
تاريخ الإسلام الشيعي
يطرح كتاب "تاريخ الإسلام الشيعي" لفرهاد دفتري سؤالاً محورياً: كيف نشأ وتطور الإسلام الشيعي كظاهرة دينية وفكرية وسياسية مستقلة داخل الحضارة الإسلامية، وما هي المراحل التاريخية والعقائدية التي مرّت بها فرقه الرئيسية؟ يدافع المؤلف عن فكرة مفادها أن التشيع لم يكن مجرد انشقاق سياسي حول الخلافة، بل تحول تدريجياً إلى مذهب ديني متكامل له عقائده وفقهه وفلسفته الخاصة، وأن تطوره كان جدلية مستمرة بين نزعات ثورية وحاجة إلى الاستقرار المؤسسي، وبين الباطنية كمنهج فكري وصعوبات الممارسة العلنية تحت التقيّة.
يبدأ الكتاب بمقدمة منهجية تستعرض التطور الأكاديمي لدراسة الإسلام الشيعي في الغرب، مسلطة الضوء على الإهمال التاريخي والتحيز الذي عانى منه. يشير دفتري إلى أن الشيعة يشكلون نحو 10-15% من مسلمي العالم، حيث يمثل الشيعة الإثناعشريون الأكثرية بينهم ويسكنون غالبية سكان إيران (نحو 70 مليوناً، أي أكثر من 90%)، والعراق، والبحرين. يليهم الإسماعيليون الذين يقدر عددهم بنحو عشرة ملايين على الأقل في أكثر من ثلاثين دولة، ويتزعمهم أغا خان. ثم الزيديون في اليمن بنحو 40-45% من سكان البالغ عددهم 23 مليوناً، والعلويون (النصيريون سابقاً) في سوريا حيث يشكلون نحو 12% من السكان. يكشف الكتاب أن المفاهيم المشوهة عن الشيعة تشكلت عبر عاملين: الأول هو المفاهيم السنية في العصور الوسطى، حيث ابتكر جدليون مثل ابن رزام في بغداد خلال القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي روايات مكذوبة عن تعاليم الإسماعيليين، واستمر هذا مع أبي حامد الغزالي (المتوفى 1111م/505هـ) الذي كتب رسالة "المستظهري" لنقض دعواهم. الثاني هو المفاهيم الأوروبية في العصور الوسطى التي ابتكرت "خرافات الحشاشين" التي صورت فدائيي الإسماعيليين كقتلة مدمنين على الحشيش، وانتشرت عبر مؤرخين مثل وليم الصوري والرحالة ماركو بولو. لم يبدأ الفهم الأكثر دقة إلا مع تأسيس الدولة الصفوية الشيعية الإثناعشرية في بلاد فارس عام 1501م/907هـ، ثم مع الاستشراق العلمي الذي بدأ فعلياً في أوروبا مع تأسيس مدرسة اللغات الشرقية في باريس عام 1795م، لكن البارون سيلفستر دي ساسي (المتوفى 1838م) عزز بشكل غير مقصود الخرافات القديمة لاعتماده على المصادر السنية. الثورة الحقيقية حدثت في الدراسات الإسماعيلية بفضل المستشرق الروسي فلاديمير إيفانوف الذي اكتشف مخطوطات أصلية في الهند منذ ثلاثينيات القرن العشرين، ثم تأسيس معهد الدراسات الإسماعيلية في لندن عام 1977م على يد الأمير كريم أغا خان الرابع.
ينتقل الكتاب إلى أصول الإسلام الشيعي، حيث يرى دفتري أن جذور الانقسام تعود إلى وفاة النبي محمد عام 632م، حيث برزت مجموعة رأت أن علي بن أبي طالب هو الأحق بالخلافة، معتقدة أن الإمامة منصب إلهي لا يُورّث بالانتخاب بل بالنص الإلهي، مستندة إلى حديث غدير خم (عام 632م). تتابع الحجة زمنياً: من حالة السكون السياسي في عهد الخلفاء الثلاثة الأوائل، إلى انتعاش التشيع خلال خلافة عثمان بن عفان (حكم 644-656م) الذي أثارت سياسته المحابية معارضة انتهت بمقتله وتولي علي الخلافة. لكن حكم علي (حكم 656-661م) كان قصيراً ومضطرباً، واجه فيه الحرب الأهلية الأولى التي بلغت ذروتها في معركة صفين (657م)، ثم اغتياله عام 661م. اللحظة المفصلية كانت مذبحة كربلاء (عام 680م) حيث استشهد الإمام الحسين مع أهله على أيدي جيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، وهذا الحدث الذي يخلده الشيعة سنوياً في عاشوراء أصبح رمزاً بطولياً للتضحية وغذى هوية شيعية عاطفية عميقة. مع دخول الموالي (المسلمون غير العرب) إلى صفوف التشيع، ظهرت حركات مثل الكيسانية التي رادت أفكاراً عن الغيبة والرجعة، ومقابلها تشكل الفرع الإمامي المعتدل بقيادة جعفر الصادق (توفي 765م) الذي صاغ عقيدة الإمامة بمبادئ النص والعلم والعصمة، وأدخل مبدأ التقية، وطوّر فقهاً متميزاً بممارسات مثل المتعة ورفع الأذان بـ"حي على خير العمل".
بعد هذا التأسيس، يتناول الكتاب تطور المذهب الإثناعشري، موضحاً كيف تشكلت هويته العقائدية عبر الإيمان بسلسلة من اثني عشر إماماً، خاتمهم محمد بن الحسن الذي يُعتقد أنه المهدي الذي دخل في الغيبة الصغرى ثم الغيبة الكبرى. يشرح دفتري كيفية ترسيخ هذه العقائد عبر الأئمة أنفسهم ثم تلاميذهم، فبعد وفاة جعفر الصادق سنة 765/148 حدثت انقسامات بين أتباعه قبل أن تستقر الأغلبية على موسى الكاظم. في فترة حرجة بعد وفاة الحسن العسكري سنة 874/260 دون وريث ظاهر، برز دور أربعة سفراء متعاقبين كانوا وسطاء بين الجماعة والإمام المستور، وقد أعلن وفاة السفير الرابع عام 941/329 بداية الغيبة الكبرى حيث انقطع الاتصال المباشر. تحت الحماية النسبية للدولة البويهية، ازدهر التعليم الشيعي وظهرت مدرستان: مدرسة قم التي اعتمدت على الحديث وأبرز أعلامها محمد بن يعقوب الكليني (صاحب الكافي)، ومدرسة بغداد العقلانية التي قادها الشيخ المفيد والشيخ الطوسي. في العصر المغولي، برز نصير الدين الطوسي الذي دمج الفلسفة بالإشراق مع علم الكلام، والعلامة الحلي الذي عزز سلطة الفقهاء. مع تأسيس الدولة الصفوية بقيادة الشاه إسماعيل الذي أعلن الشيعية الإثناعشرية ديناً رسمياً في 1501/907، ازدهرت "مدرسة أصفهان" الفلسفية بقيادة ملا صدرا مبتكر "الحكمة المتعالية"، لكن الفترة شهدت صراعاً بين العلماء الأصوليين العقلانيين والأخباريين التقليديين، وانتهى باضطهاد الصوفيين والفلاسفة من قبل رجال دين نافذين مثل محمد باقر المجلسي.
أما الفصل عن الإسماعيليين، فيؤرخ لتطورهم من حركة ثورية سرية إلى إمبراطورية ذات خلافة ثم إلى طوائف منقسمة. يبدأ بعد وفاة جعفر الصادق عام 148هـ/765م، حيث شكّل الخلاف حول وصيته نقطة الانشقاق الأولى لتظهر "الإسماعيلية الخالصة" و**"المباركية"** التي تعتبر محمد بن إسماعيل إماماً سابعاً. هذه الأخيرة قادت الحركة سراً من مدينة سَلْمِيَّة في "دور الستر"، حيث برز دعاة مثل حمدان قرمط وابن حوشب وأبو حاتم الرازي. العقيدة الإسماعيلية المبكرة قامت على ثنائية الظاهر والباطن، ونظام كوزمولوجي يستند إلى نظرية الأدوار النبوية السبعة. عندما أعلن عبد الله المهدي نفسه أول خليفة فاطمي عام 297هـ/909م، رفض القرامطة (بقيادة أبو سعيد الجنابي) هذا الإصلاح وتمسكوا بمهدية محمد بن إسماعيل، مما أدى إلى أحداث عنيفة مثل نهب مكة وسرقة الحجر الأسود عام 317هـ/930م. في العصر الفاطمي، نقل الخليفة المعز مركز الدولة إلى مصر وأسس القاهرة، وطُوّرت هيكلية الدعوة الهرمية بإنشاء "دار العلم" عام 395هـ/1005م، ودوّن القاضي النعمان الفقه الإسماعيلي بكتابه "دعائم الإسلام". بعد سقوط الدولة الفاطمية عام 567هـ/1171م، انقسم الإسماعيليون إلى فرعين: المستعليون الذين تمسكوا بخلافة المستعلي ثم ابنه الطيب، وتطوروا في اليمن ثم الهند ليشكلوا جماعة البهرة التي انقسمت بدورها إلى داؤودية (نحو مليون) وسليمانية (نحو 60,000) وعلوية. أما النزاريون، فيركز الفصل على ثورة آلموت التي قادها حسن الصباح بعد الاستيلاء على قلعة آلموت عام 483هـ/1090م، حيث تحولوا إلى دولة حصون ثورية مقاومة للسلاجقة. حدث مفصلي كان إعلان حسن الثاني "القيامة" عام 559هـ/1164م ككشف للحقيقة الباطنية، ثم انتهت الدولة باجتياح المغول بقيادة هولاكو عام 654هـ/1256م، وسقوط قلاع سوريا بيد المماليك بحلول عام 672هـ/1273م.
الفصل عن الزيديين يصفهم كفرقة أقل تطرفاً، نشأت من ثورة زيد بن علي زين العابدين الفاشلة عام 122هـ/740م ضد الأمويين في الكوفة. تبلور المذهب الزيدي من اندماج تيارين: البترية المعتدلة التي قبلت بخلافة أبي بكر وعمر، والجارودية الأكثر تشدداً التي رفضتها، وقد سادت آراء الجارودية في الإمامة. عقيدة الإمامة عندهم جوهرية: الإمام أي سليل مؤهل من الحسن والحسين يمكنه ادعاء الإمامة إذا "خرج" في ثورة مسلحة ضد الظالمين، واجتمعت فيه شروط العلم والاجتهاد، ولا يعترفون بفكرة الغيبة. أسس الزيديون دولتين: الأولى في منطقة قزوين بشمال فارس حيث حكم العلويون طبرستان بدءاً من 250هـ/864م حتى نهايتهم على يد السامانيين عام 315هـ/928م، ثم عادوا لفترة ثانية قبل أن ينتهي حكمهم تماماً مع تحول حكامهم إلى المذهب الإثني عشري تحت ضغط الصفويين. الدولة الثانية والأهم هي الإمامة الزيدية في اليمن التي أسسها يحيى بن الحسين (الهادي إلى الحق) عام 284هـ/897م، واستمرت بشكل متقطع حتى سقوطها عام 1382هـ/1962م مع الثورة الجمهورية. يسلط الفصل الضوء على تحول جوهري سماه "إضفاء الصبغة السنية"، حيث لجأ الأئمة لعلماء سنة للحصول على شرعية بديلة، وأبرزهم محمد بن علي الشوكاني (ت. 1250هـ/1834م) الذي انتقد العقيدة الزيدية ودعا للرجوع إلى مصادر السنة فقط، مما أدى لتهميش المذهب الرسمي.
الفصل الأخير عن النصيريين/العلويين يوثق تطورهم من جماعة باطنية مهمشة إلى أقلية حاكمة في سوريا. يعود أصلهم إلى أبو شعيب محمد بن نُصير النميري (المتوفى 270/883)، وهو من غلاة الشيعة الذين أعلنوا ألوهية الأئمة، وقد لعنه الإمام علي الهادي بسبب مزاعمه. شخصية محورية هي أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي (ت. 346/957 أو بعدها) الذي نشر التعاليم العلوية في شمال سوريا مستفيداً من رعاية الحمدانيين، ثم ميمون بن قاسم الطبراني (ت. 424/1034) الذي يُعتبر المؤسس الحقيقي للجماعة حيث دوّن تعاليمها في كتابه مجموع الأعياد. تحت الحكم المملوكي، مارس السلطان الظاهر بيبرس (ح. 658-676/1260-1277) سياسات اضطهادية قاسية ضدهم، وأصدر الفقيه الحنبلي ابن تيمية فتوى قبل وفاته عام 728/1328 حلّل فيها جهادهم ووصفهم بأنهم أشد إلحاداً من عبدة الأوثان. مع العثمانيين بعد 1517، تحسنت أوضاعهم واعترف بهم كـ"أهل ملة". بعد الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920، أنشأ الفرنسيون "دولة العلويين" المستقلة التي أُلغيَت عام 1937، ليصبحوا جزءاً من الدولة السورية. عقائدياً، تعتمد النصيرية على نظام ثالوث إلهي مع علي بن أبي طالب ومحمد وسلمان الفارسي، معتقدة بتجسد الجوهر الإهي في سبعة أدوار تاريخية، وتمارس التقية ولا تلقّن تعاليمها إلا للذكور عند البلوغ. يقر الفصل بانقسام العلويين المعاصرين بين تيار محافظ في الجبال وتيار حضري "جعفري" يميل للهوية الشيعية الإمامية، مما يطرح سؤالاً حول مستقبل الطائفة.
يقر المؤلف صراحةً بعدة حدود في هذا السرد، أبرزها: قلة المعلومات اليقينية حول أفكار أوائل الشيعة الحقيقية، والطبيعة الإشكالية لمصادر كتب الفرق التي كتبها مؤلفون من فرق متناحرة بهدف تأييد شرعية جماعتهم وتكفير الآخرين. كما يعترف بأن الدراسات الزيدية والعلوية لا تزال متخلفة نسبياً مقارنة بالدراسات الإثناعشرية والإسماعيلية، وأن معظم التراث الأدبي للعلويين قد تعرض للتلف بسبب الاضطهاد. هناك عدة حجج قابلة للنقاش في الكتاب، أبرزها: أن التحيز السني التاريخي وانحياز المستشرقين الأوائل كانا العاملين الحاسمين في تشويه فهم الإسلام الشيعي، وهو ادعاء يمكن مناقشته من زاوية تأثير العوامل السياسية والاجتماعية الأخرى؛ كما أن المقاربة التي تقلل من دور العامل السياسي المحض في نشأة التشيع وتجعل من النص على علي في غدير خم البذرة الأولى لعقيدة الإمامة تظل نقطة خلاف مع الفكر السني الذي يعتبر الخلافة مسألة انتخاب وبيعة لا نصاً دينياً.
Chapitres(6)
1.مقدمة: تطور دراسة الإسلام الشيعي19–48▼ résumé
يقدّم هذا الفصل التمهيدي من كتاب "تاريخ الإسلام الشيعي" لفرهاد دفتري عرضاً شاملاً لتطور دراسة الإسلام الشيعي في الغرب والعالم الإسلامي، مسلطاً الضوء على الإهمال التاريخي الذي عانى منه هذا الفرع الإسلامي المهم، وكيف تطور الفهم الأكاديمي له تدريجياً من الخرافة والتحيز إلى البحث العلمي المنهجي. يجيب المؤلف بشكل أساسي على سؤال: لماذا تم تهميش دراسة الإسلام الشيعي لفترة طويلة، وكيف تغير هذا الوضع مع مرور الزمن؟
يسير الفصل خطوة بخطوة، مبتدئاً بإعطاء لمحة إحصائية عن انتشار الشيعة في العالم اليوم، موضحاً أن الشيعة يشكلون نحو 10-15% من مسلمي العالم، وأن الشيعة الإثناعشريين هم الأكثرية بينهم، حيث يشكلون غالبية سكان إيران (الذين يبلغ عددهم نحو 70 مليوناً، أي أكثر من 90% من السكان)، والعراق، والبحرين، ولهم وجود كبير في دول أخرى مثل لبنان والسعودية وأفغانستان. يليهم الإسماعيليون، الذين يقدر عددهم بنحو عشرة ملايين على الأقل، ويتوزعون في أكثر من ثلاثين دولة، ويتزعمهم أغا خان كإمام روحي لهم. ثم الزيديون في اليمن حيث يشكلون نحو 40-45% من السكان البالغ عددهم 23 مليوناً، والعلويون (النصيريون سابقاً) في سوريا حيث يشكلون نحو 60% من سكان محافظة اللاذقية. هذه الإحصاءات تهدف إلى إثبات أهمية الشيعة العددية والجغرافية، وهي بمثابة الأساس المنطقي لأهمية الدراسة.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى شرح سبب الأهمية النوعية للشيعة على الرغم من كونهم أقلية، مشيراً إلى إسهاماتهم الفكرية والفنية الكبيرة في الحضارة الإسلامية، والتي قدمها علماؤهم وفلاسفتهم وشعراؤهم. كما يذكر السلالات الشيعية الحاكمة التي رعت هذه الإنجازات، مثل البويهيين والفاطميين والحمدانيين والصفويين. هذا التمهيد يبرز التناقض بين أهمية الشيعة وبين ما يصفه المؤلف بـ"الاهتمام البحثي الضئيل جدا" الذي حظوا به في الغرب.
يوضح الفصل كيف تشكلت الصورة المشوهة عن الشيعة عبر التاريخ. أولاً، من خلال المفاهيم السنية في العصور الوسطى، حيث عامل علماء السنة معظم الفرق الشيعية، وخصوصاً الإسماعيليين، كمنشقين وملحدين، بل وكفار. يصف المؤلف كيف ابتكر الجدليون السنة، مثل ابن رزام في بغداد خلال النصف الأول من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، روايات معقدة ومكذوبة عن تعاليم الإسماعيليين السرية، مما أسس لما يسميه "خرافة سوداء" عنهم. وقد استمر هذا التقليد مع متكلمين مثل أبي حامد الغزالي (المتوفى سنة 1111م/505هـ) الذي كتب رسالة "المستظهري" لنقض دعاوى الإسماعيليين (الباطنية). هذه الحملة الأدبية المنحازة أصبحت المصدر الرئيسي للمعلومات عن الشيعة لدى الأجيال اللاحقة من المسلمين، وحتى لدى المستشرقين الأوائل.
ثانياً، يصف الفصل المفاهيم الأوروبية في العصور الوسطى، التي كانت أكثر جهلاً وخيالية. فقد نظر الأوروبيون إلى الإسلام كله كدين مزيف وتهديد، وكان فهمهم للانقسامات الداخلية فيه، مثل الانقسام السني-الشيعي، معدوماً تقريباً. يذكر المؤلف أن الصليبيين، الذين احتكوا بشكل مباشر بجماعات شيعية مثل الفاطميين والإسماعيليين النزاريين في سوريا، لم يبذلوا أي جهد لفهم عقائدهم. ونتيجة لذلك، ابتكروا هم أيضاً "خرافات الحشاشين" لشرح سلوك فدائيي الإسماعيليين النزاريين، والتي تصورهم كقتلة مدمنين على الحشيش. وقد انتشرت هذه الخرافات في أوروبا لقرون، وتبناها مؤرخون مثل وليم الصوري وحتى الرحالة ماركو بولو. ولم يبدأ الفهم الأكثر دقة إلا بعد تأسيس الدولة الصفوية الشيعية الإثناعشرية في بلاد فارس عام 1501م/907هـ، مما أتاح للرحالة الأوروبيين فرصاً لمراقبة الممارسات الشيعية مباشرة.
ينتقل الفصل إلى مرحلة الاستشراق العلمي، التي بدأت فعلياً في أوروبا مع تأسيس مدرسة اللغات الشرقية في باريس عام 1795م. يبرز دور البارون سيلفستر دي ساسي (المتوفى سنة 1838م) كأبرز مستشرق في ذلك الوقت، والذي درس الإسماعيليين والفاطميين، لكنه مع ذلك، وبسبب اعتماده على المصادر السنية والروايات الصليبية الخيالية، عزز بشكل غير مقصود "الخرافة السوداء" و"خرافة الحشاشين". كما يذكر مؤلفين مثل جوزيف فون هامر-بيرغشتال الذي نشر كتابه المؤثر عن الحشاشين عام 1818م دون الوصول إلى أي مصدر إسماعيلي حقيقي. ويخلص الفصل إلى أن الدراسات الغربية للإسلام بقيت مركزية سنية لفترة طويلة، وعاملت التشيع كبدعة أو ردة، كما يتجلى ذلك في الطبعتين الأولى والثانية من "دائرة المعارف الإسلامية".
في القسم الأخير، يستعرض الفصل البحث الحديث في الإسلام الشيعي، الذي بدأ يتغير تدريجياً منذ منتصف القرن العشرين. يذكر مساهمات رواد مثل جوليوس فلهاوزن وإغناز غولدزيهر ولويس ماسينيون وهنري كوربان، الذي كانت أعماله في الفلسفة الشيعية والثيوصوفيا من أهم المصادر في أي لغة أوروبية. ثم يصف الثورة الحقيقية التي حدثت في الدراسات الإسماعيلية بفضل جهود المستشرق الروسي فلاديمير إيفانوف الذي اكتشف مخطوطات إسماعيلية أصلية في الهند منذ ثلاثينيات القرن العشرين، مما أتاح لجيل جديد من الباحثين مثل مارشال هدجسون وويلفيرد مادلونغ كتابة تاريخ علمي وموضوعي للإسماعيليين، متجاوزاً بذلك الأساطير القديمة. ويشير الفصل أيضاً إلى الدور المحوري لمعهد الدراسات الإسماعيلية في لندن، الذي تأسس عام 1977م على يد الأمير كريم أغا خان الرابع، في جعل المصادر متاحة للباحثين عالمياً. كما يعترف الفصل بأن دراسات أخرى مثل الدراسات الزيدية والعلوية لا تزال متخلفة نسبياً، مع بعض التقدم الملحوظ في العقود الأخيرة.
يقرّ المؤلف بوجود حدود وتحفظات واضحة. فهو لا يخفي حقيقة أن الكثير من التصورات الأولى عن الشيعة كانت مبنية على الجهل والتحيز، وأن المصادر التاريخية الموثوقة من القرون الأولى للإسلام نادرة جداً. كما يشير إلى أن التقدم في الدراسات الشيعية كان متفاوتاً، حيث تقدمت الدراسات الإثناعشرية والإسماعيلية بشكل كبير بينما بقيت دراسات أخرى متخلفة. يترك الفصل أسئلة مفتوحة حول إمكانية حدوث حوار جدي بين علماء الدين الشيعة التقليديين والباحثين الغربيين، وعن التحديات التي تواجه جعل المخطوطات الشيعية في أيدي الجماعات التقليدية (مثل البهرة في الهند) متاحة للباحثين. حجة الفصل الرئيسية، التي قد تكون قابلة للنقاش، هي أن التحيز السني التاريخي وانحياز المستشرقين الأوائل له كانا العاملين الحاسمين في تشويه فهم الإسلام الشيعي في الغرب والعالم الإسلامي على حد سواء، وهو ادعاء يمكن مناقشته من زاوية تأثير العوامل السياسية والاجتماعية الأخرى.
2.أصول الإسلام الشيعي وتاريخه المبكر49–82▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل مدخلاً تأسيسياً لفهم أصول المذهب الشيعي وتطوره في القرون الإسلامية الأولى، ويقدّم إجابة واضحة عن سؤال جوهري: كيف نشأ الانقسام بين السنة والشيعة، وما هي المراحل الفكرية والسياسية التي مرّ بها التشيع حتى صار مذهباً متميزاً له عقائده الخاصة؟ يرى المؤلف أن جذور هذا الانقسام تعود إلى أزمة الخلافة بعد وفاة النبي محمد في عام 632م، حيث برزت مجموعة صغيرة رأت أن علي بن أبي طالب هو الأحق بالخلافة لقرابته من النبي ومعرفته العميقة بالدين، في مقابل انتخاب الأكثرية أبا بكر خليفة. هذه الأقلية، التي عُرفت لاحقاً بـ"شيعة علي"، لم تكن مجرد حزب سياسي بل حملت منذ البداية مفهوماً خاصاً للسلطة الدينية، معتقدة أن أهل البيت هم القناة الموثوقة لتفسير الرسالة الإسلامية، وأن الإمامة منصب إلهي لا يُورّث بالانتخاب بل بالنص الإلهي، مستندة إلى حديث **غدير خم **(عام 632م) حيث قال النبي: "من كنت مولاه فعلي مولاه".
يسير الفصل زمنياً، متابعاً مسار التشيع من حالة السكون السياسي في عهد الخلفاء الثلاثة الأوائل، إلى انتعاشه خلال خلافة عثمان بن عفان (حكم 644-656م) الذي أثارت سياسته المحابية لبني أمية معارضة واسعة، انتهت بمقتله وتولي علي الخلافة. لكن فترة حكم علي (حكم 656-661م) كانت قصيرة ومضطربة، إذ واجه الحرب الأهلية الأولى (الفتنة) التي بلغت ذروتها في معركة صفين (657م) ضد معاوية بن أبي سفيان، وانتهت بتحكيم أدى إلى خروج جماعة الخوارج المنشقة عن جيش علي، ثم اغتياله على يد أحدهم عام 661م. بعد استشهاد علي، اعترف الشيعة بابنه الحسن خليفة، لكنه تنازل عن الخلافة لمعاوية تجنباً للحرب، ليؤسس الأخير الدولة الأموية. اللحظة المفصلية في تاريخ التشيع كانت مذبحة كربلاء (عام 680م)، حيث استشهد الإمام الحسين بن علي مع أهله وأصحابه على أيدي جيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية. هذا الحدث المأساوي، الذي خلّد ذكراه الشيعة سنوياً في عاشوراء، لم يكن مجرد هزيمة عسكرية بل تحول إلى رمز بطولي للتضحية والثبات على الحق، وغذّى هوية شيعية عاطفية ودينية عميقة.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى المرحلة التالية، حيث تطور التشيع من حركة عربية محدودة إلى ظاهرة أكثر تعقيداً، بفضل دخول الموالي (المسلمون غير العرب) إلى صفوفه، الذين كانوا يشكلون طبقة مضطهدة اجتماعياً واقتصادياً تحت الحكم الأموي، فانجذبوا إلى الخطاب الشيعي المطالب بالمساواة. يبرز في هذه المرحلة حركتان مهمتان: حركة التوابين التي خرجت بدافع التوبة عن خذلان الحسين، وحركة المختار الثقفي (عام 685م) التي ثأرت لآل البيت وأسست لجناح شيعي راديكالي عُرف بـالكيسانية. هذه المجموعات رادت أفكاراً متطورة حول الإمامة والمهدوية، وربطت الإمامة بقدرات خارقة وعلم إلهي، بل وأدخلت مفاهيم مثل الغيبة والرجعة (عودة الإمام من الموت أو الغيبة). إلى جانب الكيسانية، ظهر تيار الغلاة وهم مفكرون تجاوزوا الحدود في تقديس الأئمة، فنسبوا إليهم صفات إلهية ونبوة، وتبنوا أفكاراً كـالتناسخ والحلول، معتبرين أن المعرفة بالإمام هي جوهر الدين، مما قلّص أهمية الشريعة الظاهرية.
في مقابل هذا التيار الراديكالي، تشكل ببطء الفرع الإمامي المعتدل، الذي سيتحول إلى المذهب السائد. اعترف الإماميون بخط وراثي من الأئمة العلويين الحسينيين، بدءاً من علي بن الحسين زين العابدين (توفي نحو 713م) الذي تبنى سياسة الانعزال عن السياسة، مروراً بابنه محمد الباقر (توفي نحو 732م) الذي أسس للتعليم الشيعي وأدخل مبدأ التقية، وصولاً إلى حفيده جعفر الصادق (توفي 765م). يُعتبر جعفر الصادق بحق المؤسس الحقيقي للمذهب الإمامي (الجعفري)، إذ صاغ عقيدة الإمامة بشكلها الناضج: النص (أن الإمامة تُورّث بنص صريح عن الإمام السابق)، العلم (أن الإمام يمتلك علماً إلهياً يخوّله تفسير الدين)، والعصمة (من الخطأ والإثم). كما أكد على التقية كوسيلة للحماية في ظل الاضطهاد، وطوّر فقهاً متميزاً بممارسات مثل المتعة ورفع الأذان بـ"حي على خير العمل".
يخلص الفصل إلى أن الثورة العباسية (عام 750م) التي أطاحت بالأمويين، مثلت نقطة تحول كبرى، إذ حققت مطالب المساواة للموالي، مما أزال أحد الأسباب الجوهرية للتشيع الراديكالي. لكن العباسيين خيبوا آمال الشيعة، إذ لم يولوا الخلافة لعلوي، بل أسسوا سلالتهم الخاصة وأنكروا ماضيهم الشيعي، مما دفع غالبية الشيعة إلى الالتفاف حول جعفر الصادق بصفته الإمام الشرعي الوحيد. هكذا، انتهى الفصل إلى أن التشيع، بعد قرن ونصف من وفاة النبي، قد تحول من مجرد حزب سياسي مطالب بحق علي في الخلافة، إلى مذهب ديني متكامل له عقيدة الإمامة وأصوله الفقهية والكلامية، وإن ظل منقسماً إلى تيارات مختلفة (كيسانية، إمامية، زيدية بدأت بالظهور) تتنافس حول من هو الإمام الحق.
يقرّ المؤلف صراحةً بعدة حدود في هذا السرد: أولاً، قلة المعلومات اليقينية حول أفكار أوائل الشيعة الحقيقية، إذ أن ما نعرفه تطور تدريجياً وصيغ بعبارات عقائدية أكثر نضجاً لاحقاً. ثانياً، يشير إلى الطبيعة الإشكالية للمصادر المتاحة، خاصة كتب الفرق التي كتبها مؤلفون من فرق متناحرة، وكان هدفها غالباً تأييد شرعية جماعتهم وتكفير الآخرين، مما يجعلها غير محايدة وتحتوي تضخيماً في عدد الفرق أو تشويهاً في وصفها. من الحجج القابلة للنقاش، والتي يوردها الفصل دون أن يتبناها بالضرورة، المقاربة التي تقلل من دور العامل السياسي المحض في نشأة التشيع، وتجعل من النص على علي في غدير خم البذرة الأولى لعقيدة الإمامة الإلهية، وهو ما يرفضه الفكر السني عادةً الذي يعتبر الخلافة مسألة انتخاب وبيعة لا نصاً دينياً.
3.الاثناعشريون83–138▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على تطور المذهب الإثناعشري داخل الإسلام الشيعي، وكيف تشكّلت هويته العقائدية المميزة عبر قرون من الزمن. الإجابة المحورية التي يقدمها فرهاد دفتري هي أن المذهب الإثناعشري نشأ من الجماعة الشيعية الإمامية الأوسع، وتدرّج تدريجياً نحو الإيمان بسلسلة من اثني عشر إماماً، خاتمهم هو محمد بن الحسن الذي يُعتقد أنه المهدي الذي دخل في الغيبة الصغرى ثم الغيبة الكبرى، وسيعود في آخر الزمان لإقامة العدل. يشرح الكاتب كيف تمّ ترسيخ هذه العقائد عبر جهود الأئمة أنفسهم، ثم من خلال تلاميذهم وممثليهم، وأخيراً بفضل العلماء والفقهاء الذين صاغوا الفقه وعلم الكلام الإمامي.
يسير الفصل خطوة خطوة عبر المراحل التاريخية لهذه العملية. يبدأ بشرح المبادئ الأساسية لعقيدة الإمامة، مثل أن الإمام هو حجة الله على الأرض، وأن معرفته وطاعته واجبان، مستشهداً بحديثٍ مروي عن الإمام الصادق مفاده أن "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية". ثم ينتقل إلى مرحلة ما بعد وفاة جعفر الصادق سنة 765/148، التي كانت نقطة تحول حاسمة تسببت في انقسامات كبرى بين أتباعه، مما أدى إلى ظهور جماعات متنافسة مثل الناووسية والشُميطية والفطحية، قبل أن تستقر الأغلبية على موسى الكاظم بوصفه الإمام السابع.
يواصل الفصل تتبع حياة الأئمة التاليين تحت مراقبة الخلفاء العباسيين. يصف فترة علي الرضا، الذي دُعي إلى مرو من قبل الخليفة المأمون وعُيّن ولياً للعهد، لكنه توفي فجأة في طوس، حيث أصبح ضريحه من أهم مقامات الشيعة في فارس. ثم يتابع حياة الأئمة محمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري، الذين عاشوا تحت الإقامة الجبرية في سامراء وتوفوا في سن مبكرة. يشير الكاتب إلى أن وفاة الحسن العسكري سنة 874/260 هي التي خلقت الأزمة الكبرى؛ لأنه لم يترك وريثاً ظاهراً، مما أدى إلى فترة من "الحيرة" دامت عقوداً بين أتباعه، وانقسم الشيعة الإماميون إلى أكثر من اثنتي عشرة فرقة.
في هذه الفترة الحرجة، يبرز دور مجموعة من القادة والوكلاء الذين ملأوا فراغ القيادة، وعملوا كوسطاء بين الجماعة والإمام المستور. يحدد التقليد الإمامي أربعة سفراء أو ممثلين رئيسيين متعاقبين: عثمان بن سعيد العمري، وابنه محمد بن عثمان العمري، ثم أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي، وأخيراً علي بن محمد السامرائي. يشرح الفصل كيف قامت أسرة بني نوبخت، التي كانت متنفذة في البلاط العباسي، بدور محوري في صياغة عقيدة الغيبة والدفاع عنها. ويختتم هذا القسم بالإعلان عن بداية الغيبة الكبرى سنة 941/329 مع وفاة السفير الرابع، حيث انقطع الاتصال المباشر بالإمام المستور، وأصبحت مهمة هداية الجماعة تعتمد على العلماء.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى التطور الفكري والمؤسسي للإثناعشرية. تحت الحماية النسبية للدولة البويهية، ازدهر التعليم الشيعي وظهرت مدرستان فكريتان رئيسيتان: مدرسة قم التي اعتمدت على الحديث والخبر، وأبرز أعلامها محمد بن يعقوب الكليني (صاحب الكافي) وابن بابويه (المعروف بـالشيخ الصدوق)؛ ومدرسة بغداد العقلانية، التي مزجت علم الكلام المعتزلي بالعقيدة الإمامية، وقادها الشيخ المفيد والشريف المرتضى وشيخ الطائفة الطوسي، الذي يُعتبر المنظم للفقه الإثناعشري. يوضح دفتري أن هذه المدرسة البغدادية سادت رغم وجود صراع فكري بين أهل الحديث وأهل الرأي.
يستمر السرد ليشمل التطورات في العصر المغولي، حيث برزت شخصية نصير الدين الطوسي الذي دمج الفلسفة الابن سينية والإشراق السهرودي مع علم الكلام الشيعي، ويُذكر أنه أمضى فترة في خدمة الإسماعيليين النزاريين قبل أن ينتقل إلى بلاط هولاكو ويعود إلى الإثناعشرية. وخلفه العلامة الحلي الذي طور أصول الفقه وأكد على مبدأي الاجتهاد والتقليد، مما عزز سلطة الفقهاء. ثم يتناول الفصل ظهور حركات صوفية وشعبية مثل الحروفية والنقطوية، التي مزجت بين التشيع والتصوف، والتي مهّدت لقيام الدولة الصفوية.
يُخصص القسم الأخير من الفصل لتأسيس الدولة الصفوية وتحويلها فارس إلى معقل شيعي. يوضح كيف تحولت الطريقة الصفوية الصوفية تحت قيادة الشاه إسماعيل إلى حركة سياسية عسكرية، وأعلنت الشيعية الإثناعشرية ديناً رسمياً في سنة 1501/907. استقدم الصفويون علماء من جبل عامل والبحرين لنشر المذهب، وعلى رأسهم الشيخ علي الكركي العاملي الذي تم تعيينه "نائباً للإمام". شهد العهد الصفوي ازدهاراً ثقافياً وفكرياً كبيراً، مع ظهور "مدرسة أصفهان" الفلسفية بقيادة مير داماد وملا صدرا، الذي ابتكر "الحكمة المتعالية". لكن هذه الفترة شهدت أيضاً صراعاً بين العلماء الأصوليين العقلانيين والأخباريين التقليديين، (الذين تم إحياؤهم بقوة على يد محمد أمين الأسترابادي)، وانتهى الأمر باضطهاد الصوفيين والفلاسفة من قبل رجال دين نافذين مثل محمد باقر المجلسي. ويختم الفصل بذكر سقوط الصفويين وتولي القاجاريين الحكم، حيث أصبح علماء الإثناعشرية قوة مستقلة نسبياً عن الدولة.
في النهاية، يقرّ المؤلف بأن هذا السرد يواجه بعض التحفظات والحدود، أبرزها أن مصطلحي "إمامية" و"إثناعشرية" يُستخدمان بشكل متبادل في الفصل تسهيلاً، مع الإقرار بأن التسمية "الإثناعشرية" لم تتبلور إلا بعد فترة طويلة من وفاة الأئمة، وأن العديد من الجماعات الإمامية المبكرة كانت مختلفة في عقائدها. كما يترك الكاتب بعض الأسئلة مفتوحة حول التفسيرات المختلفة لمحتوى عقيدة الغيبة، وحول أسباب التطور المنطقي لبعض الأفكار مقابل أخرى. بين الحجج القابلة للنقاش، يمكن ملاحظة الجدل بين المدرستين العقليتين والنصيتين، ومدى تأثير الظروف السياسية (مثل حماية البويهيين واضطهاد السلاجقة) في تشكيل العقيدة، وهو ما يعنيه المؤلف بوضوح دون مبالغة.
4.الإسماعيليون139–186▼ résumé
يُشكّل هذا الفصل مدخلاً شاملاً لتاريخ الطائفة الإسماعيلية، ثاني أكبر جماعة شيعية، ويُؤرّخ لتطوّرها من نشأتها الأولى كحركة ثورية سرّية إلى انقسامها إلى فرعين رئيسيين (النزاري والمستعلي)، مروراً بتأسيسها دولاً مستقلة كالدولة الفاطمية والإمارات النزارية في فارس وسوريا، وصولاً إلى وضعها الحالي كأقليات منتشرة جغرافياً. يقدّم المؤلّف، فرهاد دفتري، سرداً زمنياً مُفصّلاً يُظهر كيف تحوّلت الإسماعيلية من جماعة دينية متمركزة حول انتظار المهدي (محمد بن إسماعيل) إلى إمبراطورية ذات خلافة (الفاطمية)، ثم إلى طوائف منقسمة ولكل منها مسارها الفكري والسياسي الخاص.
يسير الفصل وفق تسلسل تاريخي صارم، مُقسَّماً على مراحل زمنية واضحة. يبدأ بعرض أوائل الإسماعيليين بعد وفاة الإمام جعفر الصادق عام 148هـ/765م، حيث شكّل الخلاف حول وصية الإمام (سواء كانت لابنه إسماعيل أو لموسى الكاظم) نقطة الانشقاق الأولى. يُفصِّل المؤلِّف المجموعات التي ظهرت حينها: «الإسماعيلية الخالصة» التي رفضت وفاة إسماعيل واعتبرته المهدي، و«المباركية» التي اعترفت بوفاة إسماعيل واتّبعت ابنه محمد بن إسماعيل كإمام سابع، وهذه الأخيرة تُعتبر النواة الأولى للحركة الإسماعيلية الموحدة. ينتقل بعدها إلى ما يُسميه «دور الستر»، وهي الفترة التي قاد فيها أئمة مستورون (من بينهم عبد الله الأكبر وعبد الله المهدي) الحركة سراً من مدينة سَلْمِيَّة (وسط سوريا)، قبل أن يعلنوا دعوتهم علناً، مما أدى إلى ظهور الدعاة في جنوب العراق (مثل حمدان قرمط وعبدان) واليمن (على يد ابن حوشب) وفارس (على يد أبو حاتم الرازي). يُوظّف المؤلِّف هنا روايات المصادر الإمامية والسنية المعادية ليثبت أن هذه الفترة السرّية كانت مرحلة بناء عقائدي وتنظيمي استثمرت الميول المهدوية لدى الفئات المحرومة اجتماعياً (كالقبائل والفلاحين) ضد الخلافة العباسية.
يُخصّص الفصل حيزاً كبيراً لتحليل العقيدة الإسماعيلية المبكرة، والتي قامت على ثنائية «الظاهر» (الشريعة الحرفية المتغيّرة) و«الباطن» (الحقائق الروحية الخالدة). يُبيّن المؤلِّف كيف طوّر الدعاة (خاصة الإيرانيين مثل أبو يعقوب السجستاني وناصر خسرو) نظاماً كوزمولوجياً معقداً يستند إلى نظرية الأدوار النبوية السبعة، حيث كان محمد بن إسماعيل يُنتظر كناطق سابع يعلن العصر الأخير ويلغي الشريعة. ويوضح كيف أن إصلاح عبد الله المهدي (الذي أصبح أول خليفة فاطمي) لهذه العقيدة - بإعلانه نفسه إماماً ظاهراً ونفيه مهدوية محمد بن إسماعيل - هو ما تسبّب في الانشقاق الكبير. ويشير الفصر إلى أن انشقاق القرامطة (بقيادة أبو سعيد الجنابي في البحرين) كان رفضاً لهذا الإصلاح وتمسّكاً باعتقادهم الأصلي في مهدية محمد بن إسماعيل، وهو ما أدى إلى أحداث عنيفة (مثل نهب مكة وسرقة الحجر الأسود عام 317هـ/930م) زعزعت العالم الإسلامي.
ينتقل الفصل إلى «العصر الذهبي» الفاطمي (من 297هـ/909م إلى 567هـ/1171م)، حيث يصف كيف حوّل الإمام/الخليفة عبد الله المهدي، بمساعدة الداعي أبو عبد الله الشيعي، الإسماعيلية إلى دولة ودعوة منظّمة. يُسلّط الضوء على دور الخليفة المعز في نقل مركز الدولة إلى مصر وتأسيس القاهرة، وتطوير هيكلية الدعوة الهرمية (برئاسة «داعي الدعاة» أو «الباب») التي أشرفت على اثنتي عشرة «جزيرة» (منطقة) لنشر الدعوة عالمياً. ويُفصّل الإنجازات الفكرية والفقهية في هذه المرحلة، مثل وضع «المجالس» التعليمية، وإنشاء «دار العلم» (د. 395هـ/1005م)، وأهمية القاضي النعمان في تدوين الفقه الإسماعيلي بكتابه «دعائم الإسلام»، وتطوّر الكوزمولوجيا الأفلاطونية المحدثة على يد حميد الدين الكرماني. في المقابل، يُخصّص الفصل مساحة لعرض الانشقاق الدرزي بعد ادعاء ألوهية الخليفة الحاكم (عام 408هـ/1017م)، والذي قاده كل من حمزة والدرزي، وكيف تم رفضه رسمياً ضمن الدعوة الفاطمية لكنه نجح في التأسيس لجماعة منفصلة في سوريا.
بعد سقوط الدولة الفاطمية، يُقسّم الفصل التاريخ الإسماعيلي إلى فرعين: المستعلي والنزاري. بالنسبة للمستعليين (الذين تمسكوا بخلافة المستعلي ثم ابنه الطيب)، يُغطي الفصل «العهد اليمني» (من 524هـ/1130م تقريباً) حيث قادت الملكة أروى الصليحية ومجموعة من الدعاة (بدأً من الذئيب بن موسى) الجماعة تحت إمامة مستورة، وصولاً إلى «العهد الهندي» حيث تشكّلت جماعة البهرة التجارية. يُفصّل المؤلِّف انقسام الطيبية في 999هـ/1590م إلى داؤودية (في الهند) وسليمانية (في اليمن/نجران)، ويذكر انشقاقاً ثانوياً هو العلوية في الهند. يُقدّم الفصل أرقاماً تقديرية حديثة لأتباع كل فرع (نحو مليون للداؤودية، و60,000 للسليمانية)، ويشير إلى اضطهاد السليمانيين في السعودية المعاصرة.
أما النزاريون، فيُركّز الفصل على ثورة آلموت التي قادها حسن الصباح (بعد الاستيلاء على قلعة آلموت عام 483هـ/1090م). يصف كيف تحوّلت الإسماعيلية إلى دولة حصون ثورية تقاوم السلاجقة بإستراتيجية اغتيالات مركّزة، ويذكر تبنّي حسن الصباح عقيدة «التعليم» في كتابه «الفصول الأربعة» (الذي لم يُحفظ كاملاً). يُسلّط الضوء على حدث مفصلي هو إعلان حسن الثاني (ابن محمد بن بزورك) «القيامة» عام 559هـ/1164م، التي فسّرها روحياً لا حرفياً (ككشف الحقيقة الباطنية بالإمام)، ثم تراجع حفيده جلال الدين حسن عن ذلك متظاهراً بالسنة لتعزيز الأمن. ويُنهي سرد الدولة النزارية باجتياح المغول بقيادة هولاكو لقلاع فارس، وانتحار أو مقتل آخر أمراء آلموت ركن الدين خورشاه عام 654هـ/1256م، وسقوط قلاع سوريا بيد المماليك بحلول عام 672هـ/1273م. يختم المؤلّف بمناقشة مرحلة ما بعد آلموت حتى العصر الحديث، مُشيراً إلى أن الأئمة النزاريين انتقلوا من فارس إلى الهند ثم إلى أوروبا (حيث عُرفوا لاحقاً بلقب آغا خان)، ومُقرّاً بوجود فجوات بحثية كبيرة بسبب ممارسة النزاريين للـ«تقيّة» وتبنّي مظاهر دينية متعددة.
يُقرّ المؤلّف صراحةً بحدود عدة: قلة المصادر الأولية عن حياة الأئمة الأوائل (إسماعيل ومحمد بن إسماعيل)، ووجود روايات متضاربة في المصادر السنية والإمامية حول نشأة الحركة. كما يترك أسئلة مفتوحة حول مصير الطيب (الإمام المستتر عند الطيبية) وتفاصيل الأنظمة السرية للدعوة، ويعترف بأن أبحاث مرحلة ما بعد آلموت النزارية ما زالت غير مكتملة بسبب ندرة النصوص. في الختام، يمكن القول إن الفصل يُظهر أن تاريخ الإسماعيلية ليس مجرد تسلسل لأحداث سياسية، بل هو جدلية مستمرة بين نزعات مهدوية ثورية وحاجة إلى الاستقرار المؤسسي، وبين مركزية الباطن كمنهج فكري وصعوبات الممارسة تحت التقيّة، وهي إشكاليات ما تزال تؤثّر على واقع هذه الطوائف اليوم.
5.الزيديون187–220▼ résumé
الموضوع المحوري لهذا الفصل هو فرقة الزيديين، أحد الفروع الرئيسية للإسلام الشيعي، ويسعى المؤلف فيه إلى تقديم تاريخ تطور هذه الفرقة وعقائدها، وتوزعها الجغرافي، ومصيرها السياسي، من نشأتها الأولى وحتى العصر الحديث. يجيب الفصل بأن الزيديين، الذين يتركز وجودهم حالياً في اليمن ويتراوح عددهم بين خمسة إلى عشرة ملايين نسمة، هم فرقة شيعية أقل تطرفاً من غيرها، وقد تشكلت هويتهم المميزة من مزيج من الإرث الثوري والمواقف العقائدية المعتدلة نسبياً، وانتهت بهم الحال، بعد نجاحات سياسية محدودة في إيران واليمن، إلى التحول إلى أقليات مع تهميش عقائدهم الأصلية لصالح تيارات سنية متأثرة.
يسير الفصل بخط زمني وتاريخي، فيبدأ بنشأة الحركة من ثورة زيد بن علي زين العابدين الفاشلة عام 122هـ/740م ضد الأمويين في الكوفة. يذكر المؤلف أن زيداً، المولود نحو 80هـ، قاد ثورته بدعم متوقع من شيعة الكوفة، لكنه خذل وقتل، تماماً مثل جده الحسين. بعد وفاته، تابع ابنه يحيى الحركة ولكن في خراسان، حيث هُزم وقتل أيضاً. يُعتبر هذان الحدثان التأسيسيان للحركة الزيدية.
يتناول الفصل تبلور المذهب الزيدي خلال القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، موضحاً أنه نتج عن اندماج تيارين رئيسيين هما: البترية (أو الزيديون "الضعاف")، وهم معتدلون قبلوا بخلافة أبي بكر وعمر ورأوا أنها صحيحة وإن كان علي أفضل، والجارودية (أو الزيديون "الأقوياء")، وهم الأكثر تشدداً والذين رفضوا خلافة من سبق علياً واعتبروا أن النبي نص على علي. يوضح المؤلف أن آراء الجارودية سادت في الإمامة لكن الخلاف الفقهي استمر.
يشرح الفصل بالتفصيل عقيدة الإمامة عند الزيديين، وهي جوهر اختلافهم عن باقي الشيعة. فالزيدي لا يؤمن بخط وراثي محدد للأئمة ولا بمبدأ النص الصريح، ولا يعترف بإمامة القاصرين ولا بفكرة الغيبة. بالنسبة لهم، أي سليل مؤهل من الحسن والحسين يمكنه ادعاء الإمامة لنفسه إذا ما "خرج" في ثورة مسلحة ضد الحكام الظالمين، واجتمعت فيه شروط العلم الديني والقدرة على الاجتهاد. هذا المبدأ القائم على "الخروج" جعل التقية (إخفاء العقيدة) غريبة عنهم، لكنهم طوروا بدلاً منها عقيدة "الهجرة" إلى أراضٍ آمنة.
بعد الحديث عن النشأة والعقيدة، ينتقل الفصل إلى الحديث عن الدولتين الزيديتين اللتين تأسستا في منطقتين بعيدتين عن مركز الخلافة العباسية. الأولى في منطقة قزوين (شمال فارس)، حيث نجح العلويون. يذكر الفصل أن الحسن بن زيد أسس حكماً علوياً زيدياً في طبرستان عام 250هـ/864م واستمر حكم العلويين بشكل متقطع حتى نهايته على يد السامانيين عام 315هـ/928م. ثم عاد الحكم لفترة ثانية بقيادة الناصر الأطروش عام 301هـ/914م، لكنه انتهى أيضاً بحلول عام 410هـ/1019م. بعد ذلك، استمر نشاط الزيديين في جيلان الشرقية، لكن نفوذهم تضاءل بفعل صعود الإسماعيليين النزاريين بقيادة حسن الصباح الذي استولى على قلعة آلموت عام 483هـ/1090م من قائد علوي زيدي. يذكر الفصل أن العداء بين الزيديين والإسماعيليين كان شديداً، وأن الحكم الزيدي في جيلان انتهى تماماً مع تحول حكامه إلى المذهب الإمامي الإثني عشري تحت ضغط الصفويين.
ثم يركز الفصل بشكل أكبر وأكثر تفصيلاً على الدولة الثانية والأهم، وهي الإمامة الزيدية في اليمن، والتي أسسها يحيى بن الحسين (الملقب بالهادي إلى الحق) عام 284هـ/897م. يتناول الفصل صراعات الزيديين مع القوى المختلفة في اليمن، أبرزهم الإسماعيليين الصليحيين الذين حكموا البلاد لصالح الفاطميين. يشرح الفصل تطور المذهب الفقهي الزيدي اليمني (المذهب الهادوي) والخلافات الداخلية التي أدت إلى ظهور فرق مثل "الحسينية" التي ادعت المهدوية، و"المُطرِّفية" وهي حركة زيدية متشددة دينياً وزهدية تم تدميرها على يد الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة.
في الجزء الأخير، يتناول الفصل تحولاً جوهرياً في تاريخ الزيدية، وهو ما يسمى "إضفاء الصبغة السنية" عليها. يوضح أن هذا حدث بسبب عاملين متزامنين منذ القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي: الأول هو تحول الإمامة الزيدية إلى حكم ملكي وراثي فقدت فيه صفاتها الدينية والعلمية، والثاني هو توسع الدولة الزيدية القاسمية لتحكم مناطق ذات أغلبية سنية شافعية. للبحث عن شرعية بديلة، استعان الأئمة بعلماء سنة، وأبرزهم محمد بن علي الشوكاني (ت. 1250هـ/1834م). يذكر الفصل أن الشوكاني انتقد العقيدة الزيدية وفقهها، ودعا إلى الرجوع إلى مصادر السنة النبوية فقط (القرآن والحديث النبوي)، مما أدى إلى تهميش المذهب الزيدي الرسمي في الدولة نفسها وانتشار المذهب السني – السلفي بين الزيديين. يختتم الفصل بسقوط الإمامة الزيدية عام 1382هـ/1962م مع الثورة الجمهورية، ليبقى الزيديون بلا إمام، وهو وضع مسموح به في عقيدتهم.
6.النصيريون أو العلويون221–239▼ résumé
يُركّز هذا الفصل على دراسة الفرع النصيري/العلوي من الإسلام الشيعي، ويُسلّط الضوء على تهميشه النسبي في الأبحاث الأكاديمية مقارنة بفروع شيعية أخرى، مع توثيق مسار تطوره التاريخي والعقائدي. يُقدّم المؤلف إجابةً أساسيةً مفادها أن هذه الجماعة، التي عُرفت بالعلويين منذ عشرينيات القرن الماضي، لم تحظَ بتميّز سياسي يُذكر في العصور الوسطى، لكنها حققت بروزًا اجتماعيًا وسياسيًا لافتًا في سوريا الحديثة، لا سيما بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، حيث أصبح العلويون يمثلون أقلية حاكمة لا يتناسب حجمها (~12% من سكان سوريا البالغ عددهم نحو 22 مليون نسمة) مع مكانتها.
يسير الفصل في مسار زمني يبدأ بتأسيس الجماعة، مرورًا بمراحل تطورها تحت ضغط الاضطهاد، ووصولاً إلى وضعها المعاصر. يستهل المؤلف بعرض تاريخي، فيرجع أصول العلويين إلى شخص يُدعى أبو شعيب محمد بن نُصير النميري (المتوفى عام 270/883)، وهو من غلاة الشيعة الذين أعلنوا ألوهية الأئمة. يُشير الفصل إلى أن المصادر الإمامية المبكرة كانت معادية لابن نصير، وتذكر أن الإمام علي الهادي لعنه بسبب مزاعمه. ثم ينتقل إلى الحديث عن خلفاء ابن نصير، أبرزهم محمد بن جندب وعبد الله بن محمد الجنبولاني، وصولاً إلى شخصية محورية هي أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي (ت. 346/957 أو بعد ذلك بعقد)، الذي يُعتبر ناقلًا رئيسيًا للتعاليم العلوية وناشرًا لها في شمال سوريا. يوضح الفصل كيف أن الخصيبي استفاد من رعاية الحمدانيين في حلب، بينما اضطر أتباعه إلى ممارسة التقية تحت حكم البويهيين.
يتناول الفصل بعد ذلك دور الخليفة الثالث، وهو ميمون بن قاسم الطبراني (ت. 424/1034)، الذي يُوصف بأنه المؤسس الحقيقي للجماعة العلوية السورية، حيث دوّن تعاليمها في كتابه المهم مجموع الأعياد، ونشر المذهب في جبال الساحل السوري. يُشير الفصل إلى ظهور الدروز كمنافسين للعلويين في تلك الفترة، حيث كتب حمزة بن علي رسالة لنقض العلويين بعنوان رسالة الدامغة في الفاسق النصيري. ثم يعرج على فترة الاضطراب بعد الطبراني، حيث افتقر العلويون إلى قادة مركزيين، خاضعين لسلطة شيوخهم المحليين وأسر العشائر مثل بني محرز.
ينتقل الفصل إلى العصور الوسطى، فيصف كيف خضع العلويون للحكم الصليبي بعد أن فقدوا قلاعهم، مثل قلعة المرقب، وكيف دخلوا في صراع متقطع مع جيرانهم من الإسماعيليين النزاريين، الذين اشتروا قلعة القدموس عام 527/1132. يوضح المؤلف أن العلويين وجدوا حاميًا جديدًا في شخص الأمير الحسن المكزون السنجاري (ت. 650/1240)، الذي اعتنق العلوية وجلب معه قبائل بدوية تُعتبر أجدادًا للعديد من العشائر العلوية الحالية. ثم يصف الفصل الفترة الصعبة تحت الحكم المملوكي، حيث مارس السلطان الظاهر بيبرس (ح. 658-676/1260-1277) سياسات اضطهادية قاسية ضدهم، شملت فرض ضرائب ثقيلة، ومحاولات تحويلهم قسرًا إلى الإسلام السني، وتدمير كتبهم. ويُشير إلى أن الفقيه الحنبلي ابن تيمية أصدر فتوى ضدهم قبل وفاته عام 728/1328، حلّل فيها جهادهم ووصفهم بأنهم أشد إلحادًا من عبدة الأوثان.
مع قدوم العثمانيين بعد عام 4750/1517، تحسّنت أوضاع العلويين، حيث تم الاعتراف بهم كـ"أهل ملة" يتمتعون بجهاز قضائي خاص، وخضعوا لإدارة محلية عبر موظفين عثمانيين وزعماء قبليين يُعرفون باسم "المقدمين". بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية وفرض الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920، أنشأ الفرنسيون كيانًا سياسيًا علويًا مستقلًا بداية باسم "أراضي العلويين المستقلة" ثم "دولة العلويين"، لكن هذا الكيان أُلغي عام 1937 وأصبح محافظة في الدولة السورية الجديدة. يخلص الفصل إلى أن العلويين لم يحتفظوا بدولة مستقلة، لكنهم نجحوا في الوصول إلى سدة الحكم عبر أسرة الأسد وعبر انضمامهم إلى حزب البعث الاشتراكي الحاكم.
في الشق العقائدي، يُوضح الفصل أن النصيرية/العلوية هي ديانة باطنية سرية تلتزم بممارسة التقية، ولا تُلقّن تعاليمها إلا للأفراد الذكور عند بلوغهم سن الثامنة عشرة، بينما تُستثنى النساء. يقوم نظامها الفكري على كوزمولوجيا عرفانية توفيقية تمزج عناصر من الإسلام والمسيحية والوثنية مع أفكار غلاة الشيعة. العنصر المركزي فيها هو تقديس علي بن أبي طالب، حيث يحل في ثالوث إلهي مع محمد (كاسم أو حجاب) وسلمان الفارسي (كأب أو باب). يعتقد العلويون بأن الجوهر الإلهي (المعنى) قد ظهر في سبعة أدوار تاريخية، اتخذ في كل منها شكل الثالوث ذاته مع شخصيات تاريخية وأسطورية. يشرح الفصل أسطورة النفوس التي هبطت إلى العالم المادي وأصبحت محكومة بالتناسخ، وأن النجاة تتحقق بمعرفة هوية المعنى، مع استثناء النساء من هذه الرحلة الخلاصية. يصف الفصل أيضًا الطبيعة التوفيقية لاحتفالاتهم التي تجمع بين أعياد إسلامية كعيد الفطر والأضحى وعيد الغدير وعاشوراء، وأعياد فارسية كالنوروز والمهرجان، وأعياد مسيحية كعيد الغطاس والميلاد، بالإضافة إلى طقوس وثنية كتعظيم الشجر والينابيع.
يقرّ الفصل صراحةً بالغموض الذي يكتنف التاريخ اللاحق للعلويين في العصور الوسطى، وبافتقارهم إلى قادة مركزيين في فترات طويلة، مما يجعل تاريخهم أشبه بـ"إشارات غامضة" من المصادر العلوية. كما يعترف المؤلف بأن معظم التراث الأدبي الضئيل للجماعة قد تعرض للتلف والضياع بسبب الاضطهاد. من التحفظات المهمة، الإشارة إلى أن الدراسات الغربية المبكرة، رغم جهود رواد مثل يوسف كاتفاجو وصموثيل لايد، كانت مليئة بالمعلومات المشوشة والخلط بين العلويين والإسماعيليين والدروز.
وأخيرًا، يُشير الفصل إلى وجود انقسام في الهوية بين العلويين المعاصرين في سوريا: تيار محافظ متشدد في الجبال يتمسك بالتقاليد القديمة، وتيار حضري يُعرف بـ**"الجعفريين"** ويميل نحو تأكيد الهوية الشيعية الإمامية، وقد بدأ بعض مشايخهم في تلقي تعليمهم في معاهد شيعية مثل النجف وقم. هذا الانقسام يطرح سؤالًا مفتوحًا حول مستقبل هذه الطائفة في ظل التحولات السياسية والدينية المعاصرة، ويجعل التوفيق بين هويتهم النصيرية الخاصة وانتمائهم الشيعي الأوسع نقطة جدل قابلة للنقاش.
Analyse & mots-clés
Personnes
Événements