الوضع العسكري في دمشق - صبر درويش
الكتاب الذي أعده الباحث صبر درويش، عضو مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، هو دراسة ميدانية وتحليلية معمقة للوضع العسكري في محيط العاصمة دمشق، وتحديداً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2012 و2014. الموضوع المحوري للكتاب هو تفسير "التراجع الدراماتيكي" لقوات المعارضة السورية في الجبهات المحيطة بدمشق، بعد أن كانت قد حققت تقدماً ميدانياً لافتاً في عام 2012 وأوائل 2013. يدافع المؤلف عن أطروحة مفادها أن هذا التراجع لم يكن نتيجة للتفوق العسكري لقوات النظام وحلفائه فقط، بل كان نتاجاً لتداخل معقد من العوامل العسكرية والسياسية والتنظيمية والأمنية داخل صفوف المعارضة ذاتها، بالإضافة إلى دور حاسم للجهات الممولة إقليمياً.
يسير الكتاب وفق منطق تراكمي، حيث يبدأ برسم خريطة عسكرية شاملة للجبهات الأربع الرئيسية المحيطة بدمشق (الجنوبية، الشرقية، القلمون، والغربية)، ناقلاً القارئ من مشهد السيطرة النسبية للمعارضة في منتصف 2012 إلى مشهد الانهيار والانسحاب التدريجي منذ ربيع 2013 وحتى نهاية 2014. بعد ذلك، ينتقل الكاتب إلى تحليل الأسباب الكامنة وراء هذه الخسائر، مصنفاً إياها في ثلاث فئات رئيسية: عوامل عسكرية، عوامل سياسية، وعوامل أمنية مرتبطة بالاختراقات. هذا التركيب المنطقي يسمح للقارئ بفهم "الكيفية" التي حدث بها التراجع قبل الغوص في "الأسباب" التي تفسره.
يبدأ الكتاب بوصف دقيق للحالة في الجبهة الجنوبية، حيث كانت المنطقة الممتدة من مخيم اليرموك إلى بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم تحت سيطرة المعارضة. يقدم المؤلف إحصائيات صارمة عن حجم الدمار والمعاناة، فيذكر أن نسبة الدمار في بعض المناطق تجاوزت %60 من المنازل السكنية. وفي مخيم اليرموك، يوثق المركز أكثر من 155 شهيداً سقطوا بسبب الجوع، و266 شاباً قتلوا تحت التعذيب في معتقلات النظام، مع تضرر 9 مساجد و13 مدرسة و3 مشافٍ. وبحلول الربع الأول من 2014، لم يبق خارج سيطرة قوات النظام سوى أجزاء محدودة من هذه المنطقة، التي تخضع لحصار خانق.
أما في الجبهة الشرقية (الغوطة الشرقية)، التي كانت معقلاً لتشكيلات المعارضة الكبرى مثل جيش الإسلام بقيادة زهران علوش، فيسرد الكتاب تفاصيل التحول من ذروة التقدم في آذار 2013 عندما اقتربت المعارضة من قلب دمشق عبر حي جوبر، إلى سلسلة من الهزائم المتتالية. يذكر الكاتب خسارة بلدة العتيبة في آذار 2013، ثم خسارة المليحة بعد 135 يوماً من الصمود، والانسحاب من عدرا شمالاً، وخسارة جبهة الدخانية. ويصف صمود حي جوبر بالاستثنائي والأسطوري رغم استخدام قوات النظام لأسلحة روسية فتاكة، لكنه يترك مستقبل الجبهتين الأخيرتين (جوبر وعين ترما) مفتوحاً على احتمالات قاتمة، مشيراً إلى أن سقوطهما يعني سيطرة النظام على كامل المتحلق الجنوبي وتأمين تخوم العاصمة.
في جبهة القلمون، يوثق الكتاب انهياراً سريعاً لقوات المعارضة بعد معركة القصير في حزيران 2013، حيث شنت قوات النظام وميلشيا حزب الله اللبناني هجوماً مكثفاً. تمكنت قوات الأسد من استعادة بلدات قارة و دير عطية و النبك، وصولاً إلى سقوط مدينة يبرود في منتصف آذار 2014. ويؤكد المؤلف أن خسارة القلمون كانت كارثة استراتيجية، حيث خسرت المعارضة بذلك منفذين حيويين: الأول على الحدود اللبنانية لتهريب السلاح، والثاني وهو البوابة الشمالية الوحيدة على الغوطة الشرقية، مما أحكم الحصار عليها من الشمال.
أما الجبهة الغربية، فتبرز فيها مدينتا الزبداني وداريا. صمدت الزبداني بوجه هجمات عنيفة أدت إلى تدميرها شبه الكامل، لكنها اضطرت لقبول هدنة أتاحت للنظام إحكام السيطرة على طرق إمدادها. وتقدم داريا نموذجاً فريداً في قدرة الثوار على الدفاع، لكنها تراجعت بعد نحو عامين من الحصار والقصف إلى أجزاء محدودة من بساتينها، بعد أن قدمت "أهم التجارب" في الدفاع الحضري.
بعد هذه الجولة الميدانية، ينتقل الكتاب إلى التحليل الجوهري: لماذا حدث هذا التراجع؟ يجيب المؤلف عبر ثلاثة محاور. أولاً، العوامل العسكرية، ويقر بفارق القوة الهائل بين جيش نظامي مدعوم بحلفائه وبين مجموعات معارضة تفتقر للتنظيم والخبرة والعتاد النوعي. يوجّه المؤلف نقداً لاذعاً لاستراتيجية المعارضة، معتبراً أن سعيها لـ"تحرير المدن والسيطرة عليها" كان فخاً من النظام، لأن الحفاظ على هذه المساحات الشاسعة في مواجهة قوة متفوقة كان مستحيلاً تقريباً. كان الأفضل، حسب تحليله، اتباع تكتيكات حرب العصابات "اضرب واهرب"، والتي بدأت المعارضة بتطبيقها متأخرة في القلمون. يشير الكتاب إلى أن غياب "قيادة عسكرية موحدة" كان عاملاً كارثياً، وأكبر دليل على ذلك أن الإعلان عن اندماجات مثل جيش الإسلام أو جيش المجاهدين أو الجبهة الإسلامية كان يتبعه فوراً خسارة جبهة كبرى (المليحة، الدخانية، عدرا)، مما جعلها تبدو "تجمّعات إعلامية" تستهدف الممولين أكثر من كونها ضرورة عسكرية.
ثانياً، العوامل السياسية، يكشف المؤلف عن دور الجهات الممولة، ويشير تحديداً إلى أن السعودية تقف خلف تمويل جيش الإسلام (زهران علوش) بينما تمول الولايات المتحدة لواء تحرير الشام (النقيب فراس البيطار). يذهب الكاتب إلى حد القول إنه منذ نهاية عام 2012، بدا أن هناك قراراً إقليمياً بتجفيف منابع التمويل و"وقف التقدم باتجاه عمق العاصمة دمشق"، مما أدى إلى شلل العمليات العسكرية للمعارضة في وقت كانت على مشارف تحقيق اختراق حاسم.
ثالثاً، الاختراقات الأمنية، يقدم الكتاب شهادات ميدانية تفيد بأن "لا يوجد نظام أمني لدى كتائب الجيش الحر تساعدهم على كشف الخونة". ويورد مثالاً صارخاً على ذلك بـ المدعو (أبو المزعل)، الذي كان قائداً لكتائب "أنصار الله" في الحجر الأسود، وتحول ليقود عمليات الاقتحام لقوات النظام في منطقة السبينة، متهماً إياه بتسليم بلدة الحجيرة. ويؤكد المؤلف أن هذه الحادثة ليست معزولة، بل تكررت لتكون سبباً رئيسياً في سقوط العديد من الجبهات.
يقر المؤلف ضمنياً بحدود تحليله من خلال ترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل الجبهات الصامدة كجوبر وعين ترما، معترفاً بأن "لا شيء يؤكد مستقبل الصراع" عليها. كما أن تحليله يركز على الجبهات المحيطة بدمشق ولا يدّعي شمولية كامل الحرب السورية. اعترافه بضعف التمويل الإقليمي ودوره في توجيه العمليات هو في جوهره إقرار بأن العوامل الخارجية كانت أقوى من الإرادة المحلية للمعارضة.
يقدم الكتاب حججاً قابلة للنقاش، خصوصاً في تحميل قادة المعارضة المسؤولية الكبرى عن عدم وجود خطة استراتيجية، وفي تأكيده أن فكرة "تحرير المدن" كانت خطأً تكتيكياً فادحاً. هذا الطرح قد يثير جدلاً حول ما إذا كان من الممكن للمعارضة أن تحقق أهدافها بدون السيطرة على الأرض. كما أن الدور المسكوت عنه نسبياً للقوات الجوية الروسية في ذلك التوقيت المبكر (قبل التدخل المباشر في 2015) لا يُذكر تفصيلاً، رغم الإشارة إلى استخدام أسلحة روسية في جوبر. بشكل عام، يقدم الكتاب رؤية قاتمة ومتشائمة من منظور عسكري بحت، مركزاً على الأسباب الداخلية للانهيار، وهي رؤية تستحق النقاش والتدقيق في ضوء تعقيدات الحرب السورية الهائلة.