Almawred
Cycle of Fear: Syria's Alawites
English

Cycle of Fear: Syria's Alawites

Leon Goldsmith1 janvier 2015enC. Hurst & Co. (Publishers) Ltd.

الموضوع المحوري للكتاب والإجابة التي يدافع عنها المؤلف

يدور كتاب "دورة الخوف: علويو سوريا" لليون غولدسميث حول سؤال جوهري: لماذا بقي المجتمع العلوي متماسكاً خلف نظام الأسد على مدى عقود، حتى عندما كان معظم أفراده لا يتمتعون بامتيازات اقتصادية أو سياسية كبيرة؟ الإجابة التي يقدمها المؤلف هي أن انعدام الأمن، الناتج عن قرون من الاضطهاد والتهميش على يد السلطات السنية، هو العامل الأكثر حسماً في تشكيل الوعي السياسي العلوي. هذا الخوف الدائم أنتج ما يسميه غولدسميث "العصبية" أو التضامن الجماعي، وهو رابط أقوى بكثير من الدعم القائم على المحسوبية المادية وحدها. يرى المؤلف أن هذه العصبية المبنية على الخوف هي التي تفسر تأسيس نظام حافظ الأسد وتماسكه وصموده أمام التحديات، وهي أكثر متانة وأعمق جذوراً مما يعتقده معظم المحللين.

كيف تسير حجة الكتاب من فصل إلى آخر

يبدأ غولدسميث بوضع الإطار المفاهيمي والديموغرافي، فيشرح أن معنى "كونك علوياً" يختلف بين أبناء الطائفة الواحدة، التي تتقاطع هوياتها كمسلمين وشيعة وعرب وسوريين، لكن الهوية الطائفية تظل أقوى مصدر للقواسم المشتركة. يبلغ تعداد العلويين في سورية حوالي 3 ملايين نسمة، أي ما نسبته 12 إلى 15 في المئة من السكان، يتركزون في شمال غرب البلاد وبشكل خاص في اللاذقية وطرطوس. البنية القبلية للطائفة مقسمة إلى أربعة اتحادات رئيسية: الخياطين والمطاورة والحدادين والكلبية التي تنتمي إليها عائلة الأسد.

ثم يعود المؤلف إلى الجذور التاريخية، فيتتبع نشأة الطائفة كحركة سياسية-دينية هامشية في الكوفة بالعراق في القرن الثامن، على يد محمد بن نصير الذي أعلن نفسه "باباً" إلى ألوهية الأئمة حوالي عام 850. يوضح أن بقاء الجماعة لم يعتمد فقط على معتقداتها، بل على الروابط القبلية واستراتيجية التكيف السياسي التي شملت التقية، وهي تقليد استمر حتى اليوم. مع قدوم الأتراك السلاجقة السنة إلى بلاد الشام عام 1070، بدأت هجرة العلويين القسرية من المدن الداخلية نحو جبال الساحل السوري، حيث تحولوا إلى ما يصفه المؤلف بـ"طائفة لاجئة جبلية" عرفت باسم "أبناء الجبل". العزلة الطويلة في هذه الجبال الوعرة شكلت الهوية الاجتماعية والاقتصادية للجماعة، لكن تضاريسها المجزأة أدت أيضاً إلى تجزئتهم وتفتت تماسكهم الداخلي.

مع انهيار الحكم العثماني بعد عام 1918، شهد العلويون فرصة تاريخية لتوحيد "عصبيتهم". طبقت فرنسا فور سيطرتها سياسة "فرّق تسد"، فأنشأت في 31 أغسطس 1920 "منطقة العلويين المستقلة" التي ضمت مساحة تقدر بـ 6,500 كيلومتر مربع. في نهاية عام 1933، بلغ عدد سكانها 334,173 نسمة، كانت نسبة العلويين 64% أي 213,870 نسمة. قدمت هذه الدولة للطائفة فرصة نادرة للمشاركة السياسية، لكنها عززت في الوقت نفسه الانقسامات الطائفية بدلاً من بناء دولة وطنية موحدة.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، موضحاً كيف تحول العلويون من أقلية معزولة إلى قوة سياسية وعسكرية مسيطرة. يرفض المؤلف فكرة أن هذا التحول كان مؤامرة مخططة، ويراه بدلاً من ذلك رد فعل لانعدام أمن عميق ناتج عن التهميش الاقتصادي والاجتماعي والتحيز الطبقي الحضري السني. كان الجيش السوري السبيل الوحيد للدخل الثابت للعلويين المحرومين اقتصادياً، لكنه تقلص من 7,000 جندي في 1946 إلى 2,500 فقط بحلول عام 1948. مع بروز "سقف زجاجي" للعلويين في المجتمع السوري، بدأت القبائل العلوية المنفصلة تتوحد على أساس طائفي مشترك، مكونة "عصبية" أقوى من العصبية الضعيفة للسكان الحضر السنة. انتهج العلويون استراتيجية مزدوجة: الانضمام إلى حزب البعث العلماني، والسعي للحصول على شرعية دينية عبر اعتبارهم جزءاً من "الإثني عشرية" الشيعة، وفي 1958 صدرت فتوى تاريخية من الأزهر في القاهرة تعترف بالشيعة الإثني عشرية كفرقة دينية صحيحة.

يصل الكتاب إلى نقطة التحول الكبرى مع إنشاء الجمهورية العربية المتحدة (1958-1961) بين سوريا ومصر، التي اعتبرها علويو البعث كارثة، إذ تحولوا من أقلية نسبية إلى أقلية ضئيلة في بحر سني هائل. في عام 1959، تشكلت اللجنة العسكرية السرية داخل الجيش السوري، وكان معظم أعضائها البارزين من العلويين مثل صلاح جديد وحافظ الأسد. يرفض المؤلف مجدداً فكرة أن هذه اللجنة كانت مؤامرة علوية مبيتة، مشيراً إلى أن أعضاءها شملوا ستة سنة من خلفيات ريفية فقيرة. بعد انهيار الوحدة، قادت اللجنة العسكرية انقلاب حزب البعث في 8 مارس 1963، مما حقق الثورة الاجتماعية التي وعدت بتحسين أوضاع العلويين والمحرومين.

يتناول الكتاب بالتفصيل صراع الإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات، ويظهر كيف أدى هذا الصراع إلى تبلور الهوية الطائفية للعلويين وزيادة اعتمادهم على النظام. يبدأ بـ حملة الاغتيالات التي شنها الإخوان عام 1977 ضد شخصيات علوية بارزة، ويصل إلى مذبحة أكاديمية المدفعية في حلب في 16 يونيو 1979 حيث قتلت مجموعة كبيرة من الطلاب العلويين. يوضح المؤلف أن محاولات الإخوان لإثارة الفتنة الطائفية حققت تأثيراً معاكساً، حيث وحدت الطائفة خلف النظام بدلاً من تفتيتها، وذلك بسبب الخوف المشترك من الانتقام وارتفاع أسعار المخاطرة. بعد محاولة اغتيال حافظ الأسد الفاشلة في 27 يونيو 1980، أمر رفعت الأسد بذبح ما بين 550 و1181 سجيناً من الإخوان المسلمين في سجن تدمر.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تحليل شخصية حافظ الأسد من خلال شهادات متناقضة. يصفه عبد الحليم خدام، السني من بانياس وصديقه القديم، بأنه براغماتي، مثالي، فاسد (بسبب تمكينه لعائلته)، وطائفي. في يناير 1973، صدر الدستور السوري الدائم الأول الذي لم ينص على أن يكون رئيس الدولة مسلماً، مما أثار موجة احتجاجات واسعة في حماة، حلب، حمص ودمشق، أسفرت عن سقوط ستين قتيلاً أو جريحاً في حماة وحدها. تراجع الأسد بسرعة وأدرج تعديلاً نص على أن «دين رئيس الجمهورية هو الإسلام»، لكن يرى المؤلف أن هذه الاحتجاجات أعادت إحياء شعور العلويين التاريخي بعدم الأمان. لمواجهة هذا التحدي، سعى النظام للحصول على شرعيات دينية من رجال دين شيعة، منهم آية الله حسن مهدي الشيرازي الذي أصدر في ديسمبر 1972 فتوى تعتبر العلويين من «شيعة أهل البيت»، والإمام موسى الصدر الذي أعلن في يوليو 1973 أن «العلويين هم إخوان الشيعة».

أرقام ووقائع وشهادات لافتة

من الأرقام التي يصعب نسيانها، أن مدينة اللاذقية أصبحت ذات أغلبية علوية، ويصفها المؤلف بأنها فريدة في الشرق الأوسط (باستثناء المدن الإسرائيلية) لكونها مدينة كبرى بلا أغلبية مسلمة سنية أو شيعية. تضاعف عدد سكان سوريا بين عامي 1970 و1990 من 6.4 مليون إلى 12.8 مليون نسمة. خلال أزمة الخلافة في 1983-1984، عندما أصيب حافظ الأسد بوعكة صحية حادة في القلب، تحرك شقيقه رفعت الأسد فوراً لتأمين وصوله للسلطة، مما أدى إلى مواجهة عسكرية في دمشق بين "سرايا الدفاع" التابعة لرفعت ووحدات تابعة لقادة علويين مثل علي حيدر و شفيق فياض. بحسب حنا بطاطو، هدد حافظ الأسد شقيقه بالقتل إن لم يمتثل لأوامره.

مع انتقال السلطة إلى بشار الأسد في عام 2000، بدأ الفصل بين النظام وقاعدته العلوية. أكثر من 90% من جنرالات الجيش كانوا من العلويين، لكن الكثيرين تعرضوا لعمليات "تطهير من الفساد". وشهدت أحداث القامشلي في 12 مارس 2004 مواجهة كردية-علوية، على عكس تحالفهم السابق، حيث قتل 43 شخصاً وجرح المئات واعتقل 2500 شخص. يطرح المؤلف تفسيراً من مصادر كردية بأن هذه الأحداث كانت نتيجة صراع بين جهازي مخابرات متنافسين: الأمن العسكري بقيادة آصف شوكت (شقيق زوجة بشار الأسد)، والأمن القومي بقيادة بهجت سليمان.

حدود وتحفظات وأسئلة مفتوحة

يقر المؤلف صراحة أن آليات تأسيس العلويين في الجبال الساحلية لا تزال غير واضحة وتحتاج إلى مزيد من البحث، خاصة فيما يتعلق بعمليات التحول والاندماج. كما يترك أسئلة مفتوحة حول ما إذا كان العلويون قد قدموا أنفسهم كمسيحيين لتجنب الاضطهاد الصليبي، لكنه يقر بأن الأدلة على ذلك غائبة. في تحليل دوافع اللجنة العسكرية، يعترف بأن التفسيرات تتراوح بين الانتقام الطائفي والطموح الشخصي والثورة الاجتماعية، وأن الحقيقة تقع في مكان ما بين هذه الاحتمالات. كما يقر بأن التوزيع المبكر للأراضي لم يكن عادلاً بالكامل، بل استخدم كأداة لترسيخ ولاء الحزب. أخيراً، يطرح تساؤلاً حول مدى إيمان حافظ الأسد نفسه بتحقيق التحرر السياسي والاجتماعي للطائفة، وهل كان مثالياً إلى جانب كونه براغماتياً، ويترك هذا السؤال مفتوحاً للنقاش.

حجج قابلة للنقاش

يقدم الكتاب حجة قابلة للنقاش مفادها أن الطائفية في سوريا لم تكن نتيجة مخطط بل نتيجة حتمية لتفاعلات اجتماعية وبنيوية قائمة على عدم الثقة، وأن صعود العلويين كان سلاحاً ذا حدين: فقد ضمن لهم مكانة لم يعرفوها من قبل، لكنه في الوقت نفسه رسخ عزلتهم وأخضعهم لنظام لا يمكنهم مفارقته. السؤال الجوهري الذي يطرحه الكتاب على القارئ هو: هل كان حكم عائلة الأسد فعلاً يتويجاً لمسار تحرر العلويين، أم أنه كان مجرد مرحلة جديدة من "دورة الخوف" حيث استبدل الخوف من الاضطهاد السني بخوف جديد من القمع داخل الدولة البوليسية، مما جعل الطائفة رهينة لنظام عائلي فاسد لا تستطيع التخلي عنه حتى عندما يهدد وجودها ذاته؟

Chapitres(15)

1.التحول إلى "ابن الجبل" (أبناء الجبل)22–30▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل التمهيدي من كتاب "دورة الخوف: علويو سورية" لليون غولدسميث، الإطار المفاهيمي والديموغرافي لفهم تاريخ العلويين السياسي ومسارهم نحو اللحظة الحرجة التي مثلتها الثورة السورية عام 2011. المحور الأساسي الذي يطرحه المؤلف هو فكرة أن انعدام الأمن، الناتج عن الاضطهاد الدوري من قبل السلطات السنية عبر التاريخ، هو العامل الأهم في تشكيل الوعي السياسي العلوي وتطوير ما يسميه "العصبية" أو التضامن الجماعي. يرى غولدسميث أن هذا التضامن القائم على الخوف هو ما يفسّر، بدرجة كبيرة، تأسيس نظام حافظ الأسد وتماسكه وصموده، وهو أكثر متانة من الدعم القائم على المحسوبية المادية وحدها. فمع أن عدداً قليلاً جداً من العلويين يتمتع بامتيازات غير متناسبة في سورية اليوم، إلا أن ولاءهم للنظام يظل سليماً إلى حد كبير، مما يدعم فرضية المؤلف المركزية.

ينتقل الفصل بعد ذلك لاستعراض الأوجه المتعددة للطائفة العلوية، رافضاً اختزالها في بعد إثني-طائفي واحد. يوضح أن معنى "كونك علوياً" يختلف بين أبناء الطائفة الواحدة، الذين تتقاطع هوياتهم كمسلمين وشيعة وعرب وسوريين. ينقسم العلويون بين سكان المدن والفلاحين في الريف، وبين هويات إقليمية ساحلية (ساحِل) أو داخلية (داخِل)، وبين ولاءات قبلية وانقسامات اقتصادية ودينية. يبلغ تعداد العلويين في سورية حوالي 3 ملايين نسمة، أي ما نسبته 12 إلى 15 في المئة من السكان، ويتركزون في شمال غرب البلاد وبشكل خاص في اللاذقية وطرطوس، مع وجود ملحوظ في دمشق وحمص وحماة، بينما لا يزال الكثيرون منهم في قرى جبل الساحلية (الجبال الساحلية).

يتناول الفصل بالتفصيل البنية القبلية للطائفة، والمقسمة إلى أربعة اتحادات رئيسية: الخياطين والمطاورة والحدادين والكلبية التي تنتمي إليها عائلة الأسد. يوضح مناطق انتشار كل منها، وكانت الحدادين الأكثر نفوذاً قبل صعود آل الأسد. يشير التقدير إلى أن حوالي ثلث الطائفة ليس لديه انتماء قبلي محدد في العصر الحديث. كما يذكر الفصل انشقاق فرقة المرشدية كطائفة فرعية في عشرينيات القرن العشرين، ويقدم جدولاً ديموغرافياً يمكن من خلاله تتبع النمو السكاني للطوائف المختلفة من عام 1927 وحتى تقديرات عام 2011.

من الناحية الدينية، يصف المؤلف العلويين بأنهم انشقاق متطرف (غلو) عن الإسلام الشيعي الاثني عشري، لكنهم يعتبرون أنفسهم مدرسة شرعية فيه. نقطة الاختلاف الرئيسية هي رفعهم علي بن أبي طالب وأئمة آل البيت إلى مرتبة شبه إلهية، وهو ما جعلهم عرضة لاتهامات الهرطقة. المعتقدات العلوية توفيقية للغاية، وتضم عناصر من المسيحية والوثنية وإيماناً بتناسخ الأرواح. يتسمون بالليبرالية النسبية في تطبيق الدين، فيحل الخمر ولا تفرض الحجاب على النساء، ولا يشترط أداء الصلاة في المساجد. البنية الدينية للطائفة تنقسم إلى طبقة شيوخ وطبقة عوام، حيث يتولى الشيوخ الشؤون الدينية ويمتازون بمعرفة عميقة باللغة والشعر والفلسفة. يشدد المؤلف على أن الغموض المحيط بالهوية الدينية العلوية عبر التاريخ كان مشكلة كبرى، وأن سوء الفهم هذا هو عامل مهم في فهم شعورهم بعدم الأمن الطائفي.

من الناحية الاجتماعية، سادت الطائفة حالة من الفقر والطابع الريفي منذ القرن الحادي عشر، مع انقسام بين فلاحي السهول (المستأجرين لدى ملاك سنيين) وسكان الجبال (القبليين والمستقلين بشدة). كان المجتمع متساوياً نسبياً مع القليل من التقسيم الطبقي الرأسي. تقليدياً، حافظ العلويون على فصل بين الدين والسياسة والمجتمع. لكن الانقسامات القبلية العميقة أبقت المجتمع مجزأً وضعيفاً. مع مطلع القرن العشرين، ظهرت طبقة متعلمة جديدة انخرطت في السياسة والأيديولوجيات القومية والعلمانية والاشتراكية، مما يفسر شعبية حزب البعث بين العلويين منذ منتصف الخمسينيات.

يشير الفصل إلى أن صعود نظام حافظ الأسد في سبعينيات القرن العشرين جلب أول انقسام طبقي كبير، حيث استفادت قبيلته الكلبية بشكل غير متناسب إلى جانب قبيلة الحدادين التي تنتمي إليها زوجته. تسارعت وتيرة التحضر في السبعينيات، لكن معظم العلويين حافظوا على وجود مزدوج بين المدن وقراهم. منذ التسعينيات، وبالأخص بعد وصول بشار الأسد إلى الرئاسة عام 2000، أصبحت الطائفة أكثر طبقية أيديولوجياً واقتصادياً، حيث نشأ أبناء النخبة السياسية في بيئة حضرية متميزة. ومع ذلك، يخلص المؤلف إلى أنه ورغم هذه التباينات، بقيت الهوية الطائفية أقوى مصدر للقواسم المشتركة، وبقي نظام الأسد، بصفتهم علويين، مرتبطاً ببقية الطائفة التي تنظر إليه لتوفير أمنها. يختتم الفصل بطرح السؤال المركزي للكتاب: هل كانت الثورة السورية عام 2011 أحدث وأخطر تهديد للعلويين الذين يخشون العودة إلى وضع مواطن من الدرجة الثانية وثأر الأغلبية السنية، أم كانت فرصة تاريخية لكسر دورة الخوف وتحقيق تعايش آمن؟

2.الفتاوى والرسمية31–36▼ résumé

يطرح هذا الفصل السؤال المحوري حول الأصول السياسية والاجتماعية للطائفة العلوية، وليس أصولها اللاهوتية فقط. يقدم المؤلف إجابة مفادها أن الطائفة العلوية لم تنشأ كجماعة دينية منعزلة، بل كحركة سياسية-دينية هامشية في سياق الانقسام الإسلامي المبكر، وأن بقاءها وتطورها عبر القرون لم يعتمد فقط على معتقداتها، بل بشكل حاسم على الروابط القبلية، والعلاقات مع السلطات الحاكمة، واستراتيجية التكيف السياسي التي شملت التقية.

يبدأ الفصل بتأصيل الجماعة في حركة الغلاة التي نشأت في الكوفة بالعراق في القرن الثامن، والتي رفعت علي بن أبي طالب وذريته إلى مرتبة شبه الألوهية. يوضح المؤلف أن هذا التوجه شكل تحدياً لسلطة الخلافة الزمنية، لكنه لم يُنظر إليه على أنه متطرف تماماً في البداية، بل كان تعبيراً عن التوفيق بين الإسلام الجديد والتقاليد القديمة. فقط مع بداية الخلافة العباسية في عام 750 بدأ الغلاة يمارسون التقية ويخفون معتقداتهم هرباً من الاضطهاد، وهو تقليد استمر في التاريخ العلوي حتى اليوم. يرى المؤلف أن هذا النهج، رغم أهميته للبقاء، ساهم في صعوبة فهم الجماعة وأدى لاحقاً إلى أنماط متكررة من الصراع مع القوى الكبرى والجماعات الدينية الأخرى.

ينتقل الفصل لتقديم مؤسس الطائفة، محمد بن نصير (المتوفى عام 883 أو 873)، وهو شخصية كاريزمية وصوفية من قبيلة بني نمير العراقية المتحالفة مع بني تغلب (أساس الدولة الحمدانية). يوضح أن ابن نصير برز عندما أعلن نفسه "باباً" (أي بوابة) إلى ألوهية الأئمة الشيعة حوالي عام 850. يورد الفصل رواية علوية تظهر العلاقة المزعومة بين ابن نصير والإمام الحسن العسكري، حيث يصور ابن نصير كباب للإمام، مما يضع التقاليد العلوية المبكرة جنباً إلى جنب مع شخصيات الشيعة الرئيسية. لكن المؤلف يشير إلى أن تأثير ابن نصير على الأئمة أنفسهم كان محدوداً، نظراً لضعف سلطتهم الرمزية تحت الحكم العباسي، وكانت علاقته بهم تمنحه فرصاً خطابية لخلق هالة صوفية جذبت له أتباعاً. يعزو المؤلف نجاح ابن نصير في البداية إلى شخصيته الكاريزمية، لكن بقاء الجماعة الأولى (التي كانت تتألف من عشرة تلاميذ مباشرين) يعود أساساً إلى دعم قبيلته بني نمير، مستنداً على الأرجح إلى العصبية القبلية لا إلى القناعة الدينية. ويشير إلى أن ابن نصير أثار عداء المؤسستين السنية والشيعية، ولُعن من بعض القادة الشيعة واتهم بالسلوك غير الأخلاقي، وهو ما تراه الطائفة العلوية اليوم خيانة وحرماناً لها من مكانتها المستحقة كـ "مؤمنين حقيقيين".

بعد وفاة ابن نصير، ظلت الجماعة خاملة بقيادة ابن جندب ثم عبد الله الجنان الجنبلاني، حتى ظهور أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي (المولود عام 873). يصفه الفصل بأنه قاد الجماعة نحو الازدهار وبناء هوية متميزة بعد حوالي عام 926. هرب الخصيبي من السجن في العراق ولجأ إلى سوريا، مما شكل نقطة تحول حيث انتقل مركز ثقل الطائفة من العراق إلى سوريا. يوضح المؤلف أن هذه النقلة من العراق العباسي إلى سوريا المتنوعة دينياً وسياسياً (بسبب الصراع البيزنطي الإسلامي) شكلت فرصة للعلويين للمناورة بين القوى المتنافسة والبحث عن الأمن والاندماج في المجتمع الشامي.

يصف الفصل فترة حكم الحمدانيين الشيعة في حلب (خاصة سيف الدولة، المتوفى عام 967) بأنها فترة ذهبية للعلويين. استطاع الخصيبي التقرب من البلاط الحمداني بإبراز هويته الإمامية الأرثوذكسية، متبعاً تقية سياسية عملية. ورغم أنه لا يوجد دليل على تأييد الحمدانيين لعقائد العلويين الخاصة، إلا أن هذه الفترة شهدت أول اتصال للطائفة بالسلطة السياسية، مما وفر حماية وسماحاً بالعمل بحرية. استغل الخصيبي هذه النافذة لتدوين ونشر العقائد العلوية في شمال سوريا. لكن هذه الفترة الذهبية انتهت عندما تولى المرداسيون السلطة في حلب حوالي عام 1023 أو 1025، والذين يقال إنهم قمعوا العلويين ولعنهم العلويون.

ينهي الفصل بالإشارة إلى شخصية مهمة أخرى هي أبو سعيد ميمون بن قاسم الطبراني من طبريا في أواخر القرن العاشر. تمثلت أهميته في توحيد طقوس الطائفة وتحويلها إلى ديانة عملية قابلة للاستهلاك العام. والأهم من ذلك، يُنسب إليه ريادة هجرة العلويين إلى جبل الساحل السوري، وهي خطوة يعتبرها المؤلف “أنقذت الطائفة على الأرجح”، دون أن يحدد الفصل ما الذي أنقذتهم منه هذه الهجرة بالضبط في هذا السياق.

في نهاية الفصل، يلمح المؤلف إلى فكرة مهمة وهي أن غياب الحاجة إلى تطوير "عصبية طائفية" مستقلة خلال فترة الرعاية الحمدانية يعود إلى أن الجماعة كانت صغيرة ومحمية، مما يفتح الباب للتساؤل عن كيف ومتى تشكلت هذه العصبية الطائفية لاحقاً.

قراءة تحليلية مُوجزة: يقدم الفصل تفسيراً مقنعاً لنشأة الطائفة وتطورها المبكر من خلال عدسة السياسة والعصبية القبلية، مقدماً صورة واقعية لجماعة هامشية بقيت بفضل تحالفاتها واستراتيجياتها التكيفية. لكن الفصل لا يزال يعتمد بشكل كبير على الروايات التقليدية (التي يشير إليها أحياناً بعبارات مثل "يُقال") ويترك بعض الأسئلة معلقة، مثل الطبيعة الدقيقة لصلات ابن نصير بالأئمة، أو الدوافع الكامنة وراء الاضطهاد المرداسي، مما يجعله أساساً متيناً للفهم لكنه ليس شاملاً بشكل مطلق.

3.الحكم العثماني: استمرار تهميش العلويين37–44▼ résumé

يبدأ هذا الفصل بعرض رحلة الانتقال التاريخية للطائفة العلوية من مراكزها الحضرية الأولى في حلب والعراق إلى المناطق الجبلية الريفية في شمال سوريا، ويؤكد أن هذه الهجرات القسرية لم تكن مجرد تحول جغرافي، بل أسست لنمط متكرر من التهميش والعزلة. يوضح المؤلف ليون غولدسميث أن العلويين، تحت قيادة الحسين بن حمدان الخصيبي وأبي سعيد الميمون بن القاسم الطبراني، بدأوا بالانتقال من حلب نحو جبال الساحل السوري في العقود الأولى من القرن الحادي عشر. يعطي الفصل أهمية خاصة لدور الطبراني الذي يُفترض أنه انتقل إلى جبال اللاذقية بين عامي 1007-1008 وتوفي عام 1034-1035، وكان اختياره لهذه الجبال الريفية الوعرة بدافع الضرورة لا الاختيار، لأن الجبال الخلفية لبيروت وطرابلس وطبريا كانت مكتظة بالسكان، وأيضاً بسبب الدعم الذي تلقاه من أسرة آل محرز الشيعية التي كانت تملك قلعة بلاطنس قرب اللاذقية.

يشرح الفصل كيف أن وصول الأتراك السلاجقة السنة إلى بلاد الشام عام 1070 كان نقطة تحول كارثية للوجود العلوي في المدن الداخلية. فبعد هزيمة السلاجقة للجيش البيزنطي في معركة ملاذكرد عام 1071، تغير التوازن الاستراتيجي لصالح سيادة سنية قوية سعت إلى تحقيق الوحدة الدينية في بلاد الشام، مما أدى إلى تهميش العلويين واضطرار معظمهم للفرار نحو جبال الساحل. يؤكد الكاتب أن بقاء الطائفة كان مرهوناً بعامل الحظ، إذ حدثت فجوة زمنية تقدر بحوالي خمسة عشر عاماً بين غزو السلاجقة لداخل بلاد الشام وعودتهم في ثمانينيات القرن الحادي عشر للقضاء على الوجود البيزنطي على الساحل السوري. هذه النافذة الزمنية الضيقة، بالإضافة إلى التبشير المبكر للطبراني في الجبال، منحت العلويين فرصة كافية للتثبت في الجبال قبل أن تكتسح الهيمنة السنية كامل بلاد الشام، مما عزز العداء الطائفي وجعله جزءاً رسمياً من الخطاب الديني العلوي.

يتناول الفصل بالتفصيل عملية تحول العلويين من طائفة منتشرة ذات روابط قبلية إلى ما يصفه المؤلف نقلاً عن الباحث الفرنسي كزافييه دي بلانول بأنها "طائفة لاجئة جبلية" (Montagne Refugee)، حيث أصبحوا يعرفون باسم "أبناء الجبل". في الفترة الممتدة من أواخر القرن الحادي عشر وحتى ترسيخ الحكم المملوكي في سوريا أواخر القرن الرابع عشر، شكلت العزلة الطويلة في جبال الساحل الوعرة اقتصادياً دوراً رئيسياً في تشكيل الهوية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للجماعة. وبينما كانت الجبال فقيرة اقتصادياً، إلا أنها كانت استراتيجية دفاعياً، كما أن عدم الأهمية النسبية للعلويين للأحداث السياسية الكبرى في تلك الفترة عمل لصالحهم في النهاية، على عكس الإسماعيليين والأرمن الذين قمعتهم القوى الكبرى بسرعة.

يقدم الفصل تحليلاً جيوسياسياً مهماً لفترة الحروب الصليبية، حيث يرى أن تدخل الحملة الصليبية الأولى عام 1097 كان حيوياً للجماعة الجبلية الناشئة. فقد وفر إعادة التوزيع السياسي لبلاد الشام من قبل الصليبيين مساحة تنفس مهمة للعلويين، إذ أدى تطويق الصليبيين للأراضي المحيطة بهم إلى عزلهم عن السلاجقة، مما خلق ما يصفه المؤلف بـ"شرنقة جيوسياسية" تمكنوا داخلها من تطوير مجتمعهم. يسجل الفصل أن أول اتصال بين الأوروبيين والعلويين ربما حدث عندما تقدم الجيش الصليبي جنوباً نحو اللاذقية من أنطاكية في مايو 1098، ويشير إلى أن المؤرخ السوري بر هبروس (1226-1286) سجل أن الصليبيين قتلوا في البداية عدداً من العلويين، لكنهم حين علموا أنهم ليسوا طائفة إسلامية حقيقية، أصبحوا متسامحين معهم.

يناقش الفصل الجانب الديموغرافي والتحولات الداخلية للطائفة في عزلها الجبلي. يشير المؤلف إلى أن أعداد العلويين الصغيرة عند دخولهم الجبل مقارنة بعددهم الكبير حالياً (حوالي 4 ملايين) تعني حتماً أن عمليات تحول واسعة النطاق حدثت. يرجح أن المهمشين من المسيحيين النسطوريين والفلاحين الشيعة كانوا الأكثر تقبلاً للدعوة العلوية، لأن المجتمعات الحضرية الساحلية كانت راسخة في مذاهبها السنية أو الأرثوذكسية. لكن العزلة الجبلية كانت سيفاً ذا حدين، فبينما عززت العصبية الذاتية والاعتماد على النفس، فإن تضاريس جبال الساحل الوعرة والمجزأة، بمتوسط ارتفاع 1,400 متر وطبوغرافيتها المتعرجة، أدت إلى تجزئة الجماعة وتفتت تماسكها الداخلي. يضرب المؤلف مثلاً بتوزيع القبائل، مثل اتحاد خياطين الذي توجد قبائله الفرعية في أقصى الجنوب والشمال مع قبائل أخرى متفرقة بينهما، مما يعكس التشتت السياسي والاجتماعي للجماعة.

أخيراً، يوثق الفصل التدهور الكبير في أوضاع العلويين مع صعود القوة السنية ممثلة بنور الدين محمود (1118-1174) والأيوبيين. بعد معركة بانياس في صيف عام 1164، أصبح العلويون يواجهون قوات سنية معادية على مقربة من جبالهم. يوضح المؤلف أن تحدي الحروب الصليبية كان عامل توحيد للعالم الإسلامي، لكنه جاء على حساب الجماعات الشيعية، حيث برزت الأرثوذكسية السنية كمذهب مهيمن. ومع إسقاط الأيوبيين لآخر قوة شيعية كبرى، الفاطميين في القاهرة عام 1171، أصبح الإسلام السني القوة المسيطرة في سوريا، مما شكل نكسة مستدامة للعلويين الذين لم يروا قوة شيعية أخرى في بلاد الشام حتى قيام الثورة الإيرانية عام 1979. يستثني الفصل من هذا السيطرة السنية في نهاية القرن الثاني عشر كل من الجيوب الصليبية في صور وطرابلس وأنطاكية والجيب الإسماعيلي حول القدموس ومصياف. مع ذلك، يذكر الفصل أن العلويين لم يخلوا من حلفاء، مشيراً إلى دور الأمير العراقي الشيخ أبو محمد الحسن بن يوسف المكزون السنجاري (المولود عام 1164 أو 1168) الذي جاء لنجدتهم في جبال الساحل حوالي عام 1220-1235.

يقر المؤلف صراحة أن آليات تأسيس العلويين في الجبال الساحلية لا تزال غير واضحة وتحتاج إلى مزيد من البحث، خاصة فيما يتعلق بعمليات التحول والاندماج. كما يترك أسئلة مفتوحة حول ما إذا كان العلويون قد قدموا أنفسهم كمسيحيين لتجنب الاضطهاد الصليبي، مستشهداً باستراتيجياتهم السابقة في التظاهر بالتشيع أمام الحمدانيين، لكنه يقر بأن الأدلة على ذلك غائبة. هناك أيضاً انقسام واضح في التحليل بين فترة العزلة المفيدة التي وفرتها الجيولوجيا الصعبة والاضطهاد اللاحق الذي نتج عن نفس العزلة، مما يخلق سردية جدلية حول ما إذا كانت الجبال ملاذاً أم سجناً، وهو ما يعبر عنه باقتباس الباحث جاك وليرس بأن "ملجأهم أصبح سجناً".

4.شبهات الطائفية71–77▼ résumé

شهدت منطقة الساحل السوري، مع انهيار الحكم العثماني بعد عام 1918، تحولاً جذرياً في معادلة القوى السياسية. كان الخروج من حكم إمبراطوري سني قوي، والدخول في عهد الاستعمار الغربي، نقطة تحول محورية في تاريخ العلويين. بينما كان السنة يشكلون الأغلبية في سوريا الكبرى، وجدوا أنفسهم في موقف تفاوضي أضعف بكثير، بينما بدأت أقليات مثل العلويين والدروز والإسماعيليين في تأكيد مصالحهم. بالنسبة للعلويين، الذين بلغ عددهم في عام 1914 ما بين 175,000 و 200,000 نسمة (مقارنة بـ 50,000 درزي و12,000-15,000 إسماعيلي)، أدى انهيار السلطة السنية إلى إتاحة الفرصة لتوحيد "العصبية" التي كانت موجودة فقط في جيوب صغيرة في الجبل.

كشف استفتاء لجنة كينغ-كرين الأمريكية عام 1919 عن حالة التردد السياسي لدى العلويين. حين سُئلوا عن تفضيلاتهم السياسية في مرحلة ما بعد العثمانية، انقسمت آراؤهم، على عكس الطوائف الأخرى التي قدمت مواقف موحدة (المسلمون السنة فضلوا الحكم العربي من دمشق بدعم أمريكي أو بريطاني، والدروز دعموا الانتداب البريطاني، والموارنة والمسيحيون فضلوا فرنسا، والإسماعيليون فضلوا الانتداب الفرنسي). يُظهر هذا التردد ثلاثة أمور: عدم يقين العلويين تجاه مصلحتهم في البيئة الجديدة، وافتقارهم إلى التماسك السياسي مقارنة بالطوائف الأخرى، وعزلتهم الطويلة كمجتمع لم يتمتع بدعم خارجي (باستثناء البعثات البروتستانتية). كما أن كل تحول كبير في السلطة في المنطقة منذ القرن الحادي عشر كان مصحوباً بفترة أولية من القمع ضدهم.

تصدى الشيخ صالح العلي (مواليد 1883، وفاة 1950) للتوغل الفرنسي في جبل الساحل الغربي من أواخر عام 1918 حتى 1921. هناك جدل حول دوافعه؛ فبينما يراه بعض الباحثين قومياً يعمل مع الوطنيين العرب في دمشق، يرى آخرون أن هدفه الأساسي كان ضمان الحكم الذاتي العلوي. استضاف الشيخ صالح العلي اجتماعاً لقادة وزعماء الجبال الساحلية في 15-17 ديسمبر 1918، حيث اتفق على قيادته للمقاومة المسلحة ضد خطط فرنسا لفصل الساحل عن الداخل، وتمت مناقشة إقامة علاقات وثيقة بين المنطقة والحكومة الوطنية للأمير فيصل في دمشق. ومع ذلك، انقسم العلويون؛ إذ مال كثيرون إلى طلب حماية الفرنسيين خوفاً من عودة الهيمنة السنية، وهو ما كان الشيخ صالح العلي يعتبره "الهروب من المقلاة إلى النار". في الواقع، كان بعض العلويين يسعون لاستقلال تام، بينما رحب آخرون بالوصاية الفرنسية، وهو انقسام ظهر جلياً في نتائج لجنة كينغ-كرين وحتى قبل ذلك، كما يتضح من عرض زعيم علوي في عام 1851 التعاون مع الفرنسيين.

طبقت فرنسا فور تثبيت سيطرتها على شمال سوريا عام 1920 بموجب اتفاقية سايكس-بيكو، سياسة "فرّق تسد" أو "الصيغة المغربية" لإضعاف الأغلبية السنية. في 31 أغسطس 1920، أنشأت الفرنسيون "منطقة العلويين المستقلة"، والتي كانت محاولة لخلق كيان سياسي مصطنع يفتقر لعناصر الدولة القابلة للحياة ويعتمد كلياً عليهم. في يوليو 1922، حصلت فرنسا على شرعية دولية من عصبة الأمم عبر الانتداب، الذي نصت المادة 8 منه مبدئياً على حرية الضمير والعبادة وعدم التمييز، مما شكل تقدماً نظرياً للعلويين الذين عانوا تاريخياً من التمييز الديني. لكن المصالح الفرنسية قادت إلى عكس ذلك تماماً، فقسمت سوريا على أسس طائفية بإنشاء دولة درزية وأخرى علوية.

ضمت "دولة العلويين" مساحة تقدر بـ 6,500 كيلومتر مربع، شملت الجبل والسهل الساحلي ومدن اللاذقية، طرطوس، بانياس وجبلة. في نهاية عام 1933، بلغ عدد سكانها 334,173 نسمة، كانت نسبة العلويين 64% (أي 213,870 نسمة)، بينها شكل السنة 18% (يتمركزون في اللاذقية) والمسيحيون 16% (حول قلعة الحصن وشمال طرطوس) والإسماعيليون 0.02% (في قدموس ومصياف). حكمت الدولة من 1923 بواسطة مجلس تمثيلي في اللاذقية برئاسة حاكم فرنسي، يتكون من 17 عضواً: عشرة علويين، وثلاثة سنة، وثلاثة مسيحيين، وإسماعيلي واحد. عكس هذا المجلس تركيبة طائفية تشبه النظام التشاركي، مما أفاد العلويين كأغلبية، لكنه فاقم التوترات بين الطوائف، خاصة أن السنة أصبحوا أقلية ساخطة، بينما ظلت وظائف الحكومة غير المنتخبة بأيدي السنة والمسيحيين في المدن.

رغم العيوب، وفرت دولة العلويين للطائفة فرصة نادرة للمشاركة في ساحة سياسية متعددة، وإن كانت فئوية وغير فعالة أحياناً. تمكنوا من متابعة مصالحهم والتحاور مع الطوائف الأخرى؛ من إنجازات المجلس إعادة هيكلة صناعة التبغ عام 1934 لصالح المزارعين المحليين، وتطوير سياحة المصطافين في الجبال. ومع ذلك، ظل انعدام الأمن العلوي قائماً، ويتجلى بعدم هجرتهم من الجبل إلى مدينة اللاذقية ذات الأغلبية السنية، حيث كانوا يترددون في زيارتها حتى الأربعينيات. يطرح المؤلف تساؤلاً حول ما إذا كانت دولة العلويين مؤشراً حقيقياً على إمكانية الاندماج الاجتماعي أو الصراع، مشيراً إلى أن المجتمعات انتقلت مباشرة من سلطة إمبراطورية عثمانية إلى سيطرة استعمارية فرنسية، مما يجعل من الصعب استخلاص استنتاجات قاطعة.

في ختام الفصل، يقر المؤلف بأن تجربة الانتداب كانت بمثابة تكامل مصطنع. يُظهر السرد أن الفترة فتحت آفاقاً للعلويين كطائفة، لكنها عززت في الوقت نفسه الانقسامات الطائفية بدلاً من بناء دولة وطنية موحدة. يبقى التساؤل مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه التجربة قد مهّدت بالفعل لخفض مستوى انعدام الأمن لدى العلويين أم أنها أرسخت أسس الصراع المستقبلي. من الجدير بالذكر أن الفصل يقدم حجة قابلة للنقاش حول دور السياسة الاستعمارية الفرنسية في "خلق" المشكلة الطائفية الحديثة، مقابل رؤية ترى أنها مجرد تفعيل لانقسامات مجتمعية كانت موجودة مسبقاً تحت سطح الإمبراطورية العثمانية.

5.حكم الأسد المبكر84–92▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على فترة ما بعد استقلال سوريا (1946) وحتى قيام انقلاب حزب البعث عام 1963، محاولاً تفسير كيف تحوّل العلويون من أقلية معزولة ومهمشة في جبل الساحل إلى قوة سياسية وعسكرية مسيطرة في قلب الدولة السورية. يقدّم المؤلف إجابة مركزية مفادها أن هذا التحول لم يكن نتاج مؤامرة مخططة للاستيلاء على السلطة، بل كان رد فعل لمشاعر انعدام أمن عميقة (دائرة الخوف) ناتجة عن التهميش الاقتصادي والاجتماعي، والتحيز الطبقي الحضري السني، وتفكك الدولة ومؤسساتها العسكرية، مما أدى إلى تفعيل "العصبية" الطائفية العلوية كآلية للبقاء والصعود.

يبدأ الفصل برسم صورة الوضع في سوريا ما بعد الاستقلال مباشرة. كان القادة القوميون العرب مثل جميل مردم بك يرون في الأقليات تهديداً خطيراً، لكن الحكومة الجديدة افتقرت إلى سياسة متماسكة لدمجهم أو تخفيف انعدام أمنهم الطائفي. وعلى الرغم من أن العلويين قدموا "وثبة إيمان" بقبول الاندماج في الدولة، إلا أن "عصبيتهم" الطائفية الكامنة بقيت قوية. كانت الساحة السياسية في تلك السنوات الأولى ديناميكية، حيث نزل العلويون بكثافة من جبل الساحل بحثاً عن فرص أفضل، بقيادة شخصيات مثل أكرم الحوراني السني من حماة وحزبه الاشتراكي العربي، الذي جذب الفلاحين من كل الطوائف.

يتناول الفصل بالتفصيل أزمة المؤسسة العسكرية السورية الفتية، التي كانت السبيل الوحيد للدخل الثابت للعلويين المحرومين اقتصادياً. ورث الجيش السوري وحدات "القوات الخاصة" الاستعمارية الفرنسية التي عمل بها العديد من العلويين، مما أورثهم وصمة تخوين. تقلص حجم الجيش من 7,000 جندي في 1946 إلى 2,500 فقط بحلول عام 1948، وغادر 500 علوي مع الفرنسيين كمرتزقة. كان الجيش في حالة سيئة من التنظيم والتجهيز، مما جعله عرضة لتشكيل الفصائل. يطرح المؤلف تساؤلاً: لو كانت الولايات المتحدة قد استجابت لطلب سوريا بتوفير التدريب والمعدات في 1945-46، لربما أمكن تجنب سلسلة الانقلابات العسكرية التي بدأت عام 1949.

يشرح الفصل كيف برز "سقف زجاجي" للعلويين في المجتمع السوري، تجسد في تحضر المدن السنية الكبرى مثل حلب ودمشق واحتقارها للريفيين الجدد. رسم كاريكاتيري من مجلة الجيش السوري بعنوان "الذين يحتقرهم الشعب" يُظهر هذا التوتر التحذيري للجنود الريفيين. في مواجهة هذا التحيز، بدأت القبائل العلوية المنفصلة تتوحد على أساس طائفي مشترك، مكونة "عصبية" أقوى من "العصبية" الضعيفة للسكان الحضر السنة الذين افتقدوا عوامل عصبية ابن خلدون القوية. ولم يكن العلويون أول من استخدم عصبياً عصبياً؛ فالانقلاب الأول عام 1949 قاده العقيد الكردي حسني الزعيم الذي حاول تعبئة عصبية كردية، ثم انجذب العلويون لحزب القومي الاجتماعي السوري العلماني الذي وعد بدمج المجموعات غير المتجانسة تحت هوية سورية، لكن تراجع الحزب نحو 1955 وانتصار القومية العربية جعل العلويين يتجهون إلى حزب البعث.

يوضح المؤلف أن العلويين انتهجوا استراتيجية مزدوجة: أولاً، الانضمام إلى البعث العلماني الذي يركز على الهوية العربية واللغة. ثانياً، السعي للحصول على شرعية دينية عبر اعتبارهم جزءاً من "الإثني عشرية" الشيعة. ففي عام 1952، نجح زعماء دينيون علويون في طلب الاعتراف بهم من مفتي الجمهورية كشيعة، وفي 1958 صدرت فتوى تاريخية من الأزهر في القاهرة تعترف بالشيعة الإثني عشرية كفرقة دينية صحيحة. كان هذا، مع صعود البعث، خطوة كبرى في تخفيف انعدام الأمن العلوي.

يصل الفصل إلى نقطة التحول الكبرى: إنشاء الجمهورية العربية المتحدة (1958-1961) بين سوريا ومصر. بالنسبة لعلويي البعث، كانت هذه كارثة، إذ تحولوا من أقلية نسبية (11% من سكان سوريا حسب تعداد 1947) إلى أقلية ضئيلة في بحر سني هائل. كما بدأ المسؤولون المصريون بالتدخل في حكم مناطق جبل العلويين والغاب، مما أعاد ذكريات القمع. وعندما تسببت الوحدة بحل حزب البعث، فقد العلويون وسيلتهم السياسية الرئيسية. هنا، في عام 1959، تشكلت اللجنة العسكرية السرية داخل الجيش السوري المتمركز في مصر، وكان معظم أعضائها البارزين من العلويين مثل صلاح جديد وحافظ الأسد ومحمد عمران. يرفض المؤلف فكرة أن اللجنة كانت مؤامرة علوية مبيتة للاستيلاء على السلطة، مشيراً إلى أن أعضاءها شملوا ستة سنة من خلفيات ريفية فقيرة، وأن أهدافهم كانت مزيجاً من الطموح الشخصي والثورة الاجتماعية لتغيير هرم السلطة الذي كان حكراً على العائلات الحضرية الأرستقراطية.

بعد انهيار الجمهورية العربية المتحدة في 28 سبتمبر 1961، تمكنت اللجنة العسكرية من تفادي وصمة العار بالانفصال، وفي 8 مارس 1963 قادت انقلاب البعث. هذا الانقلاب حقق الثورة الاجتماعية التي وعدت بتحسين أوضاع العلويين والمحرومين. تم إقصاء الأرستقراطيين السنة الحضر، وبدأ توزيع الأراضي، لكن المؤلف يلاحظ أن التوزيع لم يكن قائماً على أسس اجتماعية-اقتصادية بحتة، بل على أساس الولاء للحزب، مما خلق نظام محسوبية جديداً. انتقل الفلاحون العلويون الفقراء من خدمة "الأعيان والإقطاعيين" إلى خدمة "رجال البعث الجدد". يُنهي الفصل بالإشارة إلى أن ما أراده العلويون العاديون هو الاندماج المتساوي كمواطنين، لكن الأهداف المشتركة والوضع الاجتماعي المتدني دفعاهم بشكل متزايد للعمل كطائفة واحدة، مما مهد الطريق لصعود حافظ الأسد في عام 1970.

يتضمن الفصل بعض التحفظات والأسئلة المفتوحة؛ فهو يقر بأن تفسير دوافع اللجنة العسكرية يتراوح بين الانتقام الطائفي والطموح الشخصي والثورة الاجتماعية، وأن الحقيقة تقع في مكان ما بين هذه الاحتمالات. كما يقر بأن التوزيع المبكر للأراضي لم يكن عادلاً بالكامل، بل استُخدم كأداة لترسيخ ولاء الحزب. في النهاية، الفصل بأكمله هو جدل ضمني ضد النظريات التآمرية التي ترى صعود العلويين كمخطط محكم، مقدمًا بدلاً من ذلك سرداً معقداً للتفاعل بين الاقتصاد، الطبقة، الهوية، وانعدام الأمن الطائفي في سياق دولة حديثة هشة.

6.تمرد الإخوان المسلمين93–101▼ résumé

يُركّز هذا الفصل على صعود الطائفة العلوية في سوريا خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وصولاً إلى تولي حافظ الأسد الحكم، ويقدّم تفسيراً لهذه الظاهرة لا يقوم على مؤامرة طائفية مخططة، بل على تفاعل معقّد بين العوامل البنيوية والاجتماعية والتاريخية. يرى المؤلف أن ما حدث لم يكن استيلاءً متعمّداً من قبل العلويين على الدولة، بل كان نتيجة منطقية لسلسلة من الأحداث التي غذّتها حالة من انعدام الثقة المتبادل والشعور بعدم الأمان بين المجموعات المختلفة.

يبدأ الفصل باقتباس من المؤرخ هانا بطاطو لشرح ميل الجماعات الريفية والأقلويات، مثل العلويين، إلى التعاون بشكل أكبر مع أبناء طائفتهم أو منطقتهم. يوضح بطاطو أن هذا السلوك ليس بالضرورة تعصباً ضيق الأفق، بل هو رد فعل طبيعي نابع من خلفياتهم الريفية المشتركة وشعورهم بعدم الأمان الناتج عن كونهم أقلية دينية. هذا التفسير يقدّم منظوراً جديداً لمفهوم "العصبية" الذي طرحه ابن خلدون، حيث أن العصبية العلوية لم تكن تعبئة واعية لاغتنام الدولة، بل سلسلة من ردود الفعل شبه الحتمية بسبب بنية الدولة والعلاقات التاريخية بين المجتمعات داخلها.

يستخدم الفصل أدلة من تحليل نيكولاس فان دام لوثائق حزب البعث خلال أزمة 1966 لتوضيح كيف أن الشك المتبادل يتحوّل إلى طائفية فعلية. يورد الفصل محادثات بين ضباط سنة في حماة يعبرون فيها عن قلقهم من تشكيل العلويين "كتلاً" في الجيش ومدرسة المعلمات، مما دفعهم إلى الرد بتشكيل كتلة سنية مضادة. يوضح المؤلف أن هذا الشك، حتى لو كان مبنياً على سوء فهم لسلوك علوي بريء (كالتجمع بدافع الألفة)، يخلق واقعاً طائفياً جديداً: إذ يزداد شعور العلويين بالاغتراب فيعتمدون على بعضهم أكثر، مما يؤكد صحة مخاوف السنة، وهكذا تدور الحلقة المفرغة.

بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى تفصيل صعود الضباط العلويين. في 1966، أطاح انقلاب جديد بالجناح المدني لحزب البعث، وبرز صلاح جديد وحافظ الأسد على قمة السياسة السورية. يصف الفصل صلاح جديد بأنه كان الشخصية المهيمنة في البداية، مفضلاً البقاء في الخلفية وإدارة السلطة من خلال رئيس صوري هو الطبيب السني نور الدين الأتاسي. على الرغم من أن صعودهما كان جزءاً من ترقية عامة للفئات الريفية، إلا أن وصول علويين إلى هذه المراتب أثبت إمكانية ذلك. ومع ذلك، ظل المجتمع العلوي شديد الحساسية تجاه دينه، ويطبّق "التقية". ويروي الفصل قصة رفض صلاح جديد لفكرة نشر الكتب العلوية السرية لتهدئة المخاوف، قائلاً إن "المشايخ سيسحقوننا"، في إشارة إلى حادثة سليمان الأذني في ستينيات القرن التاسع عشر.

يتناول الفصل السياسات المتضاربة بين الرجلين. سعى صلاح جديد (من عائلة الحدادين القوية) إلى تطبيق إصلاحات اشتراكية راديكالية، جذبت له دعم الاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية، الذي أصبح سنداً للاستقرار. لكن هذه السياسات هددت بإثارة ردود فعل عنيفة من الجيران والسكان. بالمقابل، أدرك حافظ الأسد (من عائلة الكلبية) هذا الخطر، فقام منذ 1968 بتأمين ولاء الوحدات العسكرية المهمة. بلغت المواجهة ذروتها في سبتمبر 1970 بعد فشل تدخل جديد العسكري في الأردن دعماً لمنظمة التحرير الفلسطينية، ليستولي الأسد على السلطة في نوفمبر 1970 ويعتقل صلاح جديد.

بحلول بداية سبعينيات القرن العشرين، كان علوي على وشك تولي قيادة الدولة السورية علناً. يطرح الفصل سؤالاً حول ما إذا كانت الدولة الجديدة ستنجح في دمج العلويين كمواطنين متساوين، أم أن انعدام الأمن والطائفية سيعودان. هنا يعود الفصل إلى ابن خلدون، متسائلاً: إذا كانت العصبية العلوية قد أوصلت الأسد إلى السلطة، فهل ستبدأ هذه العصبية في التآكل بسبب التحضر والترف والفساد؟ لكنه يشير إلى أن غياب الترف الواضح والتحضر الجزئي، ووجود عصبية طائفية بدلاً من قبلية، قد يسمحان باستمرار هذه العصبية لفترة أطول. ويخلص إلى أن انعدام الأمن بقي العامل الأساسي في الحفاظ على العصبية العلوية حتى بعد أن أصبحوا "الأقلية المهيمنة".

يؤكد الفصل أن المجتمع العلوي أصبح "محوراً حاسماً" لمصير نظام الأسد والدولة السورية. وبالاستشهاد بـ ابن خلدون مرة أخرى، يوضح أن الحاكم لا يمكنه تحقيق السلطة إلا بمساعدة أهله. هكذا استخدم الأسد العلويين لشغل المناصب الحساسة في الحكومة والأجهزة الأمنية. لكن الفصل يرفض فكرة أن النظام السوري كان "نظاماً علوياً" بأهداف طائفية. بدلاً من ذلك، يصف العلاقة بأنها "فاوستية": النظام يحتاج العلويين باعتبارهم سنده الوحيد الموثوق، والعلويون يحتاجون بقاء النظام ليتجنبوا العودة إلى وضعهم الاجتماعي المتدني أو رد فعل سني عنيف، خاصة بعد أحداث حماة في فبراير 1982.

يختتم الفصل بوصف وضع العلويين في بداية سبعينيات القرن العشرين. بلغ عددهم حوالي 690,000 نسمة، أي 11% من السكان (بارتفاع طفيف عن 10.6% في 1960). استمرت هجرتهم إلى المدن كاللاذقية ودمشق، حيث تغيرت تركيبة اللاذقية بشكل كبير. لكن هذا لم يحقق اندماجاً حقيقياً؛ بل تحولت صورة العلوي من "الرجل الجبلي الحقير" إلى الجندي أو "المخبر" المهدّد. على الرغم من أن البعث والعلمانية كانا يهدفان لإنهاء الطائفية، إلا أن الموقف كان مصطنعاً: العلويون في القطاع العام (الجيش والمخابرات) والسنة في القطاع الخاص (السوق). وفي النهاية، يطرح الفصل تساؤلاً عن مدى إيمان حافظ الأسد نفسه بتحقيق التحرر السياسي والاجتماعي للطائفة، وهل كان مثالياً إلى جانب كونه براغماتياً، ويترك هذا السؤال للنقاش.

باختصار، يقدّم الفصل حجة قابلة للنقاش مفادها أن الطائفية في سوريا لم تكن نتيجة مخطط بل نتيجة حتمية لتفاعلات اجتماعية وبنيوية قائمة على عدم الثقة، وأن صعود العلويين كان سلاحاً ذا حدين: فقد ضمن لهم مكانة لم يعرفوها من قبل، لكنه في الوقت نفسه رسّخ عزلتهم وأخضعهم لنظام لا يمكنهم مفارقته.

7.مأساة حماة102–106▼ résumé

يُحلل هذا الفصل من كتاب «دائرة الخوف: علويو سوريا» للكاتب ليون غولدسميث فترة صعود الرئيس حافظ الأسد إلى السلطة وترسيخ حكمه، ويبحث في التناقضات الجوهرية في شخصيته وسياساته. الموضوع المحوري هو الكيفية التي تداخلت بها الأيديولوجيا الطموح الشخصي والعصبية الطائفية في تشكيل مسار الحكم في سوريا، وصولاً إلى ما يسميه الكاتب «أوج وتراجع» العلويين. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن نجاح الأسد لم يكن نتاجاً لعامل واحد، بل لخليط معقد من البراغماتية السياسية والأيديولوجية العلمانية والدعم العائلي والطائفي، وهو ما أدى في النهاية إلى تعزيز مكانة العلويين على حساب شرعية النظام الشاملة.

يبدأ الفصل بمناقشة شخصية حافظ الأسد من خلال شهادات متناقضة. يستشهد الكاتب بـ عبد الحليم خدام، وهو سني من بانياس وصديق قديم للأسد، الذي يصف الأسد بأنه شخصية ذات أوجه متعددة ومتناقضة: براغماتي، مثالي، فاسد (بسبب تمكينه لعائلته)، وطائفي في دعمه لطائفته. يخلص الكاتب إلى أنه لا يمكن تفسير نوايا الأسد بعامل واحد، بل بتداخل هذه العوامل، حيث استخدم الأسد العصبية الطائفية لطائفته (كما وصفها ابن خلدون) لبناء منصة سياسية مستقرة في بيئة سورية المضطربة، بالرغم من أن أيديولوجيته العلمانية كانت تتعارض مع هذه الخصوصية.

في المقابل، يقدم الفصل شهادة الشيخ العلوي ناصر إسكيتشاك، الذي يرى في الأسد حاكماً «عادلاً ومنصفاً» و«متصالحاً»، جلب الاستقرار لسوريا بعد فترة من الانقلابات المتكررة. ويوضح الكاتب أن هذا التقييم الإيجابي من المنظور العلوي يعود إلى مئات السنين من الاضطهاد والتمييز، حيث بدا حكم الأسد بالنسبة لهم قمة المساواة، وهو وضع كانوا مستعدين للدفاع عنه بكل قوتهم.

ينتقل الفصل إلى أحداث 1973، التي يعتبرها الكاتب نقطة تحول و«اختبار عباد الشمس» لمكانة العلويين. ففي يناير 1973، صدر الدستور السوري الدائم الأول، الذي لم ينص في مسودته الأولى على أن يكون رئيس الدولة مسلماً. أثار هذا الإغفال موجة احتجاجات واسعة في حماة، حلب، حمص ودمشق، قادها رجال دين سنة، مطالبين باعتبار الإسلام دين الدولة. في حماة، اشتبكت قوات الحكومة مع المحتجين، مما أسفر عن سقوط ستين قتيلاً أو جريحاً. تراجع الرئيس الأسد بسرعة وأدرج تعديلاً نص على أن «دين رئيس الجمهورية هو الإسلام».

يرى الكاتب أن هذه الاحتجاجات كانت صدمة للعلويين، الذين رأوا فيها رفضاً سنياً عميقاً لمبدأ المساواة والعلمانية، مما أعاد إحياء شعورهم التاريخي بعدم الأمان. أدى هذا الرفض إلى تعزيز اعتماد العلويين على حافظ الأسد، الذي رد خطابياً نيابة عن الأقليات واصفاً التطرف بـ«الضيق الأعمى»، مؤكداً أن الإسلام دين حب وتقدم وعدالة. أصبحت مسألة كون العلويين مسلمين أم لا مسألة وجودية لشرعية حكم الأسد وأمن الطائفة بأكملها.

لمواجهة هذا التحدي، سعى النظام إلى الحصول على شرعيات دينية من خارج المذهب السني. يوثق الفصل دور رجال دين شيعة بارزين. أولهم آية الله حسن مهدي الشيرازي، وهو رجل دين شيعي عراقي نفي من العراق واستقر في بيروت، وأصدر في ديسمبر 1972 فتوى تعتبر العلويين من «شيعة أهل البيت». يشير الكاتب إلى أن هذه الفتوى قد تكون جزءاً من تحالف سياسي متبادل المنفعة، حيث حصل الأسد على دعم ديني مقابل حماية الشيرازي. بعد ذلك، أعلن الإمام موسى الصدر، الزعيم الشيعي اللبناني، في يوليو 1973 أن «العلويين هم إخوان الشيعة»، مقدماص بذلك دعماً دينياً وسياسياً حيوياً لنظام الأسد المعزول عربياً. يذكر الكاتب أن موسى الصدر دعم النظام في قضايا حساسة مثل اتفاقية دمشق عام 1976 بشأن لبنان والتدخل العسكري السوري فيه بـ 12,000 جندي في يونيو 1976، قبل أن يختفي (ويُفترض اغتياله) في ليبيا في أغسطس 1978.

يختتم الفصل بملاحظة أن حافظ الأسد لم يكن متديناً شخصياً، وأن الترويج لهوية شيعية أرثوذكسية للعلويين كان غالباً جزءاً من سعيه البراغماتي لتعزيز شرعيته. ويشير إلى أن العديد من العلويين، خصوصاً في لبنان، لم يكونوا متحمسين لفقدان هويتهم المنفصلة أو الاندماج تحت مظلة التشيع، مما أدى إلى تأسيس ما يسمى بـحركة الشباب العلوي بقيادة علي عيد.

من الحجج القابلة للنقاش في الفصل هو التناقض الأساسي الذي يطرحه الكاتب نفسه: هل كان حكم حافظ الأسد فعلاً يتويجاً لمسار تحرر العلويين، أم أنه كان مجرد مرحلة جديدة من «دائرة الخوف» حيث استبدل الخوف من الاضطهاد السني بخوف جديد من القمع داخل الدولة البوليسية التي أسسها، والتي جعلت الطائفة رهينة لنظام عائلي فاسد؟ الكاتب يلمح إلى هذا من خلال شهادة خدام حول المحسوبية العائلية والفساد، لكنه يترك السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه هي «مأساة حماة» الحقيقية.

8.اللاذقية – مدينة علوية111–116▼ résumé

يُركّز هذا الفصل، وهو الفصل الخامس من كتاب "دورة الخوف: علويو سوريا" للمؤلف ليون غولدسميث، على ذروة الصراع بين نظام حافظ الأسد والإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات، ويُظهر كيف أدى هذا الصراع إلى تبلور الهوية الطائفية للعلويين وزيادة اعتمادهم على النظام. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن محاولات الإخوان المسلمين لإثارة الفتنة الطائفية عبر استهداف العلويين، قد حققت تأثيراً معاكساً، حيث وحدت الطائفة العلوية خلف النظام بدلاً من تفتيتها، وذلك بسبب الخوف المشترك من الانتقام وارتفاع أسعار المخاطرة.

يسير الفصل خطوة بخطوة من خلال توثيق تصاعد أعمال العنف. يبدأ بوصف حملة الاغتيالات التي شنها الإخوان المسلمون عام 1977 ضد شخصيات علوية بارزة قريبة من النظام، مثل العميد حامد رزوق والعقيد علي حيدر. ويشير الفصل إلى أن النظام فضّل إلقاء اللوم على نظام صدام حسين في هذه الاغتيالات لتجنب إضفاء طابع طائفي على الصراع، رغم ضعف الأدلة على تورط العراق. في المقابل، يذكر المؤلف أن النظام نفسه كان يُشتبه في قيامه بحملة اغتيالات سياسية لأسباب معاكسة، أبرزها اغتيال الزعيم الدرزي اللبناني كمال جنبلاط في 16 مارس 1977، والذي يُعتقد أنه دفع ثمن تطرقه لمحظور مناقشة الطابع العلوي للنظام.

يصل التصعيد إلى ذروته مع مذبحة أكاديمية المدفعية في حلب في 16 يونيو 1979، حيث قُتلت مجموعة كبيرة من الطلاب العلويين. يوضح المؤلف أن هذه المذبحة كانت مؤامرة من ضابط بعثي سني بهدف إثارة رد فعل عنيف من النظام وتوسيع نطاق الانتفاضة. أدى ذلك إلى دوامة من العنف، حيث اغتيل جراح أعصاب علوي بارز، ثم العقيد محمد جميل نضاح والمقدم إبراهيم عليا. يبدأ التوتر الطائفي بالظهور علناً، كما حدث عندما اندلعت أعمال شغب بين العلويين والسنة في اللاذقية بعد اغتيال الشيخ يوسف صارم، مما استدعى تدخل ألف جندي مظلي تحت قيادة رفعت الأسد لفضها.

في خضم هذه الأزمة، يسلط الفصل الضوء على الضغوط التي وقعت على النظام من جهة، وعلى تماسك الطائفة العلوية من جهة أخرى. فمن ناحية، بدأت تظهر بوادر انشقاق بين العلويين أنفسهم؛ إذ طالب المتشددون برد أقوى، بينما تساءل الليبراليون عن ضرورة إشراك المزيد من السنة في النظام، وانتقد الشاعر العلوي ممدوح عدوان الوجه الطائفي للنظام. من ناحية أخرى، ورغم هذه الانتقادات، يؤكد الفصل أن الجيش السوري الذي يغلب عليه العلويون لم يُظهر أي علامات تمرد، وأن المجتمع العلوي التف حول الرئيس الأسد. يعزو المؤلف ذلك إلى ثلاثة عوامل: أولاً، لم يعد السنة يمثلون كياناً سياسياً قوياً متماسكاً كما كان في الماضي. ثانياً، طوّر العلويون هوية أوسع تقوم على تجربتهم المشتركة كأقلية حاكمة. ثالثاً، والأهم، أن المخاطر التي يواجهها العلويون في حال انهيار النظام كانت باهظة جداً لدرجة أن الانقسام الداخلي أصبح ترفاً لا يمكن تحمله.

بينما كان الصراع يتجه نحو حرب طائفية شاملة بحلول عام 1980، يشير الفصل إلى ثلاثة عوامل غذّت التوتر: التضخم المالي (30%) الذي أثار استياء التجار، والثورة الإيرانية التي أعطت زخماً للمعارضة، و الفساد المتزايد وخاصةً ما نسب إلى رفعت الأسد. كل هذه العوامل وجدت تعبيراً لها في مشاعر معادية للعلويين، حيث بدأ بعض السنة، حتى العلمانيين منهم، بالتعاطف مع الإخوان المسلمين. في رد فعل عنيف، أرسل النظام وحدات من الجيش الثالث والقوات الخاصة بقيادة رفعت الأسد إلى حلب وحماة في 6 و7 أبريل 1980، وأعتقل قرابة 6000 شخص وأعدم 30. ثم جاءت محاولة اغتيال حافظ الأسد الفاشلة في 27 يونيو 1980 لتشعل غضباً عارماً في الطائفة العلوية، وأمر رفعت الأسد بذبح ما بين 550 و1181 سجيناً من الإخوان المسلمين في سجن تدمر.

في خضم هذا العنف، يبين الفصل أن حافظ الأسد استمر في سياسة مزدوجة: القوة المفرطة في القمع، ومحاولات تهدئة الخصوم بوعود بالإصلاح، وإلقاء اللوم على قوى خارجية مثل الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي خطاب له في 8 مارس، أشار الأسد إلى "إسلامه" بطريقة يمكن قراءتها كاعتراف نادر بهويته العلوية، لكنها كانت في الوقت نفسه استراتيجية ذكية لتحييد اتهامات الإخوان له بالكفر. يقر المؤلف في النهاية بأنه على الرغم من أن التاريخ بدا وكأنه يلحق بالعلويين، إلا أنهم كانوا هذه المرة في موقع السلطة، مما جعل أي تراجع سياسي أمراً بالغ الخطورة عليهم، وهو ما عزز وحدتهم خلف النظام في مواجهة التهديد المشترك.

9.مصلح حداثي؟130–135▼ résumé

يطرح هذا الفصل تساؤلاً محورياً حول ما إذا كان حافظ الأسد "مصلحاً حداثياً" كما قد يُصوَّر، لكن الإجابة التي يقدمها المؤلف تميل إلى النفي القاطع. فبدلاً من التحديث الحقيقي الذي يدمج المجتمع ويخفف التوترات الطائفية، يصف الفصل سياسات أدت إلى تعميق عزلة العلويين وإدامة "دورة الخوف" التي تقوم عليها سلطة النظام. الحجة الأساسية هي أن التغييرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها العلويون في عهد حافظ الأسد لم تكن حداثة حقيقية، بل كانت تحديثاً هشاً ومشروطاً بالولاء للنظام، مما حافظ على عصبيتهم الطائفية بدلاً من إذابتها في نسيج وطني سوري جامع.

يسير الفصل بشكل متدرج، بدءاً من وصف تغير التركيبة السكانية للمدن السورية، وخاصةً اللاذقية. يوضح المؤلف أن هذه المدينة الساحلية أصبحت ذات أغلبية علوية، ويصفها بأنها فريدة في الشرق الأوسط (باستثناء المدن الإسرائيلية) لكونها مدينة كبرى بلا أغلبية مسلمة سنية أو شيعية، مما يذكر بوضع لم يُعرف منذ اضمحلال المجتمعات المسيحية في آسيا الصغرى في القرن الرابع عشر. يذكر أن الاستثناءات المحتملة هي مسقط في عُمان و طرطوس و السويداء و زحلة اللبنانية. ينتقل بعدها إلى دمشق و حمص كمراكز حضرية أخرى للعلويين، بينما لم تكن حلب و حماة المحافظتان دينياً بنفس القدر من الانفتاح. يصف كيفية انتشار العلويين في دمشق عبر الوظائف البيروقراطية والعسكرية، ويذكر أنه بحلول أوائل سبعينيات القرن العشرين كان وجودهم كبيراً. يصف كيف كشف النظام في سبتمبر 1980 عن خطط لتطوير أجزاء من جبل قاسيون في شمال غرب دمشق، وهي المنطقة التي أصبحت تُعرف شعبياً باسم "عش الوروار" ويقطنها علويون بشكل أساسي معظمهم من المتقاعدين العسكريين، ويتمتع سكانها بما يشبه الحصانة من لوائح البناء الحكومية، مما يدل على العلاقة الخاصة بين النظام وقاعدته. ويحلل الفصل الأهمية الاستراتيجية لهذا الموقع لكونه مرتفعاً يوفر مزايا دفاعية وخط انسحاب نحو المنطقة العلوية أو لبنان.

يتناول الفصل قيداً مهماً على عملية التحضر العلوية، وهو الحفاظ على الروابط القوية مع القرى والقبائل الأصلية. بسبب قرب جبل الساحل وتوفر وسائل النقل الرخيصة، يعيش العديد من العلويين في قراهم ويعملون في المدينة، وتحافظ عائلات كثيرة على مسكنين في القرية والمدينة. نتيجة لذلك، يحتفظ غالبية العلويين بنمط حياة ونظرة ريفية قوية، وهم أكثر استرخاءً وراحة في قراهم من المدينة. يستخدم الفصل هذه الملاحظة لتقييم نظرية ابن خلدون حول انحدار "العصبية" بسبب التحضر والترف. يرى المؤلف أن نظرة ابن خلدون قد تنطبق على الدائرة الداخلية للنظام، لكنها لا تنطبق على المجموعة العلوية الأوسع. فمعظم العلويين لم يتحضروا تحضراً كاملاً، مما يدل على استمرار انعدام الأمن لديهم، كما أنهم احتفظوا بنمط حياتهم الريفي، لذا فانحدار العصبية لم يكن حتمياً. ويستشهد بتعليق من أحد معارفه العلويين في عام 2009 يعيش بين اللاذقية وقرية في جبل الساحل قال له "أنا فقير يا ليون" لدحض فكرة الترف، ورغم فقره كان داعماً متيناً للنظام.

ينتقل الفصل لجذور الأزمة الاجتماعية-الاقتصادية في سوريا والتي تعود للفترة الأولى من حكم الأسد. يذكر أن عدد سكان سوريا تضاعف بين عامي 1970 و1990 من 6.4 مليون إلى 12.8 مليون نسمة، وهو معدل نمو غير مسبوق. يناقش موقف حافظ الأسد من هذه الزيادة، حيث لم ينزعج منها كثيراً في البداية ورآها تقوي البلاد ضد إسرائيل، كما ساعدت عائدات "الطفرة النفطية" في السبعينيات على تخفيف الآثار السلبية. لكن بحلول أواخر الثمانينيات، مع تردي الاقتصاد السوري، أصبح النمو السكاني الهائل معضلة خطيرة. يلفت الفصل النظر إلى أن حافظ الأسد فشل في تطبيق سياسات لتحديد النسل، ووفقاً لدراسة أون وينكلر، لم يعثر على أي تعبير علني من الأسد أو غيره من كبار المسؤولين يدعو لبرنامج لتنظيم الأسرة، ربما خوفاً من أن يُنظر إليه على أنه غير إسلامي ويُشعل موجة عداء ديني جديد ضد الطبيعة العلوية للنظام، واكتفى بنهج غير مباشر من خلال عيادات تطوعية.

في مجال التعليم والدين، يشرح الفصل كيف روج النظام لمنهجاً دراسياً قائماً على القومية العربية البعثية السورية وإسلاماً موحداً ومنسقاً. تذكر مونيك كاردينال أن الصفوف الدراسية السورية في التسعينيات لم تكن تناقش حتى الفرعين السني والشيعي، ناهيك عن العلويين وغيرهم من الطوائف غير التقليدية. كان الهدف خلق جيل جديد غير طائفي، لكن الباحث تورستين ورين يرى أن هذا الجهل المؤسساتي يعزز عدم الثقة والشك في المجتمع، مما دفع السوريين لتطوير تقنيات لمعرفة الانتماء الطائفي للآخرين بشكل غير مباشر (كأسماء العائلات ومناطق الأصل)، وحتى من خلال نطق حرف القاف الذي تلفظه الطوائف الأخرى كهمزة. يخلص الفصل إلى أن سياسة التعليم هذه، بدلاً من دمج العلويين، حافظت على تهميشهم، وأدامت التصورات الخاطئة عنهم. ويعود الفصل إلى بيان صدر عن زعماء دينيين علويين في 1973 يناشدون بتحسين الحوار بين الأديان، ليرى أن سياسة الأسد في إغراق الهوية العلوية تتعارض مع هذا النداء، وأن نتيجة هذا التهميش المستمر كانت الحفاظ على العصبية العلوية لصالح النظام.

القسم الأخير من الفصل مكرس لأزمة الخلافة داخل عائلة الأسد في 1983-1984، والتي تمثل تصدعاً خطيراً في عصبية عشيرة الأسد. في نوفمبر 1983، أصيب حافظ الأسد بوعكة صحية حادة في القلب. تحرك شقيقه رفعت الأسد فوراً لتأمين وصوله للسلطة. يصف الفصل كيف أن رفعت كان يُنظر إليه سلباً من قبل كثير من العلويين رغم دوره في ملاحقة الإخوان المسلمين ومعركة حماة، لأن تكتيكاته الوحشية وفساده المكشوف جعلاه يشكل عبئاً على أمن المجتمع العلوي. عارض كبار الداعمين العلويين طموح رفعت الرئاسي، مما أدى إلى صراع علوي-علوي هو الأول منذ صراع الأسد - جديد. تظهر أولى المؤشرات بملصقات لرفعت تظهر في دمشق في فبراير 1984 وتُزال بسرعة. بحلول 27 فبراير، وصلت التوترات إلى مواجهة عسكرية في دمشق بين "سرايا الدفاع" التابعة لرفعت ووحدات تابعة لقادة علويين مثل علي حيدر و شفيق فياض و عدنان مخلوف، وأُطلقت أعيرة نارية قرب القصر الرئاسي. يحلل الفصل أن تحالف رفعت الخارجي مع ولي العهد السعودي عبد الله بن عبد العزيز كان يهدد العصبية العلوية، نظراً لعداء المذهب الوهابي للعلويين بناءً على أفكار ابن تيمية، ويستشهد بتصريح للشيخ علي يزال عام 2011 يصف فيه كراهية الوهابيين للجميع.

لاحتواء الأزمة، عيّن حافظ الأسد في 11 مارس ثلاثة نواب للرئيس بينهم رفعت، بالإضافة إلى عبد الحليم خدام و زهير مشارقة، في محاولة لتهدئة رفعت وتقليل المظهر الطائفي للصراع. لكن الأزمة بلغت ذروتها في 30 مارس 1984 عندما أمر رفعت قواته بإغلاق مداخل دمشق والزحف نحوها، ليتصدى له قادة علويون وتبدو إراقة الدماء وشيكة. يذكر الفصل أنه بحسب حنا بطاطو، هدد حافظ الأسد شقيقه بالقتل إن لم يمتثل لأوامره، بينما تذكر رواية باتريك سيل مواجهة بين الأخوين بحضور والدتهما. استسلم رفعت بعد أن تأكد أن كبار القادة العلويين ضده. بعد اندلاع اشتباكات علوية-علوية أخرى في اللاذقية في مايو 1984، أصبح حافظ الأسد مقتنعاً بأن حل النزاع الوحيد هو إبعاد رفعت. في البداية، أُرسل رفعت مع خصميه علي حيدر وشفيق فياض إلى الاتحاد السوفيتي في أواخر مايو، وذهب رفعت لاحقاً إلى المنفى. يذكر الفصل أن حافظ الأسد ألقى باللوم في الأزمة على رفعت ومحاولته الاستيلاء على السلطة أثناء مرض الأسد، معتبراً أن بقاء رفعت في سوريا لم يعد ممكناً.

في تحليل هذه الأحداث، يقر المؤلف بأن الفصل يترك أسئلة مفتوحة حول مدى فعالية سياسات التحديث الهش التي اتبعها حافظ الأسد. فبينما نجح النظام في تأمين بقائه من خلال تعزيز عصبية العلويين واستغلال مخاوفهم، إلا أن الفصل يوضح بشكل واضح أن هذا جاء على حساب بناء مجتمع سوري متماسك ومواطنة متساوية. النقطة القابلة للنقاش بوضوح هي تقييم إرث حافظ الأسد: بينما قد يرى البعض أنه "مصلح حداثي" جلّى الاستقرار والتنمية لطائفته، يقدم الفصل حججاً دامغة بأن حداثته كانت شكلية وأحادية، وأن الإخفاق في معالجة النمو السكاني أو بناء هوية وطنية شاملة أو إصلاح اقتصادي حقيقي، لم يؤد فقط إلى أزمة اجتماعية-اقتصادية، بل زرع بذور الصراع المستقبلي. بهذا المعنى، يبدو أن سعي حافظ الأسد لتأمين النظام على أسس طائفية كان على حساب استقرار سوريا ووحدتها على المدى الطويل، وهو ما يجعل وصفه بـ "المصلح الحداثي" محل شك كبير وفقاً لمنطق هذا الفصل.

10.تحديات جديدة136–141▼ résumé

يُركّز هذا الفصل، وهو الفصل الأخير من كتاب «حلقة الخوف: علويو سوريا»، على المرحلة التي تلت أزمة الخلافة في منتصف الثمانينيات، ويحلل التحديات الجديدة التي واجهت نظام الأسد وكيف تعامل معها للحفاظ على تماسك العصبية العلوية. الإجابة المحورية التي يقدمها المؤلف هي أن بقاء النظام اعتمد على قدرة حافظ الأسد على إدارة التهديدات الداخلية والخارجية مع الحفاظ على ولاء القاعدة العلوية، وذلك عبر مزيج من السياسات الاقتصادية والتحالفات الإقليمية والاستعداد لانتقال السلطة بالوراثة.

يسير الفصل خطوة بخطوة من تحليل أسباب فشل محاولة انقلاب رفعت الأسد في 1984، إلى شرح التحالف الاستراتيجي مع إيران، وصولاً إلى التجهيز لخلافة بشار الأسد. يبدأ الفصل بمناقشة كيف أن رفعت، رغم قيادته لسرايا الدفاع وعلاقاته مع السعودية والولايات المتحدة، لم يتمكن من توجيه العصبية العلوية لمصلحته. ويوضح المؤلف أن ولاء العلويين لم يكن أعمى، بل كان مشروطاً بتقييمهم لمن يخدم مصالحهم بشكل أفضل. هنا، يبرز دور مشايخ المرشدية، الذين أمروا أتباعهم في سرايا الدفاع بالتخلي عن رفعت، معتبرين إياه تهديداً لبقاء النظام بأكمله، وهو ما يظهر تدخل القيادة العلوية التقليدية في السياسة بشكل مباشر.

يواصل الفصل تحليل أسباب رفض العلويين لرفعت من خلال مقارنة توجهاته السياسية مع تيار أبيه حافظ. يوضح المؤلف أن رفعت دعا إلى اقتصاد رأسمالي أكثر انفتاحاً، مما جلب له دعماً من تجار سنة، لكن عامة العلويين فضلوا السياسة الاجتماعية اليسارية التي اتبعها حافظ. كما أسس رفعت «رابطة حملة الشهادات العليا»، وهي كيان سياسي نخبوي يتعارض مع تعاليم البعث الثورية التي تمجد الفلاحين، ومعظم العلويين كانوا لا يزالون فلاحين. في السياسة الخارجية، دعا رفعت إلى التقارب مع الغرب والسعودية، وكان لديه تحفظات على التحالف مع إيران، وهو ما اعتبره المؤلف تناقضاً مع المصالح الأساسية للعلويين الذين يرون في إيران الشيعية حليفاً طبيعياً، بينما تمثل السعودية قلب التطرف السني.

يخلص الفصل إلى أن العصبية العلوية في منتصف الثمانينيات كانت تميل إلى: الاشتراكية الاقتصادية، تحالفي إيران والاتحاد السوفييتي، الهوية العلوية غير المعلنة، والتواضع في إظهار مظاهر السلطة. كان حافظ الأسد يجسد هذه المبادئ بشكل أفضل من أخيه، مما أكسبه ثقة القاعدة العلوية. بعد ذلك، ينتقل الفصل إلى تحليل «المحور العلوي-الإيراني» كتحدٍ جديد ومصدر قوة في آن واحد. يشرح المؤلف كيف أن حافظ الأسد سارع بعد الثورة الإيرانية 1979 إلى عكس سياسته العدائية تجاه إيران، رغم الصراع الداخلي مع الإسلاميين السُنة، وذلك لتعزيز الشرعية الدينية للعلويين من خلال التقارب مع الشيعة.

يصف الفصل كيف أصبح النظام السوري قناة حيوية لنفوذ إيران في لبنان، مما أدى إلى ظهور حزب الله كحليف قوي. يوضح المؤلف أن حزب الله قدم فائدة مزدوجة: المقاومة الفعلية للاحتلال الإسرائيلي شغلت الرأي العام السوري ووفرت تهديداً خارجياً يلهي المواطنين عن المشاكل الداخلية، كما أعطى النظام عمقاً استراتيجياً في مواجهة الإسلاميين السنة. لكن الفصل يشير أيضاً إلى أن حافظ الأسد ظل حذراً في تعامله مع إيران وحزب الله، ولم يسمح لأي من حلفائه الخارجيين بتجاوز القاعدة العلوية في الأهمية الاستراتيجية. وخير مثال على ذلك هو قيام النظام بقصف طرابلس اللبنانية بالمدفعية في يونيو 1985 عندما اشتبك علويو حزب التوحيد مع حزب الدفاع العربي، ثم إعدام 23 مسلحاً من حزب الله في بيروت في 1987 لإرسال رسالة بأن السيادة السورية في لبنان لا تقبل المساس.

في الجزء الأخير، يتناول الفصل التحضير لخلافة حافظ الأسد في التسعينيات، وهو التحدي الأكبر للنظام. يوضح المؤلف أن محاولة انقلاب رفعت لم تثنِ حافظ الأسد عن إبقاء السلطة داخل عائلته، فبدأ بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية لتسهيل انتقال السلطة لابنه. بعد وفاة ابنه الأكبر باسل في حادث سيارة 1994، تم سحب الابن الثاني بشار من تدريبه الطبي كطبيب عيون ليصبح ولياً للعهد. يختتم الفصل بتساؤل حول ما إذا كان بشار الشاب عديم الخبرة قادراً على إدارة التوازن السياسي والحفاظ على أمن العلويين، مع الإشارة إلى تصريح عبد الحليم خدام بأنه كان واثقاً من أن بشار لن يفصل سوريا عن إيران.

يوافق الفصل تحفظات واضحة، فهو لا يقدم أي ضمانات حول نجاح خلافة بشار، بل يطرحها كسؤال مفتوح. كما يعترف المؤلف بأن التفسير الديني للتحالف مع إيران قد لا يكون كافياً، مشيراً إلى وجود منطق جيوسياسي قوي أيضاً. من النقاشات القابلة للنقاش بناءً على النص نفسه، يمكن القول بأن الفصل يبني فرضية قوية مفادها أن العصبية العلوية لم تكن مجرد ولاء أعمى، بل كانت حسابات عقلانية تتعلق بالمصلحة الذاتية للطائفة، وهو ما يفسر استمرار دعمهم لحافظ الأسد رغم قمعهم للآخرين. هذا التفسير المنفعي للولاء يفتح تساؤلاً حول مدى استمراريته في ظل حكم بشار، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية.

11.خسارة لبنان142–147▼ résumé

يُعالج هذا الفصل، المعنون "خسارة لبنان" من كتاب "دورة الخوف: علويو سوريا" للكاتب ليون غولدسميث، موضوعاً محورياً هو انتقال السلطة في سوريا من حافظ الأسد إلى ابنه بشار الأسد في عام 2000، وتداعيات هذا الانتقال على الطائفة العلوية التي كانت العمود الفقري للنظام. الإجابة التي يقدمها الفصل هي أن هذا الانتقال، رغم نجاحه الظاهري، وضع الطائفة العلوية على مسار خطير من التدهور، حيث استُبدل الاستقرار النسبي في عهد حافظ الأسد بعدم أمان جديد وصراع محتمل، مما هدد تماسكها الداخلي وأمنها على المدى الطويل.

يسير الفصل خطوة بخطوة عبر عدة مراحل. يبدأ بوصف حالة القلق التي سادت الطائفة العلوية في أواخر تسعينيات القرن العشرين، مع تدهور صحة حافظ الأسد. ويشير إلى أن فكرة سوريا ما بعد الأسد كانت تراود أذهان العديد من العلويين، الذين كانوا يخشون من انتقام سني محتمل نتيجة لمجزرة حماة (1982). يوضح الكاتب أن نجاح انتقال السلطة العلوية كان سابقة تاريخية نادرة، مستشهداً بمصير عائلتي إسماعيل خير باي وسليمان مرشد اللتين انهارتا بعد زوال قوتهما. ويبرز هنا تحفظاً مهماً للمؤلف: أنه لو كان هناك اعتقاد حقيقي بين العلويين بأن بشار الأسد لا يمكنه تعويض مكانة والده، لكان من المحتمل أن تتراجع "العصبية" العلوية للنظام.

يستعرض الفصل بعد ذلك العوامل التي ساعدت في تأمين انتقال سلس للسلطة. أولاً، الاستثمار الكبير في شرعية اسم الأسد وربطه بالطموحات القومية العربية. ثانياً، أن نقل السلطة إلى عائلة أو عشيرة علوية أخرى كان سيثير حفيظة الأغلبية السنية. والأهم من ذلك، أن حافظ الأسد قضى على أي قواعد بديلة للسلطة داخل الطائفة العلوية على مدى ثلاثة عقود، وأبرز مثال على ذلك هو سجن منافسه صلاح جديد لمدة 23 عاماً حتى وفاته في 1993. ويعزز الكاتب هذا بوصف عملية التطهير الوحشية التي قام بها حافظ الأسد في 1998-1999 لأي منافسين محتملين، بما فيهم أقرب أصدقائه، لضمان بقاء العائلة في السلطة. كما أُزيح شخصيات سنية مؤثرة مثل رئيس الوزراء محمود الزعبي (الذي انتحر ظاهرياً) ورئيس الأركان حكمت الشهابي (الذي فر إلى الولايات المتحدة)، مما أظهر أن حافظ الأسد لن يسمح لأي شخص، حتى المقربين، بالوقوف في طريق الخلافة الوراثية.

مع تزايد القلق، يبين الفصل أن العلويين كثفوا جهودهم في تسعينيات القرن العشرين لإثبات هويتهم كمسلمين شيعة جعفريين، وذلك عبر نشر العديد من الكتب "العلمية" التي تؤكد ارتباطهم بالمذهب الشيعي الإثني عشري. استفادت هذه السياسة من استعداد علماء الشيعة، المرتبطين بإيران، لتقديم أدلة وثائقية على وحدة العلويين والشيعة. ويقدم الكاتب مثالاً على ذلك بمقابلة مع الشيخ العلوي محمد بوز في 2011، الذي صور أصول العلويين على أنهم من اتبعوا وصية النبي محمد بتعيين خليفة له، على عكس السنة الذين اتبعوا اختيار أبي بكر.

يوضح الفصل أنه بحلول 1999، كانت الشروط المسبقة لخلافة بشار الأسد قد اكتملت: تم الترويج له كخيار وحيد لحماية المصالح العلوية، وتم تدعيم الهوية الإسلامية للطائفة. لكن الإرث الأهم الذي انتقل إلى الجيل الثاني كان اقتصاداً متدهوراً بشكل حاد منذ منتصف التسعينيات بسبب انخفاض النمو واستنزاف احتياطي النفط وعدم كفاءة القطاع العام. ويشير الكاتب إلى سخرية القدر في أن حافظ الأسد نفسه، في عام 1999، ألقى باللوم على حكومة الزعبي ووصفها بأنها الأسوأ في تاريخ البلاد، معتبراً إياها علامة على موهبته الخاصة في التلاعب بالدعاية.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى لحظة وفاة حافظ الأسد في 10 يونيو 2000 عن عمر يناهز 69 عاماً إثر نوبة قلبية. يصف كيف اجتمع النواة الصلبة للنظام وأبلغوا نائب الرئيس عبد الحليم خدام بقرارهم توريث الحكم لبشار الأسد. يذكر الفصل تحفظ خدام وتبريره لوقوفه عاجزاً عن الاعتراض بسبب توقيت الحدث والإجماع الواضح بين قادة الحزب. يلخص الكاتب أن خلافة بشار الأسد أثبتت أن سوريا أصبحت الآن محكومة بسلالة وراثية، وأن الطائفة العلوية ظلت الركيزة الأساسية للنظام، مدعوماً بـ "العصبية" العلوية.

في القسم الأخير، يطرح الفصل أسئلة حاسمة: هل بدأ الدعم العلوي لنظام الأسد في التراجع في العقد الأول من حكم بشار؟ وما العوامل التي ساهمت في ذلك؟ والإجابة التي يقدمها، مستنداً إلى نظرية ابن خلدون، هي أن المرحلة الثانية من أي سلالة تشهد تدهوراً متسارعاً في "العصبية" حيث ينفصل الحاكم عن جماعته. يظهر الفصل بوادر هذا الانفصال بوضوح. فبينما استقبل السنة وفاة حافظ الأسد بترحيب حذر (كما دل على ذلك خلو خيام العزاء في مناطقهم)، ساد الخوف العلويين، لا سيما في قرية القرداحة مسقط رأس الأسد، مما دفع بعضهم للتمسك بأمل أن التحديث والإعلام قد قلص الفجوة الطائفية. وفي تناقض واضح، يورد الفصل تعليقاً لامرأة علوية شابة من القرداحة تظهر فيه نزعة نخبوية وتميزاً طائفياً ("نحن أكثر تعليماً وذكاءً وانفتاحاً")، لكن الكاتب يحذر من أن هذه الآراء لا تمثل كل العلويين.

يختتم الفصل بالإشارة إلى أن أكثر من 90% من جنرالات الجيش السوري كانوا من العلويين في بداية حكم بشار، لكن الكثيرين منهم تعرضوا لعمليات "تطهير من الفساد" أزالت منافسين محتملين. ويضرب مثالاً على ذلك بإقالة علي دوبا (رئيس الأمن العسكري) وعدنان مخلوف (رئيس الحرس الجمهوري) وتعيين مقربين من بشار مكانهم، مما يدل على بداية عملية فصل الحاكم عن شعبه وخلق شرخ داخل القاعدة العلوية للنظام، وهو الشرخ الذي سيكون له عواقب وخيمة.

12.توطيد النظام والعزلة151–157▼ résumé

يُركّز هذا الفصل، «توطيد النظام والعزلة»، على مسار الانفصال المتزايد بين نظام بشار الأسد والطائفة العلوية خلال السنوات الأولى من حكمه، وكيف أدت سياساته الداخلية والخارجية، في مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية، إلى تعزيز قبضة النظام على حساب الأمن الجماعي للعلويين على المدى البعيد.

يبدأ الفصل بتقييم الوضع الاقتصادي في بداية حكم بشار الأسد في مارس عام 2000. فقد ضمّت حكومته الجديدة، التي اختارها شخصياً، أفراداً يدعمون اقتصاد السوق الحر. وهؤلاء هم أبناء النخبة العلوية المتعلمون، إلى جانب رواد أعمال شباب من عائلات سنية بارزة من دمشق. ويشير الكاتب إلى أن هذا المنحى الاقتصادي جعل بشار أقرب إلى سياسات عمه رفعت الأسد التي رفضها العلويون عام 1984. وقد شكّل هذا مصدر قلق للعلويين الذين كانوا يعتمدون على وظائف القطاع العام في ظل الاشتراكية البعثية.

يناقش الفصل بعد ذلك إغلاق ما عُرف بـ«ربيع دمشق» السياسي في أواخر عام 2001. فقد ألقي القبض على عشرة من أبرز منتقدي الحكومة، منهم رياض سيف وعارف دليلة. وحُكم على دليلة بالسجن سبع سنوات، وهو حكم أشد من عقوبة زملائه السنة (خمس سنوات)، مما يعكس استمرار سياسة الردع الموجّهة ضد المعارضة العلوية، تماماً كما حدث مع الناشط العلوي لؤي حسين عام 1984. ويوضح الفصل أن سبب اعتقال رياض سيف الحقيقي لم يكن مخالفاته الإدارية، بل انتقاده لعقد هاتف محمول مُنح لابن عم بشار الأسد، رامي مخلوف، وهو ما سمّاه السياسي السوري السابق عبد الحليم خدام «دمج الفساد في هيكل الدولة».

يخلص الفصل إلى أن وضع العلويين في السنة الثانية من حكم بشار الأسد كان مزدوجاً: فالقمع السياسي قد طمأن البعض بمنع أي نهضة سنية، لكن التغييرات الاقتصادية هددت أمنهم المالي، بينما أثارت الثروات الفاحشة لمقربي النظام مثل رامي مخلوف الاستياء. وهكذا، فإن استمرار حكم الأسد لم يعنِ استمرار سياسات حافظ الأسد الذي كان «يعتني» بالطائفة العلوية بأكملها، بل بدا أن بشار يدفع بطائفته بعيداً، كما تنبأ ابن خلدون.

ينتقل الفصل بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 إلى التحديات الجديدة. فقد خلقت البيئة الإقليمية تهديدين: التدخل العسكري الأمريكي في العراق عام 2003 من جهة، وصعود الإسلام السياسي المتطرف من جهة أخرى. ويُجادل الكاتب بأن هذين العاملين، اللذين شكّلا خطراً على استقرار النظام، دفعا العلويين إلى الالتفاف حوله مجدداً بدافع الخوف من المجهول.

للمحافظة على قبضته، بدأ النظام سياسة خطيرة لتوجيه المقاتلين السنة عبر سوريا إلى العراق لمحاربة القوات الأمريكية. ويشرح الفصل أن لهذه السياسة ثلاثة أهداف: التخلص من الراديكاليين الإسلاميين بإرسالهم لـ«يقتادوا بأنفسهم» في العراق، وإضافة المتاعب للأمريكيين وإشغالهم عن سوريا، والأهم هو إخفاء الهوية العلوية للنظام وإظهاره كحليف للمقاومة الإسلامية. كما حاول النظام توظيف المد الإسلامي المتصاعد في المجتمع السوري، مثل خطب الشيخ محمود الغسي (أبو القعقاع) التحريضية ضد الأمريكيين. لكن الكاتب يُظهر فشل هذا التوظيف، إذ كان الحماس للقضايا الإسلامية أقوى بكثير من الولاء للنظام، مما زاد من خطر عودة التطرف السني، وهو تهديد وجودي للعلويين في ضوء «دين الدم» غير المسدد من حماة عام 1982.

بحلول عام 2004، لم يكن الخطر قد زال. فسقوط صدام حسين ونظام البعث في العراق بعث الأمل في المعارضة العلمانية، وتجلى ذلك في تصريحات الناشط عمر أميرالاي وفي مظاهرة 8 مارس 2004 التي طالبت بإلغاء قوانين الطوارئ. لكن هذه الدعوات للإصلاح قوبلت بظهور قوى طائفية أخرى.

كانت نقطة التحول الكبرى هي أحداث القامشلي في 12 مارس 2004 بين الأكراد والعرب السنة، والتي تلت مباراة كرة قدم. تحولت الاشتباكات إلى أعمال شغب استمرت ثلاثة عشر يوماً، هاجم خلالها الأكراد مقار أمنية في بلدة ديريك. وكان رد قوات الأمن - التي يصفها الكاتب بأنها لا تزال ذات أغلبية علوية - وحشياً، حيث قُتل ثلاثة وأربعون شخصاً وجُرح المئات واعتقل 2500 شخص. ويشير الفصل إلى أن هذه المواجهات أصبحت بشكل فعلي مواجهة كردية-علوية، على عكس تحالفهم السابق في حماة.

يطرح الكاتب تفسيراً مثيراً لهذه الأحداث من مصادر كردية، إذ تفيد بأنها كانت نتيجة صراع بين جهازي مخابرات متنافسين: الأمن العسكري بقيادة آصف شوكت (شقيق زوجة بشار الأسد)، والأمن القومي بقيادة بهجت سليمان. ويرى الكاتب أن هذا قد يشير إلى تصدع في «العصبية» العلوية قرب قمة السلطة، ويطرح تساؤلاً حول ما إذا كان بشار الأسد يسيطر بشكل كامل على نخب الأمن العلوية المتنافسة.

يوضح الفصل أن هذا الصراع الداخلي يعكس تطوراً في العصبية العلوية في المرحلة الثانية من حكم الأسد: فئة قريبة من النظام مثل آصف شوكت تُعطي الأولوية القصوى للحفاظ على النظام بأي ثمن، بغض النظر عن العواقب طويلة المدى للطائفة. أما الفئة الأخرى (مثل غازي كنعان وبهجت سليمان) فتدعم نهجاً أكثر تحفظاً يراعي الأمن الجماعي للعلويين. ويخلص الفصل إلى أن السياسات اللاحقة للنظام تشير إلى انتصار نهج آصف شوكت ونيله ثقة بشار الأسد، مما عزز العزلة المتزايدة للنظام عن قاعدته العلوية التقليدية.

13.الظروف الاجتماعية والاقتصادية للعلويين في عهد بشار الأسد158–164▼ résumé

يستعرض هذا الفصل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي عاشها العلويون في سوريا خلال عهد بشار الأسد، مركزاً على حالة الخوف والقلق التي سادت المجتمع العلوي نتيجة السياسات الإقليمية والداخلية للنظام. يقدم الفصل إجابة واضحة مفادها أن تصرفات النظام الطائشة، خاصة في لبنان والعراق، وضعت المجتمع العلوي في موقف ضعف شديد، حيث أصبح العلويون يشعرون بأن مستقبلهم وأمنهم مرهون ببقاء النظام، بينما كانت السياسات نفسها تهدد بإسقاطه.

يسير الفصل عبر تسلسل زمني للأحداث، بدءاً من أعمال الشغب الكردية في 2004 التي أظهرت، بحسب المؤلف، الغضب المتراكم لدى الأقليات المهمشة مثل الأكراد، وهو ما اعتبره إنذاراً مبكراً للعلويين. يشير الفصل إلى أن السنة العرب عانوا من تهميش سياسي دام 34 عاماً بحلول ذلك الوقت، وزادت حدة إحباطهم بسبب تدمير حماة عام 1982، مما خلق بيئة خصبة للانفجار.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى السياسة الخارجية للنظام في لبنان، حيث يصف كيف أن عدم تعاون النظام مع الولايات المتحدة في العراق، وسلوك مسؤولي الأمن السوريين مثل العميد رستم غزالة في لبنان، أدى إلى توتر دولي. يسلط الضوء على حدث حاسم وهو طلب بشار الأسد تمديد ولاية الرئيس اللبناني إميل لحود، وهو تدخل غير مسبوق. عندما عارض رئيس الوزراء رفيق الحريري ذلك، هدده الأسد في لقاء دمشق في 26 أغسطس 2004، قائلاً إنه سيكسر لبنان فوق رأسه. بعد تسعة أيام، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1559، الذي طالب بانسحاب القوات السورية من لبنان، مما شكل ضربة قوية للنظام.

يصف الفصل اغتيال رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 باعتباره نقطة تحول. يذكر أن التحقيقات خلصت إلى أن عملية معقدة كهذه لم تكن لتتم دون علم أجهزة المخابرات السورية واللبنانية. أثار الاغتيال موجة من الغضب الشعبي في لبنان، وطالب تحالف 14 آذار بإنهاء الهيمنة السورية. في محاولة يائسة لتعكير صفو هذا التحالف، يشير الفصل إلى تفجيرات استهدفت مناطق مسيحية مثل نهر الجديدة في 19 مارس 2005 وكسليك في 23 مارس 2005، لكن التحالف ظل صامداً بفضل دور زعيم الدروز وليد جنبلاط، الذي كان تقلبه ضد الأسد علامة على ضعف النظام.

نتيجة الضغوط، انسحبت القوات السورية من لبنان في 26 أبريل 2005 بعد احتلال دام 29 عاماً. يصف المؤلف هذا الانسحاب بأنه خسارة استراتيجية واقتصادية كبرى. كما يوضح أن اغتيال الحريري أدخل النظام في مواجهة مع نظام العدالة الدولي الناشئ، حيث أصدر مجلس الأمن القرار 1595 في 7 أبريل 2005 لتشكيل لجنة التحقيق الدولية المستقلة (UNIIIC) برئاسة القاضي الألماني ديتليف ميليس.

بالتوازي مع هذه التطورات، يصور الفصل حالة القلق المتصاعدة بين العلويين. يذكر اندلاع اشتباكات طائفية بين علويين وإسماعيليين في قدموس، وشائعات عن مظاهرات في اللاذقية، مما يعكس استياءً علوياً عاماً. ينقل عن شاب علوي من عائلة مرشدي قوله للصحفي أنتوني شديد في أكتوبر 2005: "إنهم [العلويون] قلقون على النظام والاتهامات الموجهة إليه... ماذا سيفعلون إذا انهار النظام؟". ويضيف علوي آخر أنه في حالة الانهيار، سيعود الناس إلى قراهم بحثاً عن حماية أبناء طائفتهم، مما يشير إلى تراجع الهوية الوطنية أمام الخوف الطائفي.

يبين الفصل كيف ظل بشار الأسد منشغلاً بالتحقيق الدولي. يخبرنا أن الملك عبد الله الثاني أفاد بعد محادثات في أبريل 2008 بأن أكثر ما يقلق الأسد هو مصير التحقيق وما إذا كانت حصانة رؤساء الدول سارية. ولعرقلة التحقيق، يشير الفصل إلى احتمال تورط النظام في إشعال القتال في مخيم نهر البارد في مايو 2007 بين فتح الإسلام والجيش اللبناني، كوسيلة لإظهار عواقب إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان (STL). ينقل المؤلف تحذير الأسد للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في 24 أبريل 2007 من أن إنشاء المحكمة قد يشعل حرباً أهلية بين السنة والشيعة من المتوسط إلى بحر قزوين، وهي الفكرة التي تبنّاها لاحقاً رجل الدين العلوي الشيخ علي يرال في 2011.

على الرغم من هذه المحاولات، تأسست المحكمة الخاصة بلبنان في 30 مايو 2007، وتم إضفاء الطابع الرسمي عليها في مارس 2008 في لاهاي. يذكر الفصل أن مصير بعض الشهود الرئيسيين، مثل محمد زهير الصديق الذي اختفى في باريس وزياد واصف رمضان الذي سجن في سوريا، ظل غامضاً، مما أثار الشكوك حول تورط النظام. لكن بحلول نوفمبر 2010، بدا أن النظام قد تمكن من تجنب التوجيه المباشر، وركزت التحقيقات بدلاً من ذلك على عناصر من حزب الله.

يختتم الفصل بمناقشة كيف أن الضعف الظاهري للنظام بعد أحداث 2005 أعطى دفعة للإخوان المسلمين في سوريا. يذكر أن زعيمهم الدكتور حسن هويدي طالب من الأردن، في اليوم التالي لقرار الانسحاب من لبنان، بإجراء انتخابات ديمقراطية ووضع دستور جديد، مما شكل تهديداً سياسياً جديداً للنظام. يمكن القول إن الفصل يطرح حجة قابلة للنقاش مفادها أن سياسات بشار الأسد ومساعديه، مثل آصف شوكت، لم تكن مجرد أخطاء تكتيكية، بل كانت سياسات كشفت عن تناقض جوهري: الحفاظ على النظام العلوي عبر تدمير الاستقرار الإقليمي، وهو ما جعل العلويين أنفسهم أكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى.

14.الانتفاضة السورية194–202▼ résumé

يُحلل هذا الفصل العوامل التي سبقت اندلاع الانتفاضة السورية في عام 2011، مركزاً على الضغوط المتراكمة التي واجهتها سوريا في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. يقدم المؤلف حجة مفادها أن هذه الضغوط المتنوعة، والتي تتراوح بين الاقتصادية والسياسية والبيئية والدينية، خلقت معاً بيئة قابلة للانفجار، وأن فشل نظام بشار الأسد في معالجتها أدى إلى تقويض "العقد الاجتماعي" بين النظام والمجتمع السوري، ومهّد الطريق للانتفاضة.

يسير الفصل بخطى منهجية، فيقسم هذه الضغوط إلى أربع فئات رئيسية ويناقش كل واحدة منها بالتفصيل. يبدأ الفصل بالضغوط الاقتصادية، مستشهداً بتصريح عبد الحليم خدام في أيلول 2009 الذي وصف فيه اختفاء الطبقة الوسطى وظهور طبقتين فقط: أغلبية فقيرة جداً، وأقلية صغيرة من حوالي 500 شخص يسيطرون على كل الثروة. يذكر الفصل أرقاماً دالة على الأزمة، كنسبة البطالة التي كانت تتراوح رسمياً بين 12% وواقعياً بين 20-25%، ومعدل تضخم بلغ 17% في 2009، واحتياج سوق العمل لـ 400,000 فرصة عمل سنوياً لاستيعاب الشباب. ويشير إلى أن انخفاض إنتاج النفط من 548,000 برميل يومياً في 2000 إلى 380,000 في 2009، إلى جانب العقوبات الأمريكية والأزمة المالية العالمية، فاقم الوضع. ويأخذ الفصل مثالاً على سوء الإدارة قرار النظام بإعادة فتح الحدود أمام مقاتلي القاعدة في العراق مقابل خط أنابيب نفط، وهو القرار الذي أضاع فرصة اقتصادية كبيرة وأدى إلى تجديد العقوبات الأمريكية في 8 أيار 2009. كما يوضح أن التحرير الاقتصادي الجزئي أفاد المقربين من النظام مثل رامي مخلوف، وزاد من الفجوة بين الأغنياء والفقراء، مما أثار غضب القاعدة الجماهيرية التقليدية لحزب البعث من الفلاحين والعمال والموظفين، والتي تضم عدداً كبيراً من العلويين.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى الضغوط السياسية، موضحاً أن "العقد الاجتماعي" الذي وعد بالأمن الاقتصادي مقابل التنازل عن الحريات السياسية قد انهار. تحت حكم بشار الأسد، زاد القمع السياسي بدلاً من أن يتراجع، مع بقاء السجون ممتلئة بالمعتقلين السياسيين واستمرار التعذيب. ويذكر الفصل حادثة إخماد تمردين في سجن صيدنايا في تموز وكانون الأول 2008، والتي راح ضحيتها العشرات ودفنوا سراً. ويخلص إلى أن استمرار القمع في غياب الأمن الاقتصادي دفع السوريين نحو اليأس والاستياء.

أما البعد البيئي، فيركز الفصل على الجفاف الشديد الذي ضرب سوريا من صيف 2006 واستمر لأربعة مواسم، وبلغ ذروته في 2007-2008. دفع هذا الجفاف ما بين 2-3 ملايين شخص إلى الفقر المدقع، وحول سوريا من مصدرة إلى مستوردة للقمح، وأجبر عشرات الآلاف من سكان الريف على النزوح إلى المدن، مثل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي ومنطقة درعا والسويداء في الجنوب. يُظهر الفصل أن العلويين في ريف شمال غرب سوريا لم يكونوا بمنأى عن هذه الكارثة، إذ تأثرت محاصيل التبغ في منطقة اللاذقية، واضطر بعضهم إلى قطع أشجار البلوط بشكل غير قانوني لبيع الفحم، مما هدد الغطاء الحرجي في جبل الساحلية الذي كان للعلويين فيه قيمة روحية عميقة، مما يدل على شدة المحنة الاقتصادية.

أخيراً، يتناول الفصل الضغوط الدينية المتنامية، من خلال حديثه عن التوترات الكامنة. يورد الفصل تحذير عبد الحليم خدام من أن استمرار النظام على حاله سيؤدي إلى نمو التطرف الديني. ويستخدم المؤلف حادثتين شخصيتين في آذار 2011 لتوضيح هذه التوترات: الأولى عندما طردهم حارس علوي من شاطئ خاص بالنظام بينما كانت فنادق رجال النظام قريبة، مما ربط بين العلويين والسلطة في أذهان السوريين السنة. والثانية مشادة كلامية حول الهوية الإسلامية لعلوي مع سائق تاكسي سني. يخلص الفصل إلى أن هذه الحوادث تكشف عن "صندوق بارود" تحت سطح المجتمع السوري، حيث يُنظر إلى العلويين على أنهم جزء من النظام القمعي، وفي نفس الوقت لا يعتبرهم السنة السوريون "مسلمين حقيقيين"، مما يضع مستقبلهم وأمنهم على المحك.

في ختام الفصل، يقر المؤلف ضمناً بفجوة هائلة بين تصور النظام للواقع، متمثلة في تصريح رئيس الوزراء ناجي العطري بأن سوريا نجحت في تخفيف آثار الأزمة، وبين الكارحة الاجتماعية التي يعيشها المواطنون، والتي تجسدها محاولة النظام فرض قوانين كحظر التدخين في الأماكن العامة في كانون الأول 2009 بينما يعاني الناس من البطالة والفقر. الحجة القابلة للنقاش في الفصل هي أن هذه الضغوط المتراكمة لم تكن مجرد مشاكل ظرفية، بل كانت تعبيراً عن فشل منهجي في الحكم، وأن قرارات النظام، التي فضلت الأمن السياسي الضيق على الرفاه الاقتصادي والاجتماعي، هي التي خلقت الظروف المواتية للانتفاضة، وليس أي مؤامرة خارجية كما قد يدّعي النظام.

15.الخاتمة203–211▼ résumé

يُشكّل هذا الفصل خاتمة كتاب "دورة الخوف: علويو سوريا" للمؤلف ليون غولدسميث، ويُحلّل التحديات المعقّدة التي واجهها المجتمع العلوي في سوريا عشية الانتفاضة السورية في عام 2011. يتمحور الموضوع المحوري حول المعضلة التاريخية للعلويين: البقاء متمسكين بنظام آل الأسد الذي يوفّر لهم حماية أمنية هشة مقابل ولائهم، أو المجازفة بترك هذا النظام سعياً نحو اندماج حقيقي ومستدام في المجتمع السوري، وهو المسار الذي يرى المؤلف أنه السبيل الوحيد لأمنهم الطويل الأمد.

يسير الفصل خطوة بخطوة ليشرح كيف بنى النظام السوري، بقيادة بشار الأسد، ولاء العلويين من خلال استغلال مخاوفهم التاريخية. يُظهر الكيفية التي استُخدم بها الشعار الأمني والترويج للفوضى الطائفية في العراق كأدوات إقناع فعّالة للحفاظ على "العصبية" العلوية. في الوقت نفسه، يفضح الفصل مفارقة خطيرة: إذ قدّم النظام نفسه كحامٍ للعلويين من صعود الإسلام السياسي السني، بينما كان هو نفسه يُغذّي هذا الصعود عبر سياساته الداخلية والخارجية. يذكر الكاتب أن تخفيف التزمّت العلماني، وهو ركيزة أساسية لأمن العلويين، تجلّى بموافقة الحكومة على إنشاء أول مصرف إسلامي في سوريا عام 2007، نتيجة تحالفات سوريا الجديدة مع دول إسلامية والحاجة لاستثمارات خليجية.

يُناقش الفصل الأدلة على توتّر العلاقة بين النظام والتيّارات الإسلامية المتطرّفة. يُشير الكاتب إلى حادثة مقتل الواعظ الجهادي أبو القعقاع في حلب في 28 سبتمبر 2007، ويقدّم تفسيرين محتملين: إمّا أن النظام قتله لأن نفوذه أصبح كبيراً، أو أن متشدّدين قتلوه لتواطئه مع النظام "الهرطوقي". كلا التفسيرين يدلّان على ضعف سيطرة النظام. كما يُذكر أن جماعة "التوحيد والجهاد" بقيادة أبو جندل الدمشقي دعت لاغتيال بشار الأسد في مايو 2007، وأصدرت فتاوى تستند إلى ابن تيمية تدعو لـ "الإبادة الجسدية" للعلويين. هذا الخطر المتزايد عزّز شعور العلويين بعدم الأمان، لكنه في الوقت نفسه جعلهم أكثر تمسّكاً بالنظام.

على الجانب الآخر، يُقدّم الفصل مؤشرات على اندماج اجتماعي تدريجي بين العلويين والسنة، خاصة بين الأجيال الشابة. ويُسلّط الضوء على دور ثورة الاتصالات التي شهدتها سوريا قبل 2011 كعامل حاسم. فبينما كان الإنترنت متاحاً لأقل من 1% من السوريين عام 2000، ارتفعت النسبة إلى 21% بحلول عام 2010. سهّلت هذه التقنيات، كالهواتف الخلوية والإنترنت، حواراً سياسياً عابراً للطوائف، وهو ما اعتبره النظام تهديداً. يضرب الكاتب مثلاً بإدانة سبعة طلاب سوريين بالسجن في يونيو 2007 بسبب نقاشات سياسية على الإنترنت؛ وقد لاحظ ضابط المخابرات أن "هؤلاء الشباب أخطر من القاعدة، لأنهم من جميع الطوائف"، مما يُظهر كيف كان التنسيق العابر للطوائف يشكّل خطراً وجودياً على النظام.

يختتم الفصل بتحليل لحظة الانتفاضة السورية في 15 مارس 2011، ويُجادل بأنها كانت في جوهرها "حركة اجتماعية عفوية" تفتقر إلى قيادة محددة أو هدف طائفي، بل كانت تعبيراً عن رفض الخوف ورغبة في التغيير. يستشهد الكاتب بصوت متظاهر من مدينة بانياس في سبتمبر 2011، الذي نفى الطابع الطائفي للثورة قائلاً: "نحن جميعاً إخوة... نريد أن نصنع سوريا حقيقية، حرة". هذا المشهد المدني الجامع، برأي المؤلف، مثّل فرصة تاريخية للعلويين للتخلّص من "عصبيتهم" الطائفية وتحقيق اندماج حقيقي في دولة المواطنة. لكنه يُقرّ في الوقت نفسه بأنّ تماسك "العصبية" العلوية، القائم على الخوف، قد يدفعهم للبقاء إلى جانب النظام حتى النهاية، مما قد يؤدي لعواقب وخيمة على العلاقات المجتمعية.

في تحليل نقدي للحجج الواردة في النص، يبدو أن الكاتب يتبنّى نظرة تفاؤلية نوعاً ما للانتفاضة، واصفاً إيّاها بأنها حركة مدنية في جوهرها، وهو أمر أصبح موضع نقاش كبير في ضوء التطوّرات اللاحقة. كما أن فكرة أن "أفضل فرصة لأمن العلويين هي التخلّي عن آل الأسد" تبقى فرضية صعبة الإثبات في سياق الحرب الأهلية الدامية التي تلت، حيث أصبح الخوف من الانهيار أو الانتقام عاملاً أقوى من أيّ رغبة في الاندماج. يُطرح السؤال: هل استطاعت النخب العلوية، وحتى الشارع العلوي، رؤية هذا "الخيار التاريخي" على أرض الواقع، أم أن آليات الخوف البنيوية التي وصفها الكاتب طوال الكتاب جعلت من هذا الخيار مستحيلاً؟ يظل هذا السؤال مفتوحاً، لكن الكاتب يقدّم إطاراً فكرياً لفهم المأساة من منظور مجتمعي تاريخي، لا مجرد تحليل سياسي آني.