الوضع العسكري في محافظة القنيطرة - غازي دحمان
الكتاب الذي أعده الباحث غازي دحمان، والصادر عن مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، يتناول بالتحليل الوضع العسكري في محافظة القنيطرة حتى أواخر عام 2014، في ذروة الحرب السورية. الموضوع المحوري هو تفصيل آليات تقدم فصائل المعارضة المسلحة في هذه المحافظة الإستراتيجية، ودلالات هذا التقدم على مستقبل الصراع مع نظام الأسد، وانعكاساته على اللاعبين الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم إسرائيل وحزب الله. يدافع المؤلف ضمنياً عن أطروحة مفادها أن جبهة القنيطرة أصبحت تمثل مفتاحاً جغرافياً وعسكرياً للحسم في جنوب سورية، وأن سيطرة الثوار عليها تعريض أمن دمشق وتغير قواعد الاشتباك مع إسرائيل.
يسير الكتاب في حجته وفق بنية منطقية تبدأ بالتمهيد الجغرافي والديموغرافي، ثم تنتقل إلى سرد الوقائع الميدانية، فتحليل الأهداف الإستراتيجية، وختاماً بتشريح الحساسيات المعقدة والمخاطر المحتملة. يشرح الفصل الأول التركيبة الفريدة للمحافظة، فهي تقع على مساحة 512 كم مربع (الجزء غير المحتل)، وتتميز بتنوع تضاريسي كبير يضم أعلى نقطة في سورية (جبل الشيخ، 2814 م) وأخفضها (منطقة الحمّة، 212 م تحت سطح البحر)، وبتركيبة سكانية مختلطة: عرب، تركمان، شركس، مسلمون، مسيحيون، دروز، وعلويون. يلفت النظر إلى أن علويي القنيطرة الأصليين يعانون تمييزاً من نظرائهم في الساحل، وهو ما استغله النظام لاستمالتهم، بينما انقسم الشركس بين مؤيد للثورة ومؤيد للنظام لقربهم من الثقافة الروسية.
الفصل الثاني هو قلب الكتاب، ويوثق بدقة تسلسل المعارك التي أدت إلى تحرير %85 من مساحة المحافظة. يبدأ السرد من 12 نوفمبر 2013 بسيطرة الثوار على سرية الجاموسية، ثم ينتقل إلى معركة "فجر الربيع" في 29 يناير 2014 التي حررت تسع نقاط عسكرية وسبع قرى، وفتحت الطريق للنازحين نحو الحدود الأردنية ومنطقة الجيدور المحاصرة. تتوالى المعارك: "واعتصموا بحبل الله" في فبراير، و**"صدى الأنفال"** لتحرير التلول الحمر في يوليو، و**"فالمغيرات صبحا"** في أغسطس التي سيطرت على معبر القحطانية الحدودي مع الجولان المحتل وكامل الشريط الحدودي، وصولاً إلى معركة "نصر من الله وفتح قريب" في سبتمبر. لم يبقَّ للنظام سوى ستة مراكز محصنة: تل الشعار، تل الكروم، مدينة خان أرنبة، بلدة جباثا، ومدينة البعث (القنيطرة)، إضافة إلى قيادة اللواء 90.
يكشف الكتاب التناقض الصارخ بين التوقعات الأولية والنتائج. في بداية الثورة، كان التفوق العسكري ساحقاً للنظام بفضل السيطرة على رؤوس الجبال الحاكمة ووجود 10 آلاف عنصر (بينهم حزب الله وشبيحة دروز)، لكن الثوار نجحوا باستراتيجية احتلال رؤوس الجبال وقطع طرق الإمداد القادمة من درعا ودمشق، مما أدى إلى تفكيك الهيكلية العسكرية للنظام. ويعترف الكتاب بحدود هذا الإنجاز، مشيراً إلى ضعف إستراتيجي يتمثل ببقاء تلال مثل تل الكروم وتل الشعار بيد النظام، والتي تعمل كنقاط فصل ناري. ومع ذلك، يرى أن المنطقة المحررة أصبحت تشكل مستطيلاً بعمق 15 كم وطول 5 كم، يتيح المناورة والإمداد، وهي بمثابة منطقة انطلاق نحو تطويق دمشق.
يتناول الكتاب الأهداف الإستراتيجية للثوار برؤية واضحة: ربط أرياف درعا والقنيطرة والغوطة الغربية لخلق ضغط موحد على العاصمة. ويصف التنسيق بين نحو 30 فصيلاً يقاتلون في المنطقة، أبرزها جيش الإسلام، جبهة ثوار سوريا، ألوية الفرقان، لواء العز، وكتائب أكناف بيت المقدس. لكن اللافت هو الكشف عن آلية القيادة عبر غرفة عمليات الموك في العاصمة الأردنية عمّان، والتي كان لها دور في التحكم بوتيرة المعارك عبر قطع الذخيرة، كما حصل في معركتي خربة غزالة والأوتوستراد. لكن استقلالية الثوار زادت بعد حصولهم على غنائم الأسلحة من القطعات العسكرية المحررة. ومن الأرقام المذهلة التي يوردها الكتاب أن قوات النظام تكبدت قرابة ألف قتيل في هذه المعارك.
المساهمات التحليلية الأعمق في الكتاب تظهر في الفصول اللاحقة التي تتناول الحساسيات والإشكاليات. يعرض الكتاب الإشكالية الدرزية كأكبر عائق أمام الثوار. هناك سبع قرى درزية في سفح جبل الشيخ (أهمها حضر التي تضم 13 ألف نسمة) تتعاون مع النظام ضمن ما يسمى "اللجان الشعبية" و**"جيش الدفاع الوطني"**، خوفاً من سيطرة الكتائب الإسلامية. يحذر المؤلف من أن أي صدام مع الدروز قد يستدعي حرباً سنية-درزية تمتد إلى لبنان وحتى إسرائيل، حيث يخدم دروز الجولان في الجيش الإسرائيلي ويبدون تعاطفاً مع النظام. وهذا يشكل خطراً ثانياً محتملاً على الجبهة.
أما الاشتباك مع حزب الله فيتجسد بسيطرة الثوار على منطقة بيت جن الحدودية، مما خلق تماساً مباشراً مع مناطق تواجد الحزب في شبعا – العرقوب اللبنانية. هناك تخوف من تحول المنطقة إلى "عرسال ثانية"، نظراً لوجود بيئة سنية حاضنة للثوار وآلاف النازحين، مما قد يجر الجيش اللبناني إلى مواجهة.
الجزء الأكثر إثارة للجدل هو تحليل موقف إسرائيل الملتبس. يتهم الثوار إسرائيل بأنها تغض الطرف عن استخدام النظام للأسلحة الثقيلة في المنطقة المنزوعة السلاح (اتفاقية 1974)، بل وتقصف هي بنفسها مواقع النظام التي يوشك الثوار على السيطرة عليها، مثل قصف مخازن اللواء 90 في تل الحارة، الذي يقول الثوار إن سلاحه كان كافياً لتحرير دمشق. ويعتقد الثوار أن إسرائيل تدمر الصواريخ الإستراتيجية في تل الشعار لمنع وصولها لأيديهم. يخلص الكتاب إلى أن إسرائيل تتبع سياسة إدارة الصراع لا حسمه، وترى في بقاء النظام الضعيف خياراً أفضل من سقوطه الكامل.
في خاتمة الكتاب، يحدد المؤلف أربعة أخطار رئيسة تتهدد جبهة القنيطرة. الخطر الأول هو سيطرة جبهة النصرة، التي يملك نظام الأسد مصلحة في تقويتها لإغراق الجبهة بالكتائب المتشددة وإضعاف الجيش الحر، وتصوير الأمر على أنه تهديد يستدعي تدخل التحالف الدولي. الخطر الثالث هو قيام إسرائيل بإنشاء شريط عازل تحت ذريعة حماية الدروز، وهو مشروع قديم قد يُحيى لتحويل المنطقة إلى جدار يفصل دمشق عن الجنوب. الخطر الرابع هو استنزاف الثوار من قبل حزب الله مستغلاً القرب الجغرافي.
إن كانت المادة المقدمة في الملخصات تسمح بمناقشة حجة الكتاب، فيبدو أن المؤلف يتبنى نظرة تضع الثوار في موقع المبادرة الإستراتيجية، لكنه في الوقت نفسه لا يخفي هشاشة هذه المكاسب أمام تعقيد التداخل الإقليمي والدولي. يمكن القول إن رهان الثوار على قطع طرق الإمداد وتفكيك قوات النظام أثبت فعاليته في القنيطرة، لكنه اصطدم بحقيقة أن المعركة لم تعد سورية خالصة، بل أصبحت ساحة لتصفية حسابات إقليمية بين إيران وإسرائيل، ومسرحاً لصراعات هوياتية بين السنة والدروز، مما يجعل النصر العسكري وحده غير كافٍ لتحقيق الاستقرار. يظل السؤال المفتوح الذي يطرحه الكتاب بقوة: هل ستتحول القنيطرة من نقطة انطلاق لتحرير دمشق إلى ورقة مساومة بين القوى الكبرى، أم إلى مستنقع يبتلع الثوار في صراعات جانبية لا تنتهي؟