكتاب أيضاً ظاهرة فريدة هي "التماهي مع الجيش" كبديل عن التماهي مع النظام. يشرح أن الكثير من العلويين وجدوا مخرجاً نفسياً بالقول "نحن مع الجيش وليس مع النظام"، معتبرين الجيش المؤسسة الوحيدة القادرة على حماية وحدة البلاد. يختار نموذج بسام القاضي، وهو معارض سابق قضى سنوات في سجن الأسد الأب بتهمة شيوعية، ليكشف تناقض هذا الموقف. فبعد مجزرة البيضا في بانياس، حاول القاضي تبرئة الجيش زاعماً أن "مجموعات من الضباع المجرمة تحت مسميات الشبيحة واللجان الشعبية" هي من ارتكبت المجزرة، بينما الجيش كان يتعامل بأقصى حرص على المدنيين. يرى الكتاب أن هذا المنطق ينهار عند السؤال: كيف مرت تلك المجموعات من حواجز الجيش المحيطة بالمنطقة؟
أما في موضوع الإغاثة والنزوح، فيقدم الكتاب صورة أكثر تعقيداً. يقر بأن بعض العلويين رفضوا تأجير بيوتهم للنازحين السنة، قائلين إنهم "خلايا نائمة"، وأن بعضهم استغل حاجتهم لرفع الأسعار. لكنه يصر على أن العنف الأهلي الطائفي لم يحدث في الساحل، على عكس حمص. ويعزو ذلك جزئياً إلى أن غالبية العلويين ما زالوا يوكلون أمر العنف إلى "الدولة"، معتبرين أن الجيش هو الجهة المخولة وحدها باستخدام القوة. ويصف جهود عدد من الناشطين والناشطات المدنيين مثل حركة "بصمة" وتجمع "نبض" الذين عملوا في الإغاثة بشكل شبه سري، قبل أن يتم ملاحقتهم واعتقالهم وسجنهم من قبل النظام، كما حدث مع فادي مراد الذي اعتُقل في آب 2015 بتهمة "مساعدة أطفال الغوطة الشرقية".
يترك الكتاب أسئلة مفتوحة حول مستقبل العلويين في سوريا، خاصة وأنه لا يخفي أن فئة واسعة منهم وصلت إلى حالة من اليأس جعلتها تفكر بتأمين وسائل انتحار جماعي إذا ما دخلت الجماعات الإسلامية المسلحة إلى قراهم. في المشهد الختامي الغريب، يصف كيف راجت ممارسات غيبية في الساحل لمواجهة الخطر، مثلما فعل رجال دين حين نصحوا كل عائلة بذبح فروج في يوم معين مع الدعاء، فخلت الأسواق من الدجاج بالكامل.
الحجج القابلة للنقاش في الكتاب عديدة. أولها، تركيزه الحصري على خطأ المعارضة ونخبتها في دفع العلويين نحو النظام، وهو ما قد يُقرأ كتبرير غير مباشر لموقف الموالين. ثانياً، نقد الكتاب الموجّه للنخبة المعارضة "الإسلاموية" قد يكون قاسياً في إرجاع أسباب تعثر الثورة إليها فقط، متجاهلاً العامل الخارجي المتمثل في الدعم الإقليمي للنظام من إيران وروسيا. ثالثاً، وصف الكتاب لقدرة النظام على "المناورة والمرونة الاقتصادية" يبدو، في ضوء تدمير البنى التحتية والانهيار الاقتصادي الكارثي الذي حلّ بسوريا، وكأنه يبالغ في تقدير "ذكاء" النظام السياسي في مقابل "سذاجة" المعارضة. ومع ذلك، يبقى الكتاب مساهمة مهمة في فهم لماذا اختارت جماعة كاملة، رغم معاناتها من الفساد والقمع، الاصطفاف مع جلادها التاريخي في لحظة حاسمة. إنه ليس دفاعاً عن النظام ولا تبريراً لجرائمه، بل محاولة لتشريح تلك العلاقة المعقدة بين الطائفية والسياسة والخوف في زمن الثورة.