Almawred
عربي

بانياس سلسلة مدن في الثورة السورية

arمشروع مدن في الثورة (SyriaUntold)

ملخص كتاب "بانياس: سلسلة مدن في الثورة السورية" – الباحث صبر درويش

يطرح هذا الكتاب سردية شاملة لمسيرة مدينة بانياس الساحلية خلال العام الأول من الثورة السورية (2011)، مركزاً على خصوصية هذه المدينة التي كانت، إلى جانب درعا، أولى المدن التي خرجت في تظاهرات مناهضة لنظام الأسد بتاريخ 18 آذار 2011، والتي انتهت مرحلتها السلمية مبكراً جداً بحلول أيار من العام نفسه. يدافع الكتاب عن فكرة أن بانياس لم تكن مجرد مدينة ثائرة عادية، بل كانت بؤرة ثورية فريدة في محيط جغرافي واجتماعي معادٍ، مما جعل مسارها نموذجاً مصغراً للصراع السوري برمته: صراع بين انتفاضة شعبية سلمية وقمع دموي، وبين سعي للوحدة الوطنية ووقوع في فخ الطائفية الذي غذاه النظام. الجواب المحوري الذي يقدمه الكتاب هو أن نظام الأسد نجح، عبر مزيج من العنف الممنهج، والشائعات المضللة، واستغلال المخاوف الطائفية، في تحويل حراك مدني سلمي إلى صراع دموي مسلح، ثم سحقه تماماً، لكنه لم ينجح في محو ذاكرة المقاومة أو إرادة الناشطين.

يسير الكتاب وفق تسلسل زمني واضح، يبدأ بوصف البنية الاجتماعية الهشة للمدينة، ثم ينتقل إلى تفصيل أيام الانتفاضة الأولى واستراتيجيات التنظيم، فمرحلة التصعيد والعنف، وصولاً إلى الانهيار والانتقال إلى العمل المسلح السياسي. المنطق الذي يربط فصول الكتاب هو منطق الصراع بين قوتين غير متكافئتين: من جهة، حراك شعبي عفوي يقوده خطيب ديني معتدل هو الشيخ أنس عيروط، ومن جهة أخرى، نظام استبدادي يمتلك أدوات القمع والإعلام والتجييش الطائفي. كل خطوة يقوم بها الناشطون يقابلها رد فعل نظامي أكثر عنفاً وأكثر دهاءً، مما يدفع الأحداث تدريجياً نحو التصعيد الذي يريده النظام لتبرير اقتحامه وسحقه للحراك.

يبدأ الكتاب بـ"إطلالة على البنية الاجتماعية للمدينة"، التي يصفها بأنها "مشروخة طائفياً بوضوح"، حيث ينقسم السكان بين حي القصور (غالبية علوية) والبيضا (غالبية سنية)، مع وجود أقلية مسيحية في رأس النبع. يوضح الكتاب كيف استغل النظام هذه الشروخ بعمق، مستثمراً الذاكرة المؤلمة للطائفة العلوية من أحداث حماه 1982 والخوف من "الإخوان"، ومغذياً إياه بشائعات عن أن مطالب الثوار هي "إعادة المنقبات إلى المدارس" أو "إقامة إمارة إسلامية". هذه الاستراتيجية، وفقاً للكتاب، نجحت في عزل الثوار عن حلفائهم المحتملين من الطوائف الأخرى، ودفعت الكثير من العلويين إلى التخندق خلف النظام خوفاً على وجودهم.

يتناول الباب الأول، "تحدي المستحيل.. بانياس تنتفض"، تفاصيل الأيام الأولى بدقة. يبرز هنا الدور المحوري لـجامع الرحمن وإمامه الشيخ أنس عيروط، الذي كان خطابه معتدلاً ويطالب بإصلاحات معيشية كغلاء الكهرباء وتلوث مصفاة بانياس، قبل أن يتحول إلى خطاب ثوري بامتياز في خطبة 18 آذار عندما قال: "لا يمكن أن يكون هذا المنبر منبراً محمدياً لم يصدح بالحق ويشير إلى الباطل". في هذه الجمعة، خرج آلاف المصلين في مظاهرة سلمية لم تتعرض للقمع، بل استجاب النظام لبعض مطالبها كإعادة المدرسات المنقبات. ومع ذلك، تصاعدت المطالب مع انتشار أخبار القمع في مدن أخرى. في الجمعة الثالثة، رفض المصلون طلب الشيخ عيروط بعدم الخروج، وأصروا على التظاهر تضامناً مع بقية سوريا، مما يشير إلى لحظة تحول من حراك محلي إلى جزء من ثورة وطنية.

في مرحلة لاحقة، يروي الكتاب حادثة "الاعتصام في ساحة السنتر" في منتصف نيسان، حيث اضطر الشيخ عيروط لفضّه بقوة بعد أن أبلغته الأجهزة الأمنية بوجود أوامر من دمشق باقتحامه حتى لو أدى ذلك إلى "مجزرة". هذه الحادثة كشفت عن هشاشة الوضع، وسرعان ما تبعتها شائعات متبادلة بين الطائفتين عن نية كل منهما اقتحام مناطق الآخر، مما أوجد جواً من الذعر والاستنفار. في حوالي 10 نيسان 2011، وبعد انقطاع الكهرباء والاتصالات، دعا الشيخ عيروط الأهالي إلى حمل السلاح للدفاع عن النفس "ولو ببندقية صيد". كانت هذه دعوة تاريخية، أدت إلى سيطرة الأهالي على أحيائهم، وانسحاب قوات الأمن والجيش. هنا يطرح الكتاب سؤالاً مفتوحاً: هل كان هذا القرار (الذي اتخذ تحت ضغط المخاوف) بداية النهاية للحراك السلمي، أم كان خطوة دفاعية ضرورية؟

تأتي نقطة التحول الدراماتيكية مع حادثة مقتل "نضال علوش" في 10 نيسان، وهو شاب علوي ألقي القبض عليه من قبل متظاهرين وأوسع ضرباً حتى الموت. استغل النظام هذه الحادثة إعلامياً لتجييش العلويين وتصوير الثوار على أنهم "تكفيريون" و"إرهابيون". في اليوم التالي، حاول الجيش اقتحام المدينة، وسقط 6 قتلى من أبناء بانياس برصاص القناصة. ويشير الكتاب إلى حادثة أخرى غامضة هي "مصادرة الحافلة العسكرية" التي تحمل 50 بندقية في حوالي 20 نيسان، حيث تم إعادة الحافلة والجنود سالمين، مما يؤكد طبيعة الحراك السلمي حتى في لحظات التوتر. ذروة القمع كانت في الرابع من أيار، عندما انسحب الجيش فجأة ثم عاد معززاً بميليشيات الشبيحة واقتحم الأحياء الثائرة، وشنت حملة اعتقالات واسعة وصل عدد المعتقلين فيها إلى نحو 2000 معتقل، جمعوا في الملعب البلدي وتعرضوا للضرب والتنكيل. بعد هذا الاقتحام، انتهت مرحلة العمل السلمي العلني، وخرجت آخر مظاهرة حاشدة في 5 أيار، لتحل محلها "المظاهرات الطيارة" القصيرة.

الباب الثاني، "تجاوز العفوية.. بانياس تنتظم سياسياً"، يركز على الجهود التنظيمية التي بذلها الناشطون بعد الاقتحام. تم تأسيس "مجلس قيادة الثورة السورية في بانياس" بإشراف الشيخ عيروط، لكنه لم يدم طويلاً بسبب خروج معظم أعضائه إلى تركيا. ثم حل محله "تجمع أحرار بانياس"، وهو إطار مدني سلمي مستقل، بلغ عدد أعضائه نحو 1500 عضو بحلول 2013، وجمع ملفات توثيقية ضخمة لجرائم النظام لاستخدامها في محاكمات مستقبلية. كما تم تأسيس "مكتب بانياس الإعلامي" الذي عمل باحترافية على توثيق أسماء الشهداء والمعتقلين، وربط المدينة بوسائل الإعلام العالمية مثل بي بي سي. ومن أبرز أشكال المقاومة السلمية الإبداعية، تأسيس "كتيبة الفاروق للبخاخ" في منتصف 2012، وهي مجموعة من 6 شبان تخصصوا في كتابة الشعارات الثورية على جدران المدينة ليلاً، لاستفزاز النظام وتحدي حظر التجول.

أما الباب الثالث، "أولى الطلقات.. مرحلة حمل السلاح"، فيوثق تشكل أولى المجموعات المسلحة في نيسان/أيار 2012 تحت اسم "كتيبة شهداء بانياس" التي قادها الناشط المعروف بـ"النسر"، والذي كان هدفها الأساسي حماية المدنيين وانشقاق بعض الجنود. لكن الكتاب يشير إلى محدودية قدراتها العسكرية. بعدها تشكلت "كتيبة أحفاد أبي بكر الصديق" في آب 2012 بقيادة حذيفة الشغري، والتي نشطت في الجبال المحيطة مثل جبل الأكراد ومنطقة الغسانية، وترتبط بتمويل من "هيئة حماية المدنيين" التابعة للإخوان المسلمين السوري.

يختتم الكتاب بوصف الواقع الحالي للمدينة التي "تسير الحياة اليوم فيها بإيقاعها الرتيب" تحت قبضة أمنية مشددة، بعد أن هجرها أغلب نشطائها. لكنه يرفض اعتبار هذا الهدوء هزيمة، بل هو "مظهر كاذب فرض بقوة السلاح"، مؤكداً أن ناشطي بانياس الذين بقوا في الخارج ما زالوا متمسكين بالعمل الثوري، مستفيدين من تجاربهم وأخطائهم. الكتاب يعترف بحدوده كونه منحازاً للثورة ويعتمد على شهادات ناشطين معارضين، تاركاً أسئلة مفتوحة حول الأبعاد الحقيقية لبعض الأحداث الغامضة، ومقراً بأن ما يقدمه ليس الحقيقة الكاملة بل جزءاً من سيرورة إنتاج المعرفة حول الثورة السورية.

من الحجج القابلة للنقاش في الكتاب، التركيز الكبير على دور الشيخ أنس عيروط كقائد أوحد للحراك، مما قد يهمش أدوار نشطاء آخرين، والإشارة إلى أن دعوته لحمل السلاح (ولو للدفاع عن النفس) كانت لحظة مفصلية ساهمت في تسريع عملية التصعيد التي خطط لها النظام، وهو سؤال مفتوح حول حدود المسؤولية في مواجهة القمع. كما أن الرواية لا تخوض بعمق في صراعات ما بعد 2012 بين الفصائل المسلحة أو تأثير التدخلات الإقليمية، مكتفية بتقديم لمحة سريعة عنها في الخاتمة.