Almawred
المؤسسة العسكرية السورية 2019 م مركز عمران
عربي

المؤسسة العسكرية السورية 2019 م مركز عمران

مركز عمرانar

الموضوع المحوري لكتاب "المؤسسة العسكرية السورية 2019" الصادر عن مركز عمران هو تفكيك بنية الجيش السوري التقليدية وتحولها إلى كيانات عسكرية هجينة تحت سيطرة قوى خارجية، وفي مقدمتها روسيا وإيران، وذلك منذ التدخل العسكري الروسي في عام 2015. يدافع الكتاب عن أطروحة مفادها أن الجيش السوري فقد استقلاليته ووحدته، وأصبح ساحة لتجاذب النفوذ بين موسكو وطهران، حيث تسعى كل منهما إلى بناء فيالق ووحدات موالية لها مباشرة، مما حول المؤسسة العسكرية من جيش وطني إلى "ميليشيا كبرى" تفتقر إلى عقيدة قتالية موحدة، وأصبحت رهينة للتوازنات الإقليمية والدولية.

يسير الكتاب في حجته عبر ثلاثة فصول مترابطة، تبدأ بتحليل الاستراتيجية الروسية في بناء فيالق جديدة للتحكم العمودي في الجيش، ثم تنتقل إلى دراسة دور الميليشيات الفلسطينية الموالية للنظام كورقة في الصراع، وتختتم بتفصيل بنية الفيالق المستحدثة (الرابع والخامس والسادس) وأهدافها. المنطق الذي يربط الأجزاء هو أن كل فصل يكشف وجهاً من أوجه تفتت المؤسسة العسكرية: الفصل الأول يُظهر كيف تسعى روسيا إلى تفكيك البنى القديمة واستبدالها بوحدات موالية لها حصراً. الفصل الثاني يبرز كيف وظف النظام الفصائل الفلسطينية كأداة لقمع المعارضة وكورقة ضغط في سياساته الإقليمية، مما يعكس انهيار أي تماسك وطني. الفصل الثالث يدمج الصورة ليظهر أن الفيالج الجديدة (الرابع والخامس والسادس) لم تكن مجرد تعزيز لقوة النظام، بل أدوات روسية لتحجيم النفوذ الإيراني واحتواء فصائل المعارضة المسلحة التي سوت أوضاعها.

الأرقام والوقائع اللافتة التي يصعب نسيانها تتوزع في الكتاب بكثافة. ففي سياق الفيلق الرابع، الذي أُعلن عن تشكيله في 8 أكتوبر 2015 بقيادة اللواء حسن مرهج ومقره في مصياف، يذكر الكتاب أنه في ذروته بلغ عديده ما بين 10 و12 ألف مقاتل، وزودته موسكو بطائرات بدون طيار متصلة بقمر عسكري، وراجمات صواريخ حديثة، وطائرات هليكوبتر هجومية من طراز مي-28 ن وكا-52. أما عن الفيلق الخامس، الذي أُعلن عنه في 22 نوفمبر 2016، فبلغ تعداده نحو 15 ألف عسكري، وراتب أفراده يصل إلى 200 دولار وللضباط بين 250 و300 دولار، ومركز قيادته في اللاذقية على ارتباط مباشر بمطار حميميم الروسي. وفي تفاصيل لافتة أخرى، يُشار إلى أن اللواء 313 التابع للحرس الثوري الإيراني جند أكثر من 200 شاب من محافظة درعا، معظمهم من شباب المصالحات التي تمت مع النظام في يوليو 2018، ويقع هذا اللواء على بعد 30 كيلومتراً من الحدود الأردنية و45 كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية.

فيما يتعلق بالميليشيات الفلسطينية، يقدم الكتاب أرقاماً دقيقة: جيش التحرير الفلسطيني بلغ تعداده حوالي 4500 فرد بداية الثورة، وخاض معارك أسفرت عن سقوط 276 قتيلاً. لواء القدس بقيادة محمد السعيد، الذي تشكل في 6 أكتوبر 2013، بلغ تعداده 3000-3500 عنصر، وخسر أكثر من 500 قتيل، ويتهمه الكتاب بارتكاب انتهاكات كتجنيد الأطفال والخطف والاغتصاب. الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل تقدر عناصرها بـ 250 في سورية، وخسرت وفق تقديرات لا تتجاوز 50 مقاتلاً. كما يشير الكتاب إلى أن آخر ترفيع لرتبة عماد في الجيش السوري كان في عام 2012، وأنه تم إيفاد عشرات الضباط السوريين للتدريب في روسيا خلال عام 2018.

يعترف الكتاب بجملة من الحدود والتحفظات، أبرزها أن الطموح الروسي لإعادة الهيكلة سيصطدم حتماً بسياسات الحليف الإيراني الذي بات يتوغل في معظم مفاصل صنع القرار العسكري والأمني. كما يقر بأن الجيش السوري فقد خاصيتين أساسيتين: القدرة على اتخاذ قرار استراتيجي، والقدرة على الاحتفاظ بالمكتسبات العسكرية بسبب الاستنزاف النوعي الذي أصاب بنيته المحترفة. وفي سياق الميليشيات الفلسطينية، يقرّ الكتاب ضمنياً بحدود واضحة في المعلومات، خاصة المتعلقة بالأعداد الدقيقة للمقاتلين والخسائر، حيث يعتمد على تقديرات ويشير إلى المبالغة في الأرقام المعلنة من قبل بعض الفصائل نفسها لأسباب دعائية ومالية. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مصير هذه القوى بعد الحرب، مرجحاً سيناريوهين: إما استمرار استخدامها كورقة دعائية في حال بقاء النظام، أو تفكيكها ومحاكمة المتورطين في جرائم الحرب في حال انتقال سياسي حقيقي.

من أبرز الحجج القابلة للنقاش في الكتاب ازدواجية الموقف الروسي، التي تظهر في دعم موسكو قرار إلغاء دعوات الاحتياط لتشجيع السوريين في الخارج على العودة، ثم تراجعها عن هذا القرار لتعود وتدعم عمليات التعبئة في ظل ضعف الاستجابة وإحجام الدول الغربية عن دعم إعادة الإعمار. يكشف هذا التناقض أن أولوية روسيا الفعلية هي تكثيف عمليات إعادة هيكلة الجيش وتقويته للحيلولة دون تمدد إيران، وليس تحقيق المصالحة المجتمعية. كما يمكن مناقشة تركيز الكتاب على إخضاع القوى الفلسطينية للنظام دون إيلاء اهتمام متوازن لتعقيدات الواقع الميداني أو الدوافع المحتملة لبعض العناصر الفلسطينية للانخراط في القتال، كحماية مخيماتهم في ظل انهيار الدولة. أخيراً، يظل هاجس الكتاب بصياغة مستقبل هذه القوى على أساس سيناريوهين حادين قد لا يعكس كل الاحتمالات الواقعية في المشهد السوري المتغير.