تحليل الوضع السياسي للنظام السوري - خلدون سماق
يُشكّل كتاب "تحليل الوضع السياسي للنظام السوري" لخلدون سماق، الصادر عن مركز حرمون للدراسات المعاصرة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، دراسة معمقة في بنية النظام السوري وتحولات المستقبل المحتملة. يدافع المؤلف عن أطروحة مركزية مفادها أن تماسك النظام السوري الظاهر هو تماسك هشّ يشبه الزجاج، صلب أمام الضغوط لكنه قابل للتحطم بالكامل إذا ما تلقى الضربة القاسمة. لا يقوم هذا التماسك على قوة إيجابية أو شرعية شعبية، بل على عوامل سلبية تتمثل في عجز أي رجل داخل النظام عن تشكيل "مركز قوة" منافس، وخوف الطائفة العلوية من المصير الوجودي، وتشابك المصالح المادية لشريحة واسعة من المستفيدين، وغياب بديل واضح ومقنع. الإجابة التي يدافع عنها الكتاب هي أن النظام، رغم كل ذلك، غير قابل للانقلاب من داخله أو لاستبدال رأسه في المدى المنظور، إلا أن مستقبله مرهون بتحولات حاسمة في المواقف الدولية والإقليمية والميدانية.
يسير الكتاب في حجته بشكل منهجي، منتقلاً من تحليل البنية الداخلية للنظام وأسباب تماسكه، إلى دراسة مواقف القواعد الاجتماعية التي يستند إليها أو يتعامل معها. يبدأ بوصف الفرق بين نظامي الأب والابن: فتماسك نظام حافظ الأسد كان "تماسكاً بالإيجاب" مفروضاً بقوة الزعيم، بينما تماسك نظام بشار الأسد هو "تماسك بالسلب أو بالعطالة"، حيث أحاط الابن نفسه بحلقة ضيقة من الأعوان المخلصين له شخصياً، يمتلكون صلاحيات فوق المؤسسات الرسمية، مما يخلق حالة من الحذر المتبادل والتوجس في القمة. هذا الهيكل يجعل النظام أشبه بـ"سفينة واحدة" تغرقها يعني غرق الجميع. ثم ينتقل الكتاب لتحليل "حلقة ذهبية" أخرى، وهي علاقة النظام بالقوى الخارجية المحورية: إيران التي تمسك برأس النظام تحديداً لأنه يمثل "الحلقة الذهبية" في مشروعها الإمبراطوري الإقليمي، وروسيا التي تخلط بين "الدولة" و"النظام" لتعزيز دورها العالمي، مع الإشارة إلى أن التناقضات بين استراتيجيات هذه الأطراف الثلاثة (النظام، إيران، روسيا) سوف تتفاقم مع الوقت، لأن لكل منها أهدافاً عليا قد تضحي ببقاء النظام إذا لزم الأمر. أما الفصول الأخيرة فتناقش آليات القبض على مناطق السيطرة، وتفاوت أهمية أدوات القوة والترهيب والمصالح بين المناطق المختلفة، قبل أن تختتم بطرح شروط الحل السياسي الذي قد تقبله نخب النظام من دون الأسد، والذي يرتكز على ضمانات دستورية وقانونية وقوة حفظ سلام دولية.
يحتوي الكتاب على وقائع وشهادات لافتة يصعب نسيانها، منها حادثة مقتل العقيد العلوي حسان الشيخ على يد سليمان الأسد بسبب تجاوز مروري، وهي الحادثة التي أثارت غضباً عارماً في صفوف الطائفة العلوية وأدت إلى اعتصام نادر في دوار الزراعة في اللاذقية. كما يذكر المؤلف "وثيقة الابتدار العلوي" المسربة إلى بي بي سي في عام 2016، والتي تعلن رفض الطائفة العلوية الاندماج المذهبي مع الشيعة، وتتمسك بقيم المواطنة والعلمانية، وتذكّر بوثيقة 2 حزيران 1936 التي تؤكد تعلق العلويين بسورية الموحدة، متناقضة مع الوثيقة الانفصالية التي صدرت عن غير العلويين في وقت لاحق. من الأرقام المهمة التي يوردها الكتاب: أن العلويين يشكلون حوالي 12% من السكان، وأن عدد النازحين المسيحيين بلغ حوالي 450 ألف داخل سورية، وعدد ضحاياهم نحو 1200 قتيل، ودُمرت 60 كنيسة، وأفرغت 24 بلدة. كما يشير إلى أن حادثة المبعوجة، التي تبعد عن السلمية حوالي 20 كم، أرعبت جميع سكان المدينة وقادت إلى تفضيلهم النظام على تنظيم داعش.
يعترف المؤلف بحدود وتحفظات واضحة في تحليله، مؤكداً أن استنتاجاته قابلة للتفكيك والمراجعة لأنها مبنية على تحليل "ملخصات فصول" وليس النص الكامل، مع تشديده الدائم على أن المستقبل غير محسوم، وأن "المدّ القصير" قد يصبح أقصر مما هو متوقع، كما حدث في حلب التي فاجأت الجميع. يترك أسئلة مفتوحة عديدة، أبرزها: هل سيصبح الوضع الاجتماعي في المنطقة الساحلية مرشحاً للانفجار؟ وهل سيدرك النظام أن الورقة المستورة في لعبة البوكر الروسية تجعل مصيره قابلاً للتفاوض؟ وكيف ستتصرف إيران إذا قبلت روسيا بحل لا يبقي على النظام سوى لفترة زمنية محدودة؟ كما يشير بوضوح إلى أن أي حل سياسي على الورق غير قابل للتطبيق على الأرض سيفتح الباب أمام أشكال جديدة من العنف.
يمكن القول إن أقوى حجج الكتاب وأكثرها قابلية للنقاش تتمثل في مفهوم "تماسك النظام بالعطالة"، وهو مفهوم يركز على الجمود الناتج عن العجز عن التحرك، وليس عن القوة الفعلية. كما أن مقارنة النظام بـ"الزجاج" صحيحة في وصف هشاشته لكنها قد تبالغ في تصور سهولة انهياره، خاصة في ظل الدعم الروسي والإيراني المستمر. النقطة الأكثر حساسية تتمثل في رؤية الكتاب للمشروع الكردي بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي وصفه بـ"المغامرة غير المحسوبة" واتهمه بمخاطرة مستقبل الشعب الكردي، وهو موقف يتجاهل التعقيدات الميدانية والسياسية التي واجهها الحزب، وقد يعتبره البعض منحازاً لرؤية "المجلس الوطني الكردي" في مقابل خصومه. مع ذلك، يبقى الكتاب مهماً في تحليله الواقعي لشبكة المصالح والخوف التي تشكل النسيج السياسي والاجتماعي في سورية خلال واحدة من أكثر فتراتها دموية، مقدمًا مادة غنية للتفكير في تعقيدات التحول من الاستبداد إلى أي نظام آخر.