الناس والمدينة في العصر العثماني - دمشق في القرن الثامن عشر ميلادي
الكتاب الذي بين أيدينا، "الناس والمدينة في العصر العثماني - دمشق في القرن الثامن عشر ميلادي"، هو دراسة أكاديمية متعمقة للباحث مُهند مبيضين، تتناول تاريخ مدينة دمشق الاجتماعي خلال فترة حكم ولاة آل العظم في القرن الثامن عشر الميلادي. الموضوع المحوري للكتاب هو تحليل المجتمع الدمشقي في هذه الفترة، من خلال تفكيك بنيته السكانية وطبقاته الاجتماعية، وتتبع مظاهر الحياة اليومية، والأخلاق العامة، والأمن، وعلاقة الناس بالسلطة الحاكمة. الموقف الذي يدافع عنه المؤلف بوضوح هو أن المجتمع الدمشقي لم يكن مجرد كتلة ساكنة، بل كان نسيجاً حيوياً قابلاً للتغير والتكيف، كما أنه لم يكن منقسماً إلى طبقات جامدة، بل كانت العلاقات الاجتماعية متداخلة وقابلة للعبور، وأن المؤرخين المحليين، مثل البديري الحلاق وابن كنان الصالحي، نقلوا صورة عن المعاناة اليومية للناس وألقوا بمسؤولية الفساد وانعدام الأمن على عاتق السلطة الحاكمة وليس فقط على الأقدار.
يسير الكتاب في حجته وفق بناء منطقي ومتسلسل، ينطلق من دراسة البنية التحتية للمدينة ثم ينتقل إلى إنسانها. يبدأ الفصل الأول بمعالجة النمو السكاني في دمشق، مستعرضاً العوامل التي أدت إلى زيادة عدد السكان والتي تتمثل في عاملين رئيسيين: الأول هو ازدهار حركة التجارة، والثاني هو استقرار أمن قافلة الحج الشامي. يشير الكتاب إلى أن هذه العوامل، بالإضافة إلى تغير بنية المؤسسة العسكرية حيث أصبح الجنود المحليون (اليَريّة) جزءاً من النسيج الاجتماعي، أدت إلى تدفق جماعات بشرية جديدة واستقرارها في المدينة. ينتقل الفصل الثاني لتحليل الفئات الاجتماعية وتبلورها، فيناقش المفردات الدالة على التمايز الاجتماعي مثل "أصحاب المقامات الكبيرة" و**"الوجهاء"** و**"العامة"**، ولكنه يبين في الوقت نفسه أن هذه الفئات لم تكن حواجز صلبة، إذ كان الانتقال بينها ممكناً، مثلما حدث مع مفتي دمشق إسماعيل بن رجب الحائك الذي انتقل من أسرة فقيرة إلى مصاف الأعيان. الفصل الثالث يغوص في الحياة اليومية والفضاء العام، واصفاً الأحياء والأسواق ودورها كنقطة التقاء للفعل الاجتماعي والاقتصادي، ويورد أمثلة صارخة عن تفشي الفساد و"الزعران" و"بنات الهوى". وأخيراً، يختتم الفصل الرابع بمناقشة مسؤولية السلطة، حيث يقرر المؤلف أن المصادر التاريخية اليومية لا تترك مجالاً للشك في تحميل الولاة مسؤولية تفاقم الفساد والغلاء، مقدمين صورة لولاة يخزنون السلع ويتغاضون عن الفساد، بدلاً من أن يكونوا حراساً للنظام العام. المنطق الذي يربط هذه الفصول هو الانتقال من "إطار" المدينة المادي والسكاني إلى "محتوياتها" البشرية وطبقاتها، ثم إلى "حركتها" اليومية وأخلاقها، وأخيراً إلى "المحرك" الرئيسي (السلطة) الذي كان له تأثير حاسم في استقرار المجتمع أو ترديه.
ما يجعل هذا الكتاب غنياً وقوياً هو اعتماده على ثروة من الأرقام والشهادات التي يستحيل نسيانها، مستخرجة من الملخصات المقدمة. من هذه الوقائع، تقديرات عدد السكان التي تتراوح بين أقل من مئتي ألف نسمة كما يذكر الرحالة براون في أواخر القرن الثامن عشر، ومئة ألف نسمة يذكرها بكنغهام في القرن التاسع عشر، موزعين بين 75 ألف مسلم و10 آلاف مسيحي و10 آلاف يهودي و4 آلاف تركي. ويشير الكتاب إلى صعوبة التقدير بسبب "إهمال الموظفين" و "عدم إعطاء الدمشقيين المعلومات الصحيحة". ومن الشهادات اللافتة في الملخصات، قصة "المفتي إسماعيل بن رجب الحائك" الذي "انحدر من أسرة فقيرة في دمشق... فرغم فقره وقلة حيلته، تدرج في المواقع العلمية والوظائف الدينية وأصبح مفتياً لدمشق"، وهو مثال صارخ على تخطي الحدود الاجتماعية. كما تروي اليوميات الدمشقية حكايات مذهلة عن الفساد، كقصة امرأة من "بنات الخطأ" هاجمت قاضي الشام بسكين، أو قصة تظاهر "بنات الهوى" في الأسواق وهن يحملن الشموع والقناديل، و"ما من ناكر لهذا المنكر والصالحون يرفعون أصواتهم ويقولون الله أكبر". ومن الصور المؤلمة عن انعدام الأمن، التعرض "لأسوأ عملية اعتداء" من عسكر الباشا الجديد الذي "أمر بالنهب والقتل... وشلحوا الحرم والبنات"، ويورد السجل الشرعي شكوى امرأة من زوجها الذي "غاب أكثر من تسعة أشهر وتركها بدون نفقة". لا تقتصر الشهادات على الفساد، بل تمتد لتصف الحياة الاقتصادية اليومية بدقة متناهية، كوصف وصول والي دمشق الجديد في سنة 1741م حيث كانت "الغرارة من القمح (تساوي) مئة وخمسين قرشاً. والرطل اللحم بزلطة. والسمن نصف الرطل بقرش... وبيضة الدجاجة بخمس قطع".
لم يغفل المؤلف الإشارة إلى حدود وتحفظات في دراسته. فالكتاب يقر صراحة بأن أي تقدير لعدد السكان يظل تخمينياً بسبب "غياب أي تعداد رسمي للسكان خلال فترة الدراسة"، وأن الأرقام التي يقدمها الرحالة هي مجرد تقديرات غير دقيقة. كما يقر بأن المصطلحات المستخدمة للتمييز بين الفئات الاجتماعية مثل "العامة" و**"الأكابر"** هي مصطلحات فضفاضة، وأن الحدود بين هذه الفئات كانت غير ثابتة، إذ أن الانتقال من مجموعة إلى أخرى كان "شائعاً في كثير من الأحيان". يترك الكتاب أيضاً أسئلة مفتوحة، مثل التساؤل حول "مدى إمكانية تجاوز حدود المماثلة في الانتماء إلى هذه الفئة أو تلك"، قبل أن يميل إلى الإجابة بأن المجاميع شكلت "تراكمات سلطوية منفصلة" ولكنها مندمجة ضمن مرجعيات قضائية متصلة.
اعتماداً على المادة المقدمة، يمكن الإشارة إلى حجتين رئيسيتين في الكتاب قابلة للنقاش. الأولى هي التركيز الشبه حصري على مسؤولية "السلطة السياسية" ممثلة بالولاة في فساد الأخلاق والغلاء، بينما تشير الروايات نفسها إلى مشاركة فئات أخرى مثل "الزعران" والجنود "القابي قول" في الفوضى. هل يمكن تفسير انهيار الأخلاق والأمن بغياب الوالي أثناء الحج فقط، أم أن هناك عوامل بنيوية أعمق في المجتمع نفسه؟ الحجة الثانية هي محاولة تقديم المجتمع الدمشقي ككيان متماسك يتلاحم "أمام الأحداث العامة" رغم التمايز الطبقي الواضح. هل هذه التضامنية الظرفية كانت بالفعل تعبيراً عن مجتمع متماسك، أم أنها كانت مجرد تحالف مؤقت ضد عدو مشترك (الوالي الجائر)، سرعان ما يعود بعده كل طرف إلى موقعه الطبقي؟ هذه الأسئلة، التي يثيرها الكتاب بشكل غير مباشر، تجعل منه مادة خصبة للنقاش الأكاديمي حول طبيعة المجتمع العربي العثماني.