Almawred
عربي

الوضع العسكري في محافظة درعا - غازي دحمان

arمركز دراسات الجمهورية الديمقراطية

الكتاب الذي أعده الباحث غازي دحمان، والصادر عن مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، هو دراسة تفصيلية للواقع العسكري في محافظة درعا خلال فترة حساسة من عمر الحرب السورية. الموضوع المحوري للكتاب هو تحليل ميزان القوى بين قوات النظام السوري وفصائل المعارضة المسلحة في جنوب سورية، وتحديداً في المنطقة الجغرافية والتاريخية المعروفة باسم حوران، مع التركيز على الأسباب التي جعلت من هذه الجبهة حالة فريدة مقارنة بجبهات القتال الأخرى في سورية. الحجة الأساسية التي يدافع عنها المؤلف هي أن الجبهة الجنوبية، وعلى الرغم من التحديات العسكرية الكبيرة (كوعورة التضاريس المنبسطة وسيطرة النظام الجوية)، قد تمكنت من تطوير نموذج قتالي منظم نسبياً، وتمتعت بدرجة عالية من التنسيق بين فصائلها، مما جعلها الجبهة الأكثر قدرة على الضغط على النظام، في وقت كانت فيه جبهات أخرى تعاني من الفوضى والاقتتال الداخلي.

يسير الكتاب في حجته وفق تسلسل منطقي واضح، ينتقل من العام إلى الخاص، ومن الوصف الثابت إلى التحليل الديناميكي. يبدأ الفصل الأول بوضع الخريطة السكانية والجغرافية، موضحاً أهمية محافظة درعا البالغ عدد سكانها مليون وأربعمئة ألف نسمة، ومساحتها 4000 كم²، والتي تشكل سهل حوران الخصيب، وتتاخم حدود كل من الأردن وإسرائيل (عبر هضبة الجولان). يلفت المؤلف إلى البنية العشائرية القوية، ويعدد أبرز العشائر كـ الزعبي والحريري والمقداد، ويشير إلى تداخل هذه العشائر مع نظيراتها في الشمال الأردني، مما يجعل الحدود السياسية غير عائق اجتماعي. ثم يوضح التنوع الطائفي المحدود، بوجود مسيحيين في مدن مثل الصنمين وفي قرى مختلطة، وحضور فلسطيني مندمج عبر المصاهرة، لا سيما في مخيم درعا والمزيريب، مع غياب شبه تام للوجود العلوي باستثناء بعض العائلات في طفس والصنمين، وغياب كامل لوجود تنظيم داعش عن المحافظة.

بعد تأسيس الخلفية، ينتقل الكتاب إلى التحليل العسكري الاستراتيجي، مبرزاً الأهمية الفائقة للمنطقة كونها تحتضن ثلث القوة العسكرية للجيش السوري، أي ما يقارب 90 ألف جندي، موزعين على وحدات كبرى مثل الفرقة المدرعة الرابعة في الصنمين، والفرقتين السابعة والتاسعة، وألوية رئيسية كـ اللواء 61 واللواء 52 واللواء 82. يشرح الكاتب كيف استغلت فصائل المعارضة، التي يقدر عدد مقاتليها بـ 25 إلى 30 ألف مقاتل، نجاحاتها الأولية في تحرير مواقع حساسة مثل اللواء 38 في صيدا واللواء 61 في الشريط الحدودي، مما أضعف قدرات الفرقتين السابعة والتاسعة بشكل كبير. لكنه في الوقت نفسه لا يخفي صعوبة المهمة في أرض حوران المنبسطة والمكشوفة، حيث يمسك النظام برؤوس التلال الاستراتيجية كـ تل الحارة وتل الجابية، ويحتفظ بسلاح الجو كعائق مطلق أمام أي تقدم سريع للمعارضة. ويوضح أن السيطرة على الأوتوستراد الدولي (دمشق-عمان) هي الهدف الاستراتيجي الأهم، لكنه يقر بأن عوامل إقليمية، وتحديداً رغبة الأردن في إبقاء الطريق مفتوحاً للتجارة، تقف حجر عثرة أمام تحقيق هذا الهدف.

ثم يغوص الكتاب في تفاصيل توزع القوى بين فصائل المعارضة، مصنفاً إياها إلى قسمين رئيسيين. القسم الأول هو الجيش الحر، الذي يمثل الأكثرية العددية، وأهم تشكيلاته: فرقة اليرموك بقيادة بشار الزعبي (الأقوى في الجنوب)، وفرقة 18 آذار، وفرقة الحمزة بقيادة صابر سفر (التي تدربت في الأردن ويمتد نفوذها للمخافر الحدودية)، والفرقة 2 المنتشرة بين درعا والقنيطرة. أما القسم الثاني فهو الفصائل الإسلامية، وفي مقدمتها جبهة النصرة، التي يوصف أميرها في درعا بـ إياد الطوباسي (أبو جليبيب)، وهو أردني من أصل فلسطيني، وشرعيها العام سامي العريدي، وهي أكبر فصيل إسلامي في المحافظة وإن جاء تواجدها متأخراً نسبياً. يضاف إليها الجبهة الإسلامية (حركة أحرار الشام) وحركة المثنى الإسلامية وكتائب بيت المقدس. يثبت الكتاب وجود تنسيق عالٍ بين هذه الفصائل، وندرة الصراعات البينية، بعكس ما يحدث في الشمال والشرق، ويعزو ذلك لثلاثة أسباب رئيسية: التجانس الاجتماعي (غياب العناصر الغريبة واندماج الفلسطينيين والأردنيين من العشائر نفسها)، والطبيعة العشائرية التي تحل الخلافات عبر الوجاهات، وعدم الاختلاف على مصادر التمويل.

ينتقل الكتاب إلى وصف الوضع الميداني الدقيق، مقسماً مدينة درعا إلى قسمين: درعا البلد، حيث تم تحرير جمرك درعا القديم وهو أهم معقل للنظام، فيما بقيت كتيبة الهجانة محاصرة وأجزاء من أحياء المنشية وسجنة تشهد اشتباكات، وباقي الأحياء محررة كلياً. أما في درعا المحطة، فلا يزال النظام يسيطر على أجزاء كبيرة، باستثناء طريق السد ومخيم درعا. وعلى مستوى الريف، يشرح الكتاب تحرر الشريط الحدودي مع الجولان بشكل كامل، من عابدين جنوباً حتى قرية المال شمالاً، وهي منطقة استراتيجية تتصل بالأردن عبر ثلاث نقاط: تل شهاب وحيط والقصير. وفي حوران الشرقية، وصف الوضع بالمتداخل والمعقد، فرغم تحرير بلدات مثل الحراك وبصر الحرير، يمتلك النظام نقاطاً قوية في المليحة الغربية ونامر، ويتمركز بشكل كثيف في إزرع التي تشرف على المنطقة بفضل وجود ثلاثة ألوية فيها، وهي (112 و69 والفوج 175). كما أن بصرى الشام مقسمة بين الطرفين. النقطة المحورية في الصراع هي بلدة خربة غزالة، التي تشكل عقدة مواصلات تلتقي فيها طرق الإمداد من إزرع ودمشق، ويشكل تحريرها رهاناً كبيراً للمعارضة لقطع الإمداد عن عتمان (بوابة درعا الشمالية) والنعيمة (بوابة درعا الشرقية).

أما في شأن التسليح، فيرسم الكتاب صورة لتطور القدرات النارية للمعارضة. انتقلت المعارضة من الاعتماد على الأسلحة الخفيفة التي جمعت من الأهالي أو السوق السوداء، إلى الاستيلاء على أسلحة ثقيلة من مواقع النظام، أبرزها ما حصلت عليه من مخازن اللواء 61 (مدافع الهاوتزر ورشاشات الشيلكا) واللواء 38 (عشرات الصناديق الحاوية لصواريخ "كوبرا" المضادة للجو). ويؤكد الكتاب وجود صواريخ "تاو" الأمريكية المضادة للدروع، لكنها تتركز لدى فصائل معينة مثل فرقة اليرموك وكتائب العمري، مما سمح بتدمير كبير لآليات النظام. وعلى الرغم من التوصيف الإيجابي العام لتسليح الجبهة الجنوبية ووصفها بـ"الممتاز والمنظم"، يعترف الكتاب بوجود نقص واضح في الآليات، لا سيما الدبابات، حيث تدمر الفصائل الدبابات في مواقعها أو تستخدمها قوات النظام للفرار بها.

لا يخلو الكتاب من الإشارة إلى توترات داخلية في هذا المشهد القتالي، معترفاً بوجود مأزقين خطيرين كادا يؤديان إلى صراع دموي. الأول: عندما اعتقلت جبهة النصرة العقيد أحمد فهد النعمة (رئيس المجلس العسكري) بعد سقوط خربة غزالة، واتهمته بالمسؤولية، تلاه اغتيال أمير النصرة علي النعيمي، حيث اتهمت الجبهة الجيش الحر بالوقوف وراء العملية. الثاني: مقتل الإعلامي قيس القطاعنة قائد كتيبة العمري في حادثة وصفها البعض بأنها جزء من "حروب التصفية" بين النصرة وجبهة ثوار سوريا. في المرتين، تم احتواء الأزمة عبر التحكيم العشائري والمجالس المحلية. كما يشير الكتاب إلى محاولات داعش التسلل إلى الجنوب، لكنها باءت بالفعل بفضل تصدي كتائب الجيش الحر والكتائب الإسلامية لها وإلحاق خسائر كبيرة بها.

يتسع نطاق الكتاب ليشمل التداخلات الإقليمية الكبيرة، مركزاً على دور ثلاثة أطراف. بالنسبة لـ الأردن، فهو مجبر على الانخراط في الصراع لأمنه الوطني، ويتم ذلك عبر أنماط متعددة: الاشتباك المباشر (سلاح الجو يستهدف أي قوات تقترب من حدوده)، والتنسيق مع فصائل الجيش الحر في التدريب والاستشفاء، حيث يؤكد الكتاب أن معسكرات سرية بوسط الأردن قامت بتخريج ثلاثة آلاف مقاتل في دورات تدريبية تحت إشراف ضباط أردنيين وعرب وأجانب بإدارة أميركية، تستغرق 8 إلى 12 يوماً، ويمنح كل متدرب بندقية آلية بعد انتهائها، إضافة إلى تسليم بعض الكتائب سيارات دفع رباعي وأسلحة رشاشة. أما بالنسبة لـ إسرائيل، فيؤكد الكتاب عدم وجود تنسيق بينها وفصائل المعارضة، على عكس ما تروجه بعض وسائل الإعلام، ويصف الأمر بأنه "تفاهم ضمني" على عدم استهداف الطرفين لبعضهما، مع حالات فردية لعلاج جرحى في مستشفيات إسرائيلية. وتستفيد الفصائل من قواعد الاشتباك التي تمنع على قوات الأسد استخدام الطائرات قرب الجولان. وأخيراً، يصف الكتاب غرفة العمليات المشتركة "الموك" المركزية التي تترأسها الولايات المتحدة مع دول غربية وعربية (السعودية والإمارات بشكل خاص)، والتي تدعم فصائل الجيش الحر المعتدلة من خلال غرفتين فرعيتين في تركيا (للشمال) والأردن (للجنوب). يغطي الدعم الرواتب الشهرية للمقاتلين، وصواريخ "تاو"، وسلالاً غذائية، وذخائر للرشاشات والهاون والدبابات، مع الإشارة إلى أن أغلب الدعم المالي يأتي من المملكة العربية السعودية بهدف بناء قوة معتدلة يمكنها الضغط من الجنوب على دمشق.

يختم الكتاب بعرض أربعة سيناريوهات مستقبلية محتملة لجبهة الجنوب. الأول (المتفائل): أن تستمر الفصائل في أدائها الجيد، وتستفيد من انشغال النظام على جبهات أخرى، ومن الاهتمام الدولي، لتتقدم نحو الكسوة وكناكر وتتصل بكتائب المعارضة في الغوطة الغربية، مما يضيق الخناق على دمشق. الثاني (الخطير): أن يلجأ النظام إلى إشعال فتنة طائفية درزية-سنية في المنطقة الممتدة من جبل الشيخ إلى جبل العرب، بالاعتماد على أجهزة مخابراته ووجود جهات غير واعية، وهو ما حاوله سابقاً عبر الخطف المتبادل بين بدو ودروز. الثالث (التسويات): أن يتوصل النظام إلى هدنات مع فصائل في الشمال لتغيير قواعد الاشتباك لصالحه بفضل تفوقه الجوي. الرابع (الأخطر): أن يندلع صراع بين الفصائل المعتدلة والإسلامية (النصرة بشكل خاص) في درعا، وهو سيناريو "يشتهيه" النظام، الذي قد يسلم مواقع بكامل عتادها للنصرة لتسريع هذا السيناريو، مما يحول الجبهة من تهديد للنظام إلى ساحة حرب على الإرهاب قد ينخرط فيها التحالف الدولي.

أما بالنسبة للحجج القابلة للنقاش في الكتاب، فتبرز مسألة الحياد والتوصيف الإيجابي للجبهة الجنوبية بوصفها "ممتازة ومنظمة" و"متسامحة" تجاه الأقليات، وهو وصف يتجاهل إلى حد كبير طبيعة الدور الإقليمي والدولي الذي يمول ويوجه هذه الفصائل، مما يثير تساؤلات حول مدى استقلالية قرارها العسكري والسياسي. كما أن تركيز الكتاب على إنجازات الجيش الحر ووصف غياب داعش كفضيلة، بينما يتعامل مع جبهة النصرة كفصيل متمرد ولكنه ليس خارج السياق الثوري، قد يُقرأ كتقليل من خطر التطرف الجهادي الذي مثلته هذه الفصائل ذاتها في مراحل لاحقة. في المجمل، يقدم الكتاب خلاصة ميدانية غنية بالمعلومات والأسماء والمواقع، ويبدو كوثيقة تلتقط لحظة تاريخية منتصف عام 2014، حيث بدت جبهة الجنوب وكأنها تشكل أملاً لدى بعض الأطراف في تغيير قواعد اللعبة السورية، قبل أن تعصف بها التحولات الإقليمية والصراعات الداخلية لاحقاً.