
تاريخ العلويين وقائع وأحداث
يؤرخ كتاب "تاريخ العلويين وقائع وأحداث" للمؤلف هاشم عثمان لمسار تاريخي طويل ومعقد للطائفة العلوية في سورية، مركزاً على مرحلتين حاسمتين: فترة الحكم العثماني التي اتسمت بالعنف الممنهج، وفترة الانتداب الفرنسي التي شهدت تحولاً في العلاقة مع السلطة. الموضوع المحوري للكتاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تختزل تاريخ العلويين في تمردات لا سبب لها، وتقديمها بدلاً من ذلك كرد فعل طبيعي على واقع اجتماعي متخلف وسياسة قهرية متعمدة. يدافع المؤلف عن أطروحة واضحة وهي أن العلويين، رغم تعرضهم لسياسات "الأرض المحروقة" والتهميش، كانوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج السوري، وأن نضالهم من أجل الوحدة مع سورية في وجه السياسات الفرنسية الانفصالية كان نابعاً من وعي وطني ناضج. يبني الكتاب حجته عبر تتبع زمني للأحداث، حيث يبدأ بعرض دموية الحملات العثمانية، ثم ينتقل إلى بيان الكيفية التي استغلت بها فرنسا هذه التراكمات التاريخية لمحاولة فصل العلويين عن محيطهم العربي، قبل أن يختتم بتوثيق النهضة الفكرية والسياسية التي قادت العلويين نحو الوطنية السورية.
يسير الكتاب وفق بنية تراكمية محكمة تبدأ من سرد تاريخي تأسيسي لعلاقة القهر بين الدولة العثمانية والجبل العلوي، يتبعه تحليل لسياسة فرنسا الاستعمارية، ثم ختام برصد الإنتاج الفكري الذي يعكس نضج الوعي القومي. في الفصل الأول، "في خضم الأحداث" ، يضع المؤلف الأساس الذي تفسر به باقي الفصول. يروي الفصل سلسلة لا تنتهي من الحملات العسكرية التي شنتها الدولة العثمانية على جبال الساحل السوري منذ أوائل القرن التاسع عشر، ويقدم تفسيراً للعنف المتكرر باعتباره نتيجة لدوامة من القهر بدأت بسياسة "الأرض المحروقة". كان الجيش العثماني يحرق المحاصيل ويهدم البيوت ويسبي النساء والأطفال، تاركاً العلويين دون مصدر رزق، مما يدفعهم إلى "الشقاوة" كالسرقة، وهو ما كان يثير حملات عقابية جديدة. تبرز في هذا الفصل حادثة مقتل الكولونيل الإنكليزي بروس، عشيق السيدة الليدي إستير ستانهوب، في مقاطعة بيت العشرة عام 1815م، والتي تحولت إلى ذريعة لشن هجوم انتقامي شرس قادته القوات العثمانية بقيادة مصطفى بربر، فقتل سبعين رجلاً من كبار العلويين وسبى النساء وباعوهن رقيقات. هذه الحادثة تكشف الوجه الحقيقي للسياسة العثمانية، حيث كانت حياة أجنبي واحد تبرر ذبح وسبي مئات العلويين. يستعرض الفصل أيضاً صراع مصطفى بربر مع عثمان باشا اللبيب الذي انتهى بمقتل بربر عام 1819م، وفترة الحكم المصري بقيادة إبراهيم باشا الذي بدأ بموقف مشرف بإعادته لبنات علويات كن قد بيعن، لكنه وقع في "خطيئة كبيرة" بفرض ضرائب ثقيلة وإضعاف شيوخ العلويين، مما أدى إلى ثورة عام 1839م التي شارك فيها آلاف الرجال وسيطروا على اللاذقية، قبل أن يقمعها الجيش المصري بوحشية ويعدم قادتها. يبرز من بين الزعماء المحليين إسماعيل خير بك الذي قاد ثورة أخرى في صافيتا عام 1850م، وانتهى به الأمر مقتولاً على يد عمه مقابل جائزة مالية، مما يظهر أثر الخيانة والعزلة التي كان يعاني منها الزعماء المحليون. يختتم الفصل بقيام دولة "حكومة العلويين" تحت الانتداب الفرنسي في آب 1920م، ويفند التبرير الفرنسي بحماية الأقليات، مؤكداً أن الهدف الحقيقي كان إضعاف الحركة القومية العربية وتقسيم سوريا.
ينتقل الكتاب في فصله الثاني، "العلويون والانتداب الفرنسي" ، ليحلل بعمق سياسة فرنسا التي طبقت مبدأ "فرّق تسد" الاستعماري. يوثق الفصل الكيفية التي سعت بها فرنسا إلى خلق نخبة علوية موالية لها من خلال منح الامتيازات الإدارية والدينية والمادية، ففي 5 أيلول 1920 صدر القرار رقم 520 الذي أنشأ "منطقة أراضي العلويين المستقلة إدارياً" وقسّمها إلى سنجقين: اللاذقية وطرطوس. أنشأت فرنسا لجنة استشارية من 14 عضواً موزعين بنسب طائفية محددة (8 علويين، 3 مسيحيين، إسماعيلي واحد، ومسلمين اثنين)، وعيّنوا من قبل المفوض السامي لا من خلال انتخابات حرة. كما أسست محاكم مذهبية علوية في اللاذقية والقرداحة والمرقب وطرطوس، وجعلت عيد الغدير عطلة رسمية، بهدف "تخدير مشاعر العلويين". لكن سرعان ما تبدد هذا الوهم، ويشير الفصل إلى أن العلويين "استفاقوا على وقع الأحداث والتطورات" ليجدوا أنهم "ما ازدادوا إلا فقراً وتعاسة". هنا يبدأ القسم الأهم من الفصل، وهو بروز المعارضة العلوية السياسية. بدأت المذكرات والاحتجاجات تُرفع من الشباب العلوي والمثقفين، وركزت على أربعة محاور رئيسية: التبشير الديني الذي رأوا فيه تهديداً لإسلامهم، والوظائف التي كانت بأيدي غرباء، والنظام الضريبي الجائر، وإهمال الري والزراعة والمعارف. المطلب الجوهري كان العودة إلى أحضان الحكومة السورية. يذكر الفصل حزب الوحدة الذي دعا إلى الوحدة السورية وكان من أنشط أعضائه الشيخ علي شهاب، والذي نظم اجتماعين كبيرين في 17 و18 آذار 1936 في قريتي عين البيضا والشيخ حسن. في المقابل، تحركت "زمرة الانفصال" الموالية لفرنسا، لكن رد فعل أنصار الوحدة كان حاسماً، حيث عقدوا اجتماعاً مهماً في 14 آذار 1936 في منزل الزعيم العلوي التاريخي الشيخ صالح العلي، واتفقوا على إرسال برقية إلى المسؤولين الفرنسيين يعلنون فيها أن الانفصاليين "قليلون". بلغ التنسيق ذروته في سنة 1937، حيث تشكّل وفد علوي كبير سافر إلى دمشق للقاء الكتلة الوطنية، وردّ رئيس الكتلة آنذاك هاشم الأتاسي ببيان مؤرخ في 17 آذار 1937، رحب فيه بالوفد وأكد على "ولاء العلويين والمسيحيين القومي وتضامنهم مع سورية". توج هذا الحراك بتأسيس "رابطة الشباب المسلم العلوي" في مدينة اللاذقية بتاريخ 24 آذار 1937، التي أعلنت عن نفسها ببيان تجردت فيه عن الطائفية ودعت للوحدة الوطنية. بعد توقيع معاهدة بين سوريا وفرنسا بتاريخ 9 أيلول 1936، أصدر المفوض السامي قراراً بضم منطقة اللاذقية إلى الحكومة السورية، واستُقبل قرار الضم بأهازيج شعبية تجسد التلاحم السني العلوي، ومنها أغنية تقول: "إسلام وعلويه خلوه يسافر على بلاده بصاية الوحدة السوريه".
يختتم الفصل بمرحلة ما بعد الضم، حيث يسجّل خيبة أمل العلويين من حكومة الكتلة الوطنية التي "قلبت لهم ظهر المجن" وأساءت معاملتهم. ردّاً على ذلك، رفع زعماء العلويون مذكرتين طويلتين إلى محافظ جبل العلويين، وصفّتا بالتفصيل سياسات التمييز والإذلال التي تعرضوا لها، واتهمت الحكومة بإحياء النعرات الطائفية واستخدام العنف والإرهاب ضدهم. يبرز من بين الشخصيات الموقعة على هذه المذكرات إبراهيم الكنج (زعيم عشائر الحدادين) وسليمان المرشد (نائب في البرلمان) ومنير العباس. خُتمت المذكرتان بمطالبة صريحة بالعدل والمساواة وسياسة قومية عربية أصيلة. يقدم الفصل، بهذا، وثائق نادرة تعكس صوت العلويين في مرحلة حاسمة، وتحولهم من أداة في لعبة الاستعمار إلى قوة سياسية وطنية تطالب بحقها في دولة موحدة.
يكمل الكتاب رصد النهضة الفكرية في الفصل الثالث، "النشاط الفكري والثقافي عند العلويين" ، الذي يقسم الإنتاج الفكري إلى ثلاث مراحل زمنية: العهد المملوكي، والعهد العثماني، والعصر الحديث. في المرحلة الأولى، يبرز اسم الخصيبي الذي يُعتبر شخصية محورية وله مؤلفات مهمة مثل "مجموع الأعياد". كما يذكر شخصيات من علماء الغساسنة مثل يحيى بن يحيى بن قيس الغساني المتوفى سنة 231هـ، والشيخ أحمد الغساني صاحب كتاب "مسائل نصر بن جبلة" . من الشخصيات اللافتة حاتم الجديلي صاحب رسالة "التجريد" ، وحسن بن محمود الأجرودي الذي نشر له المستشرق كليمان هوار قصيدته العامية "الناطنية" . أما المرحلة الثانية (العهد العثماني) فتمتد من عام 1516م إلى تشرين الثاني 1918م، وتتميز بكثرة عدد المؤلفين من رجال الدين الذين تركزت مؤلفاتهم على التوحيد، ومنهم حسن سلطانة (توفي 1871م) والذي عبر في شعره عن حزنه لوفاة أبنائه التسعة، وسليمان بيصين (1795-1871م) وله رسالتان وديوان شعر، والشيخ إبراهيم عبد اللطيف (1841-1921م) صاحب مجلة "العرفان" والذي توفي في ريعان شبابه تاركاً تراثاً فاخترمه الموت قبل أن يتمه. أما المرحلة الثالثة (العصر الحديث) فتمتد من تشرين الثاني 1918م إلى نيسان 1946م، وتتسم بخروج العلويين من عزلتهم ومشاركتهم في الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية، وراحوا ينشرون ثمرات أقلامهم في الصحف والمجلات. من أبرز عوامل الازدهار ظهور مجلة "العرفان" التي فتحت صفحاتها لمثقفي العلويين مثل الشيخ سليمان الأحمد وبدوي الجبل وفتاة غسان (ابنة الشيخ سليمان الأحمد). كما صدرت صحف علوية مثل "الصدى العلوي" لصاحبها عابد جمال في 17 نيسان 1936م، ومجلة "العلوي" لصاحبها برهان الدين مصري في 15 أيلول 1937م. يخلص المؤلف في نهاية الفصل إلى عدة ملاحظات، منها كثرة عدد الأدباء والمفكرين العلويين الذين علموا أنفسهم بأنفسهم، ومشاركة المرأة العلوية في الحركة الأدبية حيث كانت فاطمة سليمان الأحمد (فتاة غسان) أول فتاة علوية برزت في سماء الإبداع الأدبي، وظهور أديبات أخريات مثل حليمة رمضان وخديجة الحامد.
يتخذ الكتاب منعطفاً نقدياً في الفصل الرابع، "وقفة مع كتاب تاريخ العلويين" ، حيث يكرّس جهده لمراجعة نقدية شاملة لكتاب "تاريخ العلويين" لمؤلفه محمد أمين غالب الطويل الذي يُعد من المراجع الأساسية. الموضوع المحوري للفصل هو تفنيد الأخطاء التاريخية والمغالطات والتناقضات التي وقع فيها الطويل، والتي يراها عثمان عديدة وخطيرة. يبدأ الفصل بمناقشة التناقض الأساسي في تعريف الطويل للعلويين، حيث يخلط بين "العلويين العرب" (النصيرية) وبين الشيعة الإثني عشرية. ثم ينتقل إلى تفنيد ادعاء الطويل بأن شخصيات إسلامية شهيرة مثل المهلب بن أبي صفرة وموسى بن نصير ومحي الدين بن عربي كانت "علوية"، مؤكداً عدم وجود دليل تاريخي على ذلك. ويستخدم عثمان مثالاً قوياً بتفنيده لادعاء أن المؤرخ أبي الفداء كان علوياً، حيث يورد نصوصاً من كتاب أبي الفداء نفسه يشتم فيها النصيرية ويلعنهم. يخصص الفصل مساحة كبيرة لنقد ما كتبه الطويل عن شخصية الحسين بن حمدان الخصيبي، حيث يستخدم أدلة تاريخية دامغة لتفنيد الادعاء بأن الخصيبي كان المعلم الروحي للسلالات الحاكمة كالحمدانيين والبويهيين والفاطميين، مركزاً على التباين الزمني والمكاني بين الخصيبي وهذه السلالات. فمثلاً، يوضح أن عبد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية غادر الشام قبل أن يدخلها الخصيبي بـ 27 سنة، مما يجعل من المستحيل أن يكون قد تلقى علومه منه.
يواصل الفصل الخامس، "وقفة مع كتاب العلويون من هم وأين هم" ، النهج النقدي ليرد بالتفصيل على كتاب "العلويون من هم وأين هم" للمنير الشريف. الموضوع المحوري هنا هو تفنيد الروايات التي يقدمها الشريف حول تاريخ العلويين وهجراتهم وطوائفهم وأصول تسميتهم. يبدأ الفصل بمناقشة "الهجرات" الست التي ذكرها الشريف للعلويين إلى جبال اللاذقية، ويشكك في هجرتين وقعتا "قبل المسيح ومحمد" بينما العلويون ينتسبون إلى محمد بن نصير الذي عاش بعد النبي بقرون. ويؤكد أن أول هجرة جماعية مسجلة للعلويين كانت من وادي التيم في أوائل القرن الحادي عشر الهجري. ثم ينتقل لمناقشة مسألة التسمية "علويون أم نصيرية"؟ وينتقد قول الشريف بأن التسمية "علويون" ظهرت في زمن الانتداب الفرنسي، مؤكداً وجود فرقة شيعية تدعى "العلوية" في المدونات التاريخية القديمة. يختتم الفصل بعرض وثائقي مهم، حيث يورد نصوصاً تاريخية تثبت البعد الوطني للعلويين، منها نص مذكرة سياسية من "لجنة القوميين العرب في محافظة جبل العلويين" تؤكد حرص أبناء المحافظة على استقلال سوريا ووحدتها، وخطاب موجه "إلى الشعب المسلم العلوي النبيل" من مجموعة "شباب مسلم علوي متعلم" ينتقدون فيه الزعامات الأنانية ويحذرون من التبشير الديني.
يشكل الكتاب بأسره مرجعاً مهماً لفهم تاريخ العلويين من وجهة نظر وثائقية، إلا أن المنهج النقدي الذي يتبعه المؤلف يثير بعض النقاط القابلة للنقاش. فاعتماد المؤلف بشكل كبير على كتاب واحد ("تاريخ العلويين" للطويل) كمصدر أساسي للصحة مقابل أخطاء الآخرين قد يحمل بعض المغالاة. كما أن الحجج القوية المقدمة لتفنيد أخطاء الطويل والشريف تعتمد في الغالب على فحص منطق التسلسل الزمني والمقارنة بين المصادر، مما يجعل النقد قائماً على مرجعية مقارنة. مع ذلك، يبقى الكتاب صادقاً في حدود تعامله مع المصادر المقدمة، ويقر المؤلف ضمنياً بحدود معرفته عندما يشير إلى أن بعض النقاط نوقشت بالتفصيل في كتب سابقة له. في النهاية، يعد هذا العمل توثيقاً مهماً لمرحلة تاريخية حاسمة، حيث يقدم رواية العلويين عن أنفسهم، ويبرر تحالفهم الأولي مع فرنسا كخيار وجودي، لكنه يفضح فشل هذا الخيار، ويؤكد أن نضالهم من أجل الوحدة مع سورية كان نابعاً من نضج سياسي ووطني أدركوا به أن حريتهم الحقيقية لا تتحقق إلا ضمن سورية المستقلة.
Personnes
Chapitres(5)
1.في خضم الأحداث39–54▼ résumé
يسرد هذا الفصل تاريخاً طويلاً من الحملات العسكرية والعنف المتكرر الذي تعرض له العلويون في جبال الساحل السوري، من أوائل القرن التاسع عشر وحتى الاحتلال الفرنسي. الموضوع المحوري هو أن هذه الحملات لم تكن مجرد عقوبات على "الخروج عن الطاعة"، بل كانت نتيجة دوامة من القهر والإذلال التي فرضتها الدولة العثمانية. يرى المؤلف أن السبب الجذري لهذا العنف هو سياسة "الأرض المحروقة" التي كانت الدولة تتبعها، حيث كان الجيش يحرق المحاصيل ويهدم البيوت ويسبي النساء والأطفال، مما يترك العلويين بلا مصدر رزق فيضطرون إلى أعمال "شقاوة" كالسرقة، وهو ما كان يثير حملات عقابية جديدة.
يبدأ الفصل بعرض حملة والي الشام كنج يوسف في شهر أيار عام 1804 م على بلاد صافيتا رداً على مقتل الأمير مصطفى اليزيدي، والتي دام حصارها لقلاع مثل مصياف و القدموس ما يقرب من أربعة أشهر، وانتهت بدفع الشيخ صقر المحفوض فدية مالية. ثم ينتقل إلى حملة سليمان باشا، والي صيدا والشام، في عام 1811 م التي أوكل فيها القيادة إلى مصطفى بربر لتأديب العلويين في بلاد المرقب. فشلت الحملة الأولية بسبب صعوبة البلاد، لكنها نجحت في النهاية وتم تسليم مقاطعة القرداحة لمصطفى بربر.
يخصص الفصل حيزاً كبيراً لحادثة مقتل الكولونيل الانكليزي بروس في مقاطعة بيت العشرة في عام 1815 م، وهو عشيق الليدي إستير ستانهوب. حرضت الليدي إستير سليمان باشا على الانتقام، فشن مصطفى بربر هجوماً شرساً، حيث قتل سبعين رجلاً من كبار العلويين وسبى النساء وباعوهن رقيقات. يبرز هنا السبب التافه للحملة الانتقامية من أجل أجنبي. ثم يستعرض الفصل صراع مصطفى بربر مع عثمان باشا اللبيب، الذي عينته الدولة سنة 1817 م، وانتهى بمقتل بربر بعد معركة دامية في نيسان 1819 م.
ينتقل الفصل إلى فترة الحكم المصري لمحمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا، الذي بدأ بموقف مشرف بإعادته لبنات علويات تم المتاجرة بهن، لكنه وقع "في خطيئة كبيرة" بفرضه ضرائب ثقيلة وإضعافه لشيوخ العلويين. استغلت بريطانيا والدولة العثمانية هذا الأمر لتحريض زعماء العلويين على الثورة سنة 1839 م. سرد الفصل تفاصيل الثورة التي شارك فيها آلاف الرجال وسيطروا على اللاذقية، لكن الجيش المصري بقيادة اللواء سليم بك واللواء العاشر تمكن من إخمادها بشدة، وإعدام قادة الثورة أمثال أحمد القرفور وجمع أكثر من 100 بندقية.
بعد انسحاب الجيش المصري سنة 1845 م، بدأت دورة جديدة من العنف مع ظهور زعيم جديد هو إسماعيل خير بك في صافيتا سنة 1850 م، والذي قاد ثورة أخرى. تحالفت ضده الدولة العثمانية وحاصرته من اللاذقية ودمشق، وتخلت عنه الدول الكبرى، وانتهى به الأمر مقتولاً على يد عمه علي الشلي بعد حلول عام 1854 م مقابل جائزة مالية، مما يظهر أثر الخيانة. ثم تابع الفصل الحديث عن الفوضى التي أحدثتها القرعة العسكرية التي طبقت لأول مرة سنة 1870 م، والتي أدت إلى فرار الشباب وتشكيلهم عصابات للنهب، مثل عصابة برزق في قلعة الخندق عام 1845 م.
يذكر الفصل تقريرين للوالاة العثمانيين، مدحت باشا وأحمد حمدي باشا، في حزيران 1845 وسنة 1858 م على التوالي، والتي نبهت السلطة العليا في اسطنبول إلى خطورة استمرار سياسة القوة بدلاً من الإصلاح في الجبل العلوي، خاصة في موقع ساحلي حساس، لكن التقريرين لم يجديا نفعاً. وفقط مع تعيين ضياء بك متصرفاً على اللاذقية سنة 1885 م، تحسن حال العلويين، حيث أعاد أراضيهم وأنصفهم ودعمهم في الوظائف، لكنه توفي سنة 1885 م، ليعود الحكام من بعده إلى سياساتهم القديمة.
أخيراً، يشرح الفصل قيام دولة "حكومة العلويين" تحت الانتداب الفرنسي بعد احتلال دمشق في تموز 1920 م، بموجب القرار رقم 519 الصادر في آب 1920 م، وعاصمتها اللاذقية. ويفند الفصل التبرير الفرنسي بحماية الأقليات، مؤكداً أن الهدف الحقيقي كان إضعاف الحركة القومية العربية وتقسيم سوريا لتسهيل السيطرة عليها، وخلق طوائف جديدة لضرب الوحدة الوطنية.
من أهم ما يمكن مناقشته بناءً على النص وحده هو تأكيد المؤلف المستمر على أن العنف والتمرد كانا رد فعل “على واقع اجتماعي متخلف في غاية البؤس” و "سياسة الأرض المحروقة”. فهو لا يساوي ببساطة بين حملات الدولة العثمانية وثورات العلويين، بل يقدم الأولى كخلفية سببية للثانية. الحادثة الأكثر لفتاً للنظر هي مقتل الكولونيل بروس، والتي تبين أن حياة أجنبي واحد كانت تبرر ذبح وسبي مئات العلويين. كما أن نهاية إسماعيل خير بك تشير إلى حالة العزلة والخيانة التي كان الزعماء المحليون يعانون منها، حيث فضلته أسرته وعشيرته على مواجهة الدولة العثمانية.
2.العلويون والانتداب الفرنسي55–136▼ résumé
يُركّز هذا الفصل من كتاب "تاريخ العلويين وقائع وأحداث" للمؤلف هاشم عثمان على فترة الانتداب الفرنسي في سورية، وتحديداً سياسة فرنسا تجاه الطائفة العلوية ومنطقة "العلويين" التي حاولت فرنسا فصلها عن الدولة السورية الناشئة. الإجابة المحورية التي يقدمها الفصل هي أن فرنسا اتبعت سياسة "فرّق تسد" الاستعمارية، فبعد أن قسّمت سورية إلى دويلات، عملت على خلق نخبة علوية موالية لها من خلال منح الامتيازات الإدارية والدينية والمادية، وذلك بهدف تأبيد وجودها في المنطقة وضمان ولاء العلويين. لكن ردة فعل النخب العلوية المثقفة والشبابية كانت معارضة لهذه السياسة وداعية إلى الوحدة مع سورية، متحديةً بذلك المخطط الفرنسي.
يبدأ الفصل بتفصيل الإطار الإداري الذي أسسته فرنسا للمنطقة بعد فصلها. ففي 5 أيلول/سبتمبر 1920 صدر القرار رقم 520 الذي أنشأ "منطقة أراضي العلويين المستقلة إدارياً" وقسّمها إلى سنجقين: اللاذقية وطرطوس، وكل منهما يضم أقضية عدة. يشرح الفصل آلية الحكم التي جعلت من حاكم إداري فرنسي يتبع المفوض السامي هو المسؤول الأول، ومنحته صلاحيات واسعة. كما أنشأت فرنسا لجنة استشارية مؤلفة من 14 عضواً تم توزيعهم بنسب طائفية محددة (8 علويين، 3 مسيحيين، إسماعيلي واحد، ومسلمين اثنين)، وقد عُيّنوا من قبل المفوض السامي وليس من خلال انتخابات حرة، مما يعكس السيطرة الفرنسية الكاملة. هذه الهيكلية تهدف إلى إظهار شكل من المشاركة المحلية مع إبقاء القرار النهائي فرنسياً.
وعلى الصعيد الديني والاجتماعي، يُظهر الفصل كيف سعت فرنسا لكسب ود الزعماء العلويين. لقد اعترفت فرنسا بسلطة المشايخ وزعماء العشائر، الذين أظهروا طاعة للسلطات المتعاقبة، وجنّدت الكثيرين منهم في جيشها الشرقي الذي خاض معارك في المنطقة. وذهبت أبعد من ذلك فعينت زعماء بارزين مثل جابر العباس ومحمد سليمان الأحمد وصقر خير بك أعضاءً في "المجلس التمثيلي للدولة العلوية". كما أسست محاكم مذهبية علوية في اللاذقية والقرداحة والمرقب وطرطوس للفصل في قضايا الأحوال الشخصية، وعيّنت مشايخ معروفين كـ الشيخ سليمان الأحمد والشيخ أحمد ديب الخير في هذه المحاكم. بالإضافة إلى ذلك، جعلت فرنسا عيد الغدير، وهو أهم الأعياد عند العلويين، عطلة رسمية. الهدف من هذه السياسات، كما يذكر الفصل، هو "تخدير مشاعر العلويين" وإيهامهم بأن فرنسا تسعى لحفظ مصالحهم وضمان حريتهم الدينية ورفع مستواهم، مما جعلهم "كَالغريق الذي يتمسك بقشة" وينام على أحلام وردية.
لكن سرعان ما تبدد هذا الوهم، ويشير الفصل إلى أن "العلويين استفاقوا على وقع الأحداث والتطورات" ليجدوا أن حالهم لم يتغير وأنهم "ما ازدادوا إلا فقراً وتعاسة". وهنا يبدأ القسم الأهم من الفصل، وهو بروز المعارضة العلوية السياسية. ينتقل الفصل من سرد السياسة الفرنسية إلى توثيق ردود الفعل الناقدة. فبدأت المذكرات والاحتجاجات تُرفع من الشباب العلوي والمثقفين إلى المفوض السامي في بيروت ووزارة الخارجية الفرنسية وعصبة الأمم. ركزت الانتقادات على أربعة محاور رئيسية: التبشير الديني الذي رأوا فيه تهديداً لإسلامهم، مؤكدين أن "العلويين شيعة مسلمون برهنوا عبر تاريخهم عن امتناعهم عن قبول كل دعوة لتحوير عقيدتهم"؛ والوظائف التي اتهموا الحكومة بأنها "بأيدي أناس غرباء" ولا يعترفون بكفاءة الشباب العلوي؛ والنظام الضريبي الجائر؛ وإهمال الري والزراعة والمعارف. أما المطلب الجوهري فكان الانفصال (أي الاستقلال الإداري) نفسه، حيث رأى الشباب المثقف أن "الحل الوحيد لهذه الحالة السيئة هو العودة لأحضان الحكومة السورية"، معتبرين أن الانفصال لم يكن سوى عامل انحطاط.
برز من بين المعارضين حزب الوحدة الذي دعا إلى الوحدة السورية، وكان من أنشط أعضائه الشيخ علي شهاب الذي جمع توقيعات لمضابط تطالب بالوحدة ونظم اجتماعين كبيرين في 17 و18 آذار 1936 في قريتي عين البيضا والشيخ حسن. في المقابل، تحركت "زمرة الانفصال" الموالية لفرنسا، بقيادة شخصيات مثل محمد سليمان الأحمد وإسماعيل اليونس، وأرسلت برقيات تؤكد ولاءها للانفصال. لكن رد فعل أنصار الوحدة كان حاسماً، حيث عقدوا اجتماعاً مهماً في 14 آذار 1936 في منزل الزعيم العلوي التاريخي الشيخ صالح العلي، واتفقوا على إرسال برقية إلى المسؤولين الفرنسيين يعلنون فيها أن الانفصاليين "قليلون" ويسعون لتشويه إرادة الأغلبية من طلاب الوحدة. وانحاز مشايخ العلويين، بمن فيهم الشيخ صالح العلي نفسه، إلى طلاب الوحدة وأرسلوا برقية مماثلة للمفوض السامي يطالبون فيها بـ"تحقيق الوحدة السورية على أساس لامركزية إدارية".
بلغ التنسيق بين العلويين والوطنيين السوريين ذروته في سنة 1937، حيث تشكّل وفد علوي كبير ضم زعماء العشائر والنواب مثل منير العباس وسليمان الأسد وحامد المحمود إضافة إلى مثقفين، وسافر إلى دمشق للقاء الكتلة الوطنية. وقد ردّ رئيس الكتلة آنذاك هاشم الأتاسي ببيان مؤرخ في 17 آذار 1937، رحب فيه بالوفد وأكد على "ولاء العلويين والمسيحيين القومي وتضامنهم مع سورية"، معتبراً حقوقهم "حقاً مقدساً" وجزءاً لا يتجزأ من الحقوق السورية. في هذه الأثناء، لم تتوقف "زمرة الانفصال" عن محاولاتها، فشكّلت وفداً لمقابلة المفوض السامي وأصدرت بياناً للشعب العلوي حذرتهم فيه من أن الوحدة ستؤدي إلى "العسكرية الإجبارية" و"طرد المتطوعين العلويين الأربعة آلاف" و"استعبادكم واحتقار كرامتكم". وقدمت برنامجاً من 12 بنداً يتضمن إرجاع اسم الدولة العلوية، وتوسيع صلاحيات المجلس النيابي، وإلغاء ضرائب، ومنع التبشير، واعدين بحماية مصالحهم تحت راية الاستقلال.
لم تقتصر الحركة المعارضة على الأحزاب والزعماء، بل امتدت إلى تأسيس "رابطة الشباب المسلم العلوي" في مدينة اللاذقية بتاريخ 24 آذار 1937، وقد ضمت نخبة من المحامين والأطباء والمهندسين. أعلنت الرابطة عن نفسها ببيان تجردت فيه عن الطائفية ودعت للوحدة الوطنية، وأرسلت كتاباً مفصلاً إلى الوفد السوري المفاوض في باريس آنذاك، شرحت فيه فشل تجربة التقسيم وأكدت أن مصالح الأقليات يمكن تأمينها ضمن سورية الموحدة ذات اللامركزية الإدارية. وعلى إثر توقيع معاهدة بين سوريا وفرنسا بتاريخ 9 أيلول 1936، أصدر المفوض السامي قراراً بضم منطقة اللاذقية إلى الحكومة السورية مع نظام إداري ومالي خاص، وعُيِّن مظهر رسلان محافظاً ممتازاً. وقد استُقبل هذا القرار بأهازيج شعبية تجسد التلاحم السني العلوي، ومنها أغنية تقول: "إسلام وعلويه خلوه يسافر على بلاده بصاية الوحدة السوريه".
مع ذلك، لم تنتهِ المشاكل بعد الضم. يتناول الفصل بعد ذلك فترة ولاية المحافظ إحسان الجابري الذي، حسب النص، اتبع سياسة "تمزيق العلويين وضربهم بعضهم ببعض" من خلال العزف على وتر العشائرية. أدى ذلك إلى شكاوى متزايدة، وجَّه فيها العلويون مطالبهم إلى الحكومة وفي مقدمتها توسيع اللامركزية وتوسيع صلاحيات المجلس الإداري. تزامنت هذه التوترات مع حادثة مقتل شخص إسماعيلي في مصياف يوم الأحد 29 تشرين الأول، مما هاج الإسماعيليون واتهموا العلويين، وردّ الجابري باعتقال شخصيات علوية بارزة لا علاقة لهم بالحادث، كـ الشيخ سليمان العلي والشيخ منصور العيسى. ردّ العلويون بعقد اجتماعات ورفعوا مذكرات يطالبون فيها بإطلاق السراح وإعادة المسؤولين إلى وظائفهم، مهددين بالعصيان المدني إذا لم تستجب الحكومة. أدى هذا الضغط إلى إطلاق سراح الموقوفين، لكن الجابري استمر في سياساته العدائية، مما دفع وفداً من كبار الزعماء العلويين، مثل إبراهيم الكنج وسليمان المرشد، إلى مقابلة المفوض السامي في بيروت في 18 كانون الثاني 1939، طالبين بلامركزية واسعة ضمن الاتحاد السوري وبتغيير المحافظ. وقد وضعوا شروطاً للانضمام إلى سورية تتعلق ببقاء حدود المنطقة، وتعيين موظفيها من أبنائها، وأن يكون المحافظ من خارج المنطقة بموافقة المجلس العلوي، وتمثيلهم في الحكومة المركزية.
بتصاعد الأحداث، يُظهر الفصل كيف أن فرنسا التي كانت تعد العودة لفصل المنطقة، عادت في شباط 1939 وأصدرت قراراً بتولي المفوض السامي صلاحيات الأمن في المحافظة، ثم قراراً آخر بفصل اللاذقية عن سورية وإعادتها دولة مستقلة، وعيّنت شوكت العباس محافظاً لها. لكن مع دخول قوات الحلفاء (البريطانية والفرنسية الحرة) إلى سورية، أعلن الجنرال كاترو عن استقلال سورية، وفي 10 كانون الأول 1941 تم احتفال رسمي بانضمام اللاذقية وجبل الدروز إلى سورية. بقيت مسألة تسليم الجيش الفرنسي للحكومة السورية عالقة، مما أثار مظاهرات في اللاذقية في مايو 1943. وتوج هذا الحراك بحادثة مأساوية في 5 تموز 1943 عندما صدمت سيارة عسكرية فرنسية دراجة هوائية، ليرد الجنود الفرنسيون بإطلاق نار عشوائي حصد أرواح 10 أشخاص وأصاب 8 آخرين. وفي لحظة تاريخية فارقة، أذاع مشايخ العلويين بياناً مؤثراً في 10 تموز 1943، أعلنوا فيه تمسكهم بالوحدة العربية، مؤكدين أن "العروبة وحدها هي الحقيقة الخالدة" وداعين إلى "التخلص من أولئك الذين حاولوا أن يقبضوا على كل معالم النبل والعبقرية".
يختتم الفصل بمرحلة ما بعد الاستقلال، ويُسجّل خيبة أمل العلويين من حكومة الكتلة الوطنية. فبعد أن كانت في المعارضة ووقفت معهم، ما إن تسلمت السلطة حتى "قلبت لهم ظهر المجن" وأساءت معاملتهم ومارست ضدهم سياسة "التضييق والتوقيف التعسفي". وقد تحدث عن هذه المعاناة النائب أكرم الحوراني في مجلس النواب. ردّاً على ذلك، رفع زعماء العلويون مذكرتين طويلتين إلى محافظ جبل العلويين، تعدان وثيقة احتجاجية شاملة. المذكرتان، اللتان حملتا توقيعات زعماء مثل إبراهيم الكنج (زعيم عشائر الحدادين) وسليمان المرشد (نائب في البرلمان) ومنير العباس وعزيز هواش، وصفّتا بالتفصيل سياسات التمييز والإذلال التي تعرض لها العلويون. فقد اتهمت الحكومة بإحياء النعرات الطائفية والعشائرية، واستخدام العنف والإرهاب ضدهم، وجعل القضاء والإدارة والدرك أدوات في يد "هيئات سياسية" غير مسؤولة تعمل لصالح أهداف حزبية ضيقة. واستنكرت بشدة ممارسات "القاضي الداعية" لتكفير المسلمين العلويين، واستعمال "الفلق" في العقوبات، وتشجيع موظفين إداريين على "القتل والسلب والنهب". وخُتمت المذكرتان بمطالبة صريحة بالعدل والمساواة وسياسة قومية عربية أصيلة، مؤكدتين أن بقاء الوضع على ما هو عليه سيكون بمثابة "حرب على الأمة" و"خيانة سوداء". الفصل، بهذا، لا يقدم سرداً تاريخياً محايداً فحسب، بل يقدم أيضاً وثائق نادرة تعكس صوت العلويين في مرحلة حاسمة، وتحولهم من أداة في لعبة الاستعمار إلى قوة سياسية وطنية تطالب بحقها في دولة موحدة.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن الفصل يقدم حجة قوية ومفسّرة لموقف العلويين التاريخي. فهو يبرر تحالفهم الأولي مع فرنسا كخيار وجودي في محيط متقلب، لكنه يفضح وبشكل واضح فشل هذا الخيار وسقوطه أمام التطلعات القومية. الدعوة إلى الوحدة لم تكن مجرد رد فعل، بل كانت، وفقاً للنص، تعبيراً عن نضج سياسي ووطني لدى النخب العلوية التي أدركت أن حريتها الحقيقية لا تتحقق إلا ضمن سورية المستقلة. اعتماد الفصل على الوثائق والمراسلات الأصلية يمنحه مصداقية وأهمية خاصة. ورغم أن النص منحاز بشكل واضح إلى الرواية الوحدوية الوطنية، إلا أن هذا الانحياز يُعزى إلى طبيعة الوثائق التي يعتمد عليها، والتي هي في معظمها من إنتاج تلك النخب نفسها. الفصل يلتزم الصمت نسبياً حيال الدوافع المعقدة للسياسة الفرنسية أو الانقسامات الداخلية داخل المجتمع العلوي نفسه، مما يترك القارئ أمام سردية واضحة ومباشرة لكنها قد تكون بحاجة إلى قراءة نقدية في سياقها التاريخي الأوسع.
3.النشاط الفكري والثقافي عند العلويين137–170▼ résumé
ملخص فصل «النشاط الفكري والثقافي عند العلويين» من كتاب "تاريخ العلويين وقائع وأحداث" لهاشم عثمان
يتناول هذا الفصل النشاط الفكري والثقافي للعلويين عبر مراحل تاريخية متعددة، ويقدم المؤلف إجابة عن سؤال محوري هو: كيف تطور الإنتاج الفكري والأدبي عند العلويين، ومن هم أبرز رجالاته، وما العوامل التي ساعدت على ازدهاره أو أعاقته؟ يسير الفصل خطوة بخطوة وفق تسلسل زمني، مقسماً تاريخ العلويين الفكري إلى ثلاث مراحل رئيسية: المرحلة الأولى (العهد المملوكي)، والمرحلة الثانية (العهد العثماني)، والمرحلة الثالثة (العصر الحديث).
يبدأ الفصل بالمرحلة الأولى، ويقدمها من خلال التعريف بأبرز الشخصيات الفكرية. يذكر المؤلف أن هذه المرحلة شهدت ظهور عدد من العلماء والشعراء، ويبدأ بـ الخُصيبي الذي يُعتبر شخصية محورية، وله مؤلفات مهمة مثل "مجموع الأعياد" الذي نشره المستشرق الألماني شتروتمان في هامبورغ سنة 1945-1955. ويوضح أن هذا الكتاب يتناول الأعياد والمناسبات عند العلويين وما ترمز إليه من تأويلات، ومنها شهر رمضان، ويوم عاشوراء، ويوم التاسع من شهر ربيع الأول، وليلة نصف شعبان، وليلة الميلاد (الرابعة والعشرون من كانون الأول). ثم ينتقل إلى شخصية أخرى هي الخَصِيبي نفسه، واسمه الكامل عماد الدين أبو الحسن أحمد بن جابر بن جبلة بن مالك الغساني، المعروف بالشيخ المُهَلَّبِي، المتوفى سنة 567هـ (1171م)، وكنيته "الغساني" تدل على أصوله من الغساسنة.
بعد ذلك، يتناول المؤلف شخصيات أخرى من علماء الغساسنة، منهم يحيى بن يحيى بن قيس الغساني، سيد أهل دمشق في وقته والمتوفى سنة 231هـ (846م)، ومحمد بن الفيض الغساني، محدث دمشق المتوفى سنة 295هـ (907م)، وعلي بن أحمد بن يوسف الغساني المتوفى سنة 578هـ (1182م)، وعبد العزيز بن لطيف الأزدي الغساني المتوفى سنة 670هـ (1271م). ويخص بالذكر الشيخ أحمد الغساني، الذي يصفه بالقوي في العلوم والمناظرة، ومن آثاره كتاب "مسائل نصر بن جبلة" وتوفي سنة 551هـ (1156م) أو 557هـ، وبعد وفاته بسبعين سنة قام أحمد بن مخلوف ببناء ضريحه. ولإعطاء القارئ فكرة عن أسلوبه البليغ، يورد المؤلف نص وصيته كاملة، وهي وصية تحث على معرفة الله، ومحافظة الإخوان، والصدق، والصمت إلا عن علم، والتواضع، واجتناب المحظورات.
ويواصل الفصل استعراض الشخصيات، فيذكر حاتم الجديلي، المعاصر للشيخ المكزون السنجاري (توفي 1140م)، والذي قضى عمره في دير الشيخ عيسى واستوطنه سنة 1141م، وله رسالة بعنوان "التجريد" رد فيها على الحلوليين. ثم ينتقل إلى حسن بن محمود الأجرودي العاني الحمودي، وأصله من عانة في العراق، وقد سافر إلى مصر وقضى شطراً كبيراً من عمره في اللاذقية وتوفي فيها سنة 875هـ (1470م). ويصفه المؤلف بأنه شاعر، وقد نشر له المستشرق كليمان هوار قصيدته التي لغتها العامية بعنوان "الناطنية"، ويورد المؤلف نصاً طويلاً من قصائده التي تتضمن مدحاً وخمرية وأموراً دينية. كما يذكر أن للأجرود شعراً فصيحاً في غاية الرقة، ومنه قصيدة الموت المؤثرة التي يصف فيها لحظات الاحتضار والدفن وما بعدها، وكأن الشاعر يخاطب نفسه في مشهد درامي.
ويختتم المؤلف شخصيات هذه المرحلة بـ الشيخ سلمان بن علي الفنيتقي، المعاصر للأجرود، والمولود في قرية الفنيتق شمال شرق القدموس، والمتوفى فيها. ومن قصائده "الملحمة" التي نظمها آخر حياته، ويورد المؤلف منها مقتطفات طويلة تصف أحداثاً مستقبلية وفتناً وحروباً، وتذكر أسماء مدن مثل حلب وحمص والشام، وتاريخاً يشير إلى سنوات مثل "تسع وسبعين" و**"أربعين عام"** و**"ثمانين عام"، وتتحدث عن ظهور "جرو الذئب" و"جرو النمر". من المؤلفات التي وصلت من هذه المرحلة، يذكر "سِياحة خليل" و"سِياحة سليمان"** و**"مجموع الأعياد"** و**"مسائل نصر بن جبلة"** و**"التجريد"**.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى المرحلة الثانية (العهد العثماني) والتي تمتد من عام 1516م (تاريخ استيلاء السلطان سليم الأول على سورية) إلى تشرين الثاني 1918م (تاريخ نزول الفرنسيين باللاذقية). ويلاحظ المؤلف أن معلوماتنا عن هذه المرحلة الطويلة (أكثر من 400 سنة) محصورة بالمئتي سنة الأخيرة. تميزت هذه المرحلة بكثرة عدد المؤلفين من رجال الدين، وكل مؤلفاتهم شعراً ونثراً ذات طابع ديني بحت يدور حول التوحيد. يبدأ باستعراض الأعلام، منهم حسن سلطانة (توفي 1871م)، وهو شاعر مجيد وشعره أقرب إلى العامية، ويعبر عن حزن ولوعة بسبب وفاة أبنائه التسعة. وله قصيدة لامية يصف فيها مظالم العهد، ومطلعها: "الحمد لله ما أبدى الصباح...". ومنهم سليمان بيصين (1795-1871م) وله رسالتان وديوان شعر، ومحمود بعمره (توفي 1852م) وله كتب كثيرة، وإبراهيم مرهج (1840-1895م) وله مصنفات منها "رسالة الشهاب الثاقب"، وسليمان عين الكبيرة (1789-1889م) وله ديوان شعر ورسائل، ورمضان سلمان (1816-1900م) وله ديوان شعر ورسائل، وداود الخطيب (توفي 1899م)، وغيرهم كثيرون.
ويقدم الفصل ثبتاً بعناوين الكتب والرسائل التي وصلت من هذه المرحلة وأسماء مؤلفيها، مثل "رسالة في علم التوحيد" للشيخ حسن سلطانة، و**"سياحة خليل"** للشيخ خليل النميلي، و**"رسالة الشهاب الثاقب"** للشيخ إبراهيم مرهج، و**"حديقة الأدب"** للشيخ علي بدره القاضي، و**"الدر النضيد في علم التوحيد"** للشيخ رمضان سلمان، و**"نزهة الناظر في مناقب الأبرار"** للشيخ يوسف عين الكبيرة، و**"الأدب المفيد"** للشيخ سليمان يوسف عين الكبيرة، و**"التضريع"** للشيخ خليل النميلي. ويؤكد أن معظم هذه المؤلفات ما زالت مخطوطة. ويخصص المؤلف فقرات لأهم دواوين الشعر، مثل ديوان محمود بعمره، وديوان محمد حسن الجنجانية، وديوان الشيخ علي بدره القاضي، وديوان الشيخ أحمد حرفوش، وديوان التضريع. وينشر قصيدتين من ديوان التضريع نشرهما المستشرق الفرنسي هوار، الأولى دينية تتوسل إلى الله وتنتهي بالإشارة إلى نسب الشاعر: "إلى ابن مكزون انتسابي وكنيتي"، والثانية قصيدة غزلية صوفية تصف محبوباً يرمز للذات الإلهية. ويختتم هذه المرحلة بـ الشيخ إبراهيم عبد اللطيف (1841-1921م) الذي كان صاحب مجلة "العرفان" وتوفي وهو في ريعان شبابه تاركاً تراثاً فاخترمه الموت قبل أن يتمه، ومن آثاره شرح ديوان الغريب للخصيبي، وشرح الرسالة الشامية للخصيبي، وشرح ديوان المنتجب العاني، وله شعر في التخميس والتغزل ومديح آل الرسول.
أما المرحلة الثالثة (العصر الحديث) فتبدأ من تشرين الثاني 1918م بنزول الفرنسيين ونشوء الدولة العلوية في 1920م، وتنتهي في نيسان 1946م بجلاء آخر جندي أجنبي. ويؤكد المؤلف أن أهم ما ميز هذه المرحلة هو خروج العلويين من عزلتهم ومشاركتهم في الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية، وراحوا ينشرون ثمرات أقلامهم في الصحف والمجلات، وكانت انطلاقتهم فاتحة ازدهار. ويعدد المؤلف العوامل التي ساهمت في هذا الازدهار، وأولها انتشار التعليم، حيث كان التعليم قديماً يتم على طريقة "تحت السنديانة"، ثم اهتم المتصرف ضياء بك ببناء المدارس، وسبقه المرسلون الأميركان الذين افتتحوا العديد من المدارس في جبال العلويين ابتداءً من العام 1894م. ولما احتل الفرنسيون البلاد سنة 1920م اهتموا ببناء المدارس الابتدائية للذكور والإناث في جميع أقضية الساحل السوري، ومنها مدارس تابعة للإرساليات الدينية الأجنبية مثل اليسوعيين والروم الكاثوليك والموارنة والبروتستانت، ورغم أن غايتها التبشير، إلا أنها ساهمت في تخريج أجيال من المثقفين.
العامل الثاني هو دور مجلة "العرفان" التي لعبت دوراً بارزاً في النهضة الثقافية، وفتحت صفحاتها لمثقفي العلويين وأدبائهم، ونشرت لأعلام مثل الشيخ سليمان الأحمد، والشيخ إبراهيم عبد اللطيف، والشيخ يوسف إبراهيم، وبدوي الجبل، وفتاة غسان (ابنة الشيخ سليمان الأحمد وأخت بدوي الجبل)، وغيرهم. ويلي "العرفان" في الأهمية مجلة "الأمالي" للدكتور عمر فروخ. العامل الثالث هو ظهور الصحف والمجلات التي أصدرها علويون، وأولها "الصدى العلوي" لصاحبها عابد جمال، ظهرت في اللاذقية في 17 نيسان 1936م وعاشت ثلاث سنوات. ثم ظهرت مجلة "العلوي" لصاحبها برهان الدين مصري، وهي مجلة سياسية أدبية نصف شهرية صدرت بالعربية والفرنسية في 15 أيلول 1937م، وبعدها صدرت "الأماني" لإبراهيم عثمان في مطلع تشرين الأول سنة 1941م. وبعد ست سنوات من احتجابها، أصدر الدكتور وجيه محي الدين مجلة "النهضة" في تشرين الثاني 1946م، والتي اهتمت بالشأن العلوي ونشرت أسماء كثيرة، وأصدرت عدداً خاصاً ممتازاً عن العلويين في تموز 1947م. وآخر صحيفة صدرت هي "صوت الحق" التي كانت امتداداً لـ"الصدى العلوي"، وعاشت أكثر من سنتين.
ويخلص المؤلف في نهاية الفصل إلى استخلاص عدة ملاحظات حول هذه المرحلة. أولها: كثرة عدد الأدباء والمفكرين العلويين الذين لم يتعلموا في مدارس أو جامعات بل علموا أنفسهم بأنفسهم. ثانيها: مشاركة المرأة العلوية في الحركة الأدبية، حيث كانت فاطمة سليمان الأحمد (فتاة غسان) أول فتاة علوية برزت في سماء الإبداع الأدبي ونشرت قصائدها في "العرفان" و"النور" و"الأماني"، ويعتبر المؤلف أن شعرها أرقى من شعر معاصرتها ماري عجمي، وينشر لها قصيدتها الطويلة التي تصف الحنين إلى القرية. كما ظهرت أديبات أخريات مثل حليمة رمضان وخديجة الحامد وحليمة عطا الله ومارية عمران، ويلاحظ المؤلف مع الغرابة أنه لم يجد لأية أديبة من بنات المدن. ثالثها: أن الشعر كان مجال إبداع الأدباء العلويين، وجاء المقال في المرتبة الثانية. رابعها: أن الشيخ سليمان الأحمد كان أول شخصية من الساحل السوري تحظى بحفل تأبين كبير في سورية ولبنان. خامسها: أن أهم المؤلفات بقيت مخطوطة ولم تنشر. ويقدم الفصل جدولاً بالأعمال المنشورة والمخطوطة مع أسماء المؤلفين وتواريخ النشر، مثل "تاريخ العلويين" لمحمد أمين غائب الطويل و**"الشفق"** لبدوي الجبل و**"جبل الإلهام"** لأحمد سليمان الأحمد و**"تاريخ الثورة العلوية"** لمحمد عباس وغيرها. ويؤكد الفصل في الختام على ضياع الكثير من آثار أدباء العلويين المنشورة في الصحف والمجلات والتي لم تجمع بعد.
4.وقفة مع كتاب تاريخ العلويين178–230▼ résumé
يُخصّص هذا الفصل من كتاب "تاريخ العلويين وقائع وأحداث" لـهاشم عثمان لمراجعة نقدية شاملة لكتاب "تاريخ العلويين" لمؤلفه محمد أمين غالب الطويل، الذي يُعدّ من المراجع الأساسية عن الطائفة العلوية. الموضوع المحوري للفصل هو تفنيد الأخطاء التاريخية والمغالطات والتناقضات التي وقع فيها الطويل، والتي يراها عثمان عديدة وخطيرة، مما يجعل الكتاب غير موثوق به على الرغم من شهرته. يقدم الفصل إجابةً واضحةً مفادها أن كتاب الطويل يفتقر إلى الدقة العلمية والأمانة التاريخية، ويعتمد على الادعاءات غير الموثقة والتفسيرات المغلوطة للأحداث والشخصيات.
يسير الفصل عبر سلسلة من النقاط المنظمة، حيث يبدأ بمناقشة التناقض الأساسي في تعريف الطويل للعلويين. يوضح عثمان أن الطويل يخلط بين "العلويين العرب" (النصيرية) وبين الشيعة الإثني عشرية، فمرةً يجعلهم متطابقين ومرةً يجعل النصيرية جزءاً منهم، ويصفهم في موضع آخر بأنهم مذهب مستقل. هذه التناقضات، بحسب عثمان، تجعل المقدمة المنهجية للكتاب مشوشة وتؤثر على مصداقيته.
ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تفنيد ادعاء الطويل بأن شخصيات إسلامية شهيرة كانت "علوية" بالمعنى الخاص الذي يستخدمه. يذكر عثمان أسماءً مثل المهلب بن أبي صفرة، موسى بن نصير، محي الدين بن عربي، والخلفاء الفاطميين، ويؤكد أنه لا يوجد دليل تاريخي على انتمائهم للطائفة العلوية (النصيرية)، بل إن الأدلة المتوفرة تنفي ذلك. فعلى سبيل المثال، يوضح أن المهلب بن أبي صفرة كان من أمراء معاوية بن أبي سفيان، وموسى بن نصير عاش مرتبطاً بالبيت المرواني قبل ظهور النصيرية بزمن طويل. ويستخدم عثمان مثالاً قوياً بتفنيده لادعاء أن المؤرخ أبي الفداء كان علوياً، حيث يورد نصوصاً من كتاب أبي الفداء نفسه يشتم فيها النصيرية ويلعنهم، مما يثبت عكس ادعاء الطويل تماماً.
ثم يحلل الفصل بالتفصيل المغالطات التاريخية في الكتاب، متبعاً تسلسلاً من النقاط المرقمة. على سبيل المثال، ينفي عثمان أن تكون معركة الزاب (132هـ / 750م) بين الأمويين والعلويين، مؤكداً أنها كانت بين مروان بن محمد والعباسيين. ويناقش رواية الطويل عن نكبة البرامكة وهجرة العلويين، مبيناً أن هارون الرشيد لم يقتل جميع البرامكة كما يُشاع، وأن عشيرة الخياطين لم تكن موجودة في ذلك الزمن. كما يصحح معلومات عن القائد الفاطمي جعفر بن فلاح، مشيراً إلى أن المصادر التاريخية تجمع على أنه هو من فتح دمشق وليس ابنه سليمان.
يخصص الفصل مساحة كبيرة لنقد ما كتبه الطويل عن شخصية الحسين بن حمدان الخصيبي، الذي يصفه بأنه المعلم الروحي للسلالات الحاكمة كالحمدانيين والبويهيين والفاطميين. يستخدم عثمان أدلة تاريخية دامغة لتفنيد هذا الادعاء، مركزاً على التباين الزمني والمكاني بين الخصيبي وهذه السلالات. فعلى سبيل المثال، يوضح أن عبد الله المهدي، مؤسس الدولة الفاطمية، غادر الشام قبل أن يدخلها الخصيبي بـ 27 سنة، مما يجعل من المستحيل أن يكون قد تلقى علومه منه. كما يثبت أن عضد الدولة البويهي كان عمره سنة واحدة فقط عندما توفي الخصيبي، وأن الدولة الحمدانية تأسست عندما كان الأخير في آخر أيامه. ويستنتج عثمان أن ادعاءات الطويل حول نفوذ الخصيبي هي مبالغات لا تدعمها أي وثائق تاريخية.
ينتقل الفصل لاحقاً لنقد معلومات الطويل عن الإمارات العلوية. يرفض بشكل قاطع رواية أن إسماعيل بن خلاد كان يحكم اللاذقية ويخطط لحفر ترعة فيها في عام 447هـ، مستنداً إلى شهادة الرحالة ابن بطلان الذي وجد المدينة تحت حكم الروم في نفس العام. وبالمثل، يُفند رواية تأسيس الإمارة التنوخية باللاذقية في عام 477هـ، موضحاً أنها تأسست في عام 234هـ على يد يوسف بن إبراهيم التنوخي، وأن الشاعر المتنبي زارها وهي في أوج عزها عام 337هـ، أي قبل التاريخ الذي ذكره الطويل بمئة وأربعين عاماً.
يتضمن الفصل أيضاً نقداً لمعلومات الطويل عن الحملة العسكرية لـالمكزون السنجاري، حيث يشكك في صحتها ويشير إلى أنها لم ترد في أي من المصادر التاريخية المعاصرة لتلك الفترة، لا العربية ولا الإسماعيلية. يقترح عثمان تفسيراً بديلاً مفاده أن ما حدث لم يكن حملة عسكرية بقدر ما كان نزوحاً جماعياً استيطانياً، وأن "سنجار" التي جاء منها المكزون ليست بالضرورة جبل سنجار الشهير بل قد تكون قرية قريبة من اللاذقية. في الختام، يناقش الفصل تقسيم الطويل للعشائر العلوية، منتقداً معاييره ويستعرض تناقضاته حول أصول بعض العشائر مثل الحدادين، بني علي، والجرانة، مؤكداً أن الانقسام العقائدي الحقيقي هو بين الكلازية والحيدرية وليس بين تلك العشائر الوهمية.
لا يقر عثمان بوجود تحفظات أو أسئلة مفتوحة في عمل الطويل، بل يعتبر كل ما ورد فيه من معلومات خاطئة بمثابة "تخرصات وأوهام ومغالطات" متعمدة. الإشارة الوحيدة إلى أمر قابل للنقاش هي عندما يعترف بأن قصة هجرة المكزون السنجاري قد تكون صحيحة، لكنه يقدم تفسيراً مغايراً لطبيعتها وموقعها، معترفاً بصعوبة إثبات عدم حدوثها بشكل مطلق. في الفقرة الأخيرة فقط، يبدي عثمان رأيه بوضوح، معرباً عن أسفه لأن هذا الكتاب، رغم أخطائه الجسيمة، لا يزال يُعتبر مرجعاً مهماً عن العلويين، ويرجح أن السبب هو كونه أول كتاب يُنشر عن الطائفة.
5.وقفة مع كتاب العلويون من هم وأين هم231–249▼ résumé
هذا الفصل من كتاب "تاريخ العلويين وقائع وأحداث" لهاشم عثمان هو ردّ تفصيلي ونقدي على كتاب "العلويون من هم وأين هم" للمنير الشريف. الموضوع المحوري هو تفنيد الروايات التي يقدمها الشريف حول تاريخ العلويين وهجراتهم وطوائفهم وأصول تسميتهم، وذلك بالاعتماد على النصوص التاريخية ومنطق التسلسل الزمني والمراجع الأخرى. يقدم المؤلف إجابات واضحة مفادها أن كثيراً مما أورده الشريف غير دقيق تاريخياً، ومتناقض مع المصادر المعروفة، ومبني على استنتاجات غير موثقة.
يسير الفصل على شكل نقاط متتابعة، يبدأ كل منها باقتباس من كتاب الشريف ثم يتبعه تفنيد للمؤلف. يبدأ الفصل بمناقشة "الهجرات" الست التي ذكرها الشريف للعلويين إلى جبال اللاذقية. في الهجرتين الأولى والثانية، يستغرب المؤلف كيف يمكن أن تكونا "قبل المسيح ومحمد" والعلويين ينتسبون إلى محمد بن نصير الذي عاش بعد النبي بقرون. ويذكر أن الأدلة تثبت ظهور النصيرية كفرقة في أواخر القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، مما يجعل أي هجرة قبل ذلك مستحيلة زمنياً. أما عن الهجرة الثالثة المتعلقة بـ "العشيرة البغدادية" (الخياطية) وانتقالهم إلى بانياس في أربعمائة للهجرة، فينتقد المؤلف عدم ذكر الشريف لمصادره التي قرأ فيها هذا الكلام، ويقارن ذلك بأسلوب المؤرخين القدماء الذين كانوا يكتبون "قالوا" دون تسمية، مما يجعل المعلومة غير قابلة للتحقق. ويوضح المؤلف أن أول هجرة جماعية مسجلة للعلويين كانت من وادي التيم في أوائل القرن الحادي عشر الهجري نتيجة حروب دامية، وأن عشيرة الخياطية ليست كما وصفها الشريف بل تنتسب إلى الشيخ علي الخياط الذي عاش في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي).
يواصل المؤلف تفنيده لرواية الهجرة الرابعة والخامسة والسادسة. عن الهجرة الرابعة المرتبطة بـ الأمير حسن بن المكزون في عام 556 هـ، يشير إلى أن الموضوع نوقش باستفاضة في رد سابق ولا داعي للتكرار. وفي الهجرة الخامسة، يتناول المؤلف ما يسمى بـ "الحملة الكسروانية" التي أمر بها السلطان محمد بن قلاوون في عام 695 هـ (1296 م)، وينقد المؤلف تحريف الشريف لاسم القائد العسكري، ويؤكد أن القائد الحقيقي هو جمال الدين أقوش الأفرم وليس "أقش". ويضيف أن هذه الحملة لم تكن الثالثة كما يوهم كلام الشريف، بل سبقتها محاولات للصلح بقيادة ابن تيمية شخصياً في ذي الحجة من عام 704 هـ، ولكنها باءت بالفشل. أما الهجرة السادسة، والتي جاءت بعد انتصار السلطان سليم (التركي العثماني) في معركة مرج دابق (922 هـ - 1516 م)، فيشكك المؤلف في صحة لجوء جنود السلطان الغوري المهزومين إلى جبال اللاذقية التي تبعد كثيراً عن حلب، ويتساءل لماذا لم يلجأوا إلى الجبال القريبة الأخرى مثل الجبل الأعلى أو جبل السماق.
ينتقل الفصل لمناقشة مسألة التسمية: "علويون أم نصيرية"؟ ينتقد المؤلف قول الشريف بأن التسمية "نصيرية" ظهرت أولاً ثم تحولت إلى "علويون" في زمن الانتداب الفرنسي. ويؤكد المؤلف، بالإشارة إلى مناقشة سابقة في كتاب آخر ("علويون أو نصيرية؟")، وجود فرقة شيعية تدعى "العلوية" في المدونات التاريخية القديمة، مما ينفي أن التسمية حديثة. ثم يناقش سلسلة رجال الطريقة النصيرية التي ذكرها الشريف، فيجدها متناقضة مع ما ذكره محمد أمين غالب الطويل في "تاريخ العلويين". فالطويل يبدأ السلسلة بـ محمد بن نصير، ثم محمد بن عبد الله الجنبلاني (توفي 270 هـ - 540 م)، ثم الحسين بن حمدان الخصيبي، بينما يضع الشريف بعد ابن نصير رجالاً آخرين كـ محمد بن جندب وبختيار بن معز الدولة البويهي، مما يشكك في دقة معلوماته.
يتناول الفصل أيضاً قضايا أنساب العشائر واصطلاحاتها. يلاحظ المؤلف أن الشريف أضاف أسماء عشائر لم ترد في قوائم الطويل، مثل الدلالية والصرامطة وبيت شوفان. كما ينتقد التباس الشريف في تصنيف العشائر، فهو يعتبر بعضها "واحدة" بينما الطويل يعتبرها مستقلة، مثل المناورة والجواهرة والصوارمة، أو الخياطين مع الفقاروة والعبدية والحلبية والصرامطة. كذلك الأمر بالنسبة لعشيرة الدراوسة، حيث يعتبرها الشريف فرعاً من المناورة، بينما يراها الطويل فرعاً من الحدادية والمهالبة وبني علي والقراحلة.
في القسم الأخير من الفصل، يتحول الأسلوب من النقد التاريخي إلى عرض وثائقي، حيث يورد المؤلف نصوصاً تاريخية. يبدأ بوصف زيارة قام بها وفد علوي إلى دمشق في فترة زمنية معينة من أوائل أيام العيد، كان على رأسه عبد الله العبد الله وبولس ديبه وإبراهيم الخوري، واستقبلهم كبار زعماء البلاد مثل هاشم الأتاسي وفارس الخوري، في مظاهرات شعبية حاشدة. ثم ينتقل إلى نص مذكرة سياسية بعنوان "من لجنة القوميين العرب في محافظة جبل العلويين" موجهة إلى الحكومة المركزية. تحتوي هذه المذكرة على خطاب طويل ونضالي وشكوى من التهميش والإقصاء المتعمد، مؤكدة حرص أبناء المحافظة على استقلال سوريا ووحدتها وسيادتها، ومطالبة بالعدل واحترام الدستور. ويختتم الفصل بوثيقة أخرى هي خطاب موجه "إلى الشعب المسلم العلوي النبيل" من مجموعة "شباب مسلم علوي متعلم"، ينتقدون فيه الزعامات الأنانية التي لا تسعى لإصلاح حال الشعب في التعليم والوظائف والتسعير العادل للتبغ، ويحذرون من انتشار التبشير الديني. وينتهي الخطاب بوثيقة تعهد وقسم (ميثاق) يعلنون فيه التضامن الإقليمي ضمن محافظة اللاذقية السورية والوقوف صفاً واحداً في الانتخابات ودعم الوحدة السورية اللامركزية والاستقلال التام.
يقر المؤلف ضمنياً بحدود معرفته أو منهجه عندما يشير إلى أن بعض النقاط نوقشت بالتفصيل في كتب سابقة له، ولا يعيد الكلام اختصاراً. كما أن حجته الرئيسية في نقد الشريف تعتمد بشكل كبير على مقارنة أقواله بمصادر أخرى (خاصة كتاب الطويل) وعلى فحص منطق التسلسل الزمني، مما يجعل نقده قائماً على مرجعية مقارنة وليس مجرد رأي.
تظهر في الفصل حجج قابلة للنقاش تتعلق بالمنهجية، مثل اعتماد المؤلف بشكل كبير على كتاب واحد ("تاريخ العلويين" للطويل) كمصدر أساسي للصحة مقابل أخطاء الشريف. كما أن استخدام وثائق سياسية من فترة تاريخية معينة (رسائل لجنة القوميين العرب و"الشباب المسلم العلوي") يُظهر البعد الأيديولوجي للفصل، حيث يهدف المؤلف أيضاً إلى تقديم رواية وطنية موحدة عن العلويين تتشبث بالوحدة السورية، وهو ما يغلب على بعض أجزاء الفصل وخاصة الوثائق المطولة التي تختتم به.
Analyse & mots-clés
Lieux
Événements