القاعدة في سوريا - فداء عيتاني
يقدّم كتاب "تنظيم القاعدة في سوريا 2000-2013" للباحث فداء عيتاني تحقيقاً معمقاً في جذور وجود تنظيم القاعدة في سوريا، وتطوره، وتحولاته الدراماتيكية خلال السنوات الأولى للثورة السورية. لا يكتفي الكتاب بسرد الأحداث، بل يحاول تفكيك العلاقة المعقدة والجدلية بين النظام السوري والتنظيمات الجهادية، مجيباً بذلك عن سؤال محوري: كيف تحول تنظيم القاعدة من أداة محتملة في يد النظام السوري والمخابرات الإقليمية إلى كيان مستقل يهدد الثورة نفسها ويسعى إلى فرض مشروعه الخاص، متجاوزاً كل الحسابات الأولية التي راهنت على توظيفه.
يسير الكتاب في حجته وفق تسلسل زمني وموضوعي يبدأ من أواخر التسعينات، حيث يوضح كيف كانت سوريا تحت حكم حافظ الأسد تشهد وجوداً محدوداً للخلايا الجهادية، كما حدث في مواجهة خلية الضنية في لبنان وخلية "جند الشام" في سوريا. لكن التحول الجذري بدأ مع وصول بشار الأسد إلى الحكم واندلاع حرب العراق في 2003. هنا يكشف الكتاب عن سياسة ممنهجة للنظام السوري تمثلت في فتح الأبواب أمام تدفق المقاتلين العرب والإسلاميين عبر حدوده إلى العراق لمحاربة القوات الأمريكية. هذا التسهيل لم يكن مجرد غضّ نظر، بل كان جزءاً من استراتيجية إقليمية معقدة، تشاركت فيها دمشق وطهران وحتى بعض الأطراف الخليجية، بهدف إضعاف المشروع الأمريكي. ويشير الكتاب إلى أن النظام السوري سمح بإقامة "قواعد خلفية" لتنظيم القاعدة على أراضيه، وغضّ الطرف عن حركة شخصيات جهادية بارزة مثل أبو الفعقاح (محمود غول أغاسي)، الذي أصبح مدرباً للمقاتلين في حلب.
لكن هذه السياسة، كما يوضح الكتاب، كانت بمثابة لعبة النار التي أحرقت أصحابها. فبينما كان النظام يظن أنه يوجّه الغاز السام بعيداً عنه، كانت الجذور الجهادية تغرس في العمق السوري. مع بداية الألفية الجديدة، وتحت غطاء "الانفتاح الاقتصادي" و"الربيع العربي" الوهمي، سمح النظام بنشر الفكر السلفي الوهابي عبر معاهد دينية ممولة خليجياً، لمواجهة النفوذ الشيعي الإيراني المتزايد في الريف السوري. هذا التوجه، إلى جانب التدهور الاقتصادي الحاد، والجفاف الذي ضرب البلاد بين 2007 و2009، والفساد المستشري في أجهزة الأمن التي باتت تبتز المواطنين باتهامات الانتماء للقاعدة للحصول على المال، كلها عوامل خلقت بيئة خصبة لاستقبال الفكر الجهادي.
يصف الكتاب ببراعة كيف أن ثورة 2011 التي انطلقت من المساجد، وجدت نفسها أمام نظام أطلق سراح عدد كبير من السجناء الإسلاميين الجهاديين من سجونه في محاولة لتأكيد روايته عن "عصابات إرهابية مسلحة". هؤلاء المفرج عنهم، الذين تضاعفت أعدادهم داخل السجون وتشكلت ولاءاتهم التنظيمية هناك، خرجوا بعقيدة واضحة: لا نعترف بثورة سلمية، بل ننشد الجهاد تحت راية القاعدة. هذا التدفق البشري، إلى جانب وصول المقاتلين الأجانب من العراق وأفغانستان وأوروبا، مهّد الطريق لتأسيس جبهة النصرة في بداية 2012 بإيعاز من أبو بكر البغدادي ودعم من أيمن الظواهري.
يوثق الكتاب التحول في موقف السكان المحليين ومقاتلي "الجيش الحر" من المقاتلين الأجانب. في البداية، رغم تخوفهم من تشدد الوافدين، ساهمت عوامل عدة في قبولهم: أولاً، تكرار النظام لاتهام الثوار بأنهم من القاعدة مما أعطى التنظيم صورة إيجابية لدى البعض. ثانياً، الحاجة الماسة للمقاتلين الأجانب لقدراتهم القتالية العالية وانضباطهم الأخلاقي النسبي في البداية. ثالثاً، توفر التمويل الكبير للجهادين مقابل شح المساعدات للجيش الحر. رابعاً، عدم مشاركة جبهة النصرة في مهاجمة الفصائل الأخرى وتركيزها على قتال النظام عبر عمليات نوعية. وهكذا، عاش الشارع السوري وهم "جهاد لوجه الله" حتى سقوط النظام، قبل أن يتبدد هذا الوهم مع إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
يصل الكتاب إلى ذروته بتحليل الانشقاق الكبير الذي حدث في أبريل 2013، عندما أعلن أبو بكر البغدادي ضم جبهة النصرة إلى دولته تحت مسمى "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، مما أثار أزمة حادة. أظهر أبو محمد الجولاني، قائد النصرة، تبعية للظواهري، رافضاً القرار ومؤكداً أن جبهته فرع مستقل تابع لقيادة القاعدة في أفغانستان. يكشف الكتاب أن جذور الخلاف كانت أعمق من مجرد إعلان، فقد رفض الجولاني أفكاراً تقدم بها البغدادي في اجتماعات مبكرة. بعد هذا الانقسام، تأكد للسوريين أن المقاتلين الأجانب، الذين انضم معظمهم للدولة الإسلامية، لم يحاربوا لتحرير سوريا بقدر ما كانوا يسعون لبناء "دولة موحدة" تمتد من العراق إلى الشام.
يفرد الكتاب مساحة واسعة لتحليل سلوك التنظيمين بعد الانقسام. فالدولة الإسلامية، وبامتلاكها موارد ضخمة (النفط، الحبوب، السلاح) ونظاماً عسكرياً متطوراً، بدأت في تطهير المناطق المحررة من مقاتلي الجيش الحر، واعتقال قادة الثورة، وتصفية كل من يختلف معها، متخلية عن أي تنسيق مع القوى السورية. أما جبهة النصرة، فبعد أن فقدت الكثير من إمكانياتها المالية والبشرية لصالح الدولة، حاولت الظهور كفصيل أكثر مرونة، تحرص على المشاركة في المعارك ضد النظام، وتتعاون مع الفصائل الإسلامية الأخرى، وتشارك في المحاكم الشرعية، محاولةً بناء "قاعدة جماهيرية" محلية. لكن الكتاب ينبّه إلى أن هذه المرونة لا تلغي قدراً كبيراً من التشدد الذي ستعود إليه متى استتب لها الأمر.
في ختام تحليله، يطرح فداء عيتاني سيناريوهات مستقبلية لتنظيم القاعدة في سوريا، مؤكداً أنه لم يعد من الممكن الحديث عن نموذج واحد. هناك تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يقود سوريا نحو فوضى عراقية جديدة، قائم على إضعاف الجيش الحر وتثبيت دعائم دولته بالقوة. وهناك جبهة النصرة، التي قد تتحول إلى طرف سياسي عسكري متطرف إذا ما تمكنت من الحفاظ على قبولها المحلي. يخلص الكتاب إلى أن فترة الازدهار الذهبي لتنظيم القاعدة في سوريا لن تدوم إلا في ظل استمرار حالة الفوضى والتشرذم. وفي أي تحول إيجابي نحو تسوية سياسية، أو توحد الفصائل السورية، أو تدخل دولي حاسم، سيزول الغطاء المحلي عن المقاتلين الأجانب، وسيتحولون في نظر المواطن السوري من محررين إلى "قتلة يسرقون الموارد والخيرات". ويبقى السؤال المفتوح حول ما إذا كان التنظيم سيعود إلى العمل كخلايا أمنية سرية كما في مرحلة ما بعد أفغانستان، أم سيتحول إلى ميليشيا تبتز للحصول على المكاسب، على غرار النموذج اللبناني.