Almawred
تقرير لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا 2011 م
عربي

تقرير لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا 2011 م

ar

يقدم هذا التقرير، الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، أول تحقيق شامل حول انتهاكات حقوق الإنسان في الجمهورية العربية السورية منذ اندلاع الاحتجاجات في آذار/مارس 2011. الموضوع المحوري للتقرير هو توثيق الانتهاكات الجسيمة والمنهجية التي ارتكبتها قوات الأمن والجيش السوري ضد المتظاهرين السلميين والمدنيين، وذلك بناءً على ولاية من مجلس حقوق الإنسان في دورته الاستثنائية السابعة عشرة. الموقف الذي يدافع عنه التقرير واضح وحاسم: إن هناك أدلة دامغة على أن جرائم ضد الإنسانية قد ارتكبت، وأن الدولة السورية تتحمل المسؤولية الأولى عن هذه الانتهاكات، مما يستدعي تدخلاً دولياً فورياً لوقفها ومحاسبة المسؤولين.

تبدأ حجة الكتاب بوضع الإطار القانوني والسياسي، ثم تنتقل إلى سرد الأدلة والشهادات التي تم جمعها، وتختتم بتحديد المسؤوليات وتقديم التوصيات. يشرح التقرير في البداية ولايته، حيث كُلف بالتحقيق في جميع الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتقصي الحقائق والظروف التي قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وتحديد المسؤولين عنها قدر الإمكان. يشير التقرير إلى أن اللجنة، التي ترأسها السيد باولو بينهيرو وعضتها السيدة كارين كونينغز أبو زيد والسيد يائير منديز، لم تتمكن من دخول سوريا بسبب عدم تعاون الحكومة السورية، مما اضطرها إلى إجراء مقابلات مع 223 شخصاً (بينهم ضحايا وشهود ومنشقون عن القوات العسكرية والأمنية) خارج البلاد، في دول مثل الأردن وتركيا، وذلك بين أيلول/سبتمبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2011.

يسرد التقرير الخلفية السياسية لسوريا تحت حكم حزب البعث وعائلة الأسد، مشيراً إلى أن حافظ الأسد وصل إلى السلطة في 1970، وأعقبه ابنه بشار الأسد في 2000. يصف التقرير كيف أن قانون الطوارئ الذي ظل سارياً من 1963 أدى إلى تعليق الحماية الدستورية، وكيف أن جهازاً أمنياً ضخماً يتكون من عدة فروع (مثل المخابرات الجوية والمخابرات العسكرية وإدارة الأمن السياسي) يهيمن على المجتمع، مما أدى إلى قمع أي معارضة سياسية لعقود. هذا السياق، وفقاً للتقرير، هو الأساس الذي فهمت فيه اللجنة الأحداث اللاحقة.

ينتقل التقرير بعد ذلك إلى صلب الموضوع: سرد الأحداث والانتهاكات منذ آذار/مارس 2011. يبدأ التسلسل بانتفاضات محدودة في شباط/فبراير بسبب الفقر وقضايا محلية، تتصاعد بسرعة إلى احتجاجات واسعة تطالب بالحرية والإصلاحات. يصف التقرير كيف قوبلت هذه الاحتجاجات السلمية في البداية بقمع شديد من القوات الحكومية، بما في ذلك إطلاق النار الحي على المتظاهرين. ثم ينتقل التقرير إلى تفصيل جرائم القتل خارج نطاق القضاء، مشيراً إلى أن تقديرات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر أشارت إلى مقتل ما لا يقل عن 3,500 مدني على أيدي القوات الحكومية. ويذكر أن مدن حمص وحماة ودرعا واللاذقية شهدت أكبر عدد من الضحايا.

يقدم التقرير شهادات صادمة ومفصلة من منشقين عن الجيش والأمن. يصف أحد المنشقين كيف تلقى أوامر في أيار/مايو في مدينة تلسنة "بتفرقة الحشود أو بالقضاء على الجميع، من فيهم الأطفال". ويشهد آخرون بأن قناصة الجيش كانوا يستهدفون المتظاهرين في رؤوسهم وصدورهم بشكل متعمد، وأنهم كانوا يتعمدون قتل قادة المسيرات والأشخاص الذين يحملون كاميرات أو مكبرات صوت. كما يؤكدون أن القوات الحكومية استخدمت الدبابات والمدفعية لقصف أحياء سكنية، وأن ميليشيا الشبيحة شاركت في عمليات القمع بشكل منسق.

يتناول الجزء الأكبر من التقرير انتهاكات أخرى لا تقل فظاعة، مثل الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب. يوثق التقرير حالات اختفاء قسري بالآلاف، حيث لا تعرف العائلات مصير ذويها. أما التعذيب، فهو "ممارسة منتشرة واعتيادية"، وفقاً للتقرير، تم ممارسته في مرافق احتجاز تابعة للمخابرات الجوية والعسكرية في دمشق وحمص واللاذقية وغيرها. يصف ضحايا التعذيب تعرضهم للضرب المبرح (خاصة على باطن القدمين، وهو ما يعرف بـ"الفلقة")، والصعق بالكهرباء، والحرق بالسجائر، والتعليق في أوضاع مؤلمة، والحرمان من النوم والعلاج الطبي. الأكثر صدمة هو توثيق التقرير للعنف الجنسي، حيث يصف شهود حالات اغتصاب لرجال وفتيان، بما في ذلك اغتصاب صبي عمره 11 عاماً على يد ثلاثة ضباط أمن أمام والده، كما يوثق حالات تهديد نساء بالاغتصاب أثناء المداهمات الليلية.

لا يهمل التقرير انتهاكات حقوق الطفل، مشيراً إلى أن الأطفال عانوا بشكل خاص من القتل والاعتقال التعسفي والتعذيب. يتم سرد حادثة مقتل طفلة عمرها سنتان بالرصاص في اللاذقية في آب/أغسطس على يد ضابط قال "إنه لا يريدها أن تكبر لتصبح متظاهرة". كما تم توثيق حالات استخدام المدارس كمراكز احتجاز وتعذيب. وفي انتهاك للحق في الصحة، تشير شهادات إلى أن قوات الأمن منعت وصول الجرحى إلى المستشفيات، وهددت الأطباء الذين يعالجون المتظاهرين، بل وقتلت بعضهم في المستشفيات نفسها.

بناءً على هذه الأدلة، يتوصل التقرير إلى استنتاجاته القانونية. يؤكد أن الانتهاكات الموثقة تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الحياة، وحرية التجمع السلمي، وعدم التعرض للتعذيب، ومبدأ المحاكمة العادلة. لكن الأخطر من ذلك هو الاستنتاج بأن "جرائم ضد الإنسانية قد ارتكبت" في سوريا. الشرط القانوني لاعتبار هذه الانتهاكات "جرائم ضد الإنسانية" هو أن تكون جزءاً من "هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين". يرى التقرير أن الأدلة على التنسيق بين مختلف القوات الأمنية والعسكرية، وتكرار الأنماط القمعية في مواقع مختلفة، والأوامر الصادرة من القيادة العليا، كلها تثبت أن هذه الانتهاكات لم تكن حوادث فردية، بل كانت جزءاً من سياسة حكومية ممنهجة. ويخلص التقرير إلى أن الدولة السورية تتحمل مسؤولية دولية عن هذه الأفعال، كما يتحمل الأفراد، بمن فيهم المسؤولون العسكريون والسياسيون، المسؤولية الجنائية الفردية عنها.

يعترف التقرير ببعض القيود والتحفظات. أبرزها عدم تمكن اللجنة من دخول سوريا، مما جعلها تعتمد على مقابلات مع من تمكنوا من مغادرة البلاد، وهو ما قد لا يعطي صورة كاملة عن الوضع داخل سوريا. كما تشير اللجنة إلى صعوبة تقدير العدد الحقيقي للضحايا والمختفين بسبب استمرار العنف وعدم توفر إحصاءات رسمية موثوقة. كما تترك التقرير بعض الأسئلة مفتوحة، مثل الطبيعة الدقيقة للجماعات المسلحة المعارضة التي بدأت بالظهور (والتي لاحظت اللجنة بعض أعمال العنف منها)، مشيرة إلى أن المعلومات عنها كانت لا تزال محدودة.

يمكن القول إن التقرير يثير عدة نقاط قابلة للنقاش، على الرغم من منهجيته القوية. أولاً، اعتماد التقرير بشكل شبه كامل على شهادات ضحايا ومنشقين قد يثير تساؤلات حول التحيز المحتمل، رغم جهود اللجنة للتحقق من الشهادات عبر مصادر متعددة. ثانياً، تغاضي التقرير المبكر عن جرائم الجماعات المسلحة المعارضة، بالرغم من إشارته إليها باختصار، قابله انتقاد من الحكومة السورية وحلفائها، الذين اتهموا اللجنة بـ "تجاهل الإرهاب". ومع ذلك، فإن قوة التقرير تكمن في دقته وحذره القانوني، وعدم انحرافه عن ولايته الأساسية (التحقيق في انتهاكات الحكومة) في تلك المرحلة المبكرة جداً من الصراع. يبقى هذا التقرير وثيقة تاريخية وأخلاقية بالغة الأهمية، تكشف عن تفاصيل إحدى أحلك فصول القمع في التاريخ الحديث.