Almawred
عربي

المسألة-الكردية-في-ضوء-تحول-اتجاهات-النخب-والأحزاب-الكردية-السورية

1 janvier 2016arالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

المسألة الكردية في سورية ليست وليدة اللحظة، بل هي تراكم تاريخي تحول مع الثورة السورية عام 2011 إلى بؤرة استقطاب حادة بين النظام والمعارضة، وإلى اختبار حقيقي لوحدة البلاد. يقدم شمس الدين الكيلاني في دراسته الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في أغسطس/آب 2016، تحليلاً تاريخياً-اجتماعياً نقدياً لتطور هذه المسألة، مركزاً على تحول اتجاهات النخب والأحزاب الكردية السورية. جوهر الأطروحة التي يدافع عنها الكتاب هي أن الثورة السورية فتحت نافذة أمل لحل عادل للمسألة الكردية ضمن إطار وطني ديمقراطي موحد، لكنها في الوقت نفسه أطلقت العنان لتيارات قومية كردية متطرفة استغلت ضعف الدولة وتجاذبات القوى الإقليمية والدولية لفرض رؤى انفصالية أو فيدرالية، مما أخرج القضية الكردية من سياقها الوطني السوري وربطها بأجندات خارجية، وعلى رأسها أجندة حزب العمال الكردستاني.

يسير الكتاب في بناء حجته وفق تسلسل زمني منطقي، يبدأ من جذور المسألة الكردية في مرحلة الانتداب الفرنسي. يوضح الكاتب أن الهجرة الكردية الكثيفة من تركيا، نتيجة الاضطهاد، شكلت الجماعة الكردية في الجزيرة السورية. ويميز بين قسمين من الأكراد: قسم اندمج وتعرب بالكامل مثل أكراد جبل الأكراد وحارة الأكراد بدمشق، وقسم آخر حافظ على هويته القومية وتركز في منطقة الجزيرة. كان الوعي القومي المنظم محمولاً من خارج الحدود، وتحديداً من تركيا والعراق، عبر جمعية "خويبون" التي تأسست في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1927، والتي كانت أول حركة قومية كردية في المنفى. ومن اللافت أن خرائط "خويبون" لكردستان كانت في البداية تخلو من المناطق التي يسكنها أكراد سورية (الجزيرة، عفرين، عين العرب)، مما يكشف عن علاقة ملتبسة بين القومية الكردية والواقع السوري.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى العهد الوطني الليبرالي (1946-1963)، حيث برزت الجمعيات الثقافية الكردية مثل الجمعية السرية في حلب عام 1951، وجمعية الشبيبة الديمقراطيين الكرد في القامشلي. بلغت هذه النشاطات ذروتها بتأسيس "الحزب الديمقراطي الكردستاني" في سورية (البارتي) عام 1956، وهو الحزب المرجعي الذي تعود إليه معظم الأحزاب الكردية لاحقاً. يسلط الكتاب الضوء على انقسام مبكر داخل البارتي بين تيار معتدل بقيادة نوري ظاظا يركز على الحقوق الثقافية داخل سورية، وتيار متشدد بقيادة عثمان صبري يهدف إلى "تحرير كافة أجزاء كردستان"، مما طرح إشكالية جوهرية: هل الأكراد في سورية جزء من الأمة الكردية أم أقلية قومية في وطن سوري؟

مع انفراد حزب البعث بالسلطة (1963-1970)، تعمق هذا الانقسام. دعمت سورية النظام العراقي في حربه على الملا مصطفى البارزاني، مما وضع البارتي السوري في مأزق. تبلور تياران بوضوح: تيار يميني بقيادة عبد الحميد درويش ركز على حقوق الشعب الكردي السوري، وتيار يساري بقيادة عثمان صبري تبنى خطاباً قومياً أكثر تشدداً وربط النضال القومي بالطبقي. في مؤتمر آذار/مارس 1964، تراجع التيار اليساري خطوة إلى الوراء شكلياً بتغيير اسم الحزب من "الديمقراطي الكردستاني" إلى "الديمقراطي الكردي" وسحب شعار تحرير كردستان، لكنه أبقى على المضمون القومي المتصلب. أدى هذا إلى انشقاق دائم داخل البارتي، وتشعب لاحق إلى نحو 20 حزباً، تشترك في فلسفة سياسية واحدة هي "الديمقراطية والمساواة والحقوق الثقافية"، ولكنها ظلت أسيرة انقساماتها وتأثيرات الأحزاب الكردية في العراق (البارزاني والطالباني).

في مرحلة حافظ الأسد (1970-2000)، تعرضت الأحزاب الكردية لتراجع وتفكك. مال معظمها إلى حذف كلمة "كردستان" من أسمائها واعتماد "سورية" تماشياً مع سياسة النظام، الذي لم يعترف بها لكنه أتاح لزعمائها المشاركة في انتخابات مجلس الشعب. لكن التحول الأبرز كان تحالف حافظ الأسد مع عبد الله أوجلان وحزب العمال الكردستاني (PKK) منذ عام 1980 وحتى اتفاقية أضنة عام 1998. هذه المرحلة شكلت نقطة تحول دراماتيكية. يورد الكتاب شهادات خطيرة، منها أن حوالي 7 آلاف كردي سوري جندهم الحزب بقي مصيرهم مجهولاً. والأخطر أن أوجلان تبنى السياسة الرسمية السورية القائلة "بعدم وجود أكراد سوريين، وأنهم مجرد لاجئين من تركيا"، مما وفر غطاءً للنظام لحرمانهم من حقوقهم الوطنية مقابل استخدامهم كأداة ضد تركيا. هذا التوافق بين النظام والأوجلانية، على حساب الأحزاب الكردية التقليدية، خلق حالة من الاستقطاب داخل المجتمع الكردي وزرع بذور التمييز لاحقاً.

مع صعود بشار الأسد (2000-2011)، شارك ناشطون أكراد في حراك "ربيع دمشق"، وأظهروا قدرة على العمل الوطني المشترك. لكن الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وتشكيل إقليم كردستان الفيدرالي، أعاد توجيه أنظارهم نحو الشمال العراقي. كانت انتفاضة 12 آذار/مارس 2004 في القامشلي نقطة فارقة، حيث استخلصت الأحزاب القومية الكردية درساً مفاده أن "المسألة الكردية جزء من القضية الديمقراطية السورية"، مما مهد لانضمامهم إلى "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" عام 2005، بنص توافقي يركز على المواطنة والحقوق المتساوية وحل القضية الكردية في إطار وحدة سورية.

مع اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، انفجرت التناقضات الكامنة. يوضح الكتاب أن الثورة أحدثت زلزالاً في التوافق حول إعلان دمشق. سعت الأحزاب الكردية لاستثمار التنافس بين النظام والمعارضة لرفع سقف مطالبها من الحقوق الثقافية إلى مفهومي "تقرير المصير" و"اللامركزية السياسية"، وهما مفهوما ينظر إليهما الكاتب كمقدمة ضمنية للفيدرالية أو الانفصال. في هذا السياق، حسم حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، أمره بالوقوف إلى جانب النظام. يصف الكتاب بالتفصيل كيف تعاون الحزب مع النظام لمحاربة الاحتجاجات الديمقراطية، مقابل أن يسلمه النظام إدارة الشأن المدني في الجزيرة السورية. شرع الحزب في تشكيل "مجلس غرب كردستان"، وهو مفهوم ينضح بالنزعة الانفصالية، وأجرى انتخابات عشوائية لمجلس شعبه، وشكل "وحدات الحماية الشعبية" المسلحة.

في المقابل، بقيت الأحزاب الكردية التقليدية (المجلس الوطني الكردي) مترددة وموزعة الولاء بين البارزاني والطالباني. سجل الكتاب حالات انسحاب متكررة للمعارضة الكردية من مؤتمرات المعارضة السورية (أنطاكية حزيران/يونيو 2011، مؤتمر الإنقاذ آب/أغسطس 2011، مؤتمر إسطنبول تشرين الأول/أكتوبر 2011) بحجة رفض اسم "الجمهورية العربية السورية" وعدم الأخذ بمطالبهم. برعاية من رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، عُقد مؤتمر أربيل الأول (كانون الثاني/يناير 2012) الذي أثمر "الهيئة الكردية العليا"، ثم مؤتمر ثانٍ في تموز/يوليو 2012. تطورت المطالب بسرعة وصولاً إلى إعلان "الإدارة الذاتية" في شمال سورية في تشرين الثاني/نوفمبر 2013، بتقسيم المناطق إلى ثلاث "كانتونات" (الجزيرة، كوباني، عفرين). برز في الخطاب الكردي مصطلح "روج آفا" (غرب كردستان) وتم إزالة أسماء عربية عن مدن وقرى بأكملها. بلغت المطالب ذروتها ببعض الدعوات القومية إلى "تأسيس نظام فيدرالي يضمن حق تقرير المصير وصولاً إلى تشكيل حكومة على غرار كردستان العراق"، ورسم خرائط لـ"كردستان سوريا" تربط المناطق الكردية الثلاث (الجزيرة، كوباني، عفرين) وتمتد من أقصى الشمال الشرقي إلى لواء إسكندرون، متجاهلة الاختلاط السكاني مع العرب والتركمان والسريان.

في مقابل هذه المطالب، حاولت المعارضة السورية ملاقاة القوميين الأكراد في منتصف الطريق. يذكر الكتاب أن "العهد الوطني لسورية المستقبل" (آذار/مارس 2012) نص على "الوحدة في التنوع" والاعتراف بوجود القومية الكردية وحقوقها القومية المشروعة ضمن إطار وحدة الوطن السوري، إلى جانب اعتراف مماثل للقوميتين السريانية والتركمانية. لكن هذا التوجه قوبل بالتشكيك والسخرية من قبل القوميين الأكراد، الذين رأوا فيه عدم كفاية في مواجهة أطماحهم المتصاعدة. يقر الكتاب بموقف المعارضة العاجز عن الاستجابة لمطالب "تقرير المصير" و"روج آفا"، لأن هذه المفاهيم، بحسب الكاتب، تُستخدم تجاه أرض مستقرة جغرافياً لا ينازعها عليها أحد أو يشاركها فيها أحد، وهو ما لا ينطبق على مناطق الأكراد في سورية المختلطة سكانياً.

في خاتمة الدراسة، يقرّ المؤلف بوجود تحفظات وأسئلة مفتوحة. فهو يشير إلى أن تاريخ الحركة الكردية السورية كان سلمياً في الغالب وخالياً من الصدامات الدامية، مما يتيح فرصة للحل عبر الحوار. لكنه يعترف بأن العثرة الكأداء هي النظام السوري نفسه، إلى جانب تصاعد دور العوامل الخارجية: روسيا وإيران الداعمتان للنظام ومشروع الفيدرالية، والدور الأميركي الذي يتخذ الأكراد حلفاء في الحرب على تنظيم الدولة ويُكافؤهم على ذلك. هذا التداخل الخارجي يجعل حل المسألة الكردية السورية رهناً لتسويات إقليمية ودولية تتجاوز إرادة السوريين أنفسهم.

بناءً على المادة المقدمة، يمكن ملاحظة أن الكتاب يقدم حججاً قابلة للنقاش بوضوح. فهو يعتمد على تعريف ضمني للانتماء الوطني السوري كإطار جامع غير قابل للمساومة، وينظر إلى المطالب القومية المتصاعدة (خاصة "تقرير المصير" وروج آفا) باعتبارها انزياحاً خطيراً عن النضال الديمقراطي المشترك نحو مشاريع انفصالية مدفوعة من الخارج. في المقابل، يبدو أن المؤلف يقدّر الجهود الأولية للمعارضة (مثل إعلان دمشق والعهد الوطني) ويحملها الحد الأدنى من المسؤولية التاريخية، مقراً في الوقت نفسه بعجزها عن إقناع الأكراد بجديتها. ربما تكمن قابلية النقاش في السؤال الجوهري: هل كانت المطالب الكردية "الطامحة الجديدة" رد فعل مبالغاً فيه على إخفاقات الدولة والمعارضة معاً أم أنها كانت أجندة مبيتة استغلت ضعف الثورة لفرض مشروعها الخاص؟ خلاصة الكتاب تميل إلى الرأي الثاني، مع الإشارة مع ذلك إلى وجود مبادرات مدنية عربية-كردية (مثل مبادرة "جيجاك: نحن أخوة") تؤكد إمكانية حل المسألة الكردية السورية في إطار وطني سوري محض، قائم على المواطنة الديمقراطية التي تشمل الحقوق الثقافية الجماعية، وهو الخيار الذي يراه المؤلف الطريق الوحيد لإغلاق ملف هذه القضية العادلة دون تمزيق البلاد.