Almawred
الغنوصية في الإسلام
عربي

الغنوصية في الإسلام

هاينس هالم1 janvier 1982arمنشورات الجمل

الكتاب الذي بين أيدينا، «الغنوصية في الإسلام» للمستشرق الألماني هاينس هالم، هو عمل أكاديمي متعمق يسعى إلى تتبع جذور التيارات الدينية التي عرفت بـ"الغلو" داخل الإسلام، وتحديداً في البيئة الشيعية المبكرة. الموضوع المحوري للكتاب هو إثبات أن هذه التيارات لم تكن مجرد انحرافات هامشية أو تجاوزات في حب آل البيت، بل كانت استمراراً حقيقياً للتقاليد الغنوصية القديمة التي ازدهرت في بلاد ما بين النهرين قبل الإسلام. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن المانوية والمندائية وغيرها من الفرق الثنوية لم تنقرض بظهور الإسلام، بل وجدت في المدن الإسلامية الجديدة، وخاصة الكوفة والمدائن (قطسفون)، بيئة حاضنة لنقل تعاليمها السرية، متخذة من شخصية الإمام والمهدي المنتظر قالباً جديداً لأفكارها عن الخلاص والمعرفة الباطنية.

تسير حجة الكتاب بناءً تراكمياً متسقاً، حيث يبدأ بوصف السياق التاريخي والفكري الذي نشأت فيه هذه الأفكار. يوضح المؤلف في الفصل التمهيدي كيف أن الغنوصية، بعد اضطهادها في الإمبراطورية البيزنطية، بقيت حية في العراق تحت الحكم الساساني. ثم يأتي الفتح الإسلامي، وتأسيس البصرة (638م) والكوفة (639م)، ليخلق مراكز حضرية جديدة يتجمع فيها الموالي من خلفيات دينية متنوعة، ليكونوا الوسطاء الطبيعيين لنقل هذه الأفكار إلى الإسلام الناشئ. ينتقل المؤلف بعدها إلى تتبع أولى التجليات الإسلامية لهذا الفكر، فيبدأ بتحليل شخصية عبد الله بن سبأ الغامضة، لينتقل إلى أقدم فرقة شيعية غنوصية واضحة، وهي الكيسانية، التي طورت فكرة الإمام الغائب المنتظر (محمد بن الحنفية) المختبئ في جبال رضوى. من هذه الجذور، يتعمق الكتاب في دراسة شخصيات الغلاة حول الإمامين محمد الباقر (توفي حوالي 114هـ/732م) وجعفر الصادق (توفي 148هـ/765م)، مثل أبي منصور العجلي والمغيرة بن سعيد وجابر بن يزيد الجعفي، وصولاً إلى ذروة الحركة مع أبي الخطاب الأسدي وفرقته الخطابية. يعتمد المؤلف بعدها على تحليل نصوص غنوصية أصلية مثل «أم الكتاب» و«كتاب الهفت والأظلة» ليكشف عن المعتقدات الكونية المعقدة لهذه الفرق. أخيراً، يصل الكتاب إلى الفرقة الوحيدة الباقية من هذا التراث، وهي النصيريون أو العلويون في سوريا، حيث يدرس عقائدهم وطقوسهم السرية كشاهد حي على استمرارية هذا التيار.

يحتوي الكتاب على عدد من الأرقام والوقائع والشهادات التي يصعب نسيانها، وتظهر عمقاً تاريخياً مدهشاً. من أبرزها ذكر اكتشاف مخطوطات نجع حمادي في مصر عام 1945م كدليل على اختباء الغنوصيين في الإمبراطورية البيزنطية، مقابل بقائهم علناً في العراق الساساني. كما يُبرز المؤلف تقدير ابن النديم في القرن العاشر بأن عدد المانويين في بغداد لم يتجاوز ثلاثمئة شخص قبل اختفائهم التام، مما يعطي صورة عن نطاق هذه الجماعات قبل إبادتها على يد الخليفة العباسي المهدي (حكم 158-169هـ/775-785م) وابنه الهادي. ومن الوقائع اللافتة أيضاً تفاصيل ثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي في الكوفة عام 66هـ/685م، الذي أعد عرشاً مزيناً كرمز لظهور الإمام المنتظر، مشبهاً إياه بـ"تابوت بني إسرائيل". أما في الجانب العقائدي، فتأسر القارئ قصة خلق العالم في تعاليم المغيرة بن سعيد (أُعدم 119هـ/737م)، حيث خلق الله ظله فتمرّد، ثم انتزع الله عين الظل فخلق منها الشمس، وجعل بحراً عذباً للمؤمنين وبحراً مالحاً للكافرين. وفي نفس السياق، تبرز قصة "رؤيا جابر" من كتاب «أم الكتاب»، حيث يتجلى الإمام محمد الباقر وهو طفل في الخامسة من عمره أمام تلميذه جابر الجعفي بهيئته الإلهية، فيسجد له عبد الله بن سبأ. ولا يخلو الكتاب من تفاصيل عن الطقوس السرية لدى العلويين، مثل طقس "الدخول" الذي يستمر من سبعة إلى تسعة أشهر ويشبه ولادة روحية، ويتضمن شرب الخمر والتعهد بالكتمان تحت طائلة الموت.

يقر المؤلف، بكل أمانة علمية، بحدود معرفية واضحة تكتنف هذا الموضوع الشائك. التحفظ الرئيسي الذي يعترف به هو أن كل ما نعرفه تقريباً عن هذه الحركات الهرطوقية جاء من كتب خصومهم، أي من ردود الفرق (مثل كتب الأشعري، توفي 935م) ومؤرخي الفرق الإماميين (مثل النوبختي والقمي)، وهي مصادر متحيزة بطبيعتها وتسعى لتشويه صورة هؤلاء الغلاة. مع ذلك، يشير المؤلف إلى أن اكتشاف نصوص أصلية مثل «أم الكتاب» و«كتاب الهفت والأظلة» قد ساعد في فهم أعمق لهذه العقائد من داخلها. يترك المؤلف أيضاً العديد من الأسئلة مفتوحة، خاصة فيما يتعلق بالتأريخ الدقيق لطبقات النصوص الغنوصية، والعلاقة الدقيقة بين شخصيات الغلاة وأئمة الشيعة المعتدلين (كعلاقة أبي الخطاب بالإمام جعفر الصادق)، وصعوبة الفصل بين ما قاله جابر الجعفي حقاً وما نُسب إليه كذباً من قبل تلاميذه المتأخرين.

بناءً على المادة المقدمة في هذه الملخصات، يمكن الإشارة إلى بعض الحجج التي تظل قابلة للنقاش. أولاً، يصر المؤلف على تعريف الغنوصية الإسلامية بأنها "غنوص أسطوري" يتميز بقصة كونية للخلاص تتضمن إلهاً مجهولاً وفيضاً من الأقانيم وخلق العالم بواسطة إله أدنى، متبعاً بذلك منهج هانس يونس، منتقداً التوسع المفرط في استخدام المصطلح من قبل هنري كوربان ليشمل التصوف والهرمسية. هذا التحديد المنهجي قد يكون مقبولاً لدى البعض ومرفوضاً من قبل باحثين يرون في التصوف الإسلامي استمراراً للغنوص. ثانياً، تظل شخصية عبد الله بن سبأ مثار جدل كبير، فبينما يميل المؤلف إلى اعتبارها شخصية تاريخية حقيقية بناءً على استشهاد الغلاة أنفسهم به، إلا أن الروايات المختلفة عنه متناقضة لدرجة تجعل استخلاص سيرته الحقيقية شبه مستحيل، وهو ما يطرح السؤال حول كونه بناءً أسطورياً أكثر منه شخصية تاريخية. أخيراً، الوصف التفصيلي لعقيدة "سقوط الفرائض الدينية" عن العارف الحقيقي (اللاشريعية) المنتشرة بين الكيسانية والخطابية والنصيريين، يثير تساؤلات عميقة حول حدود "الإسلام" وما يمكن اعتباره داخلاً فيه أو خارجاً عنه، وهو سؤال لا يزال حياً في النقاشات المعاصرة حول هوية الطائفة العلوية في سوريا.

Chapitres(9)

1.مقدمة5–24▼ résumé

يتركز الفصل التمهيدي لكتاب «الغنوصية في الإسلام» على تحديد الظاهرة المعروفة بـ«الغنوص الإسلامي» وتتبع جذورها التاريخية والفكرية الأولى. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن الغنوصية، كتيار ديني وفلسفي قديم، لم تختفِ تماماً بظهور الإسلام، بل استمرت في مناطق معينة، تحديداً في العراق، حيث احتكت بالإسلام الناشئ وأثّرت فيه، مما أدى إلى ظهور تيارات إسلامية ذات طابع غنوصي واضح. يرى المؤلف أن هذا التيار لم يكن مجرد استمرار بسيط، بل تفاعلاً خلاقاً أنتج تعاليم وفرقاً جديدة.

يسير الفصل خطوة خطوة عبر عدة مراحل. يبدأ المؤلف بـ وصف وضع الغنوصية قبل الفتح الإسلامي، مشيراً إلى أن هذه الحركات، مثل المانوية والفالانتينية، كانت قد قُهرت داخل الإمبراطورية الرومانية البيزنطية واضطرت إلى الاختباء، كما يتضح من اكتشاف مخطوطات نجع حمادي في سنة 1945م، والتي تعود للقرن الرابع الميلادي. لكنه يشدد على أن هذه الجماعات استمرت في الوجود خارج حدود تلك الإمبراطورية، وتحديداً في بلاد ما بين النهرين (العراق) تحت حكم الساسانيين، حيث ظلت المانوية والمندائية حاضرة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الغزو الإسلامي للعراق، الذي حدث بعد انتصار سعد بن أبي وقاص على الفرس في معركة القادسية في يونيو 637م، وفتح العاصمة الساسانية قطسفون (المدائن). يوضح المؤلف أن ظهور المراكز العربية الجديدة، البصرة (تأسست 638م) والكوفة (تأسست 639م)، وليس المدائن نفسها، هو الذي خلق البيئة الحضرية والاجتماعية التي ازدهرت فيها الأفكار الغنوصية. يصف الفصل بالتفصيل بنية الكوفة، موضحاً كيف سكنتها قبائل عربية مختلفة، وكيف شكل الموالي (الذين يعتنقون الإسلام حديثاً من خلفيات يهودية ومسيحية وفارسية ومانوية) الطبقة العاملة والنشيطة اقتصادياً، وهم الذين يعتبرهم المؤلف الوسطاء الطبيعيين لنقل التعاليم الغنوصية إلى الإسلام.

يستعرض الفصل بعد ذلك موقف الإسلام الرسمي من هذه الأفكار، مشيراً إلى التناقض الأساسي بين عقيدة التوحيد الإسلامية والثنائية أو فيض الأقانيم الذي تميز به الغنوص. يصف الاضطهادات التي تعرض لها «الزنادقة» (وهو المصطلح العربي للغنوصيين، وخاصة المانويين)، والتي لم تكن منظمة في العهد الأموي، لكنها بلغت ذروتها في العهد العباسي، خاصة في عهد الخليفة المهدي (158-169ه/775-785م) وابنه الهادي، مما أدى إلى إبادة المانويين تقريباً أو دفعهم إلى آسيا الوسطى. يستشهد المؤلف بابن النديم الذي قدر عدد المانويين في بغداد في القرن العاشر بحوالي ثلاثمئة شخص، قبل أن يختفوا تماماً. ويؤكد أن الطائفة الغنوصية الوحيدة التي استمرت من هذه الفترة هي المندائية في جنوب العراق.

ينتقل الفصل إلى ظهور الغنوصي في ثوب إسلامي، حيث بدأت جماعات في نهاية القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، وبقوة في القرن الثاني/الثامن، في تفسير القرآن تفسيراً غنوصياً. اتخذ هذا التفسير شكل أحاديث منسوبة للأئمة، مما جعل الشيعة الإمامية المتزمتة خط الدفاع الأول ضد هذه الأفكار، حيث سمت أتباعها بـ«الغلاة» وانتقدتهم. يوضح المؤلف أن هذه التعاليم ظهرت في المدائن والكوفة، وأن معظم هذه الحلقات اختفت أو اندمجت أو بقيت فقط كجماعات هامشية.

في جزء مهم من الفصل، يناقش المؤلف تطور مفهوم «الغنوص الإسلامي» في الدراسات الغربية، منذ أوائل القرن العشرين. ينتقد المؤلف التوسع المفرط في استخدام المصطلح، خاصة من قبل هنري كوربان، الذي جعله يشمل التصوف والهرمسية. يحدد المؤلف منهجه الخاص، متبعاً هانس يونس، فيركز فقط على التيارات «الغنوصية الأسطورية» التي تتميز بـقصة كونية للخلاص تتضمن إلهاً مجهولاً، فيضاً من الأقانيم، خلق العالم بواسطة إله أدنى (الصانع)، وهبوط الروح في المادة وخلاصها بالمعرفة.

يحدد الفصل تقليديّن إسلاميين غنوصيين فقط سيتناولهما الكتاب:

  1. تقليد «الغلاة» في الشيعة، الذي بدأ في القرن الثامن الميلادي في العراق، والذي ورثه النصيريون أو العلويون في سوريا المعاصرون.
  2. تقليد القرامطة أو الإسماعيليين، الذي ظهر في منتصف القرن التاسع الميلادي في العراق أيضاً، وانتشر في العالم الإسلامي، ويشمل اليوم الطائفة الإسماعيلية بقيادة الآغا خان وطائفة الدروز.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى البيئة الجغرافية والثقافية لهذا الغنوص، مركزاً على مدينة المدائن (قطسفون) كمنبع رئيسي. يصف تاريخ المدينة من العصر الهلنستي، ووجود اليهود فيها مع رأس الجالوت، والكنيسة النسطورية، وتأثير المانوية في عهد الملك شابور الأول (241-272م). ثم ينتقل إلى وصف مفصل لـ الكوفة، بنيتها القبلية، وأحيائها، وأسواقها، ودور حي كناسة كمركز للنشاط الاقتصادي حيث برز كثير من المعلمين الغنوصيين. يسلط الضوء على دور الموالي من أصول غير عربية في نشر هذه الأفكار، وأهمية الريف المحيط بالكوفة (السواد) كمنطقة لنشاط الدعاة الإسماعيليين.

أخيراً، يُخصص الفصل قسماً كبيراً لـ العلاقة بين الغنوص والشيعة. يوضح أن الغنوص الإسلامي هو ظاهرة شيعية، حيث جعل الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وأحفاده محوراً للآمال السياسية والدينية. يشرح الفرق بين «الغلاة» الذين يؤلهون الأئمة، و«المقصرة» (الشيعة المعتدلون) الذين يرفضون هذا التوجه. يصف الفصل هذه الحركة كديانة المهمشين والمحرومين من المشاركة السياسية، الذين تعلقوا بانتظار المهدي القائم. يعترف المؤلف بوجود تحفظات رئيسية في مصادر الدراسة، وهي أن كل ما نعرفه تقريباً عن هذه الحركات جاء من كتب خصومهم (الردود والفرق). لكنه يشير إلى أن اكتشاف نصين أصليين هامين، وهما «أم الكتاب» و«كتاب الهفت والأظلة» (والذي ينسبه لمحمد بن سنان)، قد ساعدا في فهم أعمق. ويذكر أن أهم المصادر الشيعية المتاحة هي كتاب «رجال الكشي» (توفي 978م) و«الكافي» للكليني (توفي 940م أو 941م)، بالإضافة إلى كتب «الملل والنحل» للسنة مثل كتب الأشعري (توفي 935م) والشهرستاني (توفي 1153م).

1.عبد الله بن سبأ25–32▼ résumé

يُحاول هذا الفصل تتبع شخصية عبد الله بن سبأ، التي تُعتبر شخصية محورية في تاريخ الفرق الإسلامية المبكرة، وخصوصاً في ما يتعلق بجذور الغلو والتطرف في المذهب الشيعي. يطرح الفصل سؤالاً رئيسياً حول من هو عبد الله بن سبأ حقاً، وما هي تعاليمه، وهل هو شخصية تاريخية حقيقية أم أسطورة اختلقها مؤرخو الفرق لاحقاً. الإجابة التي يميل إليها المؤلف، بعد فحص المصادر المختلفة، هي أن ابن سبأ شخصية تاريخية على الأرجح، لكن تفاصيل سيرته الحقيقية مغمورة بكثافة بالروايات المتناقضة والمتحيزة، مما يجعل استخلاص صورة دقيقة عنه أمراً بالغ الصعوبة.

يسير الفصل عبر فحص ثلاثة تقاليد روائية رئيسية حول ابن سبأ، يقدمها واحدة تلو الأخرى دون ترجيح قاطع لواحدة على الأخرى. أول هذه التقاليد هو التقليد الإمامي – الشيعي، ممثلاً بمؤرخي فرق مثل النوبختي والقمي والكشي. في هذه الروايات، يُصوَّر ابن سبأ على أنه يهودي الأصل أسلم، وكان أول من أظهر الطعن على الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان، وأعلن فرض إمامة علي بن أبي طالب. تذكر الروايات أنه نفاه علي إلى المدائن بعد أن افتتن به الناس. التعاليم الأساسية المنسوبة إليه هنا هي القول بـ"الرجعة"، أي أن علياً لم يمت بل هو حيٌّ وسيعود ليملأ الأرض عدلاً. ويؤكد الفصل أن صيغة "يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً" تُعتبر من أقدم الصيغ المرتبطة بالمهدي المنتظر. كما يشير القمي إلى تطور لاحق في المذهب، حيث ألَّه أتباع ابن سبأ (السبائية) علياً، معتبراً إياه إلهاً توارى بسخطه عن خلقه.

ثانياً، يتناول الفصل التقليد السني، ممثلاً بأبي الحسن الأشعري وعبد القاهر البغدادي. تتفق هذه المصادر مع الروايات الشيعية في جعل "الرجعة" هي النقطة المركزية في تعاليم السبائية. يضيف البغدادي تفاصيل درامية، مثل محاولة علي حرق أتباع ابن سبأ في حفرتين، ونفيه إياه إلى ساباط (قرب المدائن). لكن الإضافة الأهم هي ظهور شخصية أخرى تُدعى ابن السوداء، وهو يهودي من الحيرة، يُقال إنه هو من غرَّس تعاليم ابن سبأ. يقدم البغدادي رواية تهدف إلى تشويه سمعة الحركة، حيث يُصوَّر ابن سبأ (أو ابن السوداء) على أنه يهودي متطرف أراد إفساد الإسلام من الداخل، متعمداً دسَّ ضلالته بين الشيعة لما وجدهم أقرب الناس إلى الكفر في نظره. يُضيف هذا التقليد أبعاداً شبه دوكيتية Docetic، حيث يُزعم أن علياً صعد إلى السماء مثل عيسى عليه السلام، وأن المقتول كان شبيهاً به، وأن الرعد هو صوته والبرق هو سوطه.

أما التقليد الثالث في الفصل، فهو الرواية المروية عن سيف بن عمر، وهو مؤرخ كوفي من القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي. تختلف هذه الرواية جوهرياً عن سابقتها، حيث تُصوِّر ابن سبأ ليس مجرد صاحب فرقة هامشية، بل كالمهندس الخفي للحرب الأهلية الأولى في الإسلام. يصفه النص بأنه يهودي من صنعاء، أسلم في زمن عثمان، ثم تنقل بين الأمصار يحاول إضلال الناس. ويُنسب إليه التحريض على مقتل الخليفة عثمان، وإشعال حرب الجمل ضد طلحة والزبير، وكسب صحابة كبار مثل أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر لقضيته. يحلل الفصل هذه الرواية على أنها قد لا تكون مجرد اختلاق معادٍ، بل ربما تكون تأويلاً إيجابياً من وجهة نظر الغلاة الكوفيين، حيث يُصوَّر ابن سبأ كبطل غنوصي ساعد علياً للوصول إلى الحكم. على أية حال، يستبعد المؤلف إعطاء هذه الرواية أي قيمة تاريخية موضوعية.

يختتم الفصل بمناقشة نظرية الباحث إسرائيل فريدليندر، الذي حاول التوفيق بين الروايات المختلفة. اقترح فريدليندر أصلاً يمنياً لابن سبأ، محاولاً ربط تعاليمه بالمعتقدات الحبشية واليهودية. لكن الفصل يرفض هذه الفرضية باعتبارها غير مقنعة. في المقابل، يخلص المؤلف إلى أن المادة الواقعية والأكثر جدارة بالثقة تكمن في التراث الإمامي القديم عند النوبختي والقمي، الخالي من المبالغات اللاحقة. هذا التراث يتطابق في نقاطه الجوهرية مع رواية البغدادي، مما يعزز من مصداقيته. الدليل الأقوى لدى المؤلف على حقيقة شخصية ابن سبأ هو استشهاد الغلاة أنفسهم به في كتاباتهم التأسيسية، مما يستبعد أن يكون مجرد اختلاق من خصومهم. في النهاية، يقر الفصل بأنه لا يمكن الجزم بأكثر من أن ابن سبأ كان شخصية حقيقية، ربما ذات خلفية يهودية هرطوقية-غنوصية، وكان له أثر في الكوفة، ثم نفي إلى المدائن حيث يضيع أثره.

2.الكيسانيون أو الشيعة الأربعية33–60▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على فرقة الكيسانية أو ما يُسمى بـالشيعة الأربعية، وهي من أقدم الفرق الشيعية وأكثرها تأثيراً في نشأة الأفكار الغنوصية داخل الإسلام. يقدم المؤلف الإجابة عن سؤال محوري: كيف نشأت فكرة "الإمام المهدي الغائب" ومن هم روادها الأوائل؟ ويبين أن الكيسانية هي الحاضنة الأولى لهذه الفكرة، حيث نظرت إلى محمد بن الحنفية (ابن علي بن أبي طالب من امرأة من بني حنيفة، وليس من فاطمة) باعتباره الإمام الرابع والأخير بعد علي والحسن والحسين، مما جعلهم "شيعة أربعية".

يبدأ الفصل بوضع السياق التاريخي لظهور التشيع بعد مقتل علي بن أبي طالب في الكوفة عام 40هـ/ 661م، وتنحي ابنه الحسن، ومقتل الحسين في كربلاء عام 61هـ/ 680م. هذا الحدث الدامي جعل من كربلاء رمزاً مركزياً للشيعة، وأصبح عاشوراء ويوم الأربعين من أهم أعيادهم. في هذه الأجواء، التفتت آمال شيعة الكوفة إلى ابن علي الثالث، محمد بن الحنفية، الذي لم يكن يطمح سياسياً، لكنه دُفع قسراً إلى الواجهة بعد مقتل أخيه الحسين.

يشرح الفصل تفاصيل ثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي في الكوفة عام 66هـ/ 685م، والذي خرج باسم محمد بن الحنفية داعياً إلى خلافته. قام المختار بإعداد "عرش" مزين في الكوفة كرمز لظهور الإمام المنتظر، وشبه هذا العرش بـ"تابوت بني إسرائيل". يشير المؤلف إلى أن المختار اعتمد بشكل كبير على الموالي (المؤمنين غير العرب)، مستشهداً برأي المستشرق يوليوس فلهاوزن. لكن ثورة المختار فشلت وقتل عام 67هـ/ 687م، ورغم ذلك، بقيت طائفته التي عُرفت بـالكيسانية نسبة إلى كيسان، مولى المختار أو رئيس شرطته الذي لعب دوراً قيادياً بعد مقتله.

يتناول الفصل بالتفصيل تطور العقيدة الكيسانية بعد فشل الثورة. ينتقل إلى مرحلة "الغيبة" لـمحمد بن الحنفية، حيث توفي عام 80هـ/ 700م أو (حسب قول آخر) عام 81هـ/ 700م في المدينة بايعاً للخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. لم يصدق بعض أتباعه خبر موته، بل اعتقدوا أنه حي يرزق في جبال رضوى بين مكة والمدينة، يحرسه أسدان حتى عودته ليحكم الأرض بالعدل. هذا الاعتقاد هو أول تشكل واضح لفكرة المهدي المنتظر في الإسلام، كما يشير المؤلف، وقد صاحبه شعر حماسي من الشاعر الكيساني السيد الحميري يتوسل إلى "ابن خولة" المختبئ في جبل رضوى ألا يطيل الغياب.

يتعمق الفصل بعد ذلك في أشهر الفرق التي تفرعت عن الكيسانية، وهي فرقة البيانية التي تتزعم شخصيات غنوصية واضحة. يذكر الفصل بيان بن سمعان النهدي/التميمي (أُعدم عام 119هـ/ 737م على يد والي العراق الأموي خالد القسري). من أبرز معتقدات البيانية: الاعتقاد بإله أعلى متعالٍ (إله السماء)، وإله أقل خالق للعالم (إله الأرض)، وفكرة أن أبا هاشم (ابن محمد بن الحنفية) هو وصي أبيه الغائب حتى عودته، ثم انتقلت الوصية إلى بيان نفسه، فادعى النبوة. كما تبنوا فكرة تناسخ الأرواح، حيث تنتقل روح الإله أو الروح القدس من نبي إلى إمام حتى تصل إلى بيان. يخلص المؤلف إلى وصف بيان بأنه من أوائل "الغنوصيين الإسلاميين القدامى".

ينتقل الفصل إلى ثورة أخرى، وهي ثورة عبد الله بن معاوية (وهو من نسل جعفر بن أبي طالب، أخي علي) في عام 127هـ/ 744م. بعد موت أبي هاشم دون وريث ذكر، أصبحت المطالبة بالإمامة مفتوحة لأي فرد من بني هاشم، وليس فقط من نسل علي. انضم إلى عبد الله بن معاوية أنصار كيسانيون من الكوفة والمدائن، واستطاع السيطرة على أجزاء واسعة من غرب إيران (أصفهان، الري، ...) قبل أن يهرب ويُقتل في هراة عام 128هـ/ 745م أو 129هـ/ 746م بأيدي العباسيين.

يخصص الفصل جزءاً هاماً لشخصية ابن حرب (عبد الله بن عمرو بن حرب) في المدائن، الذي يُعتبر تلميذاً لابن معاوية وأحد أبرز ممثلي الغنوص الكيساني. نجد عنده أسطورة غنوصية متكاملة تتضمن: سبعة أدوار كونية، والتناسخ (انتقال الأرواح بين الأبدان البشرية والحيوانية كعقاب أو تطهير)، وحلول الروح القدس في الأئمة الذين يعتبرون آلهة أو رسلاً نورانيين. أهم ما في تعاليم ابن حرب هو ما يُعرف بالـ Antinomismus (اللاشريعية)، حيث يصل المعرفة بالإمام إلى حد إسقاط الفرائض الدينية (الصلاة، الصوم، الحج) عن العارف الحقيقي. هذه الأفكار، كما يوضح المؤلف، لا تزال حية حتى اليوم في عقيدة العلويين/النصيريين في سوريا.

في القسم الأخير، يربط الفصل بين الكيسانية والثورة العباسية. فالدعاة الهاشميون (وهم تسمية جديدة للكيسانية بعد موت أبي هاشم) نشروا الدعوة لمهدي منتظر من بني هاشم. تمكن بنو العباس من اختراق هذه الدعوة وتوجيهها لصالحهم، عبر وكيلهم أبو مسلم الخراساني الذي قاد الدعوة في خراسان ورفع الرايات السود، رمز المهدي المنتظر. استولى العباسيون على السلطة عام 132هـ/ 750م، وأعلنوا أول خلفائهم أبو العباس السفاح، وهم بذلك حققوا حلم الكيسانية في إسقاط الأمويين، ولكن دون أن يظهر المهدي المنتظر من جبل رضوى. بعد وصولهم إلى السلطة، تخلص العباسيون من حلفائهم الكيسانيين، وبدأوا يضطهدون فرق الغلاة ويتهمونهم بالزندقة، تاركين الكوفة لبناء عاصمتهم الجديدة بغداد. أخيراً، يشير الفصل إلى بعض الفرق اللاحقة مثل الخرمية التي استمرت في حمل التراث الكيساني في إيران، خاصة في منطقة أصفهان وخراسان، مؤمنة بإمامة أبي مسلم أو الخلفاء العباسيين، ومتبنية لنفس أفكار التناسخ واللاشريعية.

في الختام، هذا فصل تأسيسي لفهم تطور الفكر الغنوصي داخل الإسلام، حيث يوضح كيف أن فشل الثورات الشيعية المبكرة أدى إلى تحول آمالها السياسية إلى عقيدة دينية معقدة حول إمام غائب، وتخللتها أفكار عن تناسخ الأرواح، وآلهة متعددة المستويات، وإسقاط للشريعة، وهي أفكار بقيت حية في بعض الفرق الشيعية السرية.

3.الهراطقة حول الإمام محمد الباقر61–80▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على التيارات "الهرطوقية" أو "الغالية" التي ظهرت حول الإمام محمد الباقر (توفي حوالي 114هـ/732م أو 117هـ/735م)، الإمام الخامس لدى الشيعة الإمامية. يقدّم المؤلّف هاينس هالم الإجابة الأساسية التالية: إن موت الإمام الباقر لم يؤدِّ فقط إلى جدال حول خليفته (ابنه جعفر الصادق)، بل فتح الباب لظهور شخصيات ادّعت أنها الوريث الحقيقي لتعاليمه السرّية، مما أدى إلى تشكّل فرق غنوصية (ثنوية) وهرطوقية في الكوفة، استمدّت شرعيّتها من نِسبة علمها إلى الإمام الباقر.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر دراسة أربع شخصيات محورية أو فرق، مرتبة ترتيباً زمنياً تقريبياً، وكلها تنتمي إلى ما يُعرف بـ"الغلاة":

أولاً، أبو منصور العجلي، وهو بدوي من قبيلة عبد القيس، ظهر بعد وفاة الإمام الباقر مدّعياً النبوة والوصية من بعده. يوضح المؤلّف كيف طوّر أبو منصور تعاليم متأثرة بالمسيحية، إذ اعتبر المسيح أول مخلوق، وزعم أن الله كلّمه بالسريانية (لغة الكنيسة)، ومسح على رأسه (إشارة إلى "المسيا"). جوهر تعاليمه هو التمييز بين "تنزيل" محمد (القرآن الحرفي) و"تأويله" هو (المعنى الباطن)، مما جعله نبيّاً بالتأويل. تم القبض عليه وإعدامه على يد الوالي الأموي يوسف بن عمر الثقفي (تولى من 120هـ إلى 126هـ)، واستمر أتباعه بعده، لكن ابنه الحسين بن أبي منصور أُعدِم لاحقاً في عهد الخليفة العباسي المهدي (حكم 158-169هـ) الذي اشتهر باضطهاد الزنادقة.

ثانياً، المغيرة بن سعيد، وقد أُحرق مع غيره من الزنادقة على يد الوالي خالد القسري في سنة 119هـ/737م. كان المغيرة مشهوراً بالسحر والتنجيم، وادّعى أنه يحيي الموتى بالاسم الأعظم. يصف الفصل تعاليمه الكونية ذات الطابع الغنوصي الواضح، حيث يروي قصة خلق: كان الله وحده، ثم تكلم باسمه فطار وتوّج على رأسه، ثم خلق ظلّه. تمرّد هذا الظل قائلاً "ينبغي أن يكون معي إله غيري"، فانتزع الله عين الظل وخلق منها الشمس (أو القمر)، ومحق الظل. ثم خلق الله بحرين: منير وعذب للمؤمنين، ومظلم ومالح للكافرين. يكشف المؤلّف هنا عن جذور يهودية لهذه الأفكار (فكرة الاسم الأعظم، وظل الله كأداة خلق)، كما يشير إلى البُعد الثنوي بين النور والظلمة. استمرت فرقة "المغيرية" بعده، وتولى قيادتها عدد من الخلفاء مثل جابر الجعفي وبكر الأعور الهجري وعبد الله بن المغيرة، وقد تطلّع أتباعها إلى المهدي المنتظر محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) الذي خرج في المدينة عام 145هـ/762م، وبعد مقتله اعتقدوا أن المقتول هو شيطان تمثل بصورته، وأن المهدي الحقيقي سيأتي لاحقاً.

ثالثاً وأكثرهم تفصيلاً، جابر بن يزيد الجعفي، وهو شخصية جدلية: فهو عند الغلاة معلّم عظيم، وعند الإمامية راوية ثقة لأحاديث الإمام الباقر، وعند السنة محدّث صدوق. يحاول المؤلّف تبرئة جابر جزئياً، مالياً أن الكثير من التعاليم الزنديقية نُسبت إليه لاحقاً من قبل تلاميذه المتهمين بالغلو (مثل عمرو بن شمر والمفضل بن صالح)، لكنه يقرّ بأن جابراً كان فعلاً رأس الفرقة المغيرية. اشتهر جابر بادّعائه أن الإمام الباقر أودعه خمسين ألف باب من العلم أو سبعين ألف حديث، وهو علم سري غنوصي ("غنوص") لا يجوز إذاعته، حتى أن جابر كان يتظاهر بالجنون لينجو من الاضطهاد. يورد المؤلّف قصصاً من رواية عمرو بن شمر عن معجزات جابر (مثل طي الأرض، وفهم لغة الحيوان، واستخراج خاتم من الماء)، والتي يراها نموذجاً للقصص الشعبية التي استهدفت الجمهور البسيط من الحرفيين في الكوفة. لكن أخطر ما في روايات عمرو بن شمر هو ما وصل إلى النصيريين (العلويين) عن "معجزة التجلي"، حيث يخلع الإمام الباقر جسديته البشرية ويظهر لجابر بهيئته الإلهية (النورية)، قائلاً "أنا الله العلي الكبير". هذا التأليه للأئمة هو جوهر الغلو.

رابعاً، يُظهر الفصل كيف استمرت تعاليم هذه الفرق منسوبة إلى الإمام الباقر، حتى بعد اندماج أتباع فرق أخرى مثل أتباع عبد الله بن معاوية في "المغيرية". يختتم المؤلّف بالإشارة إلى موضوع "الآدميين السبعة" الذين خُلقوا قبل آدم، وهو مفهوم غنوصي عن دورات كونية متكررة، يُنسب أيضاً لسان الإمام الباقر، ويظهر في كتب لاحقة مثل "الهفت والأظلة".

يعترف المؤلّف بحدود المصادر: فالمعلومات عن بعض الشخصيات (كـالمغيرة) نادرة ومتناقضة أحياناً، كما أن تفاصيل التصورات الغنوصية (كالثنوية بين النور والظلمة) لم تُحفظ إلا بشذرات. كما يُقرّ بصعوبة الفصل بين ما قاله جابر حقاً وما نُسب إليه كذباً من قبل تلاميذه المتأخرين.

حجّة قابلة للنقاش بناءً على النص نفسه: يبدو أن المؤلّف يرى أن هذه الحركات الهرطوقية ليست مجرد انحرافات بل هي تعبيرات أصيلة عن تيار غنوصي (ثنوي) استعار مفردات شيعية (الإمامة، الوصية) لإضفاء الشرعية على أفكاره. كما يمكن ملاحظة محاولة مؤرخي الإمامية المتأخرين (مثل النوبختي والقمي) لتنظيف تاريخهم من هؤلاء "الغلاة" عبر إنكار دورهم أو تبرئتهم، في مقابل المصادر السنية التي وثقتهم بوصفهم زنادقة.

4.رؤيا جابر في «أم الكتاب»81–138▼ résumé

هذا الفصل مخصص لدراسة كتاب "أم الكتاب" الإسماعيلي، وهو نص غامض ومهم لفهم تطور الفرق الغالية في الإسلام. يبدأ المؤلف هاينس هالم بعرض تاريخ اكتشاف المخطوطات، موضحاً أن أولى النسخ عُثر عليها في منطقة بامير ووادي فرغانة بعد توسع النفوذ الروسي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. حصل الموظفون الروس مثل بولوفتسيف ولوتش على عدة نسخ، أُرسلت إلى بطرسبرج، وأولها وصل عام 1901. أشرف على دراستها فلاديمير إيفانوف، الذي نشر ملاحظاته الأولى عن الكتاب عام 1955، ثم نشره كاملاً في دورية "دير إسلام" عام 1957. تُظهر هذه المقدمة أن النص طائفي ومحفوظ بعناية لدى الإسماعيليين في تلك المناطق النائية، مما يشير إلى أهميته العقائدية.

يتحول الفصل بعدها إلى مناقشة أصل الكتاب وتصنيفه، وهو موضوع شائك ومثير للجدل. يرفض إيفانوف فكرة أن الكتاب إسماعيلي ببساطة، ويشير إلى أن الإطراء المتكرر لأبي الخطاب الكوفي فيه يدل على أنه يعكس تعاليم فرقة "الخطابية". يقترح أن النص يعود لمرحلة مبكرة جداً من تطور التشيع، ويرى أنه ربما يعكس معتقدات أحد فروع القرامطة بالقرب من الخليج الفارسي. يستند في تأريخه إلى عدم ذكر مدينة بغداد (التي بنيت عام 762م)، فيرجح أن النص يعود إلى القرن الرابع أو الخامس الهجري / العاشر أو الحادي عشر الميلادي. هالم يقدم هذه الآراء كفرضيات أولية، ويبين أن تحديد أصل الكتاب كان محور نقاش حاد بين الباحثين.

يواصل الفصل استعراض آراء الباحثين الآخرين، ويظهر تحولاً في التفسير. الباحث بيو فيليباني-رونكوني يذهب إلى وجود تأثيرات غير إسلامية واضحة، مثل التأثيرات المانوية والغنوصية والإيرانية وحتى البوذية. هو يبني نظرية معقدة تعتبر أن أصل الكتاب يعود لما قبل الإسلام، حيث كان مذهباً فارسياً من أصل مانوي-مجوسي في شرق إيران، ثم تم أسلمته ظاهرياً بفضل مهاجرين من الغلاة الكوفيين، ثم تكيف لاحقاً مع الإسماعيلية. لكن هذه النظرية تواجه نقداً حاداً. الباحث يوسف فان إس يعترض على فكرة أن النص ترجمة من لغة غير العربية، مستدلاً بالأخطاء الناتجة عن سوء فهم كتابة الحرف العربي "جيم" في النص الفارسي. أما النقد الأكثر حسمًا فيأتي من ف. ماديلونغ، الذي يؤكد بشكل قاطع في مراجعته أن كل تعاليم ومصطلحات الكتاب مرتبطة بآراء الغلاة الشيعة، وخاصة النصيريين، وأن الاستشهاد بمصادر هندية-بوذية غير ضروري.

يقدم هالم في القسم الأهم من الفصل تحليله البنيوي للنص، متبنياً وجهة نظر مادلونغ. يقر المؤلف بأن الكتاب ليس متجانساً، بل يتكون من عدة طبقات. يقسم الكتاب إلى أربعة أقسام "أفقية": المقدمة العربية، ثم "الطرفة المدرسية" التي تتحدث عن تجلي الإمام محمد الباقر (الذي يعتبر الإمام الخامس عند الشيعة) لمعلمه عبد الله بن سبأ، ثم القسم الثالث وهو "رؤيا جابر" وهو جوهر الكتاب، وأخيراً قسم من الأسئلة المتفرقة. يرى هالم أن "رؤيا جابر" هي أقدم نواة، وهي رواية متسلسلة ومنطقية تشرح أسرار الخلق وهبوط الأرواح، ويجب عدم تجزئتها. يرجح أن هذه الرؤيا تعود إلى منتصف القرن الثاني الهجري أي حوالي 750م، وتنسب إلى جابر بن يزيد الجعفي، وهو تابعي معروف لدى الشيعة.

يشرح هالم كيف تم تعديل النص القديم عبر الزمن. الطبقة "ب" الأحدث أضافت تكهنات معقدة حول العالم الأصغر والعالم الأكبر، محاولة تفسير الخلق وعلاقته بجسم الإنسان والقلب. هذه الإضافات تحول "رؤيا جابر" من سرد كوني إلى دليل إرشادي للخلاص الفردي. يخلص هالم إلى أن جامع هذه الطبقة الثانية قد يكون شخصاً اسمه علي بن عبد العظيم، وأن الكتاب ظهر في الكوفة في عهد الخليفة هارون الرشيد (حوالي 170-193 هـ / 786-809 م). أما الطبقة الثالثة فهي خطابية، أضافت أسماء مثل أبي طالب وعبد الله إلى "الخاموس" الإلهي. وأخيراً، تم تبني الكتاب من قبل الإسماعيليين النزاريين الذين أحضروه إلى مناطق بامير وترجموه إلى الفارسية.

يختتم الفصل بترجمة حرفية لأجزاء طويلة من الكتاب، وخاصة قصة "رؤيا جابر" كما وردت في النص. تبدأ القصة بذهاب الإمام محمد الباقر وهو طفل في الخامسة من عمره إلى مدرسة عبد الله بن سبأ، ورفضه نطق حرف الألف قبل أن يعلمه معناه. ثم يشرح الباقر أسرار الحروف الأبجدية، ويجعل كل حرف رمزاً لشخصية إلهية (محمد، علي، فاطمة، الحسن والحسين). يصل الأمر ذروته عندما يتجلى الباقر في صورة هذه الشخصيات الإلهية الخمسة، فيسجد عبد الله بن سبأ ويشهد بألوهيته. بعدها، يخبر الباقر تلميذه جابر بأسرار الخلق، ويصف "الديوانات" السماوية السبع، وقصة خلق الأرواح، وتكبر عزازئيل (إبليس) وعصيانه للأمر الإلهي بالسجود لـ سلمان الفارسي، وانقسام الملائكة إلى مؤمنين ومعترضين.

في نهاية الملخص، يمكن القول إن هذا الفصل هو دراسة نقدية متعمقة تكشف عن الصعوبة الكبيرة في تصنيف نصوص الغلاة. يعرض هالم الفرضيات المختلفة بهدوء، لكنه يميل بوضوح إلى الرأي القائل بأن "أم الكتاب" هو نتاج للغلاة الكوفيين، وليس نصاً إسماعيلياً خالصاً أو مزيجاً من تأثيرات خارجية. يترك المؤلف أسئلة عديدة مفتوحة، خاصة فيما يتعلق بالتأريخ الدقيق لكل طبقة وكيفية انتقال النص، مما يؤكد أن دراسة هذه النصوص لا تزال مجالاً غير محسوم. أخيراً، إن الملخص الحرفي للقصة في نهاية الفصل يخدم كدليل حي على تعقيد النص وأهميته، ويقدم للقارئ مادة خام لفهم هذا العالم الغنوصي الفريد، دون فرض تفسير نهائي عليه.

5.الخطابية139–152▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على حركة الخطابية، إحدى الفرق الغنوصية المتطرفة في الكوفة خلال القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي. يقدّم المؤلف الإجابة المحورية عن طبيعة هذه الحركة: فهي امتداد لتيار الغلوّ الكوفي، وقادها شخصية كاريزمية سعت إلى تحويل أفكارها إلى عمل سياسي مسلّح. يناقش الفصل أصول الجماعة ومعتقداتها المتطرفة، ومصيرها المأساوي، وتأثيرها العميق في الفرق التي تلتها.

يبدأ الفصل بتعريف قائد الحركة، أبي الخطاب، واسمه الكامل محمد بن أبي زينب الأسدي، وهو مولى لبني أسد في الكوفة. يُشير المؤلف إلى أنه عاصر الإمام السادس عند الشيعة الإمامية، جعفر الصادق (المتوفى عام 148هـ/765م)، وكان يعتبره تجسيداً لله. ويشير الفصل إلى حالة من الغموض حول موقف الإمام جعفر من أبي الخطاب، فمن المحتمل أنه اعتبره من أتباعه في البداية، ثم تبرأ منه لاحقاً بعد فشل ثورته. يصف الفصل أبا الخطاب بأنه واحد من الزنادقة البارزين في التراث الإمامي، حيث يورد الكشي حوالي خمسين حديثاً يلعن فيها الإمام جعفر أبا الخطاب.

ثم ينتقل الفصل إلى تفصيل عصيان أبي الخطاب المسلّح، والذي يُقدّر أنه حدث في عهد الوالي العباسي على الكوفة، عيسى بن موسى، والذي استمرت ولايته ثلاثة عشر عاماً حتى عام ** 160هـ/ 777م**. تذكر الروايات أن زيارة الخطابيين للإمام جعفر توقفت في عام 138هـ/ 755م، وقد يكون ذلك مرتبطاً بالعصيان. يورد الفصل روايات مفصلة عن الثورة، نقلاً عن النوبختي وغيره، حيث خرج أبو الخطاب وسبعون من أتباعه في مسجد الكوفة، ورفضوا تسليم أنفسهم، ودارت معركة غير متكافئة استخدموا فيها القصب بدلاً من الرماح، آملين أن تعمل أسلحتهم بقوة خارقة. قُتل الجميع تقريباً، وأُسر أبو الخطاب، فقُتل وصلب ثم أُحرق، وأُرسلت رؤوسهم إلى الخليفة المنصور في بغداد. يذكر الفصل رواية أخرى لبعض أتباعه ادّعوا أنه لم يُقتل، بل تشبّه على الناس، وأن الإمام جعفر هو الذي أمَرَه بالخروج.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى شرح معتقدات الخطابية كما نقلها القمي، والتي تقوم على فكرة وجود رسولين في كل عصر: "ناطق" و"صامت". يعتقدون أن الإمام جعفر هو "الإله الأعظم"، وأن أبا الخطاب هو نبيّه المرسل. ومع لعن الإمام لهم، تفرق أتباعه إلى أربع فرق. وقد تميزت هذه الفرق بالإباحية الكاملة، فاستحلّوا الزنا واللواط والسرقة والخمر، ورفضوا الصلاة والصوم والحج. وفسّروا الأوامر والنواهي الدينية بأنها أسماء رجال يجب ولاءهم أو البراءة منهم. ومن أغرب معتقداتهم تفسيرهم لآية السفينة في سورة الكهف، حيث جعلوا السفينة هي أبا الخطاب، والمساكين هم أتباعه، والملك الظالم هو عيسى بن موسى، والإمام جعفر هو الله الذي دبّر هذه الخدعة لإنقاذ أتباعه.

ينتقل الفصل إلى ذكر بعض التعديلات الشعائرية التي أدخلها الخطابيون، كتأخير صلاة المغرب إلى غياب الشفق "حتى تستبين النجوم"، مما يربطها بمعتقداتهم حول رؤية أرواح الموتى. ويرجح المؤلف أن هذا التوقيت يعود لاعتقادهم بأن بإمكانهم رؤية أرواح الموتى النورانية وهي تصعد إلى السماء على شكل نجوم، وهو اعتقاد ما زال موجوداً لدى النصيريين/العلويين حتى اليوم.

ثم يتناول الفصل الفرق التي تلت الخطابية وامتدت إليها، وهي:

  • البزيغية، وينسبون إلى بزيغ بن موسى، وهو حائك كوفي، وادّعى أن الإمام جعفر جعله شريكاً لأبي الخطاب. ومن معتقداتهم أن "كل ما يقع في قلب المؤمن فهو وحي"، وأنهم يرون أمواتهم صباحاً ومساءً.
  • السريّة الأقصم، التي ينسبون إلى السري الأقصم، الذي اعتبروه رسولاً مثل أبي الخطاب. ويذكر الفصل أنهم كانوا يتبرؤون من الأنبياء السابقين كنوح وإبراهيم وموسى، وهو موقف يصعب تفسيره، ويضعه المؤلف في سياق غنوصي يرى في الأنبياء وسيلة لاستعباد البشر.
  • المعمّرية، والتي ينسبون إلى معمر، الذي ادّعى أن النور الإلهي انتقل من أبي الخطاب إليه، فأصبح هو "إله الأرض" معترفاً بإله السماء الأعلى. يسلط الفصل الضوء على اعتقادهم الغريب بأنهم لا يموتون "بل يرفعون بأبدانهم إلى الملكوت"، وأن أجسادهم لا تفسد بل تصعد إلى السماء.

ويتوسع الفصل في ذكر أن المعمّريين وسّعوا دائرة الأنوار الإلهية الخمسة (أهل الكساء غالباً) لتشمل أجداد النبي وعلي غير المباشرين مثل عبد الله بن عبد المطلب وأبي طالب. كما يدّعي الفصل أن كتاب "أم الكتاب" المقدس عند النصيريين/العلويين يحتوي على إضافات خطابية-معمريّة، تذكر أبا الخطاب كجزء من "الخاموس الإلهي".

ينتقل الفصل إلى فرقة أخرى تُنسب إلى عمير بن بيان العجلي، والتي كانت تعتقد أيضاً بأنهم لا يموتون، وقد قُتلوا في عهد الولاة الأمويين في الكوفة. ثم يختتم الفصل بالحديث عن المفضّل بن عمر الجعفي، الذي فصله المصنفون السنة كفرقة مستقلة "المفضّلية"، بينما يعتبره الإماميون زنديقاً. إن أهمية المفضل لا تكمن في نشاطه التاريخي بقدر ما تظهر في تراث الغلاة بصفته المتلقي المزعوم لوحي الإمام جعفر السرّيّ، حيث ينسب إليه تعاليم كونية عميقة حول الأكوار والأدوار وآدميين قبل آدم، ليأخذ بذلك دور شيخه السابق جابر بن يزيد الجعفي.

في ختام هذه التغطية الواسعة، يمكن الإشارة إلى أن الفصل يقرّ بحدود معرفية واضحة، مثلاً عدم اليقين حول موقف الإمام جعفر من أبي الخطاب في البداية، أو حول التاريخ الدقيق للثورة. الحجج المقدمة هنا مبنية على نصوص تراثية متضاربة، بين روايات أعدائهم (الإماميين والسنة) وروايات أتباعهم (الغلاة). هذا التضارب بحد ذاته يمثل مادة قابلة للنقاش، حيث من الصعب الفصل بين الأسطورة والحقيقة التاريخية في سرديات هذه الفرق. الفصل يقدم لنا صورة معقدة لتيار ديني متطرف، تأرجح بين الفلسفة الغنوصية العميقة والتطرف العملي المسلح، وترك بصمته في معتقدات أخرى استمرت لعصور تالية.

6.المخمسة والتفويض153–162▼ résumé

المخمسة والتفويض: ملخص فصل من كتاب "الغنوصية في الإسلام"

يتناول هذا الفصل فرقتين غاليتين رئيسيتين هما "المخمسة" و**"المفوضة"**، ويحاول تتبع معتقداتهما من خلال المصادر التاريخية، خاصةً كتابات المؤرخ الإمامي القمي وغيره. الموضوع المحوري هو تفسير هاتين الفرقتين للذات الإلهية وللعلاقة بين الله وخلفه، وكيف تبلور ذلك في عقائد غنوصية تنزع إلى حلول الإله في أشخاص معينين وتفويض الخلق إليهم.

يبدأ الفصل بوصف "المخمسة"، مستنداً بشكل أساسي إلى رواية القمي. تشرح الرواية كيف أن هذه الفرقة آمنت بأن الله تجسد في خمسة أشخاص هم: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين. لكن هذه العناصر الخمسة ليست متساوية؛ فالحقيقة الجوهرية والمعنى الحقيقي يكمن في شخص واحد هو محمد، الذي يُعتبر الإله الأعلى. أما الأربعة الآخرون فهم مجرد "أشباح" أو صور ظهر فيها. يوضح الفصل أن إله النور (محمد) كان يظهر نفسه للبشر عبر التاريخ بأشكال مختلفة، في الأنبياء والملوك وحتى في صور النساء والأطفال، محاولاً دعوة الناس إلى الإقرار بوحدانيته. وعندما أنكره الناس في صورة النبوة والرسالة، تقبلوه حين ظهر في صورة الأئمة.

يمضي الفصل في تفصيل عقيدة المخمسة، ويذكر أن لكل ظهور من ظهورات الإله "باباً" أو رسولاً يرافقه، وهذا الباب هو دائماً إعادة تجسيد لشخصية سلمان الفارسي. كما تظهر تسلسلات هرمية أخرى مثل "اليتيمين" (المقداد و أبو ذر) و"النقباء" و"النجباء" و"المختصين". الأهم من ذلك، أن هذه الفرقة أباحت جميع المحرمات وألغت الشرائع كالصلاة والحج، معتبرة إياها "آصاراً وأغلالاً" خاصة بالجاهلين. وفسرت مفاهيم مثل النكاح والطلاق برمزية صوفية. كما آمنت المخمسة بتناسخ الأرواح، حيث تعذب أرواح الجاحدين بالانتقال عبر جميع المخلوقات (الإنسان، الحيوان، الجماد) حتى تصل إلى حالة الجمود الأبدي، بينما تنتقل روح المؤمن العارف عبر سبعة أبدان (أقمصة) في سبعة أدوار، كل دور مدته عشرة آلاف سنة، لتنتهي بالاتصال الكامل بالنور الإلهي.

بعد وصف المخمسة، ينتقل الفصل لذكر فرقة أخرى هي "العليائية"، نسبة إلى بشار الشعيري، والتي تعتبر ضرباً آخر من الغلو. تختلف العليائية عن المخمسة بأنها جعلت علي بن أبي طالب هو الإله الأعلى، واعتبرت محمداً مجرد عبد له ورسوله. وقد أنكرت هذه الفرقة أئمة مثل جعفر الصادق و علي الرضا. ويورد الفصل كيف أن الإمام جعفر الصادق لعن بشاراً ووصفه بالكافر والشيطان. ويشير المؤلف إلى أن العليائية يمكن اعتبارها طليعة الطائفة النصيرية / العلوية الحالية، خاصة في رفعها من شأن فاطمة بصيغة المذكر (فاطم) كأحد مظاهر الإله.

أما الجزء الثاني من الفصل فيعالج عقيدة "التفويض" التي يصفها المؤلف بأنها لم تكن فرقة مستقلة بقدر ما كانت "هرطقة" شائعة بين العديد من فرق الغلو. حجر الزاوية في هذه العقيدة هو أن الإله الأعلى والأزلي فوّض خلق العالم وتدبيره إلى شخص واحد كامل، هو محمد، الذي يتحد مع علي وفاطمة والأئمة ليشكلوا معنى واحداً في جوهرهم. بالنسبة للمفوضة، ليس على المؤمن واجب معرفة الإله الأزلي بل فقط معرفة "المفوض إليه" (محمد). وترى أن الأسماء الإلهية في القرآن (مثل الله، الواحد، الصمد) ليست سوى أسماء لهذا المفوض إليه، ويسقط أن تطلق على الإله الأزلي. وتنقسم المفوضة في موقفها من الشرائع إلى قسمين: قسم يلتزم بها ظاهرياً "ستراً" من الأعداء، وقسم آخر يراها عقوبات وتكاليف خاصة بـ"المقصرة" أي من لم يعترف بألوهية محمد.

في ختام الفصل، يُقر المؤلف بأن عقيدة التفويض واضحة في كتاب "أم الكتاب" نفسه، حيث يُعهد لسلمان وباقي المنازل بخلق العالم، مما يجعلها سمة مميزة للغلو الكوفي بشكل عام. ويلمح إلى صعوبة تصنيف هذه الفرق بدقة، فالمصادر التاريخية تقدم أسماء متعددة لهم (مثل "المحمديين" عند المسعودي، و"الميمية" عند الشهرستاني لمن فضلوا محمد، و"العينية" لمن فضلوا علي). يظهر من النص أن هذه العقائد كانت محور صراع ونقاش حادين داخل الأوساط الشيعية، حيث استنكرها أئمة أهل البيت مثل جعفر الصادق ووصفوها بالشرك والكفر.

8.كتاب الأظلة169–192▼ résumé

هذا الفصل من كتاب “الغنوصية في الإسلام” لهاينس هالم يتناول بالتحليل كتاباً غامضاً يعرف باسم “كتاب الهفت الشريف” أو “كتاب الأظلة”، وهو نص ديني لا ينتمي بوضوح إلى التراث الإسماعيلي أو النصيري (العلوي) بل يبدو أنه أقدم منهما. المحور الأساسي هو كشف الأصل الغنوصي لهذا الكتاب وأفكاره، مع إرجاع نواته إلى بيئة “الغلاة” في الكوفة في القرن الثامن الميلادي.

يسير الفصل في جزئين: الأول يحقق في مسألة تأليف النص وعلاقته بالطوائف. يذكر هالم أن الكتاب تواتر بين النصيرية والإسماعيلية في سوريا، لكنه في الحقيقة ليس كتاباً إسماعيلياً بحتاً لغياب عقائدهم الجوهرية عنه، كما أنه ليس نصيرياً خالصاً لاختلافه عن كتب ميمون الطبراني. يناقش هالم الروايات التي تنسب الكتاب إلى محمد بن سنان الظاهري، وهو راوي كوفي متهم بالغلو والزندقة في المصادر الإمامية، ويخلص إلى أنه على الأرجح هو ناقل هذه التعاليم. يشير الفصل أيضاً إلى مخطوطات الكتاب التي تعاني من التحريف، وإلى أن النص ليس متجانساً بل يحتوي على طبقات متعددة من الإضافات.

الجزء الثاني والأكبر من الفصل هو عرض تفصيلي للأسطورة الغنوصية في الكتاب نفسه. تبدأ الأسطورة بخلق الله نوراً يلقي بظلاله (الأظلة)، ثم خلق أشباح وأرواح وسبع سماوات وسبع آدميين. يخضع الله الأرواح لاختبار عصيان بقبول الهبوط إلى الأرض، فتظهر الشياطين وتُخلق النساء من معصيتهم، مما يؤدي إلى امتزاج الخير بالشر وحبس الأرواح النورانية في المادة. ينقسم البشر بعدها إلى نوعين: المؤمنون الذين يمرون بعملية “نسخ” (تناسخ في أبدان بشرية متكررة) حتى التطهر، والكافرون الذين يخضعون لعملية “مسخ” (التناسخ في أبدان حيوانات) كعقاب دائم. الخلاص النهائي يكون بالعودة إلى الأصل النوراني.

يستخدم المؤلف نصوص الكتاب نفسه كأدلة، فيقتبس فقرات طويلة من الحوار بين الإمام جعفر الصادق وتلميذه المفضل بن عمر الجعفي. تشرح هذه النصوص التفاصيل الأسطورية: كيف خُلقت الأظلة والأشباح، كيف كان أول عصيان، كيف ظهر إبليس، كيف اختلط المؤمنون بالكافرين عبر النكاح، وكيف أن المؤمن عندما يصل إلى درجة المعرفة الباطنية تسقط عنه جميع الفرائض الظاهرية (الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة) ويصبح حراً. من أبرز الأمثلة قصة مقتل الحسين بن علي في كربلاء، والتي يُعاد تفسيرها في الكتاب بشكل غنوصي محض، حيث يُزعم أن الحسين لم يُقتل حقيقة بل خرج من جسده ورفعه الله إلى السماء، وأن الذي قُتل هو شيطان في صورته.

يقر المؤلف بحدود واضحة؛ فهو يعترف بأن النص الموجود اليوم “مفسد جداً” وغير متجانس، وأن نسبة الكتاب إلى شخص معين (مثل محمد بن سنان) تظل افتراضية قابلة للنقاش بسبب غياب الدليل القاطع. كما يلاحظ أن العقائد النصيرية المتطورة غائبة عن هذا النص القديم، مما يجعله أقرب إلى مرحلة مبكرة من الغلو الكوفي.

من أبرز الحجج القابلة للنقاش داخل النص نفسه هي فكرة سقوط الفرائض الدينية الظاهرية عن المؤمن بمجرد بلوغه المعرفة الباطنية (الباب الثالث عشر)، وهي فكرة راديكالية تضع المعرفة (الغنوص) فوق الشريعة، وهو ما يفسر رفض الفقهاء الإماميين لهذه النصوص ووصفهم لها بالغلو والزندقة.

10.النصيريون أو العلويون199–249▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على طائفة النصيريين أو العلويين في سورية، باعتبارها الفرقة الوحيدة الباقية من الغلاة في الإسلام، ويقدّم المؤلف عرضاً شاملاً لأصولها التاريخية، ومعتقداتها، وبنيتها الاجتماعية، ودورها السياسي الحديث. الإجابة المحورية التي يقدمها هي أن هذه الطائفة، رغم محاولاتها المعاصرة لتقديم نفسها كجزء من الإسلام الشيعي الكبير تحت اسم "العلويين"، فإن جذورها الفكرية تعود إلى الغلو العراقي وتحديداً إلى شخصية ابن نصير، وأن تراثها الديني يحافظ على أساطير ومصطلحات تلك الفرق بشكل شبه كامل.

يسير الفصل في بناء متسلسل، يبدأ بتحديد المنطقة الجغرافية التي يقطنها العلويون في سورية، وهي منطقة جبلية تمتد بين البحر المتوسط ونهر العاصي، مع وجود مجموعات صغيرة مبعثرة في مدن أخرى مثل حلب وحمص وحتى دمشق. يذكر المؤلف أنهم يشكلون حوالي 15% من سكان سورية (في تعداد عام [يحتاج تحققاً])، لكنهم لعبوا دوراً مهماً في الحكومة والجيش منذ تولي الرئيس حافظ الأسد الحكم في سنة 1970. كما توجد أقليات علوية في كل من العراق (في عنه فقط)، ولبنان، وتركيا (في منطقة الإسكندرون وجنوب شرق أنطاكية).

ينتقل الفصل بعدها إلى الحديث عن البنية القبلية غير المتجانسة للطائفة، مشيراً إلى أن أفرادها، رغم تعريبهم لغوياً، يحتفظون بتراث وثني قديم في تبجيل الأشجار والينابيع والأحجار. يعزو العلويون أصولهم لقبائل عربية، ويقسمون عشائرهم المشتتة إلى أربعة تجمعات عشائرية كبرى: الكلبيون، والخياطين (الذين هاجروا من شمال العراق بقيادة علي الخياط في عام [يحتاج تحققاً])، والحدادون، والمتاورة، وهذان الأخيران يعودان إلى عشائر سنجارية استوطنت الجبل تحت قيادة الأمير حسن بن يوسف المكزون في سنة [يحتاج تحققاً]. يعقّب المؤلف نقلاً عن الباحث جاك ويلورس بأن النظام القبلي هذا حديث نسبياً، إذ من المرجح أن بعض العشائر البدوية الكبيرة فقط هي التي استوطنت الجبل وأجبرت سكانه الأصليين على قبول نظامها الجديالوجي.

يتناول الفصل بعدها الحقبة التي تشكلت فيها للعلويين وحدة سياسية مستقلة تحت الانتداب الفرنسي بين الحربين العالميتين، حيث تم إعلان "منطقة حكم ذاتي للعلويين" في 31 آب 1920، ثم تحولت إلى "دولة العلويين" المستقلة في 11 تموز 1922، التي حكمها حاكم فرنسي ومجلس مؤلف من تسعة علويين وسنيين وأرثوذكس وإسماعيليين. تم تغيير اسمها إلى "حكومة اللاذقية" في عام 1930، ثم أُعيدت إلى سورية في أعقاب معاهدة عام 1936، لتنتهي هذه الدولة المستقلة فعلياً مع اندلاع الحرب العالمية الثانية واحتلال سورية في حزيران 1941. ويظهر الثقل السياسي العلوي بقوة مع تولي حزب البعث الحكم عام 1963، وصولاً إلى رئاسة حافظ الأسد في عام 1971، مستنداً لوحدات خاصة علوية يقودها أخوه رفعت. يعترف الكاتب بأن هذا النظام هو الأوطد في سورية منذ الاستقلال، لكنه يقرّ أيضاً بأنّ الانتماء المذهبي للرئيس يُستخدم سلاحاً من قبل المعارضة السنية التي تصف العلويين في منشوراتها بالهرطقة أو الزندقة غير الإسلامية، مما يضطره إلى تأكيد انتمائه للإسلام ولو بشكل شكلي.

يتحول الفصل بعد ذلك إلى المصادر الغربية الأولى التي كشفت عن ديانة النصيريين، بدءاً من كارستن نيبور في القرن الثامن عشر، ومروراً بـ يوسف كاتافاجو، وصولاً إلى دراسات رينيه دوسو الشاملة ومارتين هارتمان وهنري لامنس. ثم يذكر المصادر المحلية ككتاب "تاريخ العلويين" لمحمد أمين غالب الطويل، وجريدة "النهضة" التي صدر أول عدد منها في طرطوس عام [يحتاج تحققاً]. ويخص بالذكر دراسات رودولف شتروتمان التي حقق وترجم فيها نصوصاً نصيرية مهمة من مخطوطات.

في القسم الخاص بمؤسسي النصيرية، يعدد الفصل أبرز الشخصيات: محمد بن نصير النميري (حوالي 270هـ/883م)، ثم محمد بن جندب، والحسين بن حمدان الخصيبي (توفي في حلب حوالي 358هـ/969م)، ومحمد بن علي الجلي (توفي بعد 358هـ/969م)، وأخيراً سرور بن القاسم الطبراني (318-410هـ/930-1020م) الذي هاجر من حلب إلى اللاذقية في سنة [يحتاج تحققاً] ويعتبر مؤلفاً رئيسياً للفرقة. تشكل هذه السلسلة "شهادة" النصيري التي يرددها: "أشهد بأني نصيري الدين، جندبي سبيلاً، جنبلاني طريقاً، خصيبي المذهب، جلي الطريقة، ميموني الفقه".

يخلص الفصل إلى شرح أسس العقيدة النصيرية، معترفاً بصعوبة تقديم عرض مترابط لها بسبب طبيعة النصوص المتاحة (إما مجاميع أحاديث أو نصوص طقوسية). ويبدأ بأسطورة الخلق التي تروي أن الأنوار النورانية كانت في البدء تشاهد علي بالنظرة الصفراء، ثم أخطأت بالتفكير في نفسها، فعاقبها الإله بالهبوط إلى الأبدان البشرية. ويركز على أن علي هو تجلٍ للإله الأعلى، ويظهر الثالوث السماوي المكون من المعنى (علي)، والاسم (محمد)، والباب (سلمان الفارسي). كما يشرح نظام تناسخ الأرواح وفكرة الأدوار السبعة التي يتعاقب فيها أنبياء يحجبون المعنى الحقيقي.

يتناول الفصل بالتفصيل طقس الدخول (القبول)، وهو طقس سري أساسي في الديانة، واصفاً إياه بأنه "ولادة روحية" تستمر من سبعة إلى تسعة أشهر. ينتقل النص هنا إلى وصف دقيق منقول عن مخطوطة لـالشيخ حسن بن منصور بن خليل المحرزي وعن سليمان الأضني (المرتد النصيري)، يشرح مراحل الطقس الأولى ("التعليق") التي تشبه عقد النكاح الروحي بين التلميذ والمرشد، وصولاً إلى المرحلة الثانية ("السماع") التي تمثل الولادة، وتتضمن شرب الخمر، والتعهد بالكتمان تحت طائلة الموت، وحلف اليمين على الكتاب الطقسي المقدس "المجموع".

أخيراً، يصف الفصل الأعياد الدينية، مبيناً أن النصيريين غلاة حقيقيون لا يلتزمون بالشريعة الإسلامية الظاهرية، ولكن لديهم طقوسهم الخاصة. يذكر عيد الغدير، وعيد المباهلة، وعيد الفراش، وعاشوراء (الذي يحولونه إلى عيد بصعود الحسين للسماء)، والأعياد الإسلامية المحولة تأويلاً. والأهم الأعياد الفارسية الشمسية النوروز والمهرجان التي تعود لـمحمد بن جندب، والتي تؤكد على أزلية الدين واستقلاليته. كما يذكر العيد المسيحي الوحيد المدرج في كتبهم وهو "ليلة الميلاد". ويختم بوصف طقوس الاحتفال التي تتم بقيادة ثلاثة شيوخ: الإمام، والنقيب، والنجيب، الذين يرمزون لحضور الثالوث السماوي.

في الفقرة الأخيرة، وبالإشارة إلى نقاش في النص نفسه، يمكن القول إن الفصل يقرّ ضمنياً بأن الهوية العلوية هي بناء حديث ومحل نزاع: فهي تحاول تقريب نفسها من الشيعة عبر تغيير الاسم، بينما يتمسك خصومها من السنة بنعتها بالهرطقة استناداً لمصادر قديمة. كما أن التوفيق الذي يقوم به حافظ الأسد بين كونه رئيساً لدولة علمانية ورئيساً لطائفة غنوصية سرّية، هو مسألة قابلة للنقاش ولم تُحسم بعد.